مركز الدراسات الفاطمية
مركز الدراسات الفاطمية
[وصية الزهراء (عليها السلام) وحال وفاتها ودفنها…السيد محسن الامين
+ = -

  

[وصية الزهراء (عليها السلام) وحال وفاتها ودفنها]

لما مرضت فاطمة الزهراء (عليها السلام) مرضها الذي توفيت فيه جعلت توصي عليا (عليه السلام) وتعهد إليه عهودها فمما جاء في وصيتها ما روي أن عليا (عليه السلام) وجده عند رأسها بعد ما توفيت وهي رقعة فيها :

                                                       بسم الله الرحمن الرحيم

هذا ما أوصت به فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أوصت وهي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور يا علي حنطني وغسلني وكفني وصل علي وادفني بالليل ولا تعلم أحدا واستودعك الله واقرأ على ولدي السلام إلى يوم القيامة .

وذكر جماعة أنها لما مرضت دعت أم أيمن وأسماء بنت عميس وعليا (عليه السلام) وأوصت إلى علي بثلاث وصيا الأول أن يتزوج بامامة بنت أختها زينب لحبها أولادها وقالت إنها تكون لولدي مثلي وفي رواية قالت بنت أختي وتحني على ولدي وامامة هذه هي بنت أبي العاص بن الربيع وهي التي روي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يحملها في الصلاة وأمها زينب بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما توفيت الزهراء (عليها السلام) تزوج أمير المؤمنين (عليه السلام) امامة كما أوصته ومن أجل ذلك قال : أربعة ليس إلى فراقهن سبيل وعد منهن امامة قال أوصت بها فاطمة الثانية أن يتخذ لها نعشا ووصفته له وفي رواية أن أسماء بنت عميس قالت لها إني إذ كنت بأرض الحبشة رأيتهم يصنعون شيئا فان أعجبك اصنعه لك فدعت بسرير فاكبته لوجهه ثم دعت بجرائد فشدتها على قوائمه وجعلت عليه نعشا ثم جللته ثوبا فقالت فاطمة (عليها السلام) اصنعي لي مثله استريني سترك الله من النار .

وفي الاستيعاب بسنده أن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قالت لأسماء بنت عميس إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء أنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها فقالت أسماء يا بنت رسول الله ألا أريك شيئا رأيته بأرض الحبشة فدعت بجرائد رطبة فحنتها ثم طرحت عليها ثوبا فقالت فاطمة ما أحسن هذا وأجمله تعرف به المرأة من الرجل ثم قال : فاطمة أول من غطي نعشها في الاسلام على الصفة المذكورة ثم بعدها زينب بنت جحش (اه).

وكانت الزهراء (عليه السلام) لشدة محافظتها على الستر والعفاف حتى أنها لما قال لها أبوها (صلى الله عليه وآله) ما خير للمرأة قالت أن لا ترى رجلا ولا يراها رجل مهتمة كثيرا لأمر وضعها على السرير وحملها ظاهرة وشكت ذلك إلى أسماء بنت عميس فوصفت لها النعش فتبسمت فرحا بذلك بعد أن لم تر ضاحكة ولا متبسمة بعد وفاة أبيها إلى ذلك الحين وبذلك يعرف قدر اهتمامها بهذا الأمر .

روى الحاكم في المستدرك بسنده عن علي بن الحسين عن ابن عباس قال مرضت فاطمة مرضا شديدا فقالت لأسماء بنت عميس ألا ترين إلى ما بلغت احمل على السرير ظاهرا فقالت أسماء لا لعمري ولكن اصنع لك نعشا كما رأيت يصنع بأرض الحبشة قالت فأرينيه فأرسلت أسماء إلى جرائد رطبة وجعلت على السرير نعشا وهو أول ما كان النعش قالت أسماء فتبسمت فاطمة وما رأيتها مبتسمة بعد أبيها إلا يومئذ الحديث وبضدها تتميز الأشياء الثالثة أن لا يشهد أحدا جنازتها ممن كانت غاضبة عليهم وأن لا يترك أن يصلي عليها أحد منهم وأن يدفنها ليلا إذا هدأت العيون ونامت الأبصار ويعفي قبرها وكان مما أوصت به عليا (عليه السلام) أن تحنط بفاضل حنوط رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان أربعين درهما فقسمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) أثلاثا ثلثا لنفسه وثلثا لعلي وثلثا لفاطمة وأن يغسلها في قميصها ولا يكشفه عنها لأنها كانت قد اغتسلت قبل وفاتها بيسير وتنظفت ولبست ثيابها الجدد و من ذلك توهم بعضهم أن المراد أن تدفن بذلك الغسل وهو غير صحيح كما يأتي وفي رواية أنها أوصت لأزواج النبي (صلى الله عليه وآله) لكل واحدة منهن باثنتي عشرة أوقية والأوقية أربعون درهما ولنساء بني هاشم مثل ذلك وأوصت لامامة بنت أختها زينب بشئ .

