من بحوث المسابقةالبحثية السنوية الثامنه الفائز بالمركز الخامس (فلْنعلم أنَّها فاطمة(ع) )/ الباحثة:مديحة حسن عبد الزهرة الخزاعي.
ملخص البحث:
وجَّه البحث إلى قيمة المعرفة في بناء الاعتقادات وتمتينها ثم إلى ما تفرزه العقيدة من مخرجات على المستوى التطبيقي، فيقرأ معكوسًا من الفعل المتكامل المرضي اعتقادًا صحيحًا مسقطين هذا القول في هذه الدراسة على ضرورة التعرف على الزهراء (صلوات الله عليها) ذي المؤثرية في الاعتقاد بها حجة إلهية ثم العمل بما يتناسب ومتحصِّل المعرفة بها (صلوات الله عليها)، فكان عنوان هذه الدراسة وسطورها بمثابة تلبية لما وجَّهت له الأمة بمعرض من نهضتها الكبرى عندما أفادت(صلوات الله عليها): «اعلموا أنِّي فاطمة»، فجعلنا من تلك الفاصلة الفاطمية نفطة بحث وإضاءة على قدرنا.
والموضوعات التي أشغلت حيز الدراسة هي تمهيد بعد المقدِّمة يليه مبحثان وخاتمة، فأمّا التمهيد فقد تضمَّن في خلاصته على إبراز قيمة القدوة في شأن الهداية وتحصيل الهدف من التكليف، وقد مررنا على بعض من شؤون مفهوم القدوة التي استأهل بها قيادة الأمة، ثم المبحث الأول الذي به نتقدَّم أكثر باتجاه التعرفة الأولى لحضرة الزهراء (صلوات الله عليها) وعمادُه النَّص المعصوم من قرآن ورواية تؤسس في المعرفة داعمة استلزامات العقل وأحكامه، وأمَّا المبحث الثاني فقد اشتمل على محاور أُضيئ فيها على جناح المعرفة الآخر بالوقوف على منجز الزهراء(صلوات الله عليها) في الخارج وتفصيل شؤون حجيتها الإلهية تطبيقًا، وآخرًا نقف على عرض أهم نتائج البحث ضمن عنوان الخاتمة
وقد سارت الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي عبر استقراء لبعض الأحداث ثمَّ وصفها على أسس استدعتها المادة ترشيحًا للوصول إلى نتائج تخدم غرض البحث وأهدافه.
المقدمة:
الحَمْدُ للهِ الَّذَي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ القَائِلُونَ، وَلاِ يُحْصِي نَعْمَاءَهُ العَادُّونَ، ولاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ الُمجْتَهِدُونَ …
والصلاةُ على حبيبهِ صاحبِ الزُّلفى، المخصوصِ بالمقامِ الأعلى، والدنو الأدنى حيث قابَ قوسينِ أو أدنى، وعلى آلهِ الأطهارِ تاليِّه في العُلا، صلاةً مباركةً دائمةً ما صلَّى اللهُ وملائكتِه والمؤمنونَ.
إنَّ اعتقادات العقلاء وإيمانهم بالأشياء تتحقق في العادة بعد ترشح المعرفة وبلورتها، فتنفعل النفس بإزاء ما صحَّ عندها من علم إلى الإيقان والاعتقاد، كما أنَّ الكثير من المعارف التي تضطلع ببناء العقيدة إن لم نقل جميعها تتكئ في أصولها على بديهيات ضرورية زوِّدت بها النفس البشرية اضطرارًا من أول الخلقة أو اكتسبتها بالمباشرة من الخارج بلا سعي منها، والتحصيل إنَّما يكون في التوظيف العقلي لتلكم البديهيات التي يجعل منها العقل أساسًا في الصعود نحو المعارف الأعلى والتفصيلات الأدق، وإنَّ هذا المنحى في البناء العقدي من أولويات ما أكَّد عليه الدين إذ رفض مقدَّمًا بالنَّص القطعي تلقين العقائد وتقليد الأسلاف مرشدًا إلى ضرورة المعرفة المتحصلة من المقدمات الصائبة بتوسط الوظيفة العقلية.
إنَّ ما اخترناه من عنوان لهذه الدراسة رأينا فيه إسقاطًا عمليًا وممارسة تطبيقية لما تقدَّم من كلام، فهو دعوة لتحصيل ما أمكن من سقف في المعرفة الآيلة إلى الإيقان بالمقام العالي لسيدة الكون الأولى الزهراء البتول (صلوات الله عليها)، والاعتقاد بأحقية تقدمها كأحد الهُداة على من دونها من نساء الخليقة؛ بل وحتى على رجالها باستثناء رسول الله وأمير المؤمنين (صلوات الله عليهما وآلهما).
ومن المُسلّم عندنا كأتباع لمحمد وآل محمد (صلوات الله عليهم أجمعين): أنَّ ما شَرُف من مقام لها (صلوات الله عليها) وإن كان تحت سقف الإمكان إلًا أنَّه من غير المقدور لأي محصِّل درك حقيقته أو الوصول إلى حدِّ نهايته باستثناء من أخرجه الدليل من دائرة هذه الكلية السالبة، ويفترض ألَّا يُفهم من هذا الكلام أن يقعد المحصِّل عن التعرف عليها (صلوات الله عليها) بداعي استحالة الوصول إلى المعرفة التامَّة بها، فما دون ذلك ميدان للتباري والتنافس، وأنَّ فيه كذلك من الُّرتب الشريفة العالية المُتاح في التوصل إليها، فيتحصَّل أنَّ رتبة الاعتقاد بها منوطة بكمِّ المعرفة، فالعارف أكثر يحقِّق رتبة في الاعتقاد أعلى وفي الدين أرضى ممَّن تحته في التحصيل بضميمة العمل إلى المعرفة وهذا المغزى الذي ارتأيناه في العنونة.
قُسِّمت هذه الدراسة إلى تمهيد ومبحثين، فأمَّا التمهيد فتعرضنا فيه إلى أهمية القدوة الإلهي بوصفه متطلب هداية، وبيَّنا أنَّ للقدوة محددات وأهمها؛ أن يكون القدوة أمثلًا بمعنى أفضليته على جمهوره المقتدي به، ومن ذلك المفهوم اقتربنا من الزهراء (صلوات الله عليه) وتطرقنا إلى شؤون القدوة فيها من أمثلية أوجبت تقدمها سيدة على جميع نساء الكون، وأن لا مؤثرية في تنحيتها (صلوات الله عليه) عن الواجهة في سيادتها لنساء العالمين، ثم المبحث الأول الذي جعلنا محوره التعريف بالزهراء (صلوات الله عليها) من بوابة البيان المعصوم من قرآن وسنة، وتأثير المعرفة المحصَّلة في بلورة الاعتقاد بها حجة إلهية، فكان موضوعه الأول حول نورية الأصل بوصفه مثال على مرجحات تقدمها وسيادتها، ثم الموضوع الثاني الذي قدَّمنا فيه جملة من الأمثلة التي وجّه فيها القصد القرآني تجاه الزهراء (صلوات الله عليه) بتوسط البيان النبوي المعