من بحوث المسابقة البحثية السنوية الثامنة/ٱلْقُرْآنُ ٱلْكَرِيم خَصَائِصُهُ وَأَحْكَامُهُ فِي فِكْرِ ٱلسَّيِّدَةِ ٱلزَّهْرَاءِ (عَلَيْهَا ٱلسَّلَامُ)دِرَاسَةٌ وتَحْلِيلٌ/ د.أحْمَد مُوفَق مَهْدِي

24 أبريل، 2026
7

الْكَلِمَاْتُ الْمِفْتَاْحِيَّةُ: ٱلْقُرْآنُ ٱلْكَرِيم، خَصَائِصُهُ، أَحْكَامُهُ، فِكْرِ ٱلسَّيِّدَةِ ٱلزَّهْرَاءِ (عَلَيْهَا ٱلسَّلَامُ)

الْمُلَخَصُ

     هذهِ الدراسةُ ما هي إلَّا رحلة فكرية وإيمانية، استكشفتْ في ضوئها تجلياتِ القرآنِ الكريمِ في فكرِ السيدةِ الزهراءِ (عليها السلامُ) تلكَ الشخصيةِ التي تُمثلُ ذروةَ الصفاءِ الروحيِّ والوعيِ الإلهيِّ، والتي تجلّتْ في خطبتِها المباركةِ رؤيةٌ قرآنيةٌ متكاملةٌ، نابضةٌ بالحياةِ، ومضيئةٌ لدروبِ الهدايةِ، وراسخةٌ في وجدانِ الأمةِ كدعامةٍ للتشريعِ الإلهيِّ، إذِ انطلقتْ هذهِ الدراسةُ من تحليلٍ دقيقٍ لنصِّ خطبةِ السيدة الزهراءِ (عليها السلامُ)، باعتبارِها وثيقةً فكريةً وعقائديةً تُجسدُ منظورًا قرآنيًا متجذرًا في الوعيِ الرساليِّ، إذْ لم يكنِ القرآنُ في فكرِها مجردَ كتابٍ يُتلى، بل عهدًا إلهيًا، وزعيمًا للحقِّ، ونورًا ساطعًا، وضياءً لامعًا، يُرشدُ الأمةَ ويقودُها نحو النجاةِ والرضوانِ

الْمُقَدَّمَــةُ

 ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

      الحمدُ للهِ جلّت أسماؤُه، وسمتْ أوصافُه، الذي علَّم الإنسانَ، وشرَّف العربيَّةَ بنزولِ القرآن، وأفضلُ الصلاةِ وأتمُّ التسليمِ على النبيِّ الأمينِ، الذي فتحَ أبوابَ العلمِ والرحمةِ للعالمينَ، وعلى غصنِ دوحتهِ، وأوَّل مَنْ صَدَّقَ برسالتهِ، وعلى الصدِّيقةِ الزهراءِ البتولِ، وعلى الذريّة الطاهرة، مِنْ ولدِهم أجمعينَ.

    أمَّا بعدُ:

     الحمدُ للهِ الذي أَنْزَلَ الفرقانَ تِبيانًا لِكلِّ شيءٍ، وجعلَهُ المُعجزةَ الخالدةَ التي أعجزَتِ الإنسَ والجنَّ أنْ يأتوا بمثلِها، وتكفَّلَ بِحفظِهِ منَ التحريفِ والتَّبديلِ، ليبقى النُّورَ المُبينَ والحبلَ المتينَ الهادي إلى سُبُلِ السَّلامِ، وفي سياقِ هذا الفيضِ الإلهيِّ تتجلَّى مدرسةُ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) كَخزَّانِ عِلْمِهِ ومَهبِطِ وَحْيِهِ، إذ يتَّخذُ القرآنُ صورةَ الكتابِ النَّاطِقِ الذي لا يُدرَكُ كُنْه أسرارِهِ إلَّا بتفسيرِ العِترةِ الطَّاهرةِ، وتَنْبعُ إشكاليَّةُ هذهِ الدِّراسةِ منَ الحَاجةِ إلى استجلاءِ الرؤيةِ المعرفيَّةِ والتشريعيَّةِ لشخصيَّةٍ محوريَّةٍ كالسَّيِّدةِ فاطمةَ الزَّهراءِ (عليها السلام)، التي تَرَبَّتْ في مهبطِ الوحيِ، فكانَ فِكرُها صدىً صافيًا لِجَوْهرِ الرسالةِ المحمديَّةِ، وتكتسبُ هذهِ الدِّراسةُ أهميَّتَها المنهجيَّةَ منْ كونِها تَقِفُ عندَ مَنطِقِ الاحتجاجِ القرآنيِّ الذي قدَّمَتْهُ السيدة الزَّهراءُ (عليها السلام)، لِتُبَيِّنَ أنَّ القرآنَ ليسَ مجرَّدَ نصٍّ صامتٍ، بلْ هوَ زعيمُ الحقِّ وعهدُ اللهِ المُستَخلَفُ على الأُمَّةِ، ويَهدفُ هذا البحثُ إلى تحليلِ مَنظومةِ القرآنِ الكريمِ خصائصَهُ وأحكامَهُ مثلما تبلورَتْ في فكرِ السَّيِّدةِ الزَّهراءِ (عليها السلام)، وذلكَ منْ خلالِ خطةٍ علميَّةٍ، وَقَدِ انْتَظَمَتْ هَذِهِ الخُطَّةُ فِي ثلاثةِ مباحث، تَسْبِقهم مُقَدِّمَةٌ وتَمْهِيدٌ يضيئان مَعَالِمَ الدِّرَاسَةِ، وتعقبهم خَاتِمَةٌ جَامِعَةٌ تَتَضَمَّنُ أَبْرَزَ نَتَائِجِ البَحْثِ وَخُلَاصَاتِهِ المُسْتَخْلَصَةِ.

    وجاءَ في المَبْحَثِ الأوَّلِ: دلالاتِ القرآنِ الكريمِ في فِكرِها (عليها السلام)، بوصفِهِ كِتابَ اللهِ النَّاطِقَ والضِّياءَ اللاَّمعَ، أمَّا المَبْحَثُ الثَّاني: يُفَصِّلُ في خصائصِ القرآنِ، مُسْتلْهِمًا عبارتَها البليغةَ التي تُؤكِّدُ على وُضُوحِ الأدِلَّةِ والبراهينِ بقولِها (عليها السلام): (بَيِّنَةٌ بَصَائِرُهُ، مُنْكَشِفَةٌ سَرَائِرُهُ، مُتَجَلِّيَةٌ ظَوَاهِرُهُ)، معَ إبرازِ مَقامِ غِبْطَةِ أشياعِهِ وشفاعتِهِ، وأمَّا المَبْحَثُ الثَّالِثُ: يَسْتَقصِي أحكامَ القرآنِ الكريمِ في رؤيتِها، مُرتكزًا على مَقولتِها التي تُبَيِّنُ كيفَ تُنَالُ بهِ (حُجَجُ اللهِ المُنَوَّرَةُ، وَعَزائِمُهُ المُفَسَّرَةُ، وَمَحارِمُهُ المُحَذَّرَةُ).

    وَاِعْتَمَدَتِ الدِّراسةُ على المَنْهجِ التَّحليليِّ لِتَفْكيكِ النُّصوصِ الواردةِ عنِ السَّيِّدةِ الزَّهراءِ (عليها السلام)، ووَضْعِها في إطارِها القرآنيِّ، للكشفِ عنِ الأبعادِ المعرفيَّةِ والتشريعيَّةِ لِنَظرَتِها الثَّاقِبَةِ تجاهَ القرآنِ الكريم، وإبرازِ الدَّورِ الجوهريِّ لِلفهمِ الصَّحيحِ للنَّصِّ الإلهيِّ في صلاحِ الدِّينِ والدُّنيا، وبذلكَ تسعى هذهِ الدِّراسةُ إلى أنْ تكونَ إضافةً نوعيَّةً تُجَلِّي عِظمَةَ هذا المنهجِ النَّبويِّ الأصيلِ في التعامُلِ معَ الثَّقلِ الأكبرِ.

   وبعدَ هـذا وذلـكَ أقـفُ لأقـولَ إنَّ هذا الجهـدَ المُقـلَّ محاولـةً عاجـزةً، وخطـوةً متواضعـةً أضعهـا علـى طريـقِ البحـثِ، فـإنْ أصـبـتُ فبتوفيـقٍ مـن اللـهِ تعالـى وإنْ أخطـأتُ فمـنْ نفسـي الأمـارة بالسـوءِ ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾([1]).

الْتَّمْهِيْدُ

الْقُرْآنُ فِيْ اللُغَةِ وَالاصْطِلَاْحِ:

     أَوَلَاً: الْقُرْآنُ لُغَةً:

     اسمٌ عَلَمٌ لكتاب الله، مأخوذٌ من الفعل (قرأ) الذي يعني الجمع والضم، وسُمِّيَ بذلك؛ لأنَّه يجمعُ سورَ الكتابِ المقدَّسِ ويضمُّ بعضها إلى بعضٍ، وقد وردَ في القرآنِ نفسِه ما يُشيرُ إلى هذا المعنى، وذلكَ في قولهِ تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ([2])، أي: جَمْعَهُ وقِراءَتَهُ، وقيلَ: إنَّه اسمٌ عَلَمٌ جامدٌ، مثلُ التوراةِ والإنجيلِ والزبورِ، ليسَ بمهموزٍ، ولمْ يُشتق منْ أيِّ كلمةٍ أُخرى([3]).

    ثَانِيّاً: الْقُرْآنُ اصْطِلَاْحَاً

    القرآنُ الكريم هو المعجزة الخالدة والوحي المحفوظ، إذ يُعَدُّ القرآن الكريم كلامَ اللهِ تعالى المُعجِز الذي أُنزِلَ وَحْياً على النبيِّ الأكرم محمدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ومكتوبٌ في المصاحفِ، ومنقولٌ إلينا بالتواترِ الذي يقطعُ الشكَّ باليقينِ، وإنَّه الكَلامُ القائمُ بذاتِ اللهِ (جلَّ ذكرهُ) الذي لم تَصِلْ إليهِ يدُ التحريفِ أو التبديلِ، والذي نُقلَ إلينا بين دفتي المصحف نقلاً متواتراً([4]).

    وإنَّ الإيمانَ بالكتبِ السماويةِ كافَّةً من الزبورِ والصحفِ والتوراةِ والإنجيلِ، ركنٌ أساسيٌ من أركانِ الإيمانِ في الإسلامِ، مثلما بيَّنَ ذلك القرآنُ الكريمُ والسنَّةُ النبويةُ المطهرةُ، فإيمانُ العبدِ لا يكتملُ إلَّا إذا آمَنَ بجميعِ ما أُنزِلَ على الأنبياءِ من كتبٍ سماويةٍ([5])، وهذا مصداقاً لقولهِ تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ([6])، ومع ذلك، فقد هيمنَ القرآنُ الكريمُ على سائرِ الكتبِ السماويةِ، فكانَ الكتابَ المُقدَّسَ الوحيدَ الذي تكفَّلَ اللهُ بحفظهِ، وهذا ما جاءَ في قولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ([7])، وقد تمَّ حفظُه في الصدورِ قبلَ أنْ يُخطَّ على السطورِ، فتناقلَهُ أهلُ البيتِ (عَلَيْهِمْ جَمِيعًا سَلَامُ اللَّهِ) و‍الصحابةُ الكرامُ أمَانةً لم يَشُبْهَا نقصٌ أو زيادةٌ، ولقد ثبتَ تحريفُ التوراةِ والإنجيلِ الموجودينِ حالياً بأيدِي الناسِ؛ وذلكَ بسببِ هيمنةِ الأهواءِ والمصالحِ الشخصيةِ، إلَّا أنَّ ذلك لا يمنعُ من وجودِ بعضِ الحقائقِ فيهما التي تعودُ إلى أصولِهِما السماويةِ([8])، ولكن القرآن الكريم يبقى المعجزةَ الخالدةَ التي أعجزتِ الإنسَ والجنَّ أنْ يأتوا بمثلِه، وستبقى أسرارُه ومضامينُه العميقةُ كنوزاً لا تنضبُ، تتكشَّفُ مع مرورِ الأزمانِ.

