مركز الدراسات الفاطمية
مركز الدراسات الفاطمية
الإِمْتَاعُ وَالمُؤَانَسَةُ فِي خُطْبَةِ السَّيِّدَةِ الزَّهْرَاء (عَلَيْهَا السَّلَامُ) ا م د سجا جاسم محمد /م د انوار مجيد سرحان /جامعة بغداد
+ = -

الإِمْتَاعُ وَالمُؤَانَسَةُ فِي خُطْبَةِ السَّيِّدَةِ الزَّهْرَاء (عَلَيْهَا السَّلَامُ)

          ا م د سجا جاسم محمد

          م د انوار مجيد سرحان

                   جامعة بغداد

 المقدمة

  الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أفضل رسله ، وخاتم أنبيائه ، محمد وآله الطيبين الطاهرين .

وبعد ..

     مما لا شك فيه أن كلّ نصٍّ – شعريًّا كان أم نثريًّا – عند قراءته يثير لدى القارئ رغبة ما ، قد تكون هذه الرغبة إيجابية ، وقد تكون سلبية ، إيجابية تبعث السرور والمتعة في القراءة ، وتدفع بالقارئ إلى مواصلة القراءة للوصول إلى نهاية النص والتمتع بما فيه من أخبار ومعلومات، ومحاولة الكشف عن خبايا الأبدع في النص المقروء . وسلبية تكون على العكس من ذلك ، مما تدفع بالقارئ إلى ترك النص وعدم إكمال قراءته ، إذ معنى هذا كله أن النص الايجابي أو الذي أثار الرغبة الإيجابية تميز بصفات وخصائص كانت سببًا لإثارة تلك الرغبة الإيجابية ، وبمعنى آخر إن هذا النص قد توافرت فيه عناصر الإمتاع ، والمؤانسة ، والإبداع . وخطبة السيدة الزهراء (عليها السلام) من النصوص النثرية التي تتميز بالإمتاع والمؤانسة ، ومعنى هذا أنها انمازت بخصائص ، ومميزات أدت بها إلى أن ترتقي إلى هذا المستوى من الإمتاع والمؤانسة . ولهذا كله جاء بحثنا الموسوم بـ ( الإِمْتَاعُ وَالمُؤَانَسَةُ فِي خُطْبَةِ السَّيِّدَةِ الزَّهْرَاء ــــ عَلَيْهَا السَّلَامُ ـــ ) ، للوقوف على تلك الخصائص والمميزات في الخطبة . 

التمهيد :-

أولاً : مفهوما الإمتاع والمؤانسة :

نقول (إمْتَاعٌ ) من الفعل ( متع ) ، وهو مصدر (أَمْتَعَ ) ، نقول : الإمْتَاعُ بِالصِّحَّةِ بمعنى التَّمَتُّعُ بِهَا ، ونقول : الإمْتَاعُ بِالْمَالِ بمعنى الانْتِفَاعُ بِهِ .  والإمْتَاعُ والْمُؤانَسَةُ هي مَنْحُ الْمُتْعَةِ (1) .

أما المؤانسة من (آنس) ، فنقول آنسه بمعنى لاطفه وجعله يشعر بالأنس والألفة ، وجاء قولهم: يؤانس ، مؤانسةً ، فهو مؤانِس ، والمفعول مؤانَس . ونقول : آنَس صديقَه أزال وحشتَه وأدخل إليه الطُّمأنينةَ والأنسَ(2) .

إذن الإمْتَاعُ والْمُؤانَسَةُ هي مَنْحُ الْمُتْعَةِ ، والأنس ، والطُّمأنينةَ ، مع الانتفاع .

ثانياً : لمحة عن الخطبة

   مما لاشك فيه أن الخطابة هي ” فن مشافهة الجمهور وإقناعه واستمالته”(3) ، عن طريق السمع والبصر ، وهذا يعني أن القدرة على النظر في كل ما يودي سيكون أساس في هذا الفن ، لغرض الإقناع والتأثير ونقل السامع من موقف إلى آخر ومن عقيدة إلى أخرى فضلا عن الإمتاع والمؤانسة فيما يسمع . والخطبة التي بين أيدينا من ذخائر بيت النبوّة وممّا يحتجّون به ، ويحرصون عليه ، ومن المحفوظ الشائع المتواتر عنهم ، الذي كان قد كُتِبَ له البقاء والاستمرار، ومما قيل في الخطبة ” إنّها من محاسن الخطب وبديعها ، عليها مُسحة من نور النبوّة ، وفيها عبقة من أرج الرسالة ، وقد أوردها المؤالفُ والمخالف”(4) .  وقد ألقت السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) هذه الخطبة العصماء في مسجد رسولِ الله(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد وفاته ، في موقف صعب يتطلب القوة والصلابة في الدفاع عن حقها الذي منعت منه . أمام حشد من المجتمع من أصحاب الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) من الأنصار والمهاجرين ، وقد اتسمت الخطبة بسمات النصّ المعتبر ، ومقام الرفعةّ والخلود ، وقد انطلقت من معين الشريعة المحمديّة الخالدة ، ومن فكرها الثرّ .

الدراسة :-

أولاً :- قراءة النص

   أول ما يمكن ملاحظته لدى معظم من روى الخطبة ومناسبتها الوصف الدقيق لخروج السيدة الزهراء (عليها السلام) بقولهم : ” لمّا بلغ فاطمة (عليها السلام)  إجماع أبي بكر على منعها فدكَ ، لاثتْ خِمارَها ، واشتملتْ بِجِلبابِها ، وأقبَلَتْ فِي لُمّةٍ مِنْ حَفَدَتِها وَنِسَاءِ قَومِهَا ، تَطَأُ ذُيولَها ، مَا تَخْرِمُ مشيَتُها مشْيَةَ رَسولِ اللهِ  (صلى الله عليه وآله وسلم) شَيئاً ، حتى دَخلتْ على أبِي بكرٍ وهوَ في حَشْدٍ مِنَ المهاجرِينَ والأنصارِ ، فضُربَ بينها وبينهم ريَطةٌ بيضاءُ … ثم أنَّتْ أنَّةً أجهشَ القومُ لها بالبكاءِ ، وارتجَّ المجلسُ ، فأمْهَلَتْ (هُنَيْئَةً) حتى سَكَنَ نَشيجُ القومِ وَهَدَأَتْ فَوْرَتُهُم”(5) . فهذا هو تهيئة للحدث برسم صورة قوية للمتحدث والمطالب بالحق ، مع تهيئة السامعين ولفت انتباههم عن طريق ذلك الوصف ، ولم يكتفِ بوصف هيئة السيدة ، ومشيتها التي شبها بمشية الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وإنما نجده يدخل عنصر الصوت في ذلك المشهد لكون الصوت عنصرًا مهمَّا من عناصر اللغة ” لكونه يمنح السياق اللغوي قوة إيحائية …” (6) . لذلك حفل النص بألفاظ مثل ( أنَّتْ ، أنَّةً ، أجْهَشَ ، البُكَاء ، ارتَجَّ، سَكَنَ ، نَشِيج ، فَورَته ) ، فهذه الألفاظ تعطي السامع صورة عن الانفعالات النفسية للسيدةالزهراء (عليها السلام) ، فضلاً عما تحمله من طاقة إيقاعية صوتية ” تحمل في طياتها دفقات شعورية تتلاءم وطبيعة المتلقي الحسية “(7) .  وهي بذلك تنجح في جعل المتلقي مشاركًا لها في الحزن . ثم بعد ذلك تنتقل إلى نص الخطبة بقولها ” الْحَمْدُ للهِ عَلى ما أنْعَمَ، وَلَهُ الشُّكْرُ على ما أَلْهَمَ، وَالثَّناءُ بِما قَدَّمَ، مِنْ عُمومِ نِعَمٍ ابْتَدَأها، وَسُبُوغ آلاءٍ أسْدَاهَا، وَتَمامِ مِنَنٍ وَالَاها، جَمَّ عَنِ الإحْصَاءِ عدَدُها، وَنأى عَنِ الْجَزاءِ أَمَدُها، وَتَفاوَتَ عَنِ الإِدْراكِ أَبَدُها، وَنَدَبَهُمْ لاِسْتِزادَتِها بالشُّكْرِ لاِتِّصالِها، وَاسْتَحْمَدَ إلَى الْخَلايِقِ بِإجْزالِها، وَثَنّى بِالنَّدْبِ إلى أمْثالِها… ” (8) . فقد بدأت الخطبة بالحمد لله والثناء عليه ، وذكر صفاته ، وهو ما متعارف عليه في بدء الخطبة في العصر الإسلامي ، وجاءت الألفاظ مترابطة ومنسقة ، ومتتابعة في المعنى ، وكأنها نظمت في عقد متراصفة ، فهي بهذه التقسيمات والتوازيات الصوتية حققت الجانب الإيقاعي من جهة ، والجانب الدلالي من جهة أخرى ، إذ حملت كل لفظة من الخطبة دلالة لغوية ومعجمية ، كان لها أثرها في المتلقي . وتستمر الخطبة في بيان وحدانية الله سبحانه وتعالى والإخلاص له ، والطاعة لأوامره ونواهيه ، فهو الإله المعبود الذي لا أحد سواه ، ولا تدركه الأبصار ، فهوالخالق لكل شئ ، وبيده كل شئ ، بيده العقاب والثواب ” وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، كَلِمَةٌ جَعَلَ الإِخْلاصَ تَأْويلَها، وَضَمَّنَ الْقُلُوبَ مَوْصُولَها، وَأَنارَ في الْفِكَرِ مَعْقُولَها. الْمُمْتَنِعُ مِنَ الإِبْصارِ رُؤْيِتُهُ، وَمِنَ اْلأَلْسُنِ صِفَتُهُ، وَمِنَ الأَوْهامِ كَيْفِيَّتُهُ. اِبْتَدَعَ الأَشَياءَ لا مِنْ شَيْءٍ كانَ قَبْلَها، وَأَنْشَأَها بِلا احْتِذاءِ أَمْثِلَةٍ امْتَثَلَها، كَوَّنَها بِقُدْرَتِهِ، وَذَرَأَها بِمَشِيَّتِهِ، مِنْ غَيْرِ حاجَةٍ مِنْهُ إلى تَكْوينِها، وَلا فائِدَةٍ لَهُ في تَصْويرِها إلاّ تَثْبيتاً لِحِكْمَتِهِ، وَتَنْبيهاً عَلى طاعَتِهِ، وَإظْهاراً لِقُدْرَتِهِ، وَتَعَبُّداً لِبَرِيَّتِهِ، وإِعزازاً لِدَعْوَتِهِ، ثُمَّ جَعَلَ الثَّوابَ على طاعَتِهِ، وَوَضَعَ العِقابَ عَلى مَعْصِيِتَهِ “(9) ، والزهراء (عليها السلام) في كل ما تقدم وضحت حقيقة الإخلاص لله تعالى ، فهي الغاية التي يسعى إليها بنو البشر ، شرط أن يكون ذلك الإخلاص صادقًا بالفعل والقول ، سرًّا وعلانيةً ، وهي في ذلك تسير على خطى رسولنا الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وخطى الإمام علي (عليه السلام) فهى ” لا يلحقها لاحقٌ في هذا ، ولا يسبقها سابقٌ بعد أبيها وبعلها … “(10) ، وننتقل إلى قولها ” وَأَشْهَدُ أنّ أبي مُحَمَّداً صلّى الله عليه وآله عبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اخْتارَهُ وَانْتَجَبَهُ قَبْلَ أَنْ أَرْسَلَهُ، وَسَمّاهُ قَبْلَ أنِ اجْتَبَلَهُ، وَاصْطِفاهُ قَبْلَ أنِ ابْتَعَثَهُ، إذِ الْخَلائِقُ بالغَيْبِ مَكْنُونَةٌ، وَبِسِتْرِ الأَهاويل مَصُونَةٌ، وَبِنِهايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَةٌ، عِلْماً مِنَ اللهِ تَعالى بِمآيِلِ الأُمُور، وَإحاطَةً بِحَوادِثِ الدُّهُورِ، وَمَعْرِفَةً بِمَواقِعِ الْمَقْدُورِ. ابْتَعَثَهُ اللهُ تعالى إتْماماً لأمْرِهِ، وَعَزيمَةً على إمْضاءِ حُكْمِهِ، وَإنْفاذاً لِمَقادِير حَتْمِهِ ، فَرَأى الأُمَمَ فِرَقاً في أدْيانِها، عُكَّفاً على نيرانِها، عابِدَةً لأَوثانِها، مُنْكِرَةً للهِ مَعَ عِرْفانِها. فَأَنارَ اللهُ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَآلِهِ ظُلَمَها، وكَشَفَ عَنِ القُلُوبِ بُهَمَها، وَجَلّى عَنِ الأَبْصارِ غُمَمَها “(11) وفي هذا المقطع من الخطبة توجه الزهراء المتلقي وتذكره بالشهادة بنبوة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وهي في هذا المقطع تلجأ إلى تعبير حجاجي للتأثير في المتلقي حين نسبت ياء المتكلم في قولها ( إن أبي …)  والغرض من ذلك تبصير المتلقي إلى الفضائل التي وردت في حق النبوة للرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) فاختاره الله قبل خلق هذه الدنيا ، وقبل بعثته ، وقد بشرت به قبل أن يولد، وغاية الله سبحانه وتعالى في ذلك إتمام علم الله ، والحكم بحكمه، والنور الذي يُضيئ ظلمات الأنفس والقلوب والأبصار .

