مركز الدراسات الفاطمية
مركز الدراسات الفاطمية
خطاب المرحلة …..فاطمة (عليها السلام) الكوثر القاها الهنداوي 2008
+ = -

فاطمة (عليها السلام) الكوثر القاها الهنداوي

2008

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين

السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته..

السلام عليكم أيها المؤمنون المفجوعون باستشهاد الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء ورحمة الله وبركاته..

فاطمة الزهراء (عليها السلام) عطاءٌ متنوع

ثمانية عشر عاماً هو العمر الذي قضته الزهراء فاطمة بنت رسول الله (صلوات الله عليهما) في هذه الدنيا، وهو قصير في عمر الزمن، إلا أنه كان حافلاً بالعطاء والسمو والكمال.

منذ بداية وجودها وتكوّنها وهي تؤدي وظيفتها الرسالية بمؤانسة أمها خديجة الكبرى وردّ الوحشة عنها حيث عاشت عزلة ومقاطعة من نساء قريش بسبب إيمانها بما جاء به زوجها الكريم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فكانت خديجة تفرح بذلك وتذكره لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيفرح أيضاً ويخبر زوجته بعظمة شأن هذه الوليدة.

وتحمّلت مع أبيها (صلوات الله عليهما) وهي في السنين الأولى من عمرها أذى قريش فكانت تواسيه وتسلّيه وترفع عنه الأذى وتحمّلت معه (صلى الله عليه وآله وسلم) المعاناة والألم والجوع في شِعب أبي طالب ثلاث سنين حين فرضت قريش على بني هاشم ومن آمن برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مقاطعةً اقتصادية واجتماعية وعزلتهم في الشعب، وما انتهت هذه السنوات العجاف إلا بوفاة عضدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وركنيه عمّه أبي طالب وزوجته خديجة فسمي عام الحزن فعاشت الزهراء (عليها السلام) اليتم وفقدان هذه الأم العظيمة وهي لم تكمل ثمان سنين.

ولم يفتّ ذلك في عزيمتها وإرادتها في نصرة أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومؤازرته بل أغدقت عليه من العواطف والحنان والرحمة ما عوّضه عن أمه وزوجته حتى سمّاها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بـ(أم أبيها) فكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يجد عندها قلب الوالدة الرحيمة ودفء عواطف الزوجة الودودة وأنس الخليل المؤالف.

وعندما عزمت قريش على استئصال وجود رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في مكة وأمره ربه بالهجرة إلى المدينة فخرج (صلى الله عليه وآله وسلم) وخلّف علياً (عليه السلام) في فراشه للتمويه على الأعداء ثم لحقه بالفواطم نهاراً على مرأى ومسمع من طواغيت قريش الذين شعروا بالذل والهوان من هذا التحدي فأخرجت مجموعة مقاتلة لإعادة علي والنساء إلى مكة فواجههم أمير المؤمنين (عليه السلام) وقتل مقدمتهم فولّوا منهزمين وكانت الزهراء (عليها السلام) في ذلك الركب وتلك الرحلة الشاقة المحفوفة بالمخاطر.

وفي المدينة المنوّرة توسّعت المسؤولية وتنوعت أكثر فقد بدأ الجهاد من أجل بناء الدولة الإسلامية وبناء الأمة الإسلامية وبناء الأسرة الصالحة والمواجهة المسلحة مع أعداء الرسالة والدولة الفتية، وكانت الزهراء في قلب هذه المسؤوليات وقطب الرحى منها:

فهي المجاهدة التي تخرج مع أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وزوجها أمير المؤمنين في المعركة لتداوي الجرح وتخفف الألم وتقدم المساعدة وتجهّز عدة القتال.

وهي الأم التي تعين ولديها سبطي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيدي شباب أهل الجنة وتيسّر لهم سبل الكمال، ففي كتاب مفاتيح الجنان أنها كانت توفّر لهما قسطاً من الراحة في النهار ليتقويا على إحياء الليل بالعبادة خصوصاً في ليالي العشر الأواخر من شهر رمضان بالعبادة.

وهي الزوجة الصالحة المتكاملة وقد شهد لها بذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) حين سألته وهي توصي في ساعاتها الأخيرة: (يا ابن العم هل عهدتني كاذبة أو خائنة أو خالفتك منذ عاشرتني) فكان جوابه (عليه السلام): (معاذ الله أنت أبرّ وأوفى وأتقى من أن أوبّخك بمخالفتي) وقد لفتت (سلام الله عليها) بسؤالها أذهاننا إلى أصل كل أسباب الخلافات التي تحصل بين الزوجين وتؤدي إلى انهيار بيت الزوجية.