وروى ابن عبد البر في الاستيعاب أن فاطمة (عليها السلام) قالت لأسماء بنت عميس إذا انا مت فاغسليني أنت وعلي ولا تدخلي علي أحدا ؛ ومثله روى أبو نعيم في الحلية ثم قال فلما توفيت غسلها علي وأسماء وروى ابن سعد في الطبقات بسنده عن أبي رافع عن سلمى وفي الإصابة اخرج ابن سعد وأحمد بن حنبل من حديث أم رافع قالت مرضت فاطمة فلما كان اليوم الذي توفيت فيه خرج علي فقالت لي يا أمة اسكبي لي غسلا فسكبت لها فأغسلت كأحسن ما كانت تغتسل ثم قالت ائتيني بثيابي الجدد فاتيتها بها فلبستها ثم قالت اجعلي فراشي وسط البيت فجعلته اضطجعت عليه واستقبلت القبلة ثم قالت لي يا أمه اني مقبوضة الساعة وقد اغتسلت فلا يكشفن لي أحد كتفا فماتت (اه) .

وروى أبو نعيم في الحلية أنها لما حضرتها الوفاة امرت عليا فوضع لها غسلا فاغتسلت وتطهرت ودعت بثياب أكفانها فاتيت بثياب غلاظ خشن فلبستها ومست من الحنوط ثم امرت عليا أن لا تكشف إذا قبضت وأن تدرج كما هي في ثيابها (اه) والظاهر أن هذا الغسل الذي اغتسلته (صلى الله عليه وآله) كان لأجل التنظيف والتطهر لتغسل بعد وفاتها في ثيابها طاهرة نظيفة ولا تكشف لأنه أبلغ في الستر وأقل كلفة على من يغسلها لا أنه كان غسل الأموات لعدم جواز تقديمه على الموت في مثل المقام وتوهم بعضهم أنه غسل الأموات وليس بصواب فلما توفيت صاح أهل المدينة صيحة واحدة واجتمعت نساء بني هاشم في دارها فصرخن صرخة واحدة كادت المدينة تتزعزع من صراخهن وهن يقلن يا سيدتاه يا بنت رسول الله واقبل الناس مثل عرف الفرس إلى علي (عليه السلام) وهو جالس والحسن والحسين(عليهما السلام) بين يديه يبكيان فبكى الناس لبكائهما وخرجت أم كلثوم وعليها برقعها تجر ذيلها متجللة برداء وهي تبكي وتقول يا أبتاه يا رسول الله الآن حقا فقدناك فقدا لا لقاء بعده ابدا واجتمع الناس فجلسوا وهم يرجون وينتظرون أن تخرج الجنازة فيصلوا عليها فخرج أبو ذر وقال انصرفوا فان ابنة رسول الله قد اخر اخراجها هذه العشية فقام الناس وانصرفوا .