  وتستمر الزهراء (عليها السلام) في توجيه خطابها بقولها : ” أَنْتُمْ عِبادَ الله نُصْبُ أمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَحَمَلَةُ دينِهِ وَوَحْيِهِ، وِأُمَناءُ اللهِ عَلى أنْفُسِكُمْ، وَبُلَغاؤُهُ إلى الأُمَمِ، وَزَعَمْتُمْ حَقٌّ لَكُمْ للهِ فِيكُمْ، عَهْدٌ قَدَّمَهُ إِلَيْكُمْ، وَبَقِيَّةٌ استَخْلَفَها عَلَيْكُمْ. كِتابُ اللهِ النّاطِقُ، والقُرْآنُ الصّادِقُ، وَالنُّورُ السّاطِعُ، وَالضِّياءُ اللاّمِعُ، بَيِّنَةٌ بَصائِرُهُ، مُنْكَشِفَةٌ سَرائِرُهُ، مُتَجَلِّيَةٌ ظَواهِرُهُ، مُغْتَبِطَةٌ بِهِ أَشْياعُهُ، قائِدٌ إلى الرِّضْوانِ اتّباعُهُ، مُؤَدٍّ إلى النَّجاةِ إسْماعُهُ. بِهِ تُنالُ حُجَجُ اللهِ المُنَوَّرَةُ، وَعَزائِمُهُ المُفَسَّرَةُ، وَمَحارِمُهُ المُحَذَّرَةُ، وَبَيِّناتُهُ الجالِيَةُ، وَبَراهِينُهُ الكافِيَةُ، وَفَضائِلُهُ المَنْدوبَةُ، وَرُخَصُهُ المَوْهُوبَةُ، وَشَرايِعُهُ المَكْتُوبَةُ “(12).فتذكر المخاطبين بضوابط الدعوة المباركة من أوامر الله تعالى ونواهيه ، التي توصلهم إلى طريق الحق والهداية . فهي تنبه إلى تغيّرهم ، وتراجعهم ، وابتعادهم ، لذلك هي تبين لهم علل التشريع والقصد من التكليف ، والحكمة من أداء الواجبات الشرعية ، بقولها : ” فَجَعَلَ اللهُ الإيمانَ تَطْهيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلاةَ تَنْزِيهاً لَكُمْ عَنِ الكِبْرِ، والزَّكاةَ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ وَنَماءً في الرِّزْق، والصِّيامَ تَثْبيتاً للإِخْلاصِ، والحَجَّ تَشْييداً لِلدّينِ، وَالعَدْلَ تَنْسيقاً لِلْقُلوبِ، وَطاعَتَنا نِظاماً لِلْمِلَّةِ، وَإمامَتَنا أماناً مِنَ الْفُرْقَةِ، وَالْجِهادَ عِزاً لِلإْسْلامِ، وَالصَّبْرَ مَعُونَةً عَلَى اسْتِيجابِ الأْجْرِ، وَالأْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعامَّةِ، وَبِرَّ الْوالِدَيْنِ وِقايَةً مِنَ السَّخَطِ، وَصِلَةَ الأَرْحامِ مَنْماةً لِلْعَدَدِ، وَالْقِصاصَ حِصْناً لِلدِّماءِ، وَالْوَفاءَ بِالنَّذْرِ تَعْريضاً لِلْمَغْفِرَةِ، وَتَوْفِيَةَ الْمَكاييلِ وَالْمَوَازينِ تَغْييراً لِلْبَخْسِ، وَالنَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ تَنْزِيهاً عَنِ الرِّجْسِ… “(13). فلو نظرنا إلى النص نجد السيدة الزهراء (عليها السلام) قد استعملت كل ما له القدرة في التأثير والإقناع من أسلوب انماز بالتركيز بعبارات مختصرة ، في ثنائيات وتقابلات تدل على القدرة الثقافية التي تمتلكها الزهراء (عليها السلام) في النظم ، والتنسيق ، فضلا عما ضمته من آيات قرآنية كان لها الأثر في توثيق الكلام بالحجج والبراهين .

   بعد ذلك تنتقل إلى قولها :” أيُّها النّاسُ! اعْلَمُوا أنِّي فاطِمَةُ، وَأبي مُحمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، أَقُولُ عَوْداً وَبَدْءاً، وَلا أقُولُ ما أقُولُ غَلَطاً، وَلا أفْعَلُ ما أفْعَلُ شَطَطاً: {لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيم}(14) فَإنْ تَعْزُوه وَتَعْرِفُوهُ تَجِدُوهُ أبي دُونَ نِسائِكُمْ، وَأخا ابْنِ عَمَّي دُونَ رِجالِكُمْ، وَلَنِعْمَ الْمَعْزِيُّ إلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ. فَبَلَّغَ الرِّسالَةَ صادِعًا بِالنِّذارَةِ، مائِلاً عَنْ مَدْرَجَةِ الْمُشْرِكِينَ، ضارِبًا ثَبَجَهُمْ، آخِذًا بِأكْظامِهِمْ، داعِيًا إلى سَبيلِ رَبِّهِ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنةِ، يَكْسِرُ الأَصْنامَ، وَيَنْكُتُ الْهامَ، حَتَّى انْهَزَمَ الْجَمْعُ وَوَلُّوا الدُّبُرَ، حَتّى تَفَرَّى اللَّيْلُ عَنْ صُبْحِهِ ، وَأسْفَرَ الحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ ، وَنَطَقَ زَعِيمُ الدّينِ… “(15).

  وهنا تستعمل أسلوب التنبيه والتوكيد للمخاطبين عن طريق تكرار فعل القول (أقول)، فهي تؤكد حرص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم ورأفته ورحمته بهم ،ثم تؤكد نسبها الشريف، ونسب زوجها الإمام علي (عليه السلام) ، وهي بهذا لا يُدانيها أحد ، فمكانتها مستمدة من مكانة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ومكانة الإمام علي (عليه السلام) التي تميزت بقربه من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ووقوفه إلى جانبه ، وتضحيته من أجله ، فكان المتصدي لكل ما يواجه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) من صعاب ، فهو المدافع عنه في كل الوقائع التي يعرفها المخاطبون . ثم أنها أرادت تذكير المخاطبين بمواقف الإمام التي تحدث عنها التأريخ بما سرد من أحداث تاريخية .