وهي المتابعة لتعاليم أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتوجيهاته وهمومه أولاً بأول فكانت كلما يعود ولداها الحسن والحسين (عليهما السلام) من مسجد جدهما رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تسألهما عما حدث من نزول وحي أو صدور أمر أو جواب مسألة وغيرها.

وهي العابدة التي تزهر في محرابها أنساً بلقاء ربها؛ قال الإمام الحسن (عليه السلام): (رأيت أمي فاطمة قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسمّيهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أماه لمَ لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يا بني الجار ثم الدار)([1]).

وهي المبادِرة لعمل كل ما يرضي الله ورسوله ويريده الله ورسوله وإن لم يصدر به أمر وإنما تندفع إلى العمل بمجرد علمها بإرادة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) له؛ (دخل عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) للسلام عليها بعد قدومه من سفرٍ له وفي عنقها قلادة من ذهب كان اشتراها لها علي بن أبي طالب من فيء وغنيمة أصابها فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا فاطمة لا يقول الناس إن فاطمة بنت محمد تلبس لباس الجبابرة فقطعتها وباعتها واشترت بها رقبة فأعتقتها فسُرَّ بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) )([2]).

وهي المصونة العفيفة، روى الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (تقاضى علي وفاطمة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الخدمة فقضى على فاطمة بخدمة ما دون الباب وقضى على عليٍ بما خلفه، قال: فقالت فاطمة فلا يعلم ما داخلني من السرور إلا الله بإكفائي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تحمّل رقاب الرجال)([3]).

وكان التحدي الأكبر ينتظرها بعد رحيل أبيها (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أعدّها (صلى الله عليه وآله وسلم) لمواجهته وأنبأها بما سيحصل ولخّصه (صلى الله عليه وآله وسلم) لأهل بيته وخاصته بقوله: (أنتم المستضعفون بعدي).

فمن جهة كان عليها أن تدافع عن الإمامة الحقّة المتمثلة بأمير المؤمنين (عليه السلام) وتثبت حقه بخلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتدمغهم بالحجج الواضحة.

ومن جهة ثانية تنوّر بصائر الأمة وترفع عنهم الغشاوة وتبين الازدواجية في المعايير التي يتبعها القوم إذ ترث الأزواج من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتحرم البنت بحجة أنهم سمعوه (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (إنا معاشر الأنبياء لا نورّث) ويحتجّون على الأنصار وغيرهم بأنهم أحق بالخلافة لأنهم شجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويتركون ثمرته وهم أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.

ومن جهة ثالثة عليها أن تديم الثورة والرفض لكل ظلم وانحراف بالوسائل المتيسرة فألقت الخطب التي كانت تنزل كالصواعق على أصحاب أبيها في المسجد الشريف وعلى نساء الأنصار اللواتي نقلن كلامها إلى رجالهن، ومن خلال حزنها وبكائها المتواصل الذي انتشر وذاع في أرجاء المدينة مما سبب حرجاً لظالميها فطلبوا من علي (عليه السلام) أن ينشئ لها بيتاً خارج المدينة تبثّ فيه حزنها وشكواها إلى الله تبارك وتعالى.

وبقي عطاؤها (عليها السلام) مستمراً لا ينفد بعد استشهادها إلى قيام يوم الساعة حينما أوصت بدفنها سراً ليلاً وأن يُعفى موضع قبرها، ولا يحضر تشييعها من ظلموها لتهدي البشرية إلى الحق ولتحميه من الاندراس والضياع وتميّزه عن الباطل.

أيها الأحبة..

هكذا باختصار تنوّع عطاء الزهراء (عليها السلام) وهكذا نهضت بمسؤولياتها العظيمة التي تناسب عظمة شخصيتها:

على قدر أهل العزم تأتي العزائمُ
وتعظُم في عين الصــغير صغــارها

وتـأتي على قدر الكرام المكارمُ
وتصغرُ في عين العظيم العظائمُ

والزهراء (عليها السلام) أسوة حسنة للرجال قبل النساء فلنستلهم من الصديقة الطاهرة الهمّة والعزيمة في الوفاء بما عاهدنا الله تبارك وتعالى من الإيمان به وبما جاءت به رسله ونزلت به كتبه والعمل بما يحبّ ويرضى مما فيه صلاح الأمة وخيرها فإننا مساءلون غداً عن كل شيء قال تعالى: [وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ] ويأتيهم التوبيخ والازدراء [مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ، بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ] (الصافات: 24-26) وهذا ما ذكّرتنا به الزهراء (عليها السلام): (فنعم الحكم الله ونعم الخصيم محمد) الحكم هو الله تبارك وتعالى الذي [لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ ولا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ] (سبأ: 3) والخصيم الذي يرفع دعوى الظلامة هو الذي لا تُرجى النجاة إلا بشفاعته فكيف ينجو من كان شفعاؤه خصماءه.

