مركز الدراسات الفاطمية
مركز الدراسات الفاطمية
الموضوعات في السيرة الفاطمية ((الرواية الرابعة  السيدة فاطمة(ع) تشتهي الرمان)) الشيخ الدكتور ثائر العقيلي
+ = -

الرواية الرابعة

 السيدة فاطمة(ع) تشتهي الرمان

روى العلامة الشيخ عثمان بن حسين بن أحمد الخوبوي في ” درة الناصحين ” : عن كعب الأحبار أنه قال : (( مرضت فاطمة (رضي الله عنه) فجاء علي إلى منزلها فقال : يا فاطمة ما يريد قلبك من حلاوات الدنيا . فقالت : يا علي أشتهي رمانا ، فتفكر ساعة لانه ما كان معه شيء ، ثم قام وذهب إلى السوق واستقرض درهما واشترى به رمانة ، فرجع إليها فرأى شخصا مريضا مطروحا على قارعة الطريق ، فوقف علي فقال له : ما يريد قلبك يا شيخ ، فقال : يا علي خمسة أيام هنا وأنا مطروح ومر الناس علي ولم يلتفت أحد إلي يريد قلبي رمانا ، فتفكر في نفسه ساعة فقال لنفسه : اشتريت رمانة واحدة لاجل فاطمة، فان أعطيتها لهذا السائل بقيت فاطمة محرومة وان لم أعطه خالفت قوله تعالى ” وأما السائل فلا تنهر ” والنبي 7 قال : لا تردوا السائل ولو كان على فرس ، فكسر الرمانة فأطعم الشيخ فعوفي في الساعة و عوفيت فاطمة (رضي الله تعالى عنها )، وجاء علي وهو مستحي فلما رأته فاطمة( رضي الله عنها) قامت إليه وضمته إلى صدرها ، فقالت : أما انك مغموم فوعزة الله تعالى وجلاله انك لما أطعمت ذلك الشيخ الرمانة زال عن قلبي اشتهاء الرمان . ففرح علي بكلامها فأتى رجل فقرع الباب فقال علي ” رض ” : من أنت ؟ فقال : أنا سلمان الفارسي افتح الباب . فقام علي وفتح الباب و رأى سلمان الفارسي وبيده طبق مغطى رأسه بمنديل ، فوضعه بين يديه فقال علي : ممن هذا يا سلمان ؟ فقال : من الله إلى الرسول ومن الرسول إليك . فكشف الغطاء فإذا فيه تسع رمانات ، فقال : يا سلمان لو كان هذا إلي لكان عشرا لقوله تعالى ” من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ” . فضحك سلمان فأخرج رمانة من كمه فوضعها في الطبق فقال : يا علي والله كانت عشرا ولكن أردت بذلك أن أجربك)) . ([1]).

بعد دراسة النص نسجل عدد من الملاحظات عبر محورين هما:

اولاً-الســــند.

نلاحظ على الرواية مرسلة عن كعب الاحبار الذي يكنى  أبا إسحاق أدرك عهد النبي6ولم يره ،([2]).وقد أختلف في تاريخ دخوله الى الإسلام على عدد من الاقول  منها : الاول : أسلم في خلافة عمر بن الخطاب،([3]).والثاني :  أسلم في خلافة ابي بكر،([4]).وقد كان يهوديا وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر بن الخطاب. ([5]).وكان يتحدث بين يديه عنه بأشياء من علوم أهل الكتاب فيستمع له عمر تأليفا له ، وتعجبا مما عنده مما يوافق كثير منه الحق الذي ورد به الشرع المطهر فاستجاز كثير من الناس نقل ما يورده كعب الأحبار لهذا ، ولما جاء من الاذن في التحديث عن بني إسرائيل لكن كثيرا ما يقع مما يرويه غلط كبير وخطأ كثير ،وقد روى البخاري في صحيحه  عن معاوية أنه كان يقول في كعب الأحبار ( وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب ) أي فيما ينقله لا أنه يتعمد ذلك والله أعلم . ([6]).