  الْمَبْحَثُ الْأَوَلُ

ٱلْقُرْآنُ ٱلْكَرِيمُ فِي فِكْرِ ٱلسَّيِّدَةِ ٱلزَّهْرَاءِ (عَلَيْهَا ٱلسَّلَامُ)

     أشارت السيدة الزهراءُ (عليها السلام) إلى الثقلينِ العظيمينِ اللذينِ خلّفهما رسولُ اللهِ محمدٌ (صلى اللهُ عليه وآله) في الأمةِ، وذلكَ في قولها: “وَزَعَيمٌ حَقّ لهُ فِيكُمْ، وعَهْدٌ قَدَّمَهُ إِلَيْكُمْ، وَبَقِيَّةٌ استَخْلَفَها عَلَيْكُمْ. كِتابُ اللهِ النّاطِقُ، والقُرْآنُ الصّادِقُ، وَالنُّورُ السّاطِعُ، وَالضِّياءُ اللاّمِعُ([9]) هذه العبارةُ تحملُ دلالاتٍ عميقةً، إذْ تُشيرُ إلى أنَّ القرآنَ الكريمَ ليسَ مجردَ نصٍّ منزّلٍ، بل هوَ كيانٌ حيٌّ ناطقٌ، حاضرٌ في حياةِ الأمةِ، كفيلٌ بالحقِّ، ووصيٌّ على الهدايةِ، ومرجعٌ دائمٌ لا يغيبُ، فقولُها (عليها السلام) (فيكم) يُعبّرُ عن قربِ القرآنِ الكريمِ من الناسِ، فهو ليسَ بعيدًا عنهم، ولا مغلقًا دونَهم، بل هو في متناولِ أيديهم، متاحٌ للفهمِ والتدبرِ، مما يضعُ مسؤوليةَ الاسترشادِ به على عاتقِهم، وهذا التعبيرُ يرسّخُ فكرةَ أنَّ الهدايةَ ليستْ مغلقةً، بل مفتوحةٌ لمنْ أرادَ أنْ يتبصرَ ويتدبرَ.

      أما (العهدُ)، فهو مصطلحٌ يحملُ في طياتِه معنى الالتزامِ القلبيِّ العميقِ، بخلافِ (الوعدِ) الذي قدْ يُقالُ دونَ تأكيدٍ أو إلزامٍ، فالعهدُ هو ما يُلقى في عهدةِ الإنسانِ ويُحمّلُ به مسؤوليةً، ولذلك قالتْ (عليها السلام) (وعهدٌ)؛ لأنَّ اللهَ تعالى عهدَ إلى الأمةِ بالقرآنِ، مثلما في قولِه تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ([10])، أي أنَّ البيانَ والتوضيحَ للناسِ هوَ جزءٌ من هذا العهدِ، فكيفَ يُهملُ أو يُعرضُ عنه؟([11]).

    وفي تركيبِ (كتابِ اللهِ) نجدُ بناءً نحويًا بليغًا؛ إذ أنَّ (كتاب) هو مبتدأٌ مؤخرٌ، و(زعيمٌ) – وهو على وزنِ فعيلٍ – مضافٌ إلى (الحقِّ)، ويُشكّلُ خبرًا مقدمًا، وهذا التركيبُ يُبرزُ أنَّ القرآنَ هوَ زعيمُ الحقِّ، أي كفيلُه وضامنُه، منِ اتّبعَه اهتدى، ومَنْ أعرضَ عنه غوى، ويمكنُ أيضًا اعتبارُ (زعيم) مبتدأً، و(فيكم) شبهُ جملةٍ تتعلقُ بالخبرِ، ويكونُ (كتاب) بدلًا من (زعيم)، مما يفتحُ المجالَ لتعددِ التأويلاتِ البلاغيةِ التي تُثري المعنى، وأما (عهدٌ) و(بقيةٌ)، فهما معطوفانِ على (زعيم)، مما يعني أنَّ القرآنَ هو عهدٌ من اللهِ، ووصيةٌ منه، وهو بقيةٌ من نبيّهِ (صلى اللهُ عليه وآله)، جعله خليفةً عن نفسِه أو عن نبيّهِ في الأمةِ، ليكونَ المعجزةَ الباقيةَ إلى يومِ القيامةِ([12])، المستمرةَ ببقاءِ الشريعةِ، والهاديةَ لمنْ أرادَ التمييزَ بين الحقِّ والباطلِ، فالقرآنُ ليسَ مجردَ نصٍّ جامدٍ، بل هوَ قولٌ فاصلٌ، وآياتٌ بيناتٌ، لا يخفى حالُها على مَنْ أعملَ قلبَه وعقلَه([13])، مثلما قالَ تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا([14])، في إشارةٍ إلى أنَّ التدبرَ هوَ مفتاحُ الفهمِ، وأنَّ الإعراضَ عنِ القرآنِ ليسَ إلَّا قفلًا على القلبِ، يمنعُه من إدراكِ النورِ الإلهيِّ.

     وقولها (عليها السلام): (وَزَعَيمٌ حَقٌّ لهُ فِيكُمْ) وَرَدَ في أكثر من روايةٍ([15])، وقولها (عليها السلام) (وَبَقِيَّةٌ استَخْلَفَها عَلَيْكُمْ) اشارة إلى حديث التقلين([16])، ولقد سَعَت السيدة الزهراء (عليها السلام) في خطابها هذا إلى إيقاظِ ضميرِ الأمةِ وتذكيرِها بالدورِ الجوهريِّ الذي اضطلعَ بهِ النبيُّ محمدٌ (صلى الله عليه وآله) وآلُ بيتهِ (عليهم السلام) في تأسيسِ المجتمعِ الإسلاميِّ وبناءِ صرحهِ المتينِ، ثم تركوا بينَ أيدي الأمةِ ما يضمنُ استمرارَ هذا البناءِ، وهوَ كتابُ اللهِ الناطقُ، فالقرآنُ الكريمُ يتجلى في صورتينِ: كتابٌ صامتٌ بينَ الدفتينِ، وآخرُ ناطقٌ يتمثلُ في أهلِ البيتِ (عليهم السلام)، الذينَ لولاهمُ لما أمكنَنا الوقوفُ على أسرارِ القرآنِ ومعانيهِ العميقةِ وموضوعاتهِ المتشعبةِ.

    وقد أكدتِ السنةُ النبويةُ المطهرةُ على أهميةِ دورِ ولاةِ الأمرِ في إصلاحِ المجتمعِ وقيادتهِ نحو طريقِ الحقِّ، فهمْ ليسوا مجردَ حُكّامٍ، بلْ همْ المبلغونَ عنْ أحكامِ اللهِ والمفسرونَ لتعاليمهِ، يترجمونَ النصوصَ القرآنيةَ إلى واقعٍ حيٍّ، ويجسدونها في سلوكِ الأمةِ ونهجِها.

    وفي وقولها (عليها السلام): (استَخْلَفَها عَلَيْكُمْ) يتجلى المعنى العميقُ بأنَّ القرآنَ الكريمَ قد جُعلَ خليفةً من قبلِ اللهِ تعالى، ونائباً عنهُ في الأمةِ، ليكونَ المرجعَ الأعلى في بيانِ الأحكامِ والفرائضِ والسننِ والآدابِ، ولكنَّ هذا الاستخلاف لا يُفهمُ إلَّا من خلالِ تفسيرِ العترةِ الطاهرةِ، الذين هم عدلُ الكتابِ ومفسروهُ، فهم الذين يُظهرونَ ما خُفي من إشاراتِهِ، ويُفصلونَ ما أُجملَ من أحكامِهِ، ويُؤولونَ ما غمضَ من معانيهِ.

     والمقصودُ بـ(كِتاب الله النّاطِقُ) في هذا السياقِ هو (القرآنُ الصادقُ)، وإن كانَ يُطلقُ هذا الوصفُ على الإمامِ علي (عليه السلام)، أو على عمومِ العترةِ باعتبارِ أنَّ القرآنَ صامتٌ، وهم (عليهم السلام) ناطقونَ، إلَّا أنَّ السياقَ هنا يُشيرُ إلى القرآنِ نفسِهِ بوصفِهِ الصامتَ، دونَ أن يتنافى ذلكَ معَ وصفِهِ بالناطقِ، إذ أنَّ الصامتَ أيضاً ناطقٌ بالأحكامِ، وفيهِ تبيانٌ لكلِّ شيءٍ من الحلالِ والحرامِ، وذلكَ ما وردَ في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ([17])، وكذلكَ في قولِهِ تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ([18])، فهو يحتوي علومَ الأولينِ والآخرينَ([19])، ولكنْ على نحوِ الإشارةِ والتلميحِ، أما التفصيلُ والتفسيرُ والتأويلُ فموكولٌ إلى السنةِ النبويةِ وعدلِ الكتابِ من أهلِ البيتِ (عليهم السلام).

    وعندما تصفُ السيدة الزهراءُ (عليها السلام) القرآنَ بـ(الصادقِ)، فإنها لا تُضيفُ وصفاً جديداً، بل تؤكدُ على حقيقةٍ جليةٍ، لتُميزَ بينَ من يصدق القرآن في كلِّ ما يأمرُ بهِ، وبينَ من يسمعُ آياتِهِ ثمَّ يصرُّ على عنادِهِ، ومنْ هنا جاءَ احتجاجُها بآياتِ المواريثِ، لتُبيّنَ أنَّ من لا يرتدعُ بها فكأنما كذَّبَ القرآنَ الصادقَ([20])، ومن حجبَ أنوارَهُ فقد ختمَ على سمعِهِ وبصرِهِ وقلبِهِ، فصارَ في ظلمةٍ لا يهتدي فيها إلى الحقِّ.

     وقد وصفتِ السيدة الزهراءُ (عليها السلام) القرآنَ بأنَّهُ (النُّورُ السّاطِعُ، وَالضِّياءُ اللاّمِعُ)، فالساطعُ بمعنى المرتفع، وسطعَ ارتفعَ وانتشرَ، وقيل أصل السطوع إِنَّما هو نور، ثم استعملوه في مطلق الظهور، والسطوعُ هو أول من ينشق من الصبحِ([21])، أما اللامع فهو المضيء، ويطلق كذلك لخفق النور واضطرابه من جهةِ الفوقِ، إذ أنَّهُ يكاد يخطف الأبصار مثل ما يقال لمع البرق أي اضاء([22])، وهذا الوصفُ يتناغمُ معَ ما وردَ في القرآنِ الكريمِ من وصفِهِ بالنورِ، وذلكَ في قولِهِ تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ([23])، وفي قولِهِ تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ([24])، وما وردَ عنِ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من وصفِهِ للقرآن الكريم بأنهُ: “إنَّ هذا القرآنَ هو النورُ المبينُ، والحبلُ المتينُ، والعروةُ الوثقى، والدرجةُ العُليا، والشفاءُ الأشفى([25])، وكذلكَ وصف أميرُ المؤمنينَ (عليه السلامُ) القرآنَ بالنورِ الذي يخرجُ الناسَ من الظلماتِ إلى النورِ إذ قال: “ثمَّ أنزلَ الكتابَ نورًا لا تنطفئُ مصابيحُه، وسراجًا لا يخبو توقّدُه، وبحرًا لا يُدرَكُ قعرُه، ومنهاجًا لا يضلُّ نَهجُه، وشعاعًا لا يُظلمُ نورُه، وفرقاً لا يُحمدُ برهانُهُ، وبياناً لا تُهدمُ أركانُهُ …، ونوراً ليسَ معهُ ظلمةٌ([26]).