الشعب يصرخ في وجه قادته الدينييـن والسياسييـن

ليجعل كل واحد منّا هذه التحذيرات نصب عينيه خصوصاً الذين يتولون أمر الأمة وشؤون البلاد وبيدهم مقدّرات الشعب سواء كانوا قيادات دينية أو سياسية أو اجتماعية فإن كل واحد من هذا الشعب المضطهد المحروم يصرخ في وجوههم بلوعة وأسى ويردد ما قالته الزهراء (عليها السلام): (فنعم الحكم الله ونعم الخصيم محمد) على كل حرمان من حقوق الحياة الكريمة في المأكل والملبس والمسكن والزواج.

وعلى كل سوء في الخدمات كالماء والكهرباء بلغ حد الانهيار.

وعلى كل فقير جائع حتى بلغت نسبة العراقيين تحت خط الفقر 40% أي حوالي 12 مليون إنسان.

وعلى كل مريض يعاني الألم حتى يفقد حياته ولا يجد في المستشفيات وسائل الرعاية اللازمة والدواء الكافي.

وعلى كل مهجّر على رغم إرادته في داخل العراق وخارجه حتى بلغوا الملايين وأصبحوا مشكلة عالمية.

وعلى كل يتيم لا يجد من يمسح رأسه بعد أن فقد أبويه بسبب الصراع الدموي المحموم على السلطة بين الفرقاء السياسيين.

وعلى كل دمٍ بريء سفك من غير حقّ ولا شأن له بما يجري غير أن المتخاصمين جعلوا بيوت الأبرياء ساحة لمعركتهم الظالمة.

هذه هي المعايير المزدوجة التي فضحتها الصديقة الطاهرة الزهراء (عليها السلام) والتي نعيشها اليوم وتعاني منها الأمم وعلى مرّ الأجيال فكيف يحاكِم مجرماً ما على فعلِه من يرتكب نفس الجريمة ففي الحديث الشريف: (لا يقيم الحد من لله عليه حد)، وهذه هي الازدواجية في المعايير والنظر بعين واحدة التي حذّر منها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وجعلها سبباً لهلاك الأمم فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): (إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)([4]).

تنوع التحديات التي نواجهها:

أيها الأحبة..

هذا أول التحديات التي نواجهها ويستمر معنا ما دمنا في هذه الدنيا إنه الصراع مع أهواء النفس وأنانيتها والسعي الحثيث لضبط شهواتها ونزواتها وإنصاف الآخرين منها وأن نحب للناس ما نحب لها ونكره لهم ما نكره لها إن لم نرتقِ أكثر ونؤثر الآخرين على أنفسنا تأسّياً بالزهراء (عليها السلام) التي أطعمت المسكين واليتيم والأسير وبقيت هي وبعلها أمير المؤمنين وولداها الحسن والحسين (عليهم السلام) طاوين بلا طعام ثلاثة أيام فنزلت سورة (هل أتى) لتسجيل هذه المكرمة لهم وبيان فضلهم وكرامتهم.

وأمامنا تحديات أخلاقية واجتماعية، فإنكم ترون أنه كلما استقر الوضع وحصل شيء من الدعة والاسترخاء انتشرت المعاصي والموبقات وحينما تقرر بعض الإدارات المحلية([5]) منع تجارة الخمور والتداول العلني لها استناداً إلى الدستور الذي منع إقرار أي مخالفة لثوابت الإسلام تنتفض وسائل الإعلام وتعقد الندوات لهذا الاعتداء السافر على الحريات الشخصية – بحسب ما يزعمون- بشكل يثير العجب أن تنال قضية محلية جزئية كل هذا الضجيج ويكشف عما وراء ذلك من أهداف. أوَليس من حق الحكومات أن تحمي شعوبها من كل المخاطر والأضرار؟ وتمنع التدخين في الأماكن العامة وتحرم المخدرات وتعتبرها جريمة يعاقب عليها القانون وتمنع الدول الغربية تناول الخمور ممن هم دون (18) سنة أو أثناء قيادة السيارات، فلماذا هذا الضجيج على قرار تلك الحكومة المحلية وما الفرق بين هذه القرارات، أوَليست الخمر (أم الخبائث) كما ورد في الحديث الشريف؟ فما لكم كيف تحكمون.

إنهم يريدون بذلك أن يهزموا إسلامنا العظيم ويريدون أن تتخلوا عن الإسلام وتشعرون بالحياء والحرج من إعلان انتمائكم لدينكم.