لم نجد له في المصادر الرجالية قدحاً صريحاً على الرغم من ذكرهم في ترجماته دوره في ادخال الاسرائيليات الى تاريخ الإسلام ،على عكس المصادر الشيعية التي روت عنه عدم التوثيق والقطع بكذبه الصريح ،ومما روي في هذا الصدد ماروي عن عن زرارة ، قال : كنت قاعدا إلى جنب أبي جعفر 7 ، وهو محتب مستقبل الكعبة ، فقال 7 : أما إن النظر إليها عبادة ، فجاءه رجل من بجيلة ، يقال له : عاصم بن عمر ، فقال لأبي جعفر 7 : إن كعب الأحبار كان يقول : إن الكعبة تسجد لبيت المقدس في كل غداة ! ، فقال أبو جعفر 7 : فما تقول فيما قال كعب ؟ ، فقال : صدق القول ما قال كعب ! ، فقال أبو جعفر 7 : كذبت وكذب كعب الأحبار معك ، وغضب ، قال زرارة : ما رأيته استقبل أحدا بقول : كذبت غيره)). ([7]).وقال النمازي عنه : يهودي منحرف جاهل([8]).

ومن ابرز الباحثين اللذين بينوا حقيقة كعب الاحبار ابو ريه بقوله: ((ما كاد أبو هريرة يرجع إلى المدينة معزولا عن ولايته بالبحرين حتى تلقفه الحبر الأكبر كعب الأحبار اليهودي ، وأخذ يلقنه من إسرائيلياته ، ويدس له من خرافاته ، … ومن عجيب أمر هؤلاء الذين يطلقون عليهم جمهور المسلمين أنه على رغم ما قيل فيهما ، وما ثبت من أكاذيبهما ثبوتا بينا ، لا يزالون يثقون بهما ، ويأخذون بما يرويانه وفيه ما لا يقبله عقل صريح ولا نقل صحيح ثم يجعلون الأول من خيار التابعين ويجعلون الآخر راوية الإسلام من بين جميع المسلمين )) ([9]). ومن هنا يتضح الحكم بعدم وثاقته وعدالته وعداوته للاسلام.

ثانياً: المــــتن.

وابرز ما نسجل على المتن التالي.

1-تعتبر هذه الرواية من المرويات التي روتها مصادر مدرسة الخلفاء ،وحسب تتبعنا يعتبر الخوبري اول من روى هذه الرواية في كتابة (درة الناصحين).

2- يلاحظ في مقدمة كتاب درة الناصحين للخوبري ان تاريخ وفاته كانت عام 1809 تقريبا،  ([10]).وهذا ماصرح به كحالة ايضاً ([11]).فيكون من المتأخرين.

3-لم نوفق في الوقوف لهذه الرواية على مصادر تصنف ضمن المصادر الاولية للمدرستين الشيعية والسنية،الأمر يرقي الشك في عدم القول في صحتها لدينا.

4-اعتقد ان من ادخل هذه الرواية من مصادر مدرسة الخلفاء الى مصادر مدرسة اهل البيت :،التستري في كتابه إحقاق الحق ، المشكون في تاريخ وفاته ، وعلى فرص صحة وفاته  سنة 1019 هجرية،يكون كذلك من العلماء المتأخرين.

5-يسجل على الراوي عدم امتلاك الادب عند الحديث مع ثلاث شخصيات تصنف ضمن الصحابة،كونه ترضى عن السيدة فاطمة3، اما الإمام علي بن ابي طالب7 أشار اليه مرات عديدة ولم يترض عنه مطلقاً فظلاً عن سلمان الفارسي (رضوان الله عليه ).

6-أن حديث الإمام علي بن ابي طالب 7 مع السيدة فاطمة 3،يعكس مستوى الطالب والمطلوب ،فهما أجل من هكذا مستوى ،في حال المرض لشدة تعلقهم بالله تعالى فهو المشافي الحقيقي ،وهكذا حال ينطبق مع احوال عامة الناس ،وليس مع أهل بيت العصمة والطهارة (سلام الله عليهم).