    ويُفهمُ من وصفِ السيدة الزهراء (عليها السلام) القرآن الكريم بـ(اللامعِ) معنى الحركةِ، إذ أَنَّ النورَ يأتي لمعةً لمعةً، وموجاً موجاً، مما يدلُّ على تجلياتِهِ المتكررةِ، وهاهنا تبرزُ نقطةٌ مهمةٌ، وهي أنَّ لكلّ شيءٍ خلقهُ اللهُ نوراً، أي أنَّ لهُ دليلاً داخلياً يرشدُ إليهِ، والقرآنُ من أبرزِ هذهِ المصاديقِ، فهو يكشفُ عن ذاتِهِ بذاتِهِ، ويدلُّ على حقانيتِهِ بأوضحِ الدلالاتِ([27])، لأنَّهُ كتابُ النورِ الإلهيِّ الفياضِ الذي يحتوي برامجَ الحياةِ وبصائرَها، ويحققُ آمالَ الإنسانِ، ويهدي إلى سبلِ السلامِ([28])، والنورُ في القرآنِ الكريم لا يُلاحظُ فيهِ إلَّا الوحدةُ والانسجامُ؛ لأنَّ خاصيةَ النور أنَّهُ ليس فيه ظلمة، ولا يكونُ مظلماً، ومنشأُ الخلافِ هو الظلامُ الذي ليسَ لهُ طريق في النور([29])، والملاحظ أنَّ السيدة الزهراء (عليها السلامُ) وصفت القرآنَ بصفاتٍ ايجابيةِ، وذلكَ نحو (الناطق)، و(الصادق)، فذكرُ الأوصافِ الحسنةِ يُصاحبُ التحببَ، والتوجهَ نحوُ الشيءِ، وذكرُ الأوصافِ السيئةِ يستلزمُ انفضاضَ الناسِ وابتعادَهم عنهُ([30])، والقرآنُ صادقٌ في أحكامِه وقصصِه وفي كلِّ ما ذكرَ تفصيلاً وإجمالاً، وليسَ بالكذبِ ولا بالهزلِ ويمكنُ الاستشهادُ بهذهِ الجملةِ من خطبتِها (عليها السلامُ) على عدمِ تحريفِ القرآنِ([31])، ولاسيما مع لحاظِ ما سبقَ من كونِه (زعيم الحقّ)، وكونِه (عهداً)، و(مستخلفاً)، ومع لحاظِ العهديةِ في القرآنِ، فإنَّ القرآنَ الذي بينَ أيدينا هو القرآنُ الذي أُنزلَ على نبينا الأعظم محمد (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ) بلا زيادةِ حرفٍ أو كلمةٍ لا نقيصةٍ، لا بل ولا زيادةِ فتحةٍ أو كسرةٍ أو نقطةٍ أو غيرِها([32])، والقرآنُ الكريمُ نورٌ ساطعٌ وضياءٌ لامعٌ بنفسِه، إلَّا أنَّ الأعمالَ والأقوالَ والمناهجَ غيرَ السليمةِ لاتباعِه تكونُ كالحجابِ الساترِ، والغمامِ المتكاثرِ الذي يحجبُ أشعةَ الشمسِ، كما أنَّ قولَهم وأعمالَهم لو كانتْ قويمةً مستقيمةً فأنها ستسمحُ لنورِه بالسطوعِ([33])، ولعلَّ الجمعَ بينَ النورِ والضياءِ مع لحاظِ أنَّ الضياءَ عادةً يكونُ نابعاً من الذاتِ، والنورَ يكونُ مكتسباً من غيرِهِ، هو أنَّ القرآنَ يضيءُ القلوبَ والأرواحَ والحياةَ، وأنَّهُ قد اكتسبَ نورَهُ من اللهِ تعالى، وفي الأوصافِ يكفي وجودُ نسبةٍ ما، فلا يقالُ إنَّ الضياءَ في النفسِ والنورَ في الغيرِ مثلما قالَ (جلَّ اسمهُ) ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا([34])، وقد يقالُ أنَّ الضياءَ بلحاظِ أنَّ النورانيةَ ذاتيةٌ لهُ مثلما هي الشمس، فهو نورٌ بنفسِه، والنورُ بلحاظِ اكتسابِها، ولو بجعلِ منشأِ الانتزاعِ من الغيرِ، وهو البارئُ جلَّ وعلا وكلاهما لوحظَ فيهِ كونُهُ منيراً ومضيئاً للقلوبِ والأرواحِ والحياةِ لمكانِ الوصفِ بـ(الساطعِ) و(اللامعِ)، فالقرآنُ نورٌ؛ لأنَّهُ ينيرُ سبيلَ العقيدةِ والشريعةِ والدنيا والآخرةِ وليسَ متحداً في بقعةٍ صغيرةٍ، لا بل هو ساطعٌ يشرقُ على العالمِ([35]).

   وخلاصةُ القولِ: إنَّ استشهادَ السيدة الزهراءِ (عليها السلام) بالقرآنِ الكريمِ، وتأكيدَها بهِ – أي القرآن- على القوم التي ذهبت إليهم، ما هو إلَّا إلقاءٌ للحجةِ عليهم، ليحاسبوا أنفسَهم تجاهَ المسؤوليةِ، وقد ألمحتْ (عليها السلام) إلى ذلكَ بلغةٍ تصويريةٍ واضحةٍ، تربطُ بينَ وضوحِ أدلةِ القرآنِ وسطوعِها، وبينَ أدلةِ الحقِّ المشرع في إمامةِ الإمام علي (عليه السلام)، إذ نسج هذا النص صوراً لغويةً تعتمدُ مفرداتٍ بيّنة منتخبة مثلَ: الناطقِ، الصادقِ، الساطعِ، اللامعِ، المنكشفِ، المتجلي، وكلُّها تدورُ حولَ محورٍ واحدٍ: وضوحِ البرهانِ، ودقةِ الموقفِ، مما يجعلُ القرارَ المجحفَ بحقِّ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) لا مبررَ لهُ ولا عذرَ([36]).

الْمَبْحَثُ الْثَّاْنِيُّ

خَصَائِصُ ٱلْقُرْآنُ ٱلْكَرِيم فِي فِكْرِ ٱلسَّيِّدَةِ ٱلزَّهْرَاءِ (عَلَيْهَا ٱلسَّلَامُ)

    القرآنُ الكريمُ كتابُ الهدايةِ الربانيةِ وبناءِ المجتمعِ الإنسانيِّ الأمثلِ، إذ أنزلَ اللهُ تعالى القرآنَ الكريمَ ليكونَ مصدرًا للهدايةِ والإرشادِ، ومنهجًا للتربيةِ والتعليمِ، وأداةً لتأسيسِ مجتمعٍ متكاملٍ في صفاتِه، متوازنٍ في قيمِه، راسخٍ في مبادئِه، وقد ضمنَ اللهُ حفظَه من التحريفِ، فبقيَ محفوظًا عبرَ الأجيالِ، لا تنالُه يدُ التغييرِ، ولا تطالُه شبهةُ الزيادةِ أو النقصانِ، وهذا مصداقًا لقولِه تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ([37])، وهناكَ خصائص امتازَ بها هذا الكتابُ العظيمُ، ومن أبرزِ هذهِ الخصائصِ ما أشارَ إليهِ أهلُ العصمةِ (عليهم السلام)، ومنهم السيدةُ الزهراءُ (عليها السلام)، التي كشفتْ في خطبتِها عن جوانبَ من خصائصِ القرآنِ، ومنها ما هو آتٍ:

١. وضوحُ المعنى وتجلِّي الحجةِ: قالت (عليها السلام): “بَيِّنَةٌ بَصَائِرُهُ، مُنْكَشِفَةٌ سَرَائِرُهُ، مُتَجَلِّيَةٌ ظَوَاهِرُهُ([38])، فهذا التعبيرُ يختزلُ ثلاثَ طبقاتٍ من الإدراكِ القرآنيِّ:

 أ. (بَيِّنَةٌ بَصَائِرُهُ): أيْ أنّ البصائرَ التي يقدّمُها القرآنُ الكريم في قضايا التوحيدِ، والنبوةِ، والمعادِ، والإمامةِ، العدل، والبعث، وغيرها هيَ بيّناتٌ واضحةٌ، لا غموضَ فيها، تخاطبُ العقلَ والوجدانَ، وتُقنعُ الفطرةَ السليمةَ، فلو كانَ القرآنُ غامضًا أو ألغازًا، لما صحَّ تحدِّيَ العربِ بمعارضتِه، ولا ثبتَ لهم إعجازُه، لأنَّ الإعجازَ لا يكونُ إلَّا فيما يُفهمُ ويُدركُ.

 ب. (مُنْكَشِفَةٌ سَرَائِرُهُ): أي أنّ الأسرارَ الباطنيةَ والمعانيَ الدقيقةَ التي يشتملُ عليها القرآنُ، ليستْ مغلقةً على مَن تدبّرَ فيهِ، بل تنكشفُ لمَن استعانَ بأهلِ البيتِ (عليهم السلام)، الذينَ هُم خزّانُ علمِه، ومهبطُ وحيِه، فهمُ الراسخونَ في العلمِ الذينَ يعرفونَ تأويلَه، ويُظهرونَ كنوزَه لمَن طلبَها بصدقٍ([39]).

 ج. (مُتَجَلِّيَةٌ ظَوَاهِرُهُ): أيْ أنّ ظواهرَ القرآنِ ليستْ مستورةً ولا معقّدةً، بل هيَ واضحةٌ كالشمسِ في رابعةِ النهارِ، يفهمُها مَن خوطبَ بها، وتُدركُها العقولُ السليمةُ([40])، بخلافِ الكتبِ الفلسفيةِ التي تحتاجُ إلى مقدماتٍ طويلةٍ لفهمِها، فالقرآنُ يخاطبُ الناسَ جميعًا، ويُبيّنُ لهمُ الحقَّ بأيسرِ طريقٍ، وهذا ما أشارت إليهِ السيدة الزهراءُ (عليها السلام) بقولها: “وَكِتَابُ اللهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، أُمُورُهُ ظَاهِرَةٌ، وَأَحْكَامُهُ زَاهِرَةٌ، وَأَعْلَامُهُ لَائِحَةٌ، وَأَوَامِرُهُ وَاضِحَةٌ([41])، وهذا توصيفٌ دقيقٌ للوظيفةِ التشريعيةِ للقرآنِ الكريمِ:

 أ. (أُمُورُهُ ظَاهِرَةٌ): أيْ أنّ القضايا التي يعالجُها القرآنُ، منَ العقيدةِ والسلوكِ والتشريعِ، واضحةٌ لا لبسَ فيها، لا تحتاجُ إلى تأويلاتٍ متكلفةٍ، بل هيَ بيّناتٌ تهدي إلى سواءِ السبيلِ.

 ب. (أَحْكَامُهُ زَاهِرَةٌ): أيْ أنّ الأحكامَ الشرعيةَ التي وردتْ فيهِ، منَ الحلالِ والحرامِ، والفرائضِ والسننِ، جاءتْ زاهرةً لامعةً، لا خفاءَ فيها، تُضيءُ طريقَ الإنسانِ في حياتِه الفرديةِ والاجتماعيةِ.

 ج. (أَعْلَامُهُ لَائِحَةٌ): أيْ أنّ العلاماتِ والدلالاتِ التي وضعَها القرآنُ الكريم لتمييزِ الحقِّ منَ الباطلِ، والخيرِ منَ الشرِّ، هيَ لائحةٌ واضحةٌ، تُبهرُ العقولَ، وتُفجّرُ الطاقاتِ الكامنةَ في الإنسانِ، وتدفعُه نحوِ الإبداعِ والارتقاءِ.

 د. (أَوَامِرُهُ وَاضِحَةٌ): أيْ أنّ الأوامرَ والنواهيَ التي وردتْ فيهِ، جاءتْ بصيغةٍ جليّةٍ، لا تحتملُ التأويلَ المضلِّلَ، بل تُحدِّدُ حدودَ اللهِ بدقةٍ، وتُبيّنُ الزواجرَ التي نهى عنها، لتكونَ مناراتٍ للنجاةِ، وسُبلًا للسلامةِ([42]).