وأمامنا أيها الأخوة تحديات اقتصادية فيوشك أن تفتح الأسواق العراقية للاستثمارات الأجنبية فتغزوه الشركات العملاقة العابرة للقارات وسوف لا يجد أبناء هذا البلد فرصة للتنافس معهم بل قد لا يجدون فرصة للعمل كأُجراء في مشاريع هذه الشركات على أرضهم لوجود أيدي عاملة أرخص تأتي بهم هذه الشركات من دول العالم المتخمة بالموارد البشرية([6]) أو تفرض تلك الشركات على من يعمل فيها أن يترك صلاته أو المرأة حجابها أو أن يلتزموا بسياقات العمل التي تفرض عليها أشياء محرمة فيكون العامل بين خيارين (أحلاهما مرّ) إما أن يتخلى عن دينه أو عن عمله ومصدر رزقه، والحكومة ماضية في تقليل الدعم للبطاقة التموينية والمشتقات النفطية وخصخصة الشركات العامة والمؤسسات الصناعية استجابة لشروط البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية.

وأما الفتن السياسية([7]) التي تعصف بنا فإنها أهلكت الحرث والنسل وخرّبت البلاد وأهدرت المليارات وصارت أرواح الناس الأبرياء وممتلكاتهم مرهونة بجرّة قلم تشعل المواجهة أو جرّة قلم توقفها ولا رأي للشعب المغلوب على أمره، هذا غير الاتفاقيات([8]) والصفقات التي تُنَظَّم في الظلام من دون إطلاع الشعب وقادته المخلصين ولا يعلم مخاطرها إلا الله تبارك وتعالى.

العراق ساحة لمواجهات فاصلة في التاريخ ترسم معالم المستقبل:

أيها الأحبة..

لقد تنوع عطاء الزهراء بتنوع المسؤوليات التي تحمّلتها والتحديات التي واجهتها فصدر منها هذا الخير الكثير حتى فُسّر قوله تعالى: [إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ] (الكوثر:1) بالزهراء فاطمة (عليها السلام) لأن الكوثر هو الخير الكثير وقد كانت الزهراء كذلك فتركت للأجيال ما يغنيهم في طريق السمو والكمال ويرسّخ عقائدهم ويثبّت أقدامهم في مواجهة الفتن والتحديات المتنوعة فلا مشكلة إلا وحلّها عند الصديقة الطاهرة وأبيها وبعلها وبنيها صلوات الله عليهم أجمعين.

لقد اختاركم الله تعالى أيها الشعب الكريم: يا أحباب الزهراء ويا شيعة الزهراء أيها السائرون على درب الزهراء (عليها السلام) يا من اجتمعتم اليوم لزيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) وتعزيته بانهداد ركنه بضعة النبي المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) فتكتب لكم بذلك زيارتها لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (ومن زار علي بن أبي طالب فكأنما زار فاطمة)([9]) لتعويضكم عما فقده غيركم من نعمة زيارة قبرها، اختاركم واختار هذه الأرض الطيبة المعطاء لتكون ساحة لعدة مواجهات فاصلة في التأريخ تحدد معالم حركة التأريخ في المستقبل:

الأولى: المواجهة الحضارية بين الغرب المادي الذي يريد أن (يعولم) الشعوب ويصبغها بلون ثقافته وسلوكه وعقيدته ونمط حياته وتوجهاته الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، وبين الشرق المسلم الذي يريد أن يحافظ على دينه وأخلاقه وأصالته وأعرافه.

الثانية: بين الأنظمة الدكتاتورية والمستبدة الحاكمة في المنطقة التي تسلّطت على شعوبها بالقوة وصادرت إرادتهم واستعبدتهم واستأثرت بخيراتهم وكرّست الجهل والخنوع والاستسلام في نفوسهم، وبين حياة حرّة كريمة تحترم إرادة الأمة وتجعل القيمة العليا للإنسان وتكون الدنيا وما فيها من أجله ويكون هو لله تبارك وتعالى فلم تعد الشعوب آلات يحقق بها الحاكم شهواته ومطامعه ونزواته [مَا أُرِيكُمْ إلا مَا أَرَى] (غافر:29) [أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى] (النازعات:24).

الثالثة: المواجهة بين أدعياء الإسلام زوراً الذين شوّهوا صورة الإسلام والمسلمين بما ارتكبوا من جرائم مشينة باسم الجهاد والتكفير والمقاومة وليس السبب في الحقيقة إلا الاختلاف في الرأي فسوّدوا صحائف التأريخ، والمتقمصين ظلماً وعدواناً لإمامة الأمة وقيادتها وبين أتباع الإمامة الحقة التي عيّنها الله تبارك وتعالى وبلّغ بها رسوله الكريم وما زالوا منذ أربعة عشر قرناً يدفعون على هذا الطريق دماءً زكية قدّسها الله تعالى ورفع من شأنها.

إنها مواجهات لإحقاق الحق والدفاع عن عزة الأمة وكرامتها وضمان سلامة مسيرتها، [إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ، لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ] (الصافات:60-61) [خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ](المطففين:26).

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

maram host