7-ان السيدة فاطمة 3 وعدها رسول الله 6 ،بتجرع مرارة الدنيا لتذوق حلاوة نعيم الاخرة ،وذلك في ماروي عنه عن الإمام جعفر بن محمد الصادق 7 قال : (( دخل رسول الله 6 على فاطمة 3 وعليها كساء من ثلة الإبل وهي تطحن بيدها وترضع ولدها ، فدمعت عينا رسول الله 6 لما أبصرها ، فقال : يا بنتاه تعجلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة ، فقد أنزل الله علي ” ولسوف يعطيك ربك فترضى”)).([12]).

8-ان السيدة فاطمة 3 أجل من تكلف زوجها ما لايطيق وهي تدرك انه لا يملك قيمة الشيء المطلوب،لان ذلك خلاف حقيقة المشاركة الزوجية بين الزوجين.والإسلام اكد على هذه المعاني.

9-ليس من الغريب ان يشاهد الإمام علي بن ابي طالب 7،شيخاُ مريضاً في الطريق ،ولكن الغريب إن الإمام 7 هو من بادر في طرح السؤال عليه فقال : مايريد قلبك ياشيخ كما كان حال السؤال للسيدة فاطمة 3،والغريب ايضاَ ان يرمى المريض خمسة ايام على قارعة الطريق من دون ان يقدم له احد الصحابة المساعدة،والأكثر غرابة ان الشيخ المريض يرغب في الرمان حاله حال السيدة فاطمة 3، وهذه من الامور التي لا يمكن حملها على الصدفة مطلقاً.

10-أكد النص على معجزة الرمانة التي تركت أثرها السريع في شفاء الشيخ المريض،من دون بيان السر هل كان في ذات الرمانة ام لعلاقتها بالسيدة فاطمة 3 والإمام علي 7.فضلاً عن شفاء السيدة فاطمة 3 كذلك.

11-  أشار النص الى حال مجي الإمام7 بما نصه : (وجاء علي وهو مستحي فلما رأته فاطمة( رضي الله عنها) قامت إليه وضمته إلى صدرها ، فقالت : أما انك مغموم فوعزة الله تعالى وجلاله انك لما أطعمت ذلك الشيخ الرمانة زال عن قلبي اشتهاء الرمان)،وفي ذلك ،أمرين : الاول :ضْم الإمام 7 من قبل السيدة3 أمر لايخلو من أشارات خاصة،فأذا قلنا ان الراوي الاول كعب الاحبار قد روى إن الإمام 7 ليس من الأدب والكياسة ان يخبره بهكذا أمر،والثاني:العلم الغيبي لدى السيدة 3 في تناول الشيخ الفقير وسرعة الاثر عليها.

12- من الغريب بل والمستغرب قيام سلمان الفارسي (رضوان الله عليه) بهكذا موقف ليجرب به الإمام علي بن ابي طالب 7 وهو الذي عاش معه سنوات طويلة، لذلك لا اعتقد ان هذا الحواري الجليل ينطلق من هكذا منطلقات ساذجة.

وبعد دراسة هذا النص وما سجل عليه من ملاحظات نتبنى عدم صحته والحكم عليه بالوضع ،بهدف تشوية سيرة السيدة فاطمة 3 والإمام علي بن ابي طالب 7.

 

[1] – الخوبري ،درة الناصحين ،123/ التستري ،إحقاق الحق ، 19 ،111./المرعشي ،شرح احقاق الحق،251،14.

[2] – ابن الاثير،اسد الغابة،247،4

[3] – ابن الاثير،اسد الغابة،247،4 / ابن كثير،البداية والنهاية،19،1.

[4] – الذهبي ،الكاشف ،148،2.

[5] – الذهبي ،سيراعلام النبلاء،490،3  .

[6] – ابن كثير،البداية والنهاية،19،

[7] – الخوئي ،معجم رجال الحديث،202،10  .

[8] -مستدركات علم الرجال،540،8.

[9] – .ابوريه ،شيخ المضيرة ابو هريرة،34.

[10] – الخوبري ،درة الناصحين ،3.

[11] – معجم المؤلفين ،266،2

[12] – الطبرسي،تفسيرمجمع البيان ،382،10/ابن شهر اشوب ،مناقب ،120،3/المجلسي ،بحارالأنوار،143،43.

maram host