    وبهذا يتجلَّى القرآنُ الكريمُ في فكر السيدة الزهراءِ (عليها السلام) بوصفِه كتابًا ربانيًّا متكاملًا، يجمعُ بينَ وضوحِ الظاهرِ، وعمقِ الباطنِ، ويُخاطبُ العقلَ والقلبَ، ويُرشدُ الفردَ والمجتمعَ، ويُبهرُ العقولَ ببيانِه، ويُهذّبُ النفوسَ بأحكامِه، ويُقيمُ الحجةَ على العالمينَ.

2. غبطةُ أتباعِه، وسعادةُ أشياعِه: قالتِ السيدةُ الزهراءُ (عليها السلامُ): “مغتبطةٌ بهِ أشياعُهُ([43])، في إشراقةٍ من إشراقاتِ النورِ المحمديِّ، تتجلى كلماتُ السيدةِ الزهراءِ (عليها السلامُ) لتكشفَ عن مقامٍ عظيمٍ لحملةِ القرآنِ، حينَ تصفُهم بقولِها: (مغتبطةٌ بهِ أشياعُه)، فهذهِ العبارةُ الموجزةُ تحملُ في طياتِها دلالاتٍ عميقةً، تربطُ بينَ القرآنِ الكريمِ وأتباعِه، وتُبرزُ منزلةَ من يلتزمُ بهِ في الدنيا والآخرةِ، فالقرآنُ ليسَ مجردَ كتابٍ يُتلى، بلْ هوَ الناموسُ الإلهيُّ، والمنهجُ الربانيُّ الذي يضمنُ للناسِ صلاحَ الدينِ والدنيا، ويكفلُ لهمُ السعادةَ في الآخرةِ والأولى، فكلُّ آيةٍ فيهِ هيَ نبعٌ فياضٌ بالهدايةِ، ومعدنٌ من معادنِ الإرشادِ والرحمةِ، ومنْ هنا فإنَّ تعاهدَ كتابِ اللهِ، وقراءتَه آناءَ الليلِ وأطرافَ النهارِ، هوَ السبيلُ إلى نيلِ السعادةِ الحقيقيةِ، التي لا تنفكُّ عن جوهرِ الإنسانِ وغايةِ وجودِه([44]).

     أما الغبطةُ فهيَ شعورٌ رفيعٌ يعبّرُ عن تمني حالِ المغبوطِ دونَ أنْ يتمنى زوالَها عنهُ([45])، وهيَ بخلافِ الحسدِ، لا تنطوي على أذًى أو سوءِ نيةٍ، بل هيَ تعبيرٌ عنِ الإعجابِ والرضا بحالِ الآخرِ، وقدْ أجازَها الشرعُ لما فيها منْ طهارةِ القلبِ وسلامةِ النفسِ، والمؤمنُ يغبطُ ولا يحسدُ، لأنّهُ يرى الخيرَ في غيرِه فيتمنى مثلَهُ، لا أنْ يُسلبَ منهُ([46])، أمَّا في قولِها (عليها السلامُ): (أشياعُه) يتجلى المعنى اللغويُّ العميقُ، فالشيعةُ همُ القومُ الذينَ يجتمعونَ على أمرٍ واحدٍ، ويتبعُ بعضُهم بعضًا، ويُطلقُ اللفظُ على المفردِ والمثنى والجمعِ، وعلى الذكرِ والأنثى، بصيغةٍ واحدةٍ ومعنى واحدٍ([47])، وأشياعُ القرآنِ همُ الذينَ جعلُوه إمامًا لهمْ، فحملُوه في صدورِهمْ، وعملُوا بأوامرِه، واجتنبُوا نواهيَه، فكانُوا لهُ تبعًا في القولِ والعملِ، لا مجردَ التلاوةِ، وهؤلاءِ الأتباعُ، كما تصفُهمُ الزهراءُ (عليها السلامُ) يُغبطونَ يومَ القيامةِ، لما ينالُونهُ منَ الفيوضاتِ الإلهيةِ التي لا تُحدُّ، جزاءً لتمسكِهمْ بالقرآنِ، وصدقِهمْ في اتباعِه، إذ تغبطُهمُ الأممُ السابقةُ، وأتباعُ الكتبِ السماويةِ الماضيةِ، حينَ يرونَ ما بلغُوه منْ رفعةٍ وكرامةٍ، وما نالُوه منْ نعيمٍ مقيمٍ، فيتمنونَ لو كانوا مثلَهمْ، ولوْ أنَّهمْ سلكُوا سبيلَهمْ([48])، وقد وردَ في الروايةِ عن عبدِ الرزاقِ([49])، عن معمرِ بنِ يحيى، عنِ ابنِ كثيرٍ، “بلغنا أنَّ القرآنَ يأتي يومَ القيامةِ فيقولُ لصاحبهِ: تعرفني؟ فيقولُ من أنتَ؟ فيقولُ: أنا ضجيعُكَ، أنا شفيقُكَ، أنا الذي كنت اسهر ليلك، وانصب نهارك، وازاولُ معكَ حيثُما زلتَ، كلُّ تاجرٍ قد اصابَ منْ تجارتِهِ، وأنا اليومَ لكَ من وراءِ كلِّ تاجرٍ، فيُعطى الملكَ بيمينِه، والخلدَ بشمالِه، ويوضعُ تاجُ الوقارِ على رأسِه، ويُقالُ لهُ: اذهبْ في نعيمٍ مقيمٍ”([50]).

   وهذهِ المنزلةُ العظيمةُ التي ينالُها قارئُ القرآنِ هيَ سببُ غبطةِ الناسِ لهُ يومَ القيامةِ، مثلما كانت سببًا لغبطتِهمْ لهُ في الحياةِ الدنيا، حينَ كانوا يرونَ فيهِ الفضيلةَ والعزةَ، وسائرَ مقوماتِ الحياةِ السعيدةِ التي نالَها ببركةِ القرآنِ الكريمِ، فاتباعُ القرآنِ ليسَ مجردَ عبادةٍ، بل هوَ طريقٌ إلى الكمالِ الإنسانيِّ، ووسيلةٌ إلى نيلِ الرضا الإلهيِّ، وسبيلٌ إلى حياةٍ طيبةٍ في الدنيا، ومنزلةٍ رفيعةٍ في الآخرةِ([51]).

3. شفاعةُ القرآنِ، وقيادتُهُ نحو الرضوانِ: تُعدُّ شفاعةُ القرآنِ الكريم من أعظمِ المنحِ الإلهيةِ التي خُصَّ بها المؤمنونَ، وقد عبّرتِ السيدةُ الزهراءُ (عليها السلامُ) عن هذهِ الحقيقةِ العميقةِ بقولِها: “قائِدٌ إلى الرِّضْوانِ اتّباعُهُ، مُؤَدٍّ إلى النَّجاةِ استماعُهُ([52])، وهيَ عبارةٌ تختزلُ فلسفةَ الهدايةِ القرآنيةِ في كلمتينِ: الاتباعُ والاستماعُ، فالاتباعُ: طريقٌ إلى الرضوانِ، وكلمةُ (اتباعُه) تُفهمُ نحويًا على أنها فاعلٌ لاسم الفاعل (قائدٌ)، أي أنَّ مَنْ يتبعِ القرآنَ يُقادُ بهِ إلى الرضوانِ، ويجوزُ أيضًا أن تُقرأَ على وزنِ (إفعالٍ) جمعًا لكلمةِ (تابعٍ)، فتُعربَ حينها مفعولًا بهِ لـ(قائدٍ)، ويكونُ الفاعلُ ضميرًا يعودُ إلى القرآنِ، إلَّا أنَّ المعنى الأولَ هوَ الظاهرُ بلِ المتعينُ، لما فيهِ من وضوحٍ في الدلالةِ على أنَّ الاتباعَ هوَ الذي يقودُ إلى الرضوانِ([53]).

    أمَّا قولُها (عليها السلامُ) (الرضوانِ)، فإنَّ (الرضا) هوَ ضدُّ السخطِ، بينما (الرضوانُ) يمثلُ أسمى درجاتِ الرضا، والمقصودُ بهِ رضا اللهِ تعالى، وهوَ الغايةُ القصوى التي يسعى إليها المؤمنونَ، ولا تُنالُ إلَّا باتباعِ القرآنِ، والعترة الطاهرة([54])، القرآنُ الكريم يشفعُ لأتباعِه يومَ القيامةِ، وهذا ما ورد عن النبيُّ (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ) أنَّهُ قالَ: “أنَّ هذا القرآنَ شافعٌ مُشَفَّعٌ([55])، ويؤكدُ الإمامُ عليٌّ (عليهِ السلامُ) هذهِ الحقيقةَ بقولِه: “واعلموا أنهُ شافعٌ مُشَفَّعٌ، وقائلٌ مُصَدَّقٌ، وإنهُ مَنْ شَفَعَ لهُ القرآنُ يومَ القيامةِ شُفِّعَ فيهِ، ومَنْ مَحَلَ بهِ القرآنُ يومَ القيامةِ، صُدِّقَ عليهِ، فإنهُ يُنادي مُنادٍ يومَ القيامةِ، ألَّا إنَّ كلَّ حارثٍ مُبْتَلًى في حَرْثِهِ وعاقبةِ أمرِهِ، غيرَ حارثِ القرآنِ([56]).

    وإنَّ الأتباعَ الحقيقيينَ للقرآنِ هُمُ الذينَ يلتزمونَ بمنهجِ قائدِهم في كلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ، ويجعلونَهُ أمامَهم وإمامَهم([57])، فالانقيادُ للقرآنِ، والالتزامُ بأحكامِهِ، وامتثالُ أوامرِهِ ونواهيهِ، يقودُ إلى النجاةِ منَ الضلالةِ، والخلاصِ منَ الجهالةِ، والوصولِ إلى دارِ الكرامةِ، وتقولُ السيدة الزهراء (عليها السلامُ): (مؤدٌّ إلى النجاةِ استماعُهُ)، فمَنْ يستمعْ للقرآنِ ويتدبرْهُ، فإنَّ طريقَ النجاةِ يكونُ ممهّدًا لهُ، مثلما وردَ في قولِهِ تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ([58])، والفرقُ بينَ السماعِ والاستماعِ جوهريٌّ؛ فالسماعُ قد يكونُ بلا تركيزٍ أو تعمُّدٍ، بينما الاستماعُ يتضمنُ التدبرَ والتفكرَ والإصغاءَ الصحيحَ، وبهِ تتحققُ النجاةُ، وتُنالُ السعادةُ، ويُسلكُ الطريقُ القويمُ بعيدًا عنِ الانحرافِ([59])، وقد وردَ عنِ النبيِّ الأكرم (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ) في فضلِ الاستماعِ للقرآنِ قولُه: “مَنِ استَمَعَ آيةً مِنْ كتابِ اللهِ كانتْ لهُ نورًا يومَ القيامةِ([60])، وقد أعدَّ اللهُ تعالى لقارئِ القرآنِ درجاتٍ عُليا في الجنةِ، فقد وردَ عنِ النبيِّ الأكرم (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ): “عليكمْ بتلاوةِ القرآنِ، فإنَّ درجاتِ الجنةِ على عددِ آياتِ القرآنِ، فإذا كانَ يومُ القيامةِ يُقالُ لقارئِ القرآنِ: اقرأْ وارقَ، فكلما قرأَ آيةً رَقِيَ درجةً([61])، فقراءةُ القرآنِ واستماعُهُ تَجلِبُ البركةَ والخيرَ والنعمةَ، وإذا ما تطبّعَ الإنسانُ بالقرآنِ، وتحولَ من مجردِ قارئٍ لعباراتِهِ إلى عاملٍ بها في حياتِهِ، فإنَّهُ يَنعمُ بالسعادةِ والرفاهِ، ويُرزقُ، ويَسعَدُ في دنياهُ، ويُغبَطُ بما ينالُهُ منَ الفيوضاتِ الإلهيةِ.