  ثم تنتقل بعد ذلك إلى وصف حال المخاطبين بقولها :” وأَنْتُمْ فِي رَفاهِيَةٍ مِنَ الْعَيْشِ، وَادِعُونَ فاكِهُونَ آمِنُونَ، تَتَرَبَّصُونَ بِنا الدَّوائِرَ، وتَتَوَكَّفُونَ الأَخْبارَ، وَتَنْكُصُونَ عِنْدَ النِّزالِ، وَتَفِرُّونَ عِنْدَ القِتالِ فَلَمَّا اخْتارَ اللّهُ لِنَبِيِّهِ دارَ أنْبِيائِهِ وَمَأْوى أصْفِيائِهِ، ظَهَرَ فيكُمْ حَسيكَةُ النِّفاقِ وَسَمَلَ جِلبْابُ الدّينِ، وَنَطَقَ كاظِمُ الْغاوِينِ، وَنَبَغَ خامِلُ الأَقَلِّينَ، وَهَدَرَ فَنيقُ الْمُبْطِلِين فَخَطَرَ فِي عَرَصاتِكُمْ، وَأَطْلَعَ الشيْطانُ رَأْسَهُ مِنْ مَغْرِزِهِ، هاتفاً بِكُمْ، فَأَلْفاكُمْ لِدَعْوَتِهِ مُسْتَجيبينَ، وَلِلْغِرَّةِ فِيهِ مُلاحِظِينَ، ثُمَّ اسْتَنْهَضَكُمْ فَوَجَدَكُمْ خِفافاً، وَأَحْمَشَكُمْ فَأَلْفاكَمْ غِضاباً …. “(16)فهي تتعجب مما وصلوا إليه ومن حالهم ، فهم في تخبط مستمر ، لا يميزون بين الأمور على الرغم من هداية القرآن لهم ، ووضوح أحكامه ، وأدلتة ، فهم معرضون عنه ، وكأنهم يريدون شيئًا آخر . ثم تلجأ إلى وصف الخلافة  فتشبهها بالناقة النافرة ، التي لا يسهل قيادتها ، مبينة بأنهم لو  سيطروا عليها ، لكانوا قد أثاروا الفتن بين الناس .

  وتستمر في خطابها إلى أن تصل إلى الغاية في الحديث عن الإرث وما لحق بها من جراء ذلك من أذى ، حين منعت من إرث أبيها بقولها :” وَأَنْـتُمْ تزْعُمُونَ ألاّ إرْثَ لَنا…وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ “(17) ، فهي تستغرب من إنكارهم لحقوقها في الإرث ، الذي أثبت القرآن حقها فيه ، مستعملة حوارًا عقليًّا ينتهي إلى التهديد من سوء العاقبة.

   وتصل إلى المقطع الأخير من الخطبة ونراها تستعمل الخطاب في أسلوب يسير باتجاهين : الأول اتجاه الفصل والتقدير لما لهم بالتذكير بموقفها في نصرة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، واحتضان الإسلام ، والاتجاه الثاني في اللوم والتقريع للتغير والانقلاب ، والغفلة ، وعدم الاستجابة والخذلان ، في قولها : ” فَدُونَكُمُوها فَاحْتَقِبُوها دَبِرَةَ الظَّهْرِ، نَقِبَةَ الْخُفِّ، باقِيَةَ الْعارِ، مَوْسُومَةً بِغَضَبِ اللهِ وَشَنارِ الْأَبَدِ، مَوْصُولَةً بِنارِ اللهِ الْمُوقَدَةِ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ. فَبعَيْنِ اللهِ ما تَفْعَلُونَ {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}، وَأَنَا ابْنَةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَديدٍ، {فَاعْمَلُوا إنّا عامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ} “(18) .

ثانياً : مميزات النص 

أولًا :ـ بناء الخطبة

البناء في اللغة من بنى الشيء ، بنياً وبنياناً : أقام جداره ، ونحوه يقال بنى السفينة وبنى الخباء ، واستعمل مجازا في معاني كثيرة تدور حول التأسيس والتنمية (19) .

    أما في الاصطلاح فقد اختلف المصطلح من ناقد إلى آخر بحسب فهمه لطبيعة اللفظة (20) . وأهم ما يلاحظ في خطبة الزهراء (عليها السلام) أنها جاءت ذات بناء متناسب ، ومنسق ، مترابط الأجزاء  . إذ جاء النص مؤلف من سبعة مقاطع أو سبع فقرات من دون فاصل يفصلها

” فكل فقرة تحوي موضوعاً واحدًا متمايزًا عما سبقه من مواضيع من جهة ، وعما لحقه منها من جهة ثانية ، وهذا التمايز هو الذي سمح بالحكم المبدئي على متتالية جملية بأنها فقرة مستقلة … وإنّ الفقرة ما هي إلاّ متتاليات جمليّة“(21). وهذه المقاطع هي : مقطع الافتتاح ويبدأ من قولها ” الحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أنعَمَ …وَالسَّلَامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ”(22) ، ومقطع التذكير بدوام التكليف بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويبدأ من قولها ” أنْتُمْ عِبَادُ اللهِ … وَشَرَائِعُهُ المَكتُوبَةُ “(23) ، ومقطع علل التشريع ، ويبدأ من قولها ” فَجَعَلَ اللهُ الإيمَانَ تَطهِيرًا لَكُمْ … إنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادَهِ العُلَمَاءُ”(24) ، ومقطع التعريف بمكانة السيدة الزهراء (عليها السلام) ، ويبدأ من قولها ” اعلَمُوا أنِّي فَاطِمَةُ وَأبِي مُحَمَّد … مُشَمِّرًا نَاصِحًا مُجِدًّا كَادِحًا”(25) ، ومقطع المخاطبين والفتنة الكبرى ، ويبدأ من قولها ” وَأنتُمْ فِي رَفَاهِيَّةٍ مِنَ العَيْشِ …وَوَخْزِ السَّنَانِ فِي الحِشَى”(26) ، ومقطع الإرث وحجج الوراثة ، ويبدأ من قولها ” وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا …  وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ “(27) ، والمقطع الأخير ، وهو استنصار الأنصار ، ويبدأ من قولها ”  يَا مَعشَرَ النَّقِيبَةِ … إنَّا مُنتَظِرُونَ “(28) . إذْ يلاحظ مدى التضامن والترابط بين هذه المقاطع، وهذا الترابط والانسجام يرجع إلى ما تميز به هذا النص من أساليب نحوية ، وبلاغية ، وصوتية جعلت منه بنية متكاملة مترابطة الأجزاء .

ثانيًا :ـ التراكيب اللغوية

  إن التركيب اللغوية من العناصر المهمة في البناء النثري  ، وهي طريقة  الأداء الخاصة التي يسلكها الأديب ويصوغ فيها أفكاره ، لنقلها إلى سواه بعبارات لغوية القصد منها الإيضاح والتأثير(29) .  وهذه التراكيب تختلف من أديب إلى آخر ، لذا سنحاول الكشف عن التراكيب اللغوية التي استعملتها السيدة الزهراء (عليها السلام) في خطبتها ، وهي :ـ

1ـ  الاستفهام

   وهو وسيلة تعبيرية مهمة ، وهو من الأساليب التي يكثر استعمالها في الشعر والنثر ، وذلك لتنوع المعاني المجازية التي يخرج إليها ، وقد عرفه البلاغيون بقولهم هو ” طلب العلم بشيء بأدوات معروفة “(30). وكثر الاستفهام في خطبة سيدة النساء الزهراء وكان أول استفهام لها عن القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه بقولها: “وَكَيفَ بِكُمْ ؟ وَأنَّى تُؤْفَكُونَ ، وَكِتَابُ اللهِ بَينَ أَظهُرِكُمْ ، أُمُورُهُ ظَاهِرَةٌ ، وَأَحكَامُهُ زَاهِرَةٌ …”(31) ثم استفهمت بقولها ”  أَرَغبَةً عَنْهُ تُرِيدُونَ ؟ أَمْ بِغَيرِهِ تَحكُمُونَ ؟”(32) فهو تصور لكي تعادل في الاستفهام في رغبتهم بالإدبار عن القرآن أو الحكم بغيره وذلك بذكر أم المعادلة ، “وَأنتُم الآنَ تَزعُمُونَ أَنَّ لَا إرْثَ لَنَا”(33) ، وقولها ” أَفَحُكمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبغُونَ ؟ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ؟ “(34) ثم أعادت الطلب بالاستفهام لتقرّ الحاكم في إثباته في الحكم أو نفيه ، فقالت: ” أَأُهضَمُ تُرَاثَ أَبِي؟”(35) فبعد أن أثبت المخاطب بعدم الإرث ، أردفت الخطيبة استفهامًا آخر ” أَفِي كِتَابِ اللهِ أَنْ تَرِثَ أَبَاكَ وَلَا أرِثُ أبِي ؟ “(36) فبعد أن استفهمت بالقرآن الكريم شكلت في تتابع الاستفهام ظاهرة أسلوبية هيمنت على الخطبة تريد بها معرفة هل كان هناك عهد بينهم وبين الله بقولها : ” وَزَعِيمُ حَقٍّ لَهُ فِيكُمْ وَعَهدٌ قَدَّمَهُ إِلَيكُمْ “(37) . ولم يأتِ الاستفهام بالهمزة في غرض واحد فحسب، بل تعددت الأغراض في خطبتها فخرج للإنكار في قولها : “أَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) أبِي يَقُولُ : ( المَرْءُ يُحفَظُ فِي وِلْدِهِ ) ؟”(38) ، وخرج للتعجب في قولها : ” أأُهْضَمُ تُرَاثَ أبِي”(39) .