وفي كتاب روضة الواعظين : إن فاطمة (عليها السلام) لم تزل بعد وفاة أبيها (صلى الله عليه وآله) مهمومة مغمومة حزونة مكروبة كئيبة باكية ثم مرضت مرضا شديدا ومكثت أربعين ليلة في مرضها إلى أن توفيت (صلوات  الله عليها) فلما نعيت إليها نفسها دعت أم أيمن وأسماء بنت عميس ووجهت خلف علي فأحضرته فقالت يا ابن عم انه قد نعيت إلي نفسي وانني لا ارى ما بي الا انني لاحقة بأبي ساعة بعد ساعة وانا أوصيك بأشياء في قلبي ؛ قال لها علي (عليه السلام) أوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله فجلس عند رأسها واخرج من كان في البيت ثم قالت يا ابن عم ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني فقال (عليه السلام) معاذ الله أنت اعلم بالله وابر واتقى وأكرم وأشد خوفا من الله من أن أوبخك بمخالفتي وقد عز علي مفارقتك وفقدك إلا أنه أمر لا بد منه والله لقد جددت علي مصيبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد عظمت وفاتك وفقدك فانا لله وانا إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضها واحزنها هذه والله مصيبة لا عزاء عنها ورزية لا خلف لها ثم بكيا جميعا ساعة واخذ علي رأسها وضمها إلى صدره ثم قال أوصيني بما شئت فإنك تجديني وفيا امضي كل ما أمرتني به واختار امرك على أمري قالت جزاك الله عني خير الجزاء يا ابن عم ثم أوصته بما أرادت فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) بجميع ما وصته به فغسلها في قميصها واعانته على غسلها أسماء بنت عميس .قال ابن عبد البر في الاستيعاب : غسلها علي بن أبي طالب مع أسماء بنت عميس . وروى الحاكم في المستدرك بسنده عن أسماء بنت عميس قالت غسلت انا وعلي فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) (اه) وكان علي هو الذي يباشر غسلها وأسماء تعينه على ذلك وبهذا يرتفع استبعاد بعضهم أن تغسلها أسماء مع علي وهي أجنبية عنه لأنها كانت يومئذ زوجة أبي بكر وفي بعض الأخبار أنه أمر الحسن والحسين (عليه السلام) يدخلان الماء ولم يحضرها غيره وغير الحسنين وزينب وأم كلثوم وفضة جاريتها وأسماء بنت عميس : قال ابن عبد البر في الاستيعاب : فلما توفيت جاءت عائشة تدخل فقالت أسماء لا تدخلي فشكت إلى أبي بكر فقالت أن هذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد جعلت لها مثل هودج العروس فجاء فوقف على الباب فقال يا أسماء ما حملك على أن منعت أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) أن يدخلن على بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجعلت لها مثل هودج العروس فقالت أمرتني أن لا يدخل عليها أحد واريتها هذا الذي صنعت وهي حية فامرتني أن اصنع ذلك لها قال أبو بكر فاصنعي ما أمرتك ثم انصرف (اه). وكفنها علي (عليه السلام) في سبعة أثواب وحنطها بفاضل حنوط رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم صلى عليها وكبر خمسا ودفنها في جوف الليل وعفى قبرها ولم يحضر دفنها والصلاة عليها إلا علي والحسنان (عليه السلام) وعمار والمقداد وعقيل والزبير وأبو ذر وسلمان وبريدة ونفر من بني هاشم وخواص علي (عليه السلام) .

واختلف في موضع دفنها فقيل دفنت في بيتها وهو الأصح الذي يقتضيه الاعتبار وقيل دفنت في البقيع وسوى علي (عليه السلام) حول قبرها قبورا مزورة حتى لا يعرف أحد موضعه. وروى ابن سعد في الطبقات أنه نزل في حفرة فاطمة العباس وعلي والفضل . وروى عدة روايات بعدة أسانيد أن عليا (عليه السلام) هو الذي صلى عليها . وروى ابن سعد أيضا روايات كثيرة بعدة أسانيد عن الزهري أن عليا (عليه السلام) دفن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليلا ؛ وبسنده عن جابر عن الباقر (عليه السلام) قال دفنت فاطمة ليلا . وروى أيضا عدة روايات عن موسى بن علي عن بعض أصحابه وعن عائشة وعن يحيى بن سعيد أن فاطمة دفنت ليلا بسنده عن علي بن الحسين قال سألت ابن عباس متى دفنتم فاطمة فقال دفناها بليل بعد هدأة قلت فمن صلى عليها قال علي . وروى الحاكم بسنده عن عائشة قالت دفنت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليلا ولم يشعر بها أبو بكر حتى دفنت وصلى عليها علي بن أبي طالب.