الْمَبْحَثُ الْثَّاْلِثُ

أَحْكَامُ ٱلْقُرْآنُ ٱلْكَرِيم فِي فِكْرِ ٱلسَّيِّدَةِ ٱلزَّهْرَاءِ (عَلَيْهَا ٱلسَّلَامُ)

    يُعدُّ القرآنُ الكريمُ مصدرًا معرفيًا وتشريعيًا متكاملًا، يقومُ على منظومةٍ من الأدلةِ والبراهينِ التي تتيحُ للإنسانِ ممارسةَ الاستدلالِ العقليِّ، والاحتجاجِ المنطقيِّ في مختلفِ القضايا، سواءٌ كانتْ عقليةً تتصلُ بمباحثِ الفكرِ والنظرِ، أو شرعيةً تتعلقُ بالأحكامِ والتكاليفِ، أو عرفيةً ترتبطُ بالسلوكِ الاجتماعيِّ والتقاليدِ المتداولةِ، وقدِ اتسمَ هذا الكتابُ العزيزُ بالشموليةِ، فلم يغفلْ صغيرةً ولا كبيرةً إلَّا وأخضعها لحكمٍ يحددُ طبيعتَها ووظيفتَها في حياةِ الفردِ والمجتمعِ، سواءً في مجالِ العقيدةِ أو في ميدانِ المعاملاتِ، وينمازُ القرآنُ الكريمُ بأساليبَ متعددةٍ في عرضِ الأحكامِ، فرضتها بلاغتُه المعجزةُ، وكونُه كتابَ هدايةٍ وإرشادٍ، إذ يعرضُ الأحكامَ بطريقةٍ مشوقةٍ، تستثيرُ العقلَ وتوجهُه نحو إدراكِ الحقائقِ، وتلامسُ الوجدانَ بما يحققُ التفاعلَ الروحيَّ والمعرفيَّ مع النصِّ.

    وقد أشارتِ السيدةُ الزهراءُ (عليها السلامُ) إلى هذا البعدِ المعرفيِّ والتشريعيِّ في قولِها: “بِهِ تُنالُ حُجَجُ اللهِ المُنَوَّرَةُ، وَعَزائِمُهُ المُفَسَّرَةُ، وَمَحارِمُهُ المُحَذَّرَةُ، وَبَيِّناتُهُ الجالِيَةُ، وَبَراهِينُهُ الكافِيَةُ، وَفَضائِلُهُ المَنْدوبَةُ، وَرُخَصُهُ المَوْهُوبَةُ، وَشَرايِعُهُ المَكْتُوبَةُ([62])، إذ تُعدُّ هذه الفقرةُ الشريفةُ من النصوصِ التي تكشفُ عن عمقِ القرآنِ الكريمِ في بناءِ منظومةٍ متكاملةٍ من الأحكامِ والمعارفِ، إذ يُرادُ بـ(حججِ اللهِ) البراهينُ القاطعةُ، والأدلةُ الساطعةُ، التي تقومُ على أصولِ المعرفةِ والعبادةِ، وتشملُ الأحكامَ الشرعيةَ النظريةَ والعمليةَ، ووصفُ هذه الحججِ بـ(المنورةِ) يدلُّ على وضوحِها وجلاءِها لأهلِ اليقينِ، فهيَ ليست غامضةً أو محتملةً، بل هيَ بيِّنةٌ في الكتابِ الذي لا ريبَ فيهِ، هدىً للمتقينَ، وهذه الإشارةُ تتصلُ بإثباتِ أصولِ الدينِ([63]).

    أمَّا قولُها (عليها السلامُ) (وعزائمُه)، فهو جمعُ (عزيمةٍ)، أي الفرائضُ التي أوجبها اللهُ تعالى، و(المفسرةُ) تعني تلكَ التي فسرها النبيُّ (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ)، وبيَّنَ أنَّها عزائمُ لا رخصٌ؛ لأنَّ القرآنَ الكريمَ يتضمنُ أنواعًا متعددةً من الأحكامِ: الواجبُ، والمستحبُّ، والحرامُ، والمكروهُ، والمباحُ، والعزائمُ بما أنَّها واجبةٌ، تحتاجُ إلى تفسيرٍ دقيقٍ، وقدْ تولَّى النبيُّ (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ) هذا التفسيرَ موضحًا حقيقتَها وماهيتَها، وقد يُفهمُ من عبارةِ (عزائمهُ المفسرةُ) أنَّها تشيرُ إلى تفسيرِ جوهرِ هذه الفرائضِ، لا مجردِ الإشارةِ إليها، لأنَّ القرآنَ غالبًا ما يكتفي بذكرِ العناوينِ دونَ الخوضِ في التفاصيلِ، ومن هنا تبرزُ ضرورةُ اقترانِ القرآنِ بالسنةِ النبويةِ، إذ بها (تنالُ حججُ اللهِ المنورةُ، وعزائمُه المفسرةُ). ولكنْ أيُّ عزيمةٍ يُرادُ؟ إنَّها تلكَ التي فُسرتْ بأقوالِ النبيِّ (صلى اللهُ عليهِ وآلهِ وسلَّمَ)، وأفعالِهِ، وتقاريرِهِ([64])، مما يضفي على النصِّ القرآنيِّ بعدًا تطبيقيًا وتشريعيًا متكاملًا.

   أمَّا عبارةُ (محارمهُ المحذرةُ)، فهيَ تشيرُ إلى المحرماتِ التي حرَّمها اللهُ تعالى، وبيَّنها في كتابِهِ، محذِّرًا منها بأسلوبٍ واضحٍ، و(بياناتُه الجاليةُ) تعني الآياتِ البيِّنةَ، والدلائلَ الواضحةَ، و(الجاليةُ) بمعنى الواضحةِ بذاتِها، فهيَ لا تحتاجُ إلى شرحٍ أو تأويلٍ، بل تتحدثُ عن نفسِها بجلاءٍ ووضوحٍ، مما يجعلُها مصدرًا مباشرًا للهدايةِ والفهمِ([65]).

    وفي قَولِها (عليها السلام): (بَيِّناتُهُ الجالِيَةُ)، وهو تعبيرٌ يشيرُ إلى الآياتِ الواضحةِ والدلالاتِ الجَلِيَّةِ التي لا لبسَ فيها، والتي تتعلقُ بِالعَزَائِمِ، أي الأحكامِ الشرعيةِ التي لا يجوزُ تركُها أو التهاونُ بِها، مثلُ الواجباتِ والمُحَرَّمَاتِ، وذكرتْ (عليها السلامُ): (بَراهِينُهُ الكافِيَةُ)، وهي عبارةٌ تشيرُ إلى الأدلةِ القاطعةِ والحججِ الساطعةِ التي تتعلقُ بِالمَحَارِمِ، أي الأمورِ التي حرّمها اللهُ تعالى على عِبَادِهِ، أو يمكنُ أنْ يُفهمَ من كَلامِها (عليها السلامُ) أنَّ كلا التَّعبِيرَينِ، أي (بيناته الجَالِيَة) و(براهينه الكافِيَة)، يشيرانِ إلى كلا النوعينِ من الأحكامِ، أي العزائمِ والمحارمِ مَعاً، بحيثُ يكونُ كلٌّ منهما شاملاً لِلآخَرِ.

    أما لفظُ (بَرَاهِينه)، فهو جمعُ (بُرهان)، ويُقصدُ به الأدلةُ العقليةُ والنقليةُ التي يُستَدَلُّ بها على صحةِ الأحكامِ والمُعتقَدَاتِ، ووُصِفتْ (عليها السلامُ) هذهِ البراهينُ بأنها (الكافِيَةُ)، أي أنها تامةٌ وكاملةٌ لا يشوبُها نقصٌ ولا يعتريها عجزٌ في إثباتِ المقصودِ منها، فهي حُجَجٌ وافيةٌ تُغني عن غيرِها في بيانِ الحقائقِ، والبرهانُ في اللغةِ هو الحُجَّةُ التي تُقَامُ لإثباتِ أمرٍ ما، وقد يكونُ هذا البرهانُ واضحاً جلياً فيُطلقُ عليهِ عندئذٍ (بَيِّنَةٌ)، وقد يكونُ خفياً أو غيرَ ظاهرٍ فيُسمى حينها برهاناً غَامِضاً([66]).

    وفي بعضِ النسخِ من هذا النصِّ وردتْ عبارةُ (وجُمَلِهِ الكافِيَةِ) بدلاً من (براهينِهِ الكافِيَةِ)([67])، وفي هذهِ الحالةِ يكونُ المعنى مختلفاً بعضَ الشيءِ، إذْ يُفهمُ من (الجُمَلِ) أنها تشيرُ إلى الآياتِ المتشابهاتِ أو العباراتِ المجملةِ التي قد يظنُّ البعضُ أنها ناقصةٌ أو غيرُ واضحةٍ، ولكنَّ وصفَها بـ(الكافِيَةِ) جاءَ لدفعِ هذا التوهُّمِ، فهي كافيةٌ تماماً في تحقيقِ الغرضِ الذي أُرِيدَ منها، ولا يُشترطُ أنْ تكونَ مفصّلةً لتكونَ ذاتَ فائدةٍ، بل يكفي أنْ يعرفَ الراسخونَ في العلمِ المقصودَ منها، فهمُ الذينَ يُفسّرونَ هذهِ الجُمَلَ المجملةَ لغيرِهم من الناسِ، ويُرجَّحُ أيضاً أنَّ المقصودَ من (الجُمَلِ) هو المعلوماتُ الكليةُ أو القواعدُ العامةُ التي يُستَنبَطُ منها أحكامٌ كثيرةٌ ومُتنوعةٌ، أمَّا (بَيِّناتُهُ الجالِيَةُ) و(براهينُهُ الكافِيَةُ)، فهما يشيرانِ إلى ما يَمُدُّ العقلَ بِالقناعةِ ويُغذي القلبَ بِالطُّمَأنِينَةِ، ويمنحُ الإنسانَ الثقةَ واليقينَ في أيِّ مسألةٍ من المسائلِ التي يبحثُ فيها عن دليلٍ أو بُرهانٍ، سواءً كانتْ عقائديةً أو فقهيةً أو أخلاقيةً([68]).

   وعندما قالتْ (عليها السلامُ): (فضائِلَهُ المَندُوبَةَ)، فإنها تشيرُ إلى الفضائلِ التي يُرغَّبُ فيها الشرعُ دونَ أنْ يُلزِمَ بها، وهي ما يُعرَفُ بِالمندُوبَاتِ أو المُستَحَبَّاتِ، أي الأمورِ التي يُثابُ فاعلُها ولا يُعاقبُ تارِكُها، وهي راجحةٌ شرعاً، ولكنْ يجوزُ تركُها مع كونِ ذلكَ مَرجُوحاً، وقد نَدَبَ اللهُ تعالى عبادَهُ إلى هذهِ الفضائلِ، أي دعاهم إليها دعوةً غيرَ مُلزِمَةٍ، ووصفَتْها السيدةُ الزهراءُ (عليها السلامُ) بأنها (مَوهُوبَةٌ) – في قَولِها (عليها السلام): وَرُخَصُهُ المَوْهُوبَةُ – ، أي أنَّها منحةٌ إلهيةٌ وعطيةٌ ربانيةٌ أُعطِيَتْ لِلعبادِ من دونِ مُقَابِلٍ، فهي من فضلِ اللهِ عَليهمْ.