2ـ النداء

    يعرف النحاة النداء بأنه توجيه الدعوة إلى المخاطب ، وتنبيهه للإصغاء وسماع ما يريده المتكلم(40) . وورد النداء في خطبة الزهراء (عليها السلام) بحذف حرف النداء ، ومنه قولها : ”  أَنتُمْ عِبَادَ اللهِ … أَيُّهَا النَّاسُ  .. “(41)  ولعلّ حذف حرف النداء في هذه المواقع يحمل على حقيقة المواجهة والتكليم المباشر لهم ، وكذلك محاولةً منها لأن تحسسهم بقربها منهم ،إذن حذف حرف النداء يرسم صورة لقرب المسافة بين المتكلم والسامع . أما قولها :  ” يَا  ابْنَ أَبِي قُحَافةَ  … يَا مَعشَرَ النَّقِيبَةِ ،  وَأعضَادَ المِلَّةِ وَحَضَنَةَ الإسلَامِ … “(42) ، بإظهار حرف النداء لتنزلهم منزلة البعيد لضعف موقفهم(43). فهي  تقدر المعاني و “توازن بينها وبين أوزان المستمعين ، وبين أقدار الحالات ؛ فتجعل لكل طبقةٍ كلامًا ، ولكل حالٍ مقامًا ، حتى تقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات ، وأقدار المستمعين على أقدار الحالات “(44) .

3ـ الأمر

هو ” طلب الفعل من الأعلى إلى الأدنى ، حقيقة أو ادعاء “(45) . ويأتي الأمر بصور مختلفة (46) ، وأنه قد يأتي على الأصل اللغوي ، أو قد يأتي على سبيل المجاز فيحمل معاني بلاغية متعددة . ومما جاء في خطبة الزهراء (عليها السلام) قولها : “فَاعمَلُوا إنَّا عَامِلُونَ وَانتَظِرُوا إنَّا مُنتَظِرُونَ”(47) وغرضها التهديد والوعيد(48). وجاء النداء في الخطبة بصيغة اسم فعل الأمر في قولها : ” فَدُونَكُمُوهَا فَاحتَقِبُوهَا ، دبرَةَ الظَّهرِ… مَوصُولَة بِنَارِ اللهِ المُوقَدَةِ التِي تَطَّلِعُ عَلَى الأفئِدَةِ “(49) إنّ لفظة (دونكموها) لا تعطي معنى خذوها فحسب بل خذوها وهي قريبةٌ منكم جداً تتصدركم وكأنها وصمة عار بارزة ، لما في دلالة (دونَ) على الظرفية القريبة ، وهو من باب التوسع في المعنى ، والغرض منه مجازياً للإهانة والتحقير(50).

4ـ النهي

وهو ” طلب كف عن فعل على جهة الاستعلاء “(51) ، وصيغته تقترن مع الفعل المضارع فتجزمه ، وقد استعمل لأغراض مجازية عدَّة .  وورد النهي في خطبة الزهراء (عليها السلام) في قولها : ” وَلَاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُمْ مُّسْلِمُونَ)(52) ، وهو اقتباس من القرآن الكريم(53)، وبالرجوع إلى الخطبة كاملةً نجدُ أنها بعد الحمد والثناء والصلاة والتسليم وذكر علل بعض الفروض والواجبات والعبادات تقتبس هذه الآية الكريمة فكأنها وصيةٌ للنصح والإرشاد(54)  .

5ـ الفصل والوصل

   وهو من الأساليب التي استعملتها الزهراء في خطبتها (عليها السلام) من ذلك قولها :  ” فَهَيْهَاتَ مِنكُمْ ! وَكَيْفَ بِكُمْ ؟ وَأنَّى تُؤفَكُونَ”(55) فظاهر صورة اللفظ يوحي بالوصل بين (هيهات منكم) وهي جملة خبرية ، و(كيف بكم) وهي جملة إنشائية ، وأما المعنى فهو إنشاء يراد به التعجب السماعي في كلا الجملتين. كذلك قولها : ” فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ صَادِعًا بِالنَّذَارّةِ ، مَائِلًا عَلَى مَدرَجَةِ المُشرِكِينَ  … يَكسِرُ الأَصنَامَ ، وَيَنكثُ الهَامَ حَتَّى انهَزَمَ الجَمعُ وَوَلَّوُا الدُّبُر”(56) فجملة (يكسر الأصنام) في محل نصب حال من فاعل (بلّغَ) وجملة (ينكث الهام) في محل نصب حال للفاعل في أثناء تبليغه ، ولو فصلت بينهما لكانت جملة (ينكث) حالًا له في أثناء تكسيره وهي لا تريد هذا المعنى ، فكأنها قالت بلّغ النذارة صادعاً بالرسالة مكسراً الأصنام وناكثاً الهام .

  أما الفصل وهو أن تتفق الجملتان خبرًا وإنشاءً مع جامع بينهما وتختلفان بالمعنى المقصود . فجاء في قولها: “أشهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ . كَلِمَةٌ جَعَلَ الإخلَاصَ تَأوِيلَهَا”(57) فالجملتان خبريتان والجامع بينهما أن الثانية توضحُ فائدة الأولى ، واختلافهما هو أن الأولى تصريح بالشهادة والثانية توضيح وهو ما يسمى بشبه كمال الاتصال .

6ـ التوكيد

   وهو من الأساليب التي كان لها حضور في خطبة الزهراء(عليها السلام) ، إذْ إن له علاقة في الدفاع عن حقها ، وذلك عن طريق رفع الشك والتردد عن نفس المتلقي . وفيه نرى بلاغة الزهراء(عليها السلام) في الاستعمال اللغوي ودقتها في قولها  :” لَتَجِدَنَّهُم واللهِ مَحْمِلَهُ ثَقِيلًا وَغِبَّهُ وَبِيلًا إذَا كُشِفَ لَكُمُ الغِطَاءُ  “(58) ، ومنه أيضاً قولها :” أَرَى أَنْ قَدْ أَخلَدتُمْ إلَى الخَفْضِ”(59) ، وكذلك قولها:  ” أَلَا وَقَدْ قُلْتُ مَا قُلْتُ عَلَى مَعرِفَةٍ مِنِّي بِالخَذْلَةِ التِي خَامَرَتْكُمْ”(60). وكثرة ورود التوكيدات في الخطبة ومنها ( لام التوكيد ، ونون التوكيد ، والقسم ، وقد ، وغيرها ) هو محاولة لتثبيت الخطاب في أذهان السامعين، فهي تحاول تصديق قولها للفت انتباه المخاطبين ، ليتفهموا الظلامات التي وقعت عليها ، أو لإظهار عظمة تلك الأمور وجسامتها .

7 ـ التقديم والتأخير

   يُعدُّ التقديم والتأخير من المباحث المشتركة بين علمي النحو والبلاغة ، وهو يدور ” في إطار الترتيب غير الواجب بين العناصر اللغوية في الجملة ، أي التي لا يؤدي تقديمها أو تأخيرها إلى خلل في المعنى ، وإنما تظل محتفظة بوظيفتها النحوية كالابتداء أو الإخبار أو الفاعلية ، أو المفعولية … على الرغم من تغيّر موقعها اللفظي في الجملة “(61) . ويأتي التقديم لأغراض عدة منها : الاهتمام ، والقصر، والتخصيص ، والتشويق وغير ذلك . وجاء التقديم في خطبة الزهراء (عليها السلام) في تقديم معمول المفعول الثاني لـ (ألفاكم) الذي هو في الأصل خبر في قولها :” فَأَلفَاكُمْ لِدَعْوَتِهِ مُستَجِيبِينَ ، وَلِلغِرَّةِ فِيهِ مُلَاحِظِينَ “(62) والأصل فألفاكم مستجيبين لدعوته ملاحظين للغرَّة . فأعطى هذا التقديم تخصيصاً فكأننا نلمس في عتبها بما معناه لِمَ استجبتم دعاء غيري ولم تستجيبوا لدعائي ، أي خصصتهم استجابتكم لهذا الدعاء لا لسواه ولاحظتم الغرة ولم تلاحظوا غيرها . ونجد استفهامًا إنكاريًّا  في موضع آخر فيه تقديم أيضاً في قولها : “أرَغبَةً عَنهُ تُدبِرُونَ ؟  أمْ بِغَيرِهِ تَحْكُمُونَ” (63).فنلمح في تقديم (رغبةً وبغيره) على عامليهما التخصيص ذاته فكأنّ إنكارها متعجبةً ليسَ من الإدبار وحده ، وإنما من إدبارهم رغبةً عن طريق الحق . وكذلك من الحكم فليست تتعجب من حكمهم وإنما تتعجب من حكمهم بغير حكم كتاب الله .