وقال ابن عبد البر في الاستيعاب صلى عليها علي بن أبي طالب وهو الذي غسلها مع أسماء بنت عميس وكانت أشارت عليه أن يدفنها ليلا . وأورد السمهودي في وفاء الوفا باخبار دار المصطفى عدة روايات دالة على أنها دفنت ليلا ومنها ما حكاه عن البيهقي أنه قال وقد ثبت أن أبا بكر لما يعلم بوفاة فاطمة (عليها السلام) لما ثبت في الصحيح أن عليا دفنها ليلا ولم يعلم أبا بكر . وعن الطبري في دلائل الإمامة عن محمد بن همام أن عليا (عليه السلام) دفنها بالروضة وعفى موضع قبرها قال وأصبح البقيع ليلة دفنت وفيه أربعون قبرا جدد . وروي أن أمير المؤمنين قام بعد دفنها (عليها السلام) فحول وجهه إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال : السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك وزائرتك النازلة في جوارك والبائتة في الثرى ببقعتك والمختار الله لها سرعة اللحاق بك قل يا رسول الله عن صفيتك صبري ورق عنها تجلدي إلا أن في التأسي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعز فلقد وسدتك في ملحود قبرك وفاضت بين نحري وصدري نفسك بلى وفي كتاب الله لي نعم القبول إنا لله وانا إليه راجعون قد استرجعت الوديعة واخذت الرهينة واختلست الزهراء فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله اما حزني فسرمد واما ليلي فمسهد إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم كمد مقيح وهم مهيج سرعان ما فرق بيننا وإلى الله أشكو وستنبئك ابنتك بتضافر أمتك على هضمها فأحفها السؤال واستخبرها الحال فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلا وستقول ويحكم الله وهو خير الحاكمين والسلام عليكما سلام مودع لا قال ولا سئم فان انصرف فلا عن ملالة وإن أقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصابرين واها واها والصبر أيمن وأجمل ولولا غلبة المستولين لجعلت المقام واللبث لزاما معكوفا ولاعولت إعوال الثكلى على جليل الرزية فبعين الله تدفن ابنتك سرا وتهضم حقها وتمنع ارثها ولم يطل العهد ولم يخلق منك الذكر إلى الله يا رسول الله المشتكى وفيك يا رسول الله أحسن العزاء صلى الله عليك وعليك وعليها السلام والرضوان .ولما دفنها علي (عليه السلام) قام على شفير القبر فانشأ يقول وقال الحاكم في المستدرك لما ماتت فاطمة قال علي بن أبي طالب :

 لكل اجتماع من خليلين فرقة * وكل الذي دون الفراق قليل

 وان افتقادي فاطما بعد احمد * دليل على أن لا يدوم خليل

وعن الطبري في دلائل الإمامة عن محمد بن همام أن المسلمين لما علموا وفاتها جاءوا إلى البقيع فوجدوا فيه أربعين قبرا فاشكل عليهم موضع قبرها من سائر القبور فضج الناس ولام بعضهم بعضا وقالوا لم يخلف نبيكم فيكم إلا بنتا واحدة تموت وتدفن ولم تحضروا وفاتها والصلاة عليها ولا تعرفوا قبرها ثم قال ولاة الأمر منهم هاتوا من نساء المسلمين من ينبش هذه القبور حتى نجدها فنصلي عليها ونزور قبرها فبلغ ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) فخرج مغضبا قد احمرت عيناه ودرت أوداجه وعليه قباؤه الأصفر الذي كان يلبسه في كل كريهة وهو متكئ على سيفه ذي الفقار حتى ورد البقيع فسار إلى الناس النذير وقالوا هذا علي بن أبي طالب قد اقبل كما ترونه يقسم بالله لئن حول من هذه القبور حجر ليضعن السيف على غابر الآخر فتلقاه بعضهم فقال له ما لك يا أبا الحسن والله لننبشن قبرها ولنصلين عليها فضرب علي (عليه السلام) بيده إلى جوامع ثوبه فهزه ثم ضرب به الأرض وقال اما حقي فقد تركته مخافة أن يرتد الناس واما قبر فاطمة فوالله الذي نفس علي بيده لأن رمت وأصحابك شيئا من ذلك لأسقين الأرض من دمائكم فان شئت فاعرض فتلقاه آخر فقال يا أبا الحسن بحق رسول الله وبحق من فوق العرش الا خليت عنه فانا غير فاعلين شيئا تكرهه فخلى عنه وتفرق الناس ولم يعودوا إلى ذلك .

المؤلف : السيد محسن الامين

الكتاب أو المصدر : أعيان الشيعة

الجزء والصفحة : ج1,ص469-472

maram host