    أمَّا قَولُها (عليها السلامُ) (وَشَرايِعُهُ المَكْتُوبَةُ)، فإنَّ لفظَ (الشَّرِيعَةِ) يُطلقُ في اللغةِ والاصطلاحِ على مجموعِ الدينِ المُقَرَّرِ، أي الأحكامِ التي شَرَعَها اللهُ لِعِبَادِهِ، ووُصِفَتْ هذهِ الشرائعُ بأنَّها (مَكتُوبَةٌ)، وهي كنايةٌ عن كونِها مُقَرَّرَةً ومُحَدَّدَةً، وقد يُرادُ بالكتابةِ هنا الفروضُ، مثلما في قولِهِ تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ([69])، أي فُرِضَ عَليْكُمْ، ويُحتملُ أنْ يكونَ المقصودُ من (الشرائعِ المكتوبةِ) هو المَكرُوهَاتُ، أي الأمورِ التي يُستحبُّ تركُها دونَ أنْ تكونَ مُحَرَّمَةً، وفي هذهِ الحالةِ تكونُ كلُّ فقرةٍ من الفقراتِ المذكورةِ في النصِّ عبارةً عن نوعٍ من أنواعِ الأحكامِ الشرعيةِ التكليفيةِ، وهي: (الوجوبُ، والحُرمةُ، والنَّدبُ، والإباحةُ، والكَرَاهَةُ) مع الإشارةِ إلى الأدلةِ التي تُثبِتُ الوجوبَ والحُرمةَ على وجهِ الخُصُوصِ، ويجوزُ أيضاً أنْ يُرادَ من (الرُّخَصِ) – في قَولِها (عليها السلام): وَرُخَصُهُ المَوْهُوبَةُ – في هذا السياقِ ما يشملُ المَكرُوهَاتِ، فتكونُ (الشرائعُ المكتوبةُ) عبارةً عن جميعِ الأحكامِ الشرعيةِ التي شُرِعَتْ لِلناسِ، أو يُرادُ من (الشرائعِ) ما سوى الأحكامِ التكليفيةِ، مثلَ الحدودِ والدياتِ، أو يُرادُ بها المعنى الأعمُّ الذي يشملُ كلَّ ما سَبَقَ([70]).

   إنَّ أهلَ البيتِ (عليهمُ السلامُ) همُ المرجعُ الأسمى في فهمِ القرآنِ الكريمِ، فهمُ الأدرى بمعانيهِ ومقاصدِهِ، والأعمقُ إدراكاً لعمومِهِ وخصوصِهِ، وظاهرِهِ وباطنِهِ، ومجملِهِ ومفصَّلِهِ، ومحكمِهِ ومتشابهِهِ، وناسخِهِ ومنسوخِهِ، وقد أكَّدتِ السيدةُ الزهراءُ (عليها السلامُ) هذهِ الحقيقةَ في خطابِها الذي يحملُ دلالاتٍ معرفيةً واحتجاجيةً، عندما قالت: ): أَمْ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَعُمُومِهِ مِنْ أَبِي وَابْنِ عَمّي؟”([71])، لتضعَ بذلكَ سؤالاً تقريرياً يكشفُ عنِ المفارقةِ بينَ مَنْ نزلَ عليهِ الوحيُ ومَنْ يدَّعي الفهمَ مِنْ غيرِهِ، فهل يُعقلُ أنْ يكونَ الناسُ أعلمَ بالقرآنِ ممنْ أُنزلَ عليهِ القرآنُ؟ وهلْ يُتصوَّرُ أنْ يُقدَّمَ فهمُ غيرِ المعصومِ على فهمِ مَنْ عاشَ معَ الوحيِ وتربَّى في بيئتِهِ؟([72]).

     ثمَّ إنَّ السيدةَ الزهراءَ (عليها السلامُ) لم تكتفِ بإثباتِ مرجعيةِ أهلِ البيتِ في فهمِ القرآنِ، بل وجَّهتْ تحذيراً شديداً إلى الأمةِ مِن مغبَّةِ تركِ العملِ بأحكامِهِ، أوِ استبدالِهِ بشرائعَ أُخرى، أوِ الركونِ إلى أحكامٍ لا تمتُّ إلى القرآنِ بصِلَةٍ، فقالتْ بلهجةٍ إنكاريةٍ تقريعيةٍ: “وقَدْ خَلَّفْتُمُوهُ وَراءَ ظُهُورِكُمْ، أرَغَبَةً عَنْهُ تُرِيدُونَ، أمْ بِغَيْرِهِ تَحْكُمُونَ، ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً([73])([74])، مستشهدةً بآيةٍ قرآنيةٍ تؤكدُ ﴿مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ ديناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ([75]). إنَّ هذا الاستفهامَ لا يحملُ فقطْ معنى الإنكارِ، بلْ يكشفُ عنْ حالةٍ مِنَ العجبِ والاستغرابِ الذي راودَ السيدة الزهراءَ (عليها السلامُ) تجاهَ مَنْ تخلَّى عنْ كتابِ اللهِ رغمَ وضوحِهِ وبيانِهِ، فقالتْ: أبَعدَ كلِّ هذهِ الصفاتِ العظيمةِ، والآياتِ الكريمةِ، والمناهجِ المستقيمةِ، والمفهوماتِ السليمةِ، تجعلونَ كتابَ اللهِ وراءَ ظهورِكُمْ؟ ألا تلتزمونَ بهِ؟ أوْ تأخذونَ منهُ؟ فلا نعلَمُ ما تريدونَ وما ترغبونَ بهِ. ألَكُمْ علمٌ وقدرةٌ على أنْ تأتُوا بأفضلَ منهُ؟ أمْ تجعلونَ آراءَكُم تمضي ويقفُ حكمُ اللهِ في كتابِهِ؟.

    وهنا تطرحُ السيدة الزهراء (عليها السلامُ) تساؤلاتٍ عميقةً، تكشفُ عنْ مفارقةٍ عقليةٍ ومنهجيةٍ، فكيفَ يُعقلُ أنْ يُخالفَ الناسُ حكمَ اللهِ ويُنبذَ كتابَهُ، ثمَّ يُحتَكَمَ إلى غيرِهِ؟ أليسَ ذلكَ افتراءً على اللهِ بما تهوى الأنفسُ؟، وهيَ تعلمُ أنَّ الناسَ لا يستطيعونَ أنْ يحكُموا بما يرضي اللهَ، فقالت: فبئسَ وسخطٌ لمَنْ بدَّلَ قولَ اللهِ وعملَ بغيرِ كتابِ اللهِ، في أيِّ شيءٍ، أكانَ صغيراً أمْ كبيراً، ومَنْ يتبعْ غيرَ الإسلامِ وقوانينِهِ، وشريعتِهِ، وأحكامِهِ، فلا يُقبلُ منهُ أيُّ عملٍ، وهوَ في الآخرةِ مِنَ الخاسرينَ المتحسِّرينَ. إنَّ هذا التحذيرَ لا يقتصرُ على مخالفةٍ ظاهريةٍ، بلْ يتعدّاهُ إلى كشفِ زيفِ العقائدِ التي يعتنقُها مَنْ تركَ العملَ بآياتِ القرآنِ، مما يدلُّ على انحرافٍ في المنهجِ، وخللٍ في العقيدةِ.

     وفي موضعٍ آخرَ تعودُ السيدة الزهراء (عليها السلامُ) لتؤكدَ هذا المعنى، فتقولُ: :“أَفَعَلى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتابَ اللّهِ، وَنَبَذْتُمُوهُ وَراءَ ظُهُورِكُمْ”([76])، وهنا يأتي الاستفهامُ بصيغةٍ تقريريةٍ، ليُحمِّلَ المخاطَبينَ مسؤوليةَ الفعلِ، وكأنها تقولُ: أليسَ هذا القرآنُ موجوداً عندَكُمْ؟ فلماذا تركتمُ العملَ بهِ؟ أتعمَّدتُم ذلكَ وأنتمْ على درايةٍ تامَّةٍ بما أمرَ اللهُ بهِ في كتابِهِ؟ ولمْ تهتمُّوا بهِ، وجعلتُموهُ خلفَ ظهورِكُمْ؟ إنَّ هذا الخطابَ يكشفُ عنْ إدراكِ الزهراءِ (عليها السلامُ) لخطورةِ المرحلةِ، وعمقِ الأزمةِ التي تمرُّ بها الأمةُ، حينَ تُعرِضُ عنْ كتابِ اللهِ، وتُهمِلُ أحكامَهُ، وتُستَبدَلُ شرائعُها بغيرِها.

     ولقدْ كانتْ دعوةُ السيدة الزهراءِ (عليها السلامُ) وحُججُها وبراهينُها منطلقةً مِنْ آياتِ القرآنِ الكريمِ، ولمْ تخرجْ في ذلكَ كلِّهِ عنْ مفهوماتِهِ الشريفةِ، ومضامينِهِ البيِّنَةِ، فهيَ لمْ تحتجَّ إلَّا بما جاءَ في كتابِ اللهِ، أمَّا أقوالُهُمْ فليسَ لها مكانٌ في كتابِ اللهِ([77])، مما يدلُّ على أنَّ الزهراءَ (عليها السلامُ) كانتْ ترى أنَّ كلَّ حقٍّ يُطالبُ بهِ يجبُ أنْ يُستندَ إلى القرآنِ، وكلَّ باطلٍ يُدحَضُ يجبُ أنْ يُكشفَ مِنْ خلالِهِ.

وفي ضوءِ هذا التناولِ القرآنيِّ، يمكنُنا أنْ نستخلصَ عدةَ أُمورٍ:

1. إنَّ السيدة الزهراءَ (عليها السلامُ) كانتْ على درجةٍ عاليةٍ مِنَ الفهمِ والارتباطِ بالقرآنِ الكريمِ، وهذا يظهرُ جلياً مِنْ دقةِ استشهادِها واستدلالِها بالآياتِ المباركةِ، فهيَ التي تربَّتْ في مهبطِ الوحيِ، ونهلَتْ مِنْ معينِ النبوةِ، فكانَ فهمُها للقرآنِ فَهْماً نابعاً مِنَ القلبِ والعقلِ والروحِ.

2. أرادتِ السيدة الزهراءُ (عليها السلامُ) أنْ تُثبتَ أحقيتَها فيما تُطالبُ بهِ مِنْ حقٍّ، مِنْ خلالِ القرآنِ الكريمِ، فإذا استنطقْنا القرآنَ نجدْهُ يُقرُّ بذلكَ، وبخاصةٍ في آياتِ المواريثِ التي جاءتْ واضحةً وصادقةً وبيِّنةً، لا تحتملُ التأويلَ ولا التبديلَ.

 3. إنَّ القرآنَ هو دستورُ الأمةِ، الذي بهِ تنجُو في الدنيا والآخرةِ، وتعطيلُهُ يعني ضياعَ الأمةِ، وانهِيارَ قيمِها، وتفكُّكَ بنيانِها، ولذلكَ حذَّرتِ الزهراءُ (عليها السلامُ) الناسَ مِنْ تركِ العملِ بهِ، لأنَّ في ذلكَ خسراناً مبيناً، وزيفاً في العقيدةِ، وانحرافاً عنِ المنهجِ الإلهيِّ.

الخَاْتِمَةُ وَنَتَاْئِجُ الْبَحْثِ

   تُسدِلُ هذهِ الدراسةُ التحليليةُ الستارَ على رحلةٍ فكريةٍ وإيمانيةٍ، استكشفتْ خلالَها تجلياتِ القرآنِ الكريمِ في فكرِ السيدةِ الزهراءِ (عليها السلامُ)، تلكَ الشخصيةِ التي تُمثلُ ذروةَ الصفاءِ الروحيِّ والوعيِ الإلهيِّ، والتي تجلّتْ في خطبتِها المباركةِ رؤيةٌ قرآنيةٌ متكاملةٌ، نابضةٌ بالحياةِ، ومضيئةٌ لدروبِ الهدايةِ، وراسخةٌ في وجدانِ الأمةِ كدعامةٍ للتشريعِ الإلهيِّ، إذِ انطلقتْ هذهِ الدراسةُ من تحليلٍ دقيقٍ لنصِّ خطبةِ الزهراءِ (عليها السلامُ)، باعتبارِها وثيقةً فكريةً وعقائديةً تُجسدُ منظورًا قرآنيًا متجذرًا في الوعيِ الرساليِّ، إذْ لم يكنِ القرآنُ في فكرِها مجردَ كتابٍ يُتلى، بلْ عهدًا إلهيًا، وزعيمًا للحقِّ، ونورًا ساطعًا، وضياءً لامعًا، يُرشدُ الأمةَ ويقودُها نحو النجاةِ والرضوانِ، ويمكنُنا أن نبيّنَ أهمَّ نتائجِ هذا البحثِ فيما هو آتٍ:

أولًا: مكانةُ القرآنِ في فكرِ الزهراءِ (عهدًا، وزعيمًا حيًا): في هذا المحورِ، تتجلى رؤيةُ الزهراءِ (عليها السلامُ) للقرآنِ الكريمِ بوصفِه كيانًا حيًا، فاعلًا، متحركًا في حياةِ الأمةِ، لا مجردَ نصٍّ جامدٍ أو تراثٍ ساكنٍ، فقد وصفتْهُ (عليها السلامُ) بأنّهُ:

 1. (زعيمُ حقٍّ): وهو تعبيرٌ بليغٌ يُضفي على القرآنِ صفةَ القيادةِ العليا، التي لا تُضاهَى ولا تُنافَسُ، في إثباتِ الحقوقِ ودحضِ الباطلِ، مما يُرسِّخُ مركزيةَ القرآنِ في بناءِ العدالةِ الإلهيةِ.