ثالثًا : الصور البلاغية 

   احتلت الصورة البيانية مكان الصدارة بين سائر الصور التي تم رصدها في الخطبة ، وبعد الدراسة وجدنا من أهم الصور البلاغية : التشبيهية ، والاستعارية ، والكنائيَّة ، وهي كما يأتي :ـ 

1ـ التشبيه 

عند النظر في خطبة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)  نجد فيها تشبيهات عدة تصور مدى براعتها في اقتناص المعاني التي صورتها ؛ لكي تصل إلى أذهان المتلقين لتحقق الغاية المنشودة من خطبتها . فتصف حال العرب قبل بعثة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) ببلاغة بارعة بقولها : ” وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ ، مُذْقَةَ الشَّارِبِ ، وَنُهْزَةَ الطَّامِعِ ، وَقُبْسَةَ العَجْلَانِ، وَمَوْطِئَ الأَقدَامِ، تَشرَبُونَ الطَّرَقَ ، وَتَقتَاتُونَ الوَرَقَ ، أَذِلَّةً خَاسِئِينَ، تَخَافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسَ مِنْ حَوْلَكُمْ، فَأنْقَذَكُم اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ، بَعْدَ اللُّتَيّا وَالتِي”(64). فقد ورد في وصفها هذا للعرب ثلاثة تشبيهات بليغة وهي : (كنتم .. مذقة الشارب ، وقبسة العجلان ، وموطئ الأقدام ) ، إذ حذفت الأداة ووجه الشبه ، في التشبيه الأول: فهم كانوا من الضعف والوهن لا يستطيعون رد أي اعتداء بل هم في موضع ذلة يجعلهم كمذقة الشارب و”هي شربة من اللبن الذي خلط بماء”(65)، فيكون القضاء عليهم بسهولة شربة اللبن هذه ، وفي التشبيه الثاني(قبسة العجلان) كما في الأول ، وهو الضعف وسهولة الأخذ ، فهم كقبسة يأخذها العجلان بسرعة وسهولة ، أما التشبيه الثالث : فهو الوضاعة والدنو بمراتب الشرف والعزة والغلبة ، فلم يكونوا كما كان الناس من حولهم كالروم والفرس ، ممالك وأصحاب قوة ونفوذ، وإنما كانوا قبائل تقتل وتنهب بعضها بعضًا للحصول على بعض الطعام أو الشراب، وأما من حيث طرفي التشبيه فهو تشبيه مفرد بمفرد ، حسي لحسي ، ووجه الشبه عقلي والصورة بصرية ، أرادت من خلالها تقبيح أفعالهم وإرجاعهم إلى ما كانوا عليه قبل أن ينقذهم الله بأبيها (صلوات الله وسلامه عليه وآله) من هذه الصفات المعيبة . وتستمر الزهراء (عليها السلام) في خطبتها حتى تصل إلى بيان الأذى الذي تعرضت له من  أمة أبيها بصورة تشبيهيه أخرى وهي:” وَنَصبِرُ مِنْكُم عَلَى مِثلِ حَزِّ المُدَى”(66) فشبهت الأذى بالألم الناتج عن حز السكاكين ، فكأنها تقول: ” نصبر على ألم مثل ألم حز المدى” وهي لم ترد حز المدى وإنما الألم الناتج عنه مجازًا ، وهو مجاز مرسل علاقته السببية ، والتشبيه مرسل مجمل ، مفرد لمفرد ، وعقلي لعقلي ،  فالألم لا يدرك بالحواس الخمس ، وإنما يدرك بالعقل ، وكذلك وجه الشبه عقلي فهو قوة الألم الذي أحدثته الظلامة التي وقعت عليها ، والصورة بصرية ، أرادت بها بيان حال المشبه (الألم) الذي لم يكن محددًا يشعر به المخاطب قبل التشبيه ، فجاء التشبيه لتوضيحه وبيانه . ونجدها في موضع آخر من الخطبة تشبه طاعة أهل البيت (عليهم السلام) بالنظام بقولها :” وَطَاعَتُنَا نِظَامًا لِلمِلَّةِ “(67)، وهي صورة عقلية رُسِمت بالتشبيه ، فالمشبه والمشبه به عقليان والتشبيه بليغ، فحذفت الأداة ووجه الشبه ، يراد من هذا التشبيه بيان مكانة المشبه وهو تفرده عن الناس إلى الحد الذي لا يمكن أن يكون بينه وبينهم مشابهة ومقاربة ، فطاعتهم لا تساويها طاعة غيرهم ، إذ إنها أصبحت نظامًا تسير به الأمة حتى لا تزيغ أو تخرج عما رسمه لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والقرآن الكريم .

2ـ الاستعارة

وهي من الأساليب المعروفة عند العرب ، وهي ضرب من التشبيه ونمط من التمثيل ” والتشبيه كالأصل في الاستعارة وهي شبيهة بالفرع له أو صورة متقضية من صوره”(68)  ، فالاستعارة تقع ضمن دائرة المجاز فهي :” مجاز بلاغي فيه انتقال معنى مجرّد إلى تعبير مجسّد من غير التجاء إلى أدوات التشبيه، أو المقارنة “(69) . وقد بلغت السيدة الزهراء (عليها السلام) بخطبتها أقصى غايات الإبلاغ والإفهام وَرَقَتْ بها أعلى المدارج الأدبية ، إذ انزاحت بمفرداتها وجملها عن الحقيقة لا لأجل الجمال الأدبي فحسب ، وإنما من أجل أهداف غاية في الشرف وقوام الدين والحق ، ومن خلال تحقيق أهدافها بلغت بكلامها قمة الجمال ، فتلبس الشيء المعنوي الجلباب المادي لتبينه وتوضحه للمتلقي ، من ذلك قولها : ” أَسْفَرَ الحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ”(70)، فشبهت الحق وهو عين المعنويات بالصبح المادي المسفر ، على سبيل الاستعارة المكنية فحذفت المشبه به ودلت عليه بلازمة ، وهو الفعل (أسفر) و(سفر الصبح وأسفر أضاء) مسندة الفعل إلى الحق وهي قرينة تصرف الذهن عن  المعنى الحقيقي للفظة وتحيله إلى المجاز العقلي (الحق) وأي حق إنه المحض (الخالص) ، فيكون طرفا التشبيه في هذه الاستعارة عقليا لحسي والجامع بينهما عقلي وهو الجلاء والظهور والانكشاف ، وهي صورة بصرية موحية بوضوح الحق وجلائه. أما في دفاعها عن ابن عمها(عليه السلام) وبيان دوره ومكانته في بناء الإسلام تُظهر ذلك بصورة غاية في الروعة والجمال تنم عن أسلوب متفرد بالتفجع والحزن لما آلت إليه أمور المسلمين بعد وفاة أبيها كونها ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وزوجة ابن عمه (عليه السلام) فهي أولى الناس بحمل أعباء الرسالة ، والسير الحثيث نحو تحقيق الأهداف السامية التي سعى إلى تحقيقها الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وابن عمه (عليه السلام)  ، ومن هذا المنطق فقد تفردت بأسلوبها القوي وذلك في قولها:” وَبَعدَ أنْ مُنيَ بِبُهَمِ الرِّجَالِ ، وَذُؤبَانِ العَرَبِ ، وَمَرَدَةِ أَهْلِ الكِتَابِ . كُلَّمَا أوقَدُوا نَارًا لِلحَرْبِ أَطفَأَهَا اللهُ ، أَوْ نَجَمَ قَرْنٌ لِلشَّيطَانِ، أَو فَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ المُشرِكِينَ . قَذَفَ بِأخِيهِ فِي لَهَوَاتِهَا ، فَلَا يَنْكَفِئُ حَتَّى يَطَأَ صِمَاخَهَا بِأخمَصِهِ، وَيُخْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيْفِهِ ، مَكدُودًا فِي ذَاتِ اللهِ ، مُجتَهِدًا فِي أَمرِ اللهِ ، قَرِيبًا مِنْ رَسُولِ اللهِ ، سَيِّدًا فِي أوْلِيَاءِ اللهِ …”(71)، هنا تشبيه الجماعات المشركة التي تتعرض إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والإسلام ، بالحيوان وبالبلادة والغباء ، وصورتهم بهيأة وحش كاسر ، وشبهت الإمام عليا (عليه السلام)  بالسهم ، ورسول الله ) صلى الله عليه وآله وسلم) بالرامي ، فتركب هذه الصورة من ثلاث استعارات مكنية ، الأولى : هي استعارة (الوحش) للمشركين ، فحذف المشبه به (الوحش) ودل عليه بلفظ (فغرت فاغرة) و(لهواتها) ، وطرفا التشبيه حسيان والجامع عقلي ، وهو الشر والخطر الذي ينجم من أعداء الإسلام ، أما الثانية فاستعارت للإمام علي(عليه السلام ) (السهم)  وهي استعارة مكنية حذف فيها المشبه به ، ودل عليه بلفظ (قذف) فالقذف بالسهم والحصى(72)، والطرفان حسيان والجامع عقلي ، وهو القوة والسرعة من جانب ، والقضاء على الأعداء من جانب آخر ، فالسهم إذا أصاب الوحش في لهواته قتله ، وعليٌّ (عليه السلام) كان له الأثر الأكبر في القضاء على الشرك والمشركين ، ثم تبين استبساله فلا ينكفئ حتى يطأ صماخها بأخمصه “والصماخ هو ثقب الأذن أو الأذن نفسها”(73)، والأخمص هو ما لا يصيب الأرض من باطن القدم عند مشيها . ولفظ (الصماخ) يدل كذلك على المحذوف في الاستعارة الأولى ، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يأمر علياً (عليه السلام) أن يرد عنه كتائب المشركين وعصابات المنافقين فكان (عليه السلام) يخاطر بحياته ، ويغامر بنفسه ، ويستقبل أولئك الذؤبان المفترسة وحده ، ويخوض غمار الحرب، فيصح التعبير بقولها : ” قذف بأخيه في لهواتها” أي في فم الموت بين أنياب السباع ، والرماح الشارعة ، والسهام الجارحة ، وسيوف الأعداء ،  فلا يرجع (عليه السلام) من جبهة القتال حتى يسحق رؤوس الأعداء ، ويدوس هامات الرؤساء بباطن قدمه . والاستعارة الثالثة تصوير الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)  برامٍ بارع يصيب الهدف في قلبه ، بسهم من سهامه القاتلة ، فحذفت المشبه به وأبقت المشبه ، ودل على المشبه به لفظ (قذف) ، فالاستعارة مكنية أيضًا ، والطرفان حسيان ، والجامع بينهما إصابة قلب الهدف ، وهو عقلي. لقد برعت الزهراء (عليها السلام) في رسم صورة مركبة من ثلاث استعارات موحية بحركية القتال ، فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) رامٍ بارع وعلي (عليه السلام ) سهمه والمشركون وحش ، وقد تقابلا فقذف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)  في لهوات ذلك الوحش فقتله ، مريدةً بهذه الاستعارات بيان حال المشبه وهو من الأغراض التي ساق لها التشبيه سواء كان وحده أم بين آخرين(74). أما قولها (عليها السلام) :” أمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآَلِهِ) أَبِي يَقُولُ :”المَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ”؟ سُرْعَانَ مَا أحْدَثْتُمْ ، وَعَجْلَانَ ذَا إِهَالَةٍ … أَتَقُولُونَ مَاتَ مُحَمَّدٌ(صلى الله عليه وآله) فَخَطْبٌ جَلِيلٌ استَوْسَعَ وَهْنُهُ ، وَاسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ … وَأظلَمَتِ الأَرضُ لِغَيبَتِهِ …  ، وَأكْدَتِ الآمَالُ، وَخَشَعَتِ الجِبَالُ وَأُضِيعَ الحَرِيمُ وَأُزِيلَتِ الحُرْمَةُ عِندَ مَمَاتِهِ”(75)، لقد شبهت الأنصار بالأرض المجدبة التي لا خصب فيها ولا نماء ، ولا خير ولا رجاء ، وهذا على سبيل الاستعارة المكنية التي حُذف فيها المشبه به (الأرض المجدبة) ، ودل عليه لازمه الفعل (أحدثتم) ، فقد استعملته مجازًا ؛ لأن الحقيقة تقول بجدب الأرض وليس الإنسان ، فعَدلت من الحقيقة إلى المجاز ، لتوجز ما تريده من إثبات حالهم ، وهذا يكمن في غرض الاستعارة وهو الإيجاز في القول والإيجاز أكثر تأثيرًا من الإطناب . وأثبتت المشبه وهو (تاء الفاعل في أحدثتم) العائد على الأنصار ، وطرفا التشبيه حسيان ، والجامع بينهما عقلي ، وهو المنع وعدم الإفاضة بالخير ؛ وسبب ذلك قعودهم عن نصرتها ونصرة زوجها ، فهم كالأرض المجدبة القاحلة التي لا يرُجى منها خيرٌ ، وتؤكد هذه الصفة التي عبرت عنها الاستعارة بالفعل (أحدثتم) أي بخلتم علينا بنصرتكم، والمتأمل لهذه العبارة يجد أنها استعملت فعلين ماضيين سخرتهما لبيان ثباتهم على موقفهم وعدم نصرتهم لها، ولكنها أرادت إلقاء الحجة وإثباتها عليهم فالفعل الماضي يدل على الثبات ، وباستعارتهم لها هذه أثبتت صفة (التخاذل) إلى الموصوف (الأنصار) ، ثم تعظم قولهم مات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)  بقولها( فخطبٌ جليل) ، مُنَكِّرَةً المفردتين لتعظيم حجم المأساة ، وتصويرها بصورة استعارية أيضًا ، مستعيرةً فيها لفظ (النهر) إلى ذلك(الخطب الجليل) والجامع بينهما السعة والجريان ، وهي استعارة مكنية حذف فيها المشبه به (النهر) مُدِلَّةً عليه بلفظ (استنهر) وأثبتت المشبه (الخطيب الجليل) ، والطرفان عقلي حسي ، فكأنها تقول: (اتسع هذا الخطب كالنهر) والجامع بينهما عقلي وهو السعة ، وهي لا تريد السعة المادية ، وإنما أرادت الخطوب والمصائب وسعتها وهي أشياء عقلية . وتستمر في استعاراتها المكنية لتأتي واحدةً مقتبسة من القرآن الكريم وهي في قولها ( وأظلمت الأرض لغيبته) والأصل إن الأرض لا تظلم وإنما السماء تلقي بعتمتها على الأرض ، فهي استعارة محسوس لمحسوس ، والمشبه (الأرض) والمشبه به محذوف (السماء) فهي مكنية ، والجامع بينها عقلي، والظلام معنوي ، فلم تنكسف الشمس وتظلم الأرض ، وإنما أرادت الظلمة المعنوية التي دارت بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) وما جرى على آل البيت (عليهم السلام) من بعده. ثم تعقب هذه الاستعارة بأخرى تبين فيها عظم الفاجعة بفقد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)  في قولها 🙁 وأكدت الآمال، وخشعت الجبال) فشبهت الجبال برجلٍ فُجع بحبيب له ، وهي استعارة مكنية حذفت المشبه به (الرجل) ودلت عليه بلازمة (الخشوع) والمشبه (الجبال) والطرفان حسيان ، والجامع بينهما عقلي وهو الإقبال بالقلب والحزن الشديد على فقده ، ثم إن الآمال انقطعت وتعسرت ، والآمال أمرٌ معنوي فهي لا تقطع إلا أن يكون الكلام محمولاً على المجاز ، فهي استعارة مكنية حذف فيها المشبه به وهذه الاستعارة هي صورة لتدهور الأوضاع وعدم تعليق الآمال في المستقبل الإسلامي ، وهذه الاستعارات لبيان الفاجعة وعظمتها.