 2. (عهدٌ إلهيًا): يُمثلُ ميثاقًا ربانيًا بينَ اللهِ (جلَّ ذكرهُ) وعبادِه، يُلزمُهم بالاتباعِ والطاعةِ، ويُرشدُهم إلى سبلِ النجاةِ، ويُجسدُ العلاقةَ التعاقديةَ بينَ الخالقِ والمخلوقِ.

 3. (بقيةٌ مستخلَفةٌ): أيْ أنّهُ الإرثُ الإلهيُّ الباقي بعدَ النبيِّ (صلى اللهُ عليه وآله)، الذي يحملُ في طياتِه الهدايةَ والتشريعَ، ويُجسدُ استمرارَ الرسالةِ في غيابِ النبيِّ (صلى اللهُ عليه وآله)، مما يُضفي على القرآنِ صفةَ الخلافةِ التشريعيةِ والروحيةِ.

    وقد تجاوزتْ هذهِ الرؤيةُ التصورَ السطحيَّ للقرآنِ كنصٍّ صامتٍ، لتُقدمَهُ بوصفِه (القرآن الصادق)، الذي يُجلي الحقائقَ، ويُضيءُ العقولَ، ويُرشدُ القلوبَ، فهو (النورُ الساطعُ) الذي لا يخبُو، و(الضياءُ اللامعُ) الذي لا يُطفَأُ، مما يُؤسسُ لفكرةِ وضوحِ الحجةِ القرآنيةِ كركيزةٍ أساسيةٍ لاستمرارِ الشريعةِ والهدى، ويُبرزُ البُعدَ الحيَّ للقرآنِ في حياةِ الأمةِ.

ثانيًا: خصائصُ القرآنِ في فكرِ الزهراءِ (إشراقٌ، غبطةٌ، شفاعةٌ): تُظهرُ الدراسةُ أنَّ خصائصَ القرآنِ الكريمِ في فكرِ الزهراءِ (عليها السلامُ) تتمحورُ حولَ ثلاثةِ أركانٍ ساميةٍ، تُجسدُ تكاملَ القرآنِ في أبعادِه المعرفيةِ والروحيةِ والاجتماعيةِ:

 1. وضوحُ البصائرِ وتجليّ الحقِّ: تصفُ السيدة الزهراءُ (عليها السلامُ) القرآنَ بعباراتٍ بليغةٍ تُجسدُ شفافيتَهُ المعرفيةَ: (بصائرُهُ بيّنةٌ)، و(سرائرُهُ منكشفةٌ)، و(ظواهرُهُ متجليةٌ)، وهذهِ التعابيرُ تُشيرُ إلى أنَّ القرآنَ يُخاطبُ العقلَ والقلبَ معًا، ويجمعُ بينَ وضوحِ الظاهرِ وعمقِ الباطنِ، ويُرسي دعائمَ اليقينِ في النفوسِ، مما يُعززُ فكرةَ أنَّ القرآنَ ليسَ مجردَ خطابٍ بلاغيٍّ، بلْ منظومةٌ معرفيةٌ متكاملةٌ تُضيءُ دروبَ الفكرِ والإيمانِ.

 2. غبطةُ أتباعِه، وسعادةُ أشياعِه: تُبرزُ السيدة الزهراءُ (عليها السلامُ) أنَّ القرآنَ يمنحُ أتباعَهُ عزًا في الدنيا ورفعةً في الآخرةِ، إذ تتغابطُ الأممُ بهم يومَ القيامةِ، جزاءً لجعلِهم القرآنَ إمامًا في القولِ والعملِ، وهذا التصورُ يُرسِّخُ مكانةَ القرآنِ كمصدرٍ للسعادةِ الحقيقيةِ والعزةِ الدائمةِ، ويُجسدُ البُعدَ الاجتماعيَّ للقرآنِ في بناءِ أمةٍ راشدةٍ.

 3. شفاعةُ القرآنِ وقيادتُهُ نحو الرضوانِ: بقولِها (عليها السلامُ): (قائدٌ إلى الرضوانِ اتباعُهُ، مؤدٍّ إلى النجاةِ استماعُهُ)، تُرسي السيدة الزهراءُ (عليها السلامُ) مبدأَ أنَّ طريقَ رضا اللهِ لا يُنالُ إلَّا باتباعٍ عمليٍّ للقرآنِ، واستماعٍ تدبّريٍّ يُفضي إلى النجاةِ، مما يُبرزُ البُعدَ التربويَّ والروحيَّ للقرآنِ كقائدٍ لا كمجردِ كتابٍ، ويُحوّلُ العلاقةَ معَهُ من التلقيِّ السلبيِّ إلى التفاعلِ الحيِّ.

ثالثًا: الدورُ التشريعيُّ للقرآنِ (المصدرُ الأعلى): تُسلطُ الدراسةُ الضوءَ على الشموليةِ التشريعيةِ للقرآنِ الكريمِ في فكرِ السيدة الزهراءِ (عليها السلامُ)، إذ يُعدُّ المرجعَ الأعلى والمنطلقَ الوحيدَ لإثباتِ كلِّ حقٍّ ودحضِ كلِّ باطلٍ، وقد عبّرتْ عنْ ذلكَ من خلالِ:

1. (حججُ اللهِ المنوَّرةُ): أيْ أنَّ القرآنَ يُقدِّمُ أدلةً ناصعةً تُنيرُ طريقَ الحقِّ، وتُرسي أسسَ الاستدلالِ العقليِّ والشرعيِّ.

 2. (عزائمُهُ المفسَّرةُ): أيْ أنَّ أوامرَهُ واضحةٌ، لا لبسَ فيها، تُرشدُ إلى العملِ الصالحِ، وتُجسدُ وضوحَ التشريعِ الإلهيِّ.

 3. (محارمُهُ المحذَّرةُ): أيْ أنَّ نواهيَهُ تُحذِّرُ من الوقوعِ في المعاصي، وتُرسي حدودًا واضحةً للحرامِ، مما يُبرزُ البُعدَ الوقائيَّ للقرآنِ في بناءِ الفردِ والمجتمعِ.

    وقد أكدتِ الدراسةُ أنَّ احتجاجَ السيدة الزهراءِ (عليها السلامُ) بالآياتِ القرآنيةِ يُمثلُ منهجًا استدلاليًا رصينًا، يُعززُ مكانةَ القرآنِ كمصدرٍ تشريعيٍّ لا يُضاهَى، ويُجسدُ ارتباطَها الوثيقَ بالوحيِ الإلهيِّ، مما يُبرزُ عمقَ فقهِها القرآنيِّ، ووعيَها التشريعيَّ المتقدمَ، ويُرسِّخُ مكانةَ المرأةِ في صناعةِ الوعيِ التشريعيِّ.

    وأَمَلِي أَنْ يُسْهِمَ هَذَا الْجُهْدُ الْبَحْثِيُّ فِي إِثْرَاءِ مَسِيرَةِ الْبَحْثِ الْأَكَادِيمِيِّ، وَأَنْ يُمَثِّلَ بَصِيصَ نُورٍ يُضِيءُ جَنَبَاتِ مَيْدَانِهِ الْمَعْرِفِيِّ، لِيَعُودَ بِالنَّفْعِ عَلَى كُلِّ بَاحِثٍ جَادٍّ أَوْ طَالِبِ عِلْمٍ رَاغِبٍ فِي الِاسْتِزَادَةِ، وَاللَّهُ مِنْ وَرَاءِ الْقَصْدِ، وَهُوَ الْهَادِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ.

    وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنَّ الْحَمْدَ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْأَتَمَّانِ الْأَكْمَلَانِ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا وَحَبِيبِنَا خَيْرِ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ أَبِي الْقَاسِمِ الْمُصْطَفَى مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) الَّذِي بَعَثَهُ اللهُ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ، وَشَفِيعًا لَنَا يَوْمَ الدِّينِ، وَعَلَى آلِ بَيْتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَهُمْ تَطْهِيرًا، وَعَلَى صَحْبِهِ الْكِرَامِ الْمُنْتَجَبِينَ الْمُخْلِصِينَ الْمُخْلَصِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

مَسْرَدُ الْمَصَاْدِرُ وَالْمَرَاْجِعُ

     الْقُرْآنُ الْكَرِيْمِ

  • الإحتجاج، الشيخ أبو منصور الطبرسي، دار المرتضى، بيروت، ط1، 1429ه ـــ 2008م.
  • أدب فاطمة الزهراء (عليها السلام)، د. محمود البستاني, دار الحسنين, قم- إيران, ط1, 1424هـ.
  • إشراقات فكرية من أنوار الخطبة الفدكية، الشيخ حبيب الهديبي، دار البلاغة، بيروت ـــــ لبنان، ط1، 1423ه ـــــ 2002م.
  • بحار الأنوار الجامعة لدُرر أخبار الأئمة الاطهار, الشيخ محمد باقر المجلسي (ت1111هـ), تحقيق وتعليق لفيف من العلماء, مؤسسة الوفاء ، بيروت – لبنان ، ط2 ، 1403هـ/1983م.
  • بحوث في عقائد الإمامية، عبد الرضا البهادلي، دار القارئ، بيروت – لبنان، ط1، 1432ه – 2011م.
  • بلاغات النساء, ابو الفضل أحمد بن أبي طاهر المعروف بـ(ابن طيفور) (ت 280هـ), المكتبة المرتضوية ومطبعتها الحيدرية, النجف الأشرف – العراق, د.ط, 1361هـ.
  • البيان في تفسير القرآن، الخوئي دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، الطبعة الرابعة، 1395ه – 1975م.
  • الزهراء (ع عليها السلام) خير نساء العالمين، الشيخ مكارم الشيرازي، مكتبة الكوثر، بغداد ـــ مدينة الصدر، ط1، 1434ه ـــــ 2013م ..
  • الزهراء (عليها السلام) وخطبة فدك، العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي، تعليق الشيخ محمد تقي شريعتمداري، دار كلستان كوثر للنشر، طهران ـــ ايران، ط1، 1423ه ــــ 2002م.
  • سيرة أعلام النبلاء، شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، تحقيق : حسين الأسد، مؤسسة الرسالة، بيروت – لبنان، الطبعة التاسعة، 1413ه – 1993م.
  • شرح خطبة الزهراء (عليها السلام) وأسبابها، الشيخ نزيه القميحا، بيروت ــــــ المربحة، ط2، 1415ه ــــــ 1995ه.
  • صحيح مسلم , مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت261هـ), مؤسسة المختار للنشر والتوزيع, القاهرة, ط1, 1426هـ/2005م.
  • علوم القرآن، السيد محمد باقر الحكيم، مؤسسة الهادي، ايران – قم المقدسة، الطبعة الثالثة، 1417ه.
  • فاطمة من المهد الى اللحد, السيد محمد كاظم القزويني, مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع, بيروت- لبنان, ط1, 1430هـ/2009م.
  • فدك، عبد المجيد فرج الله، دار فرج الله الأدبية، سوريا، الطبعة الأولى، 1421ه.
  • الفكر الإسلامي، وعلوم القران الكريم، الشيخ مرتضى مطهري، مركز الإرشاد، بيروت – لبنان، ط1، 1430ه – 2009م.
  • القرآن نهج وحضارة، عبد الشهيد الستراوي، مؤسّسة الأعلمي، بيروت- لبنان، ط1، 1417هـ- 1997م.
  • لسان العرب، أبو الفضل جمال الدين بن مكرم بن منظور الافريقي المصري, دار صادر للطباعة والنشر, بيروت – لبنان, الطبعة الرابعة، 2005م .
  • اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراع (عليها السلام)، المولى محمد علي بن أحمد القرجة داغي التبريزي الأنصاري (ت 1310ه)، تحقيق السيد هاشم الميلاني، دار التبليغ الإسلامي، بيروت ـــ لبنان، ط2، 1432ه ــــ 2011م.
  • مجمع البحرين, فخر الدين الطريحي, تحقيق: احمد الحسيني, مؤسسة التاريخ العربي, بيروت – لبنان, الطبعة الثانية, 2008م. 
  • المستدرك على الصحيحين, محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري (ت405هـ), تحقيق مصطفى عبد القادر عطا,  الكتب العلمية – بيروت , ط1, 1411هـ/ 1990م.
  • المستصفى، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (ت ٥٠٥هـ)، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت ـــ لبنان، الطبعة الأولى، ١٤١٣هـ – ١٩٩٣م.
  • مسند أحمد، الإمام أحمد بن حبل الشيباني، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت ـــ لبنان، الطبعة الأولى، 1421ه – 2001م.
  • المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي, أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي, تحقيق: الدكتور خضر عواد, مطبعة مكتبة مكتب لبنان, بيروت –  لبنان, الطبعة الاولى، 1987 م.
  • المصنف، عبد الرزاق بن همام الصنعاني، تحقيق: نصير الساعدي، دار احياء التراث العربي، بيروت ـــ لبنان، الطبعة الأولى، 1432ه – 2011م.
  • مقاييس اللغة، أحمد بن فارس، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر، د. ط، 1979م.
  • من فقه الزهراء (عليها السلام)، السيد محمد الحسيني الشيرازي، دار العلوم، بيروت ـــ لبنان، الطبعة الأولى، 1429ه – 2008م.
  • نهج البلاغة، جمع وشرح شريف الرضي، دار المتقين، بيروت ـــ لبنان، الطبعة الأولى، 1432ه.
  • وأَلقت الزهراء خطبتها، السيد جواد السيد كاظم الموسوي القزاز، تقديم الشيخ باقر شريف القرشي، مطبعة الأميرة للطبعة والنشر و التوزيع، ط1، 1431ه ـــ 2010 م .
  • الوحي والنبوة في القرآن، جواد آملي، دار الصفوة، بيروت ـــ لبنان، الطبعة الأولى، 1429ه – 2009م.

([1]) سورة الكهف: 10.

([2]) سورة القيامة: 17.

([3]) ينظر: مقاييس اللغة، أحمد فارس بن زكريا، مادة (قرأ): 2/396، والمصباح المنير، للفيوميّ:2/259، ولسان العرب، ابن منظور، مادة (قرأ): 1/ 128-131، ومجمع البحرين، فخر الدين الطريحي:3/477.

([4]) ينظر: علوم القرآن، محمد باقر الحكيم: 23، والمستصفى في أصول الفقه، أبو حامد محمد الغزالي:1/191.

([5]) ينظر: بحوث في عقائد الإمامية، عبد الرضا البهادلي: 194.

([6]) سورة البقرة: 4.

([7]) سورة البقرة: 9.

([8]) ينظر: بحوث في عقائد الإمامية: 194.

([9]) الاحتجاج، الشيخ أبو منصور الطبرسي: 1/116، واللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراع (عليها السلام)، المولى محمد علي بن أحمد التبريزي الأنصاري: 506.

([10]) سورة آل عمران: 187.

([11]) من فقه الزهراء (عليها السلام)، السيد محمد الحسيني الشيرازي: 2/ 165 – 168.

([12]) لقد انفرد القرآن الكريم عن سائر الكتب السماوية بلغته التي هي جزء من اعجازه، وإنَّ أياً من الكتب السماوية لا يستند إلى لغته، بل المحتواه فحسب، دون الالتفاف إلى جمال اللفظ والخصائص اللفظية، أما القرآن الكريم فقد اقتضت الحكمة الالهية ان تكون اللغة ومحتواه الفني من صنع الله. ينظر: الفكر الإسلامي، وعلوم القران الكريم، الشيخ مرتضى مطهري: ٦٠.

 ([13])ينظر: اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراع (عليها السلام): 507.

([14]) سورة محمد: 24.

([15]) في بعض النسخ وردت الفقرة هكذا (زعمتم حق لكم) بصيغة الماضي فيهما، وفُسرَ بمعنى أن ما ذكر ثابت لكم، وتلك الاسماء صادقة عليكم بالاستحقاق، ويمكن أن يقرأ على الماضي المجهول، وفي ايراد لفظ الزعم اشعار بأنهم ليسوا متصفين بها حقيقة، وإنما يدعون ذلك كذباً، ويمكن ان يكون (حق لكم) جملة أخرى مستأنفة، بمعنى (زعمتم أنكم كذلك)، وكان يحق لكم وينبغي أن تكونوا كذلك لكن قصرتم، وفي نسخ أخرى (وزعمتم حق لكم فيكم وعهد) وفي نسخة أخرى وردت (وزعمتم أن لا حق لي فيكم عهداً قدمه إليكم)، فيكون عهداً منصوباً بذكروا أو نحوه، وفي نسخ أخرى (إلى الإمم حولكم الله فيكم عهداً) فيكون حولكم متعلقاً بالأمم أي الأمم الكائنين حولكم بمعنى بعدكم فيكون (الله فيكم عهد) جملة مستقلة تامة، وبقيه عطفاً على العهد، فحينئذ يكون المراد من العهد، ما أوصاهم به في أهل بيته وعترته، ومن البقية القرآن، فيكون كتاب الله الناطق ناظراً إلى العهد والقرآن الصادق ناظراً إلى البقية على طريق اللف والنشر المرتب، وفي رواية ابن أبي طاهر (وبقية استخلفنا عليكم، ومعنا كتاب الله)، فيكون المراد بالعهد ما اوصاهم به في العترة، ومن البقية نفس العترة. ينظر : بلاغات النساء، ابن طيفور: ۲۸، وبحار الأنوار، المجلسي: ۲۹، و٣٥٧، واللمعة البيضاء: ٥٠٩.

([16]) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إنَّي تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنَّهما لن يتفرقا حتى يردا على الحوض). ينظر: صحيح مسلم: 7/123، ومسند احمد: ۳ /١٤ و٥٩، والمستدرك، الحاكم النيسابوري: 3/109.

([17]) سورة الأنعام: 59.

([18]) سورة النحل: 89.

([19]) ينظر: اللمعة البيضاء: 506.

([20]) ينظر: فدك، عبد المجيد فرج الله: 129.

([21]) ينظر: لسان العرب، مادة (سطع): 8/ 158.

([22]) ينظر: المصدر نفسه، مادة (لمع): 8/ 325.

([23]) سورة التغابن: 8.

([24]) سورة المائدة: 16.

([25]) بحار الأنوار: 92/31.

([26]) نهج البلاغة، جمع شريف الرضي: 1/292، خطبة: 198.

([27]) ينظر: من فقه الزهراء (عليها السلام): 2/ 173 -174.

([28]) ينظر: القرآن نهج وحضارة، عبد الشهيد الستراوي: 5.

([29]) ينظر: الوحي والنبوة في القرآن، جواد آملي: 51.

([30]) ينظر: من فقه الزهراء: 2/168.

 ([31])يراد من التحريف معان عديدة بعضها واقع باتفاق المسلمين كنقل الشيء من موضعه وتحويله إلى غيره بمعنى تفسير القرآن بغير حقيقته، وحمله على غير معناه، وبعضها لم يقع وبعض الآخر فيه خلاف، ومن معاني التحريف النقص والزيادة بكلمة أو كلمتين، ومنها التحريف بالنقيصة أي أنَّ القرآن قد ضاع بعضه وهو باطل، ومن معانيه الزيادة. ينظر: البيان في تفسير القرآن، الخوئي : ۱۹۷.

 ([32])ينظر: من فقه الزهراء (عليها السلام): 2/170.

 ([33])ينظر: والقت الزهراء خطبتها، كاظم القزاز : 130.

 ([34])سورة يونس : 5.

 ([35])ينظر: من فقه الزهراء (عليها السلام): 2/174.

 ([36])ينظر: أدب فاطمة (عليها السلام)، محمود البستاني: 36.

 ([37])سورة الحجر : 9.

([38]) الاحتجاج: 1/116.

 ([39])ينظر: شرح خطبة الزهراء (عليها السلام) وأسبابها، الشيخ نزيه القميحا: 210، والقرآن نهج وحضارة: 93.

 ([40])ينظر: من فقه الزهراء (عليها السلام): 2/176، وشرح خطبة الزهراء (عليها السلام) وأسبابها: 211.

([41]) الاحتجاج: 1/101.

 ([42])ينظر: فاطمة من المهد إلى اللحد، السيد محمد كاظم القزويني: 197.

([43]) الاحتجاج: 1/116.

 ([44])ينظر: البيان في تفسير القرآن: 25.

([45]) ينظر: لسان العرب، مادة (غبط): 7/ 359.

 ([46])ينظر: شرح خطبة الزهراء (عليها السلام) وأسبابها: 212.

([47]) ينظر: لسان العرب، مادة (شيع): 8/ 189.

 ([48])ينظر: اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراع (عليها السلام): 522، وفاطمة من المهد إلى اللحد: 261.

 ([49])ابن نافع الحافظ الكبير عالم اليمن ابو بكر الحميري مولاهم الصنعاني الثقه حدث عن ابن جريح ومعمر (ت 211 ه). ينظر: سيرة أعلام النبلاء، للذهبي:٨/ 222.

 ([50])المصنف، عبد الرزاق بن همام الصنعاني: 3/166.

 ([51])ينظر: من فقه الزهراع (عليها السلام): 2/177.

([52]) الاحتجاج: 1/116.

 ([53])ينظر: اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراع (عليها السلام): 524.

 ([54])ينظر: لسان العرب، مادة (رضا): 13/323، ومن فقه الزهراع (عليها السلام): 2/178.

 ([55])المصنف: 3/166.

([56]) نهج البلاغة: 2/236.

 ([57])ينظر: من فقه الزهراع (عليها السلام): 2/176.

 ([58])سورة الأعراف: 204.

 ([59])ينظر: والقت الزهراء خطبتها: 130.

 ([60])المصنف: 3/166.

 ([61])بحار الأنوار: 8/186.

([62]) الاحتجاج: 1/116.

 ([63])ينظر: اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراع (عليها السلام): 530، وإشراقات فكرية من أنوار الخطبة الفدكية، الشيخ حبيب الهديبي: 3/37.

 ([64])ينظر: من فقه الزهراع (عليها السلام): 2/188.

 ([65])ينظر: والقت الزهراء خطبتها: 131.

 ([66])ينظر: من فقه الزهراع (عليها السلام): 2/193.

 ([67])ينظر: بلاغات النساء: 28، الزهراء (عليها السلام) وخطبة فدك، العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي: 58، الزهراء (ع عليها السلام) خير نساء العالمين، الشيخ مكارم الشيرازي: 284.

 ([68])ينظر: اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراع (عليها السلام): 539، وإشراقات فكرية من أنوار الخطبة الفدكية: 3/37 – 38.

 ([69])سورة البقرة: 183.

 ([70])ينظر: إشراقات فكرية من أنوار الخطبة الفدكية: 3/37 – 38.

([71]) الاحتجاج : 1/102 .

 ([72])ينظر: والقت الزهراء خطبتها: 163.

 ([73])سورة الكهف: 50.

([74]) الاحتجاج : 1/101 .

 ([75])سورة آل عمران: 58.

 ([76]) الاحتجاج :1/101 .

 ([77])ينظر: شرح خطبة الزهراء (عليها السلام) وأسبابها: 363.

التصنيفات : البحوث | بحوث أخرى