3ـ الكناية

وهي من الأساليب البلاغية الممتعة والمصورة لمعان كثيرة بألفاظ موجزة ومكثفة للمعنى . وهي كلام أطلق وأريد به غير المعنى الحقيقي الذي وضع له (76) . وجاءت الكناية في قولها :” …  تَعرِفُوهُ تَجِدُوهُ أَبِي دُونَ نِسَائِكُمْ ، وَأخَا ابْنِ عَمِّي دُونَ رِجَالِكُمْ ، فَبَلَّغَ الرِّسَالَةَ ، صَادِعًا  بِالنِّذَارَةِ ، مَائِلًا عَنْ مَدْرَجَةِ المُشرِكِينَ ، ضَارِبًا ثَبَجَهُمْ ، آخِذًا بِأكْظَامِهِمْ …”(77) وفي معرض هذا الكلام من الخطبة أرادت إثبات القرابة بينها وبينه وحصرها بها من دون سواها من الناس بالكناية عن صفة ، فقد ذكرت الموصوف ولم تصرح بالصفة (القرابة) إذ تركتها لجمهور المسلمين أن يعرفوها ويدركوها ، فبإمكانها القول : (تجدوه أبي) وتكتفي إلا أنها أرادت توكيدها في أسماعهم وحصر هذه القرابة بها فحسب ، أي لا يوجد فيكم من يدّعي أنه أبوه أو أكثر قرابةً مني به ، وبهذا يكون فضلها عليهم باديًا لا ينكره منكر ولا يمحوه جاحد ، وقد ورد هذا المعنى في قولها:” أيُّهَا النَّاسُ إنِّي فَاطِمَةُ وَأَبِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ أَقُولُ عَوْدًا وَبَدْءًا ” (78) فهي تعيد ما قالته وأكدت في كنايتها مع أن الحاضرين جميعًا يعرفونها أفضل معرفة ، فلا ينكرها منكر إلا أنّها تؤكد هذا لما كان يوليها أبوها من الفضل والمنزلة ، ثم إنها عقبت على هذه الكناية بأخرى من نوعها ، وهي إثبات القرابة للإمام علي (عليه السلام) من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)  بلفظة (الأخ) واستعمالها لهذا اللفظ كان بقصدية تامة ، فهي لم ترد معنى النسب المادي (القرابة) وإنّما أرادت الأخوة المعنوية ، فلو أرادت إثبات الأخوة النسبية بين الإمام علي (عليه السلام) والرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)  لاستعملت لفظاً آخر ؛ لأن الإمام (عليه السلام) لم يكن أخا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنسب ، وإنّما هو ابن عمه في الحقيقة ، إذن هي أرادت إثبات النسب المادي والمعنوي معًا ، وتذكير المسلمين بالمواضع التي استعمل فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)  لفظ (الأخ) لوصف الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)  فكثيراً ما كان يقول (صلى الله عليه وآله وسلم)  : هذا أخي ، ثم أنه آخى بينه وبين علي (عليه السلام) فلم يتخذ أخًا غيره حينما آخى بين المهاجرين والأنصار. أما قولها(عليها السلام)  :” كُلَّمَا أوقَدُوا نَارًا لِلحَرْبِ أَطْفَأَهَا ، أَوَ نَجَمَ قَرْنٌ لِلشَّيطَانِ ، أَو فَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ المُشرِكِينَ، قَذَفَ أخَاهُ فِي لَهَوَاتِهَا”(79) وباستعمالها هذه اللفظة – أخاه – التي تدل على المكانة الرفيعة التي يتحلى بها الإمام (عليه السلام)  عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تذكيرًا للمسلمين وإثبات الحجة عليهم كما صرحت هي بذلك ، وهذه اللفظة كناية عن صفة (الأخوة) ، ولعلّ سؤالاً يتبادر إلى الأذهان لماذا خصت الإمام  بالإخوة من دون سواه من بني هاشم ، ويعود هذا إلى ما تقدم من حديث عن وصف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)  إياه بالإخوة ، والثاني: إنّها خاطبت المسلمين الذين بايعوا أبا بكر ولم يكن بينهم هاشميٌّ فبنو هاشم في أثناء أحداث السقيفة كانوا منشغلين بوفاة الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)  وتجهيزه ، لذا فقد أصابت الزهراء(عليها السلام)  مبتغاها من استعمال هذه اللفظة وكنايتها بها ، ولم تكتفِ بهذه الكناية ، إذ عضدتها بأخرى وهي (ابن عمي) وهي كناية عن صفة القرابة بينها وبين الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)  والإمام (عليه السلام)  عند جمعها مع ما قابلها (وأخا ابن عمي دون رجالكم) فهي من جهة الأب هي ابنة خير الخلق على الإطلاق ولا يدانيها أو يشاركها أحدٌ في هذه المزية ، أما من جهة الزوج فهي زوج أخي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي لا يدانيه أو يشاركه أحدٌ في هذه المزية أيضاً ، فقد استثنت أخوة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)  لعلي (عليه السلام) من دون الرجال وحصرتها به ، وهذا الأسلوب الذي اعتمدت عليه الكناية وكشفت واختزلت معاني كثيرة كانت تريد قولها لإيصالها إلى المتلقي ، وهذا هو الارتقاء الحقيقي باللغة . وبعد إثبات موقعها القريب من سيدهم ورسولهم وقرب ابن عمها(عليه السلام) منه تقوم ببيان ما فعل لهم وما قدم ، فهو من أتاهم بخير سنة وخير نظام وهو صاحب الرسالة السماوية التي أخرجتهم من الظلمات إلى النور ، محارباً الشرك مائلًا عنه  مُكنيةً عن قهره للمشركين وهزيمتهم بـ(  ضاربًا ثبجهم ، آخذًا بأكظامهم ) و” ثبج كل شيء : معظمه ووسطه وأعلاه” (80) ويقال: ” أخذتُ بكظمه أي بمخرج نفسه”(81) صورت محاربته ووقوفه أمام الشرك وقادته وانتصاره عليه بهذه الصورة  الموحية بقضائه التام عليه ، ضاربًا الشرك بمكانٍ لا يستطيع صاحبه مواصلة القتال وهو (الثبج) وبعد ذلك أخذ بمخرج نفسه وبهذا يكون محكم بالسيطرة عليه ، وبكنايتها تثبت فضل أبيها الذي لولا إجحاف القوم لها ولحقها لما أشارت إليه ، ولكنها بهذه النفس وهذا الانفعال بالمأساة أرادت نسبة ما قام به أبوها (صلى الله عليه وآله وسلم) وكيف لا وهي تبرهن ذلك بقولها :” كُلَّمَا أوقَدُوا نَارًا لِلحَرْبِ أَطفَأَهَا اللهُ ، أَوْ نَجَمَ قَرْنٌ لِلشَّيطَانِ، أَو فَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ المُشرِكِينَ . قَذَفَ بِأخِيهِ فِي لَهَوَاتِهَا ، فَلَا يَنْكَفِئُ حَتَّى يَطَأَ صِمَاخَهَا بِأخمَصِهِ، وَيُخْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيْفِهِ ، مَكدُودًا فِي ذَاتِ اللهِ ، مُجتَهِدًا فِي أَمرِ اللهِ ، قَرِيبًا مِنْ رَسُولِ اللهِ ، سَيِّدًا فِي أوْلِيَاءِ اللهِ… “(82).إذ نجد للزهراء الأسلوب المميز في تسخير الصور الكنائية التي أضافت جمالًا وتتمةً في تصويب المعنى .

رابعًا : البنية الإيقاعية الداخلية

  تمثل البنية الإيقاعية الركيزة الأساسية في بناء النص ، فهي ” أول المظاهر المادية المحسوسة للنسيج الشعري الصوتي ومتعلقاته الدلالية “(83) . أما الإيقاع الداخلي فهو ” الانسجام الصوتي الذي ينبع من هذا التوافق الموسيقي بين الكلمات ودلالاتها حينًا ، أو بين الكلمات بعضها وبعض حينًا آخر “(84) . وتتوضح البنية الإيقاعية الداخلية في خطبة السيدة الزهراء (عليها السلام) عن طريق العناية المتمثلة في الفنون البديعية ، إذ رصعت خطبتها بفنون متنوعة منها نذكر عددًا منها :ـ

1ـ الجناس 

   هو تشابه اللفظين في النطق تشابهاً تاماً أو جزئياً ، مع اختلافها في المعنى (85). وقد توافر الإيقاع الموسيقي الداخلي في خطبة الزهراء(عليها السلام) في ظاهرة الجناس التي أحدثت أصواتًا مدوية في المتلقي ، فقد جانست بين ( اللتيا والتي ، فغرت وفاغرة ، صماخها وبأخمصه، ترثوا وريث ، حريم وحرمة …) ، فأحدثت هذه الكلمات عن طريق تكرار الأصوات داخل الجمل إيقاعا زاد في جمال موسيقى النص ، وأداء دورها المطلوب في النص والمتلقي .

2ـ الطباق

  هو التطبيق والتكافؤ والطباق والمطابقة والمقاسمة (86) . وجاء الطباق في خطبة الزهراء في أكثر من موضع منها قولها :” مُنْكِرَةً للهِ مَعَ عِرْفَانِهَا ، فَأنَارَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِمُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ) ظُلَمَهَا ، وَكَشَفَ عَنِ القُلُوبِ بُهَمَهَا، وَجَلَّى عَنِ الأَبصَارِ غُمَمَهَا ..”(87) إذ ورد الطباق في النص أعلاه بين ( منكرة ، عرفانها ، وأنار وظلمها ، وكشف وبهمها ، وجلَّى غممها) لهذا نبهت السيدة فاطمة (عليه السلام ) المسلمين بالانتباه من الغفلة التي تصاحب الإنسان وتبعده عن الحق ، فترجعهم إلى ما كانوا عليه من المعرفة الفطرية لله والإنكار له عز وجل، وهذا النوع من الطباق هو طباق إيجاب؛ لكونه وقع بين لفظتين مثبتتين ، ثم طابقت بين لفظتي  (فأنار ، ظُلَمَهَا ) فإن النور ضد الظلام ، واستعملت هذا الطباق كذلك للكشف عمَا كانت عليه الأمة قبل البعثة النبوية، وهو طباق إيجاب أيضاً ، لهذا كثرت المطابقة في هذا المقطع من الخطبة ، فقالت:( وكشف عن القلوب بهمها ) وفي حقيقة الأمر ما يتضاد مع الفرج هو الكرب ، والبهم هو الأمر المختلط المخفي الذي لا معرفة لأحد فيه ، وبوساطة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)  فُرّجَ عن هذا الالتباس في الفكر ، وقولها : (وجلّى عن الأبصار غممها) والإجلاء هو الكشف ، والغمة هي الظلمة ، وما كان في لفظتي (جلَّى وغممها) طباق إيجاب، فتمكن  بإقامته (صلى الله عليه وآله وسلم) فيهم أن ينقذهم من غواية الشيطان إلى طريق الهداية .

3ـ التكرار

   وهو من الظواهر الموسيقية ذات الإيقاع الخاص الذي يترك أثره في المتلقي . وقد جاء في الخطبة لزيادة الإيقاع الداخلي للنص مع التأثير في المتلقين وشد انتباههم نحو الغاية من قولها سلام الله عليها ، إذ استعملته الزهراء (عليها السلام) لتزيد من إثراء الخطبة وتبين لهم حقيقة القرآن من خلال شواهده وأوامره التي غفلوا عنها ، ولتثبت أحقيتها في فدك والدها (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والتكرار يكون في الأصوات والألفاظ والجمل ، وتكرار الأصوات جاء واضحًا في قولها : “وَزَوَاجِرُهُ لَائِحَةٌ ، وَأَوَامِرُهُ وَاضِحَةٌ”(88) فقد هيمن صوت الألف في الجملتين ، إذ تكرر أربع مرات ، ثم جاء بعده صوت (الواو) متكرراً خمس مرات ثم (الهاء) ثلاث مرات ، فكان عدد الضربات الصوتية لصوت (الألف والواو والهاء) اثنتي عشرة ضربة من مجموع أربعة وعشرين صوتًا ، ومن خلال هذه الأصوات تحقق الجرس الصوتي الرفيع في تكرار الأصوات.

الخاتمة :ـ

    وبعد هذه القراءة لنص الخطبة المباركة للسيدة الزهراء (عليها السلام) ، تبيّن للباحثتين ما يلي :

1 – تمتعت خطبة السيدة الزهراء (عليها السلام) بخصائص ومميزات أهَلَتْها أن تؤلِّفَ نصًّا نثريًّا يجد فيه القارئ المتعة والمؤانسة في قراءته أو الاستماع له .

2 – مثلت الخطبة للمخاطّب نصًّا متنوعَ الفنون ، إذ اشتمل على : القرآن الكريم ، والنحو ، والبلاغة ، والموسيقى .

3 – استطاعت الخطيبة تسخير ثقافتها المستمدة من الرسالة النبوية الممثلة بشخص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والإمام علي (عليه السلام) في خدمة النص ، مستعملةً في ذلك الظواهر اللغوية ، والنحوية ، والبلاغية ، والصوتية المتعددة ؛ قصد التأثير في المخاطب ، فضلا عما انمازت به الخطبة من براعة الإلقاء ، وقوة شخصية الخطيبة ، القادرة على استمالة أسماع المخاطبين الذي تميزوا بتنوعهم ، كاسبةً بذلك الغرض المراد ، عن طريق التأثير ، بأسلوب انماز بالشدة واللين ، والحِجاج بإيراد الأدلة العقلية من آي الذكر الحكيم ؛ لغرض الدفاع عن حقها المستلب من الطرف الآخر .

  وبهذا تحققت الغاية المرجوة من الخطبة ، ولا سيما أن الغاية منها التأثير والإقناع ، فضلا عن الإمتاع والمؤانسة للمتلقي .

الإحالات

  1. ينظر : لسان العرب : مادة ( متع ) . وينظر المعجم الوسيط مادة ( متع ) .

  2. ينظر : لسان العرب : مادة ( أَنس ) . وينظر المعجم الوسيط مادة (أَنس) .

  3. ـفن الخطابة : ص9 .

  4. كشف الغمة في معرفة الأئمة :2/105.

  5. أنوار الزهراء ( عليها السلام ) : ص 50.

  6. رماد الشعر :155.

  7. جرس الألفاظ ودلالاتها في البحث البلاغي والنقدي عند العرب : 133.

  8. أنوار الزهراء : 50.

  9. المصدر السابق : 50 .

  10. حياة الزهراء بعد أبيها : ص 122 .

  11. أنوار الزهراء :50 .

  12. المصدر السابق: 51.

  13. المصدر السابق : 51 .

  14. سورة التوبة ، آية 128 .

  15. أنوار الزهراء : 51 .

  16. المصدر السابق : 52.

  17. المصدر السابق : 53.

  18. المصدر السابق : 53ــــ54 .

  19. المعجم الوسيط ( مادة بنى ) .

  20. نحو النص : 118.

  21. ينظر : بناء القصيدة الفني في النقد القديم والمعاصر : 5، والشعر والشعراء :94، وعيار الشعر :11، ودلائل الإعجاز : 44.

  22. أنوار الزهراء : 50ـــــ51 ، الزهراء عليها السلام وخطبة فدك :30 – 54.

  23. المصدر السابق : 51.

  24. المصدر السابق : 51.

  25. المصدر السابق : 51ــــ52 .

  26. المصدر السابق : 52 ـــ 53 .

  27. المصدر السابق : 53.

  28. المصدر السابق : 53ــــ 54 .

  29. ينظر : الأسلوب : 43 .

  30. شرح التلخيص في علوم البلاغة : 83.

  31. أنوار الزهراء : 52.

  32. المصدر السابق : 52 .

  33. المصدر السابق : 53.

  34. المصدر السابق : 53.

  35. المصدر السابق : 53.

  36. المصدر السابق : 53.

  37. المصدر السابق : 51.

  38. المصدر السابق : 53.

  39. المصدر السابق : 53.

  40. ينظر : النحو الوافي : ج4/1.

  41. المصدر السابق : 51ــ53.

  42. المصدر السابق : 53.

  43. يُنظر: البلاغة والتطبيق : 141-142 .

  44. كتاب الصناعتين: 141.

  45. الأساليب الإنشائية : 1.

  46. ينظر : مختصر النحو : 19.

  47. أنوار الزهراء : 54.

  48. يُنظر: جواهر البلاغة : 73 .

  49. أنوار الزهراء : 54.

  50. ينظر جواهر البلاغة 74.

  51. عروس الأفراح : ج2/324 .

  52. أنوار الزهراء : 51.

  53. اقتباس من سورة آل عمران : 102 .

  54. يُنظر: جواهر البلاغة : 78 .

  55. أنوار الزهراء : 52.

  56. المصدر السابق : 51ــ 52 .

  57. المصدر السابق : 50.

  58. المصدر السابق : 52.

  59. المصدر السابق : 54.

  60. المصدر السابق : 54 .

  61. القضايا البلاغية والأسلوبية : 137.

  62. أنوار الزهراء : 52.

  63. المصدر السابق : 52 .

  64. المصدر السابق : 52.

  65. لسان العرب : مادة / مذق .

  66. أنوار الزهراء : 52.

  67. المصدر السابق : 51.

  68. أسرار البلاغة : 20.

  69. معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب : 315.

  70. أنوار الزهراء : 52.

  71. المصدر السابق : 52.

  72. لسان العرب : مادة ، قذف .

  73. لسان العرب : مادة ، صمخ .

  74. يُنظر: فنون التصوير البياني ، توفيق الفيل : 143 .

  75. أنوار الزهراء : 53.

  76. ينظر : أسرار البلاغة : 120.

  77. أنوار الزهراء : 51.

  78. المصدر السابق : 51.

  79. المصدر السابق : 52 .

  80. لسان العرب : مادة/ ثبج .

  81. .لسان العرب :مادة / كظم .

  82. أنوار الزهراء : 52.

  83. من أساليب الشعرية : 21 .

  84. قضايا الشعر في النقد العربي : 36.

  85. ينظر : معجم المصطلحات العربية في اللغة والأدب : 188.

  86. معجم مصطلحات البلاغة وتطورها : 367.

  87. أنوار الزهراء : 50.

  88. المصدر السابق : 52.

المصادر والمراجع

  • القرآن الكريم

  • الأساليب الإنشائية في النحو العربي ، عبد السلام محمد هارون ، ط2، مكتبة الخانجي ، مصر ، 1979 م .

  • الأسلوب : دراسة بلاغية لأصول الأساليب الأدبية ، أحمد الشايب ، ط12، مكتبة النهضة المصرية ، القاهرة ، 2003 م .

  • أسرار البلاغة ، عبد القاهر الجرجاني ، تحقيق : السيد محمد رشيد رضا ، ط6، مكتبة القاهرة ، 1959م.

  • أنوار الزهراء ( عليها السلام ) ، السيد حسن الأبطحي ، ترجمة : ناصر النجفي ، مؤسسة النبراس ، العراق ، النجف الاشرف ، ط1، 2003م .

  • ـ البلاغة والتطبيق، د. احمد مطلوب، د. كامل حسن البصير ، مطبعة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، بغداد ، العراق ، ط2 ، 1420هـ ، 1999 م .

  • بناء القصيدة الفني في النقد القديم والمعاصر ، مرشد الزبيدي ، بغداد ، 1994م.

  • جرس الألفاظ ودلالاتها في البحث البلاغي والنقدي عند العرب ، ماهر مهدي ، وزارة الثقافة والإعلام ، بغداد ،1980.

  • جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع ، احمد الهاشمي ، ط12، مصر ، المكتبة التجارية الكبرى ، 1960م.

  • حياة الزهراء بعد أبيها ، فضل علي القزويني ، مشهد ، 1426 .

  • دلائل الإعجاز، عبد القاهر الجرجاني ، تصحيح : محمد عبدة ، مطبعة مجلة المسار، مصر 1341هـ .

  • رماد الشعر ، دراسة في البنية الموضوعية والفنية للشعر الوجداني الحديث في العراق، د. عبد الكريم راضي جعفر ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، ط1، 1998 م.

  • الزهراء عليها السلام وخطبة فدك : شرح العلامة المولى الشيخ محمد بقر المجلسي ، علَّقَ عليه وأكمله : آية الله الشيخ محمد تقي شريعتمداري ، دار كلستان كوثر للنشر، ط1 ، 1423 هـ – 2003 م .

  • شرح التلخيص في علوم البلاغة ، جلال الدين القزويني (ت 731هـ) ، تحقيق : محمد هاشم دوريدي ، منشورات دار الحكمة ، دمشق ، ط1، 1971م .

  • الشعر والشعراء ، أبو محمد عبد الله مسلم بن قتيبة ، ط2، دار الثقافة ، بيروت ، 1996 م.

  • عروس الأفراح ، بهاء الدين السبكي ، مطبعة عيسى الحلبي ، مصر ، (د.ت ) .  

  • علم اللغة النصي ، د. صبحي إبراهيم الفقي ، القاهرة ، 2000 .

  • عيار الشعر ، ابن طباطبا العلوي ، تحقيق : د. طه الحاجري ، المكتبة التجارية الكبرى ، القاهرة 1956 م .

  • فن الخطابة ، أحمد محمد الحوفي ، مكتبة نهضة مصر ومطبعتها ، ط2 ، 1949م.

  • فنون التصوير البياني ، د. توفيق الفيل ، منشورات ذات السلاسل للطباعة والنشر والتوزيع ، الكويت ، ط1 ، 1407هـ ، 1987 م .

  • القضايا البلاغية والأسلوبية في مفتاح العلوم للسكاكي ، د. محمد صلاح أبو حميدة ، أطروحة دكتوراه ، القاهرة ، 1996 م .

  • قضايا الشعر في النقد العربي ، د.إبراهيم عبد الرحمن محمد ، ط2، دار العودة ، ، بيروت ، 1986م.

  • كتاب الصناعتين في الكتابة والشعر : أبو هلال العسكري (ت 395 هـ) : تحقيق : علي محمد البجاوي ومحمد أبو الفضل إبراهيم، دار الفكر العربي ، ط 2 ، د.ت .

  • كشف الغمة في معرفة الأئمة ، للإربلّي ، بيروت ، 1981 م .

  • لسان العرب ، ابن منظور ،تحقيق:عبد الله علي الكبير،محمد احمد حسب الله، هاشم محمد الشاذلي، دار المعارف بمصر ، (د.ت) .

  • مختصر النحو ، د. عبد الهادي الفضيلي ، ط7 ، دار الشروق ، جدة ، 1980 م .

  • معجم مصطلحات البلاغة وتطورها ، د. احمد مطلوب ، ط2، مكتبة لبنان ، بيروت ، 1996م.

  • معجم المصطلحات العربية في اللغة و الأدب ، مجدي وهبة ، كامل المهندس ، مكتبة لبنان ، بيروت ، 1979 م .

  • المعجم الوسيط ، أخرجه إبراهيم العقاد وآخرون ، تحقيق : عبد السلام محمد هارون، المكتبة العلمية .

  • من أساليب الشعرية ، د.صلاح فضل ، دار قباء ،القاهرة ، 1998 م .

  • نحو النص ، نقد النظرية وبناء أخرى ، د. عمر أبو خرمة ، الأردن ، 2004 م .

  • النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة ، عباس حسن ، ط1 ، دار المعارف ، القاهرة ، 1987م .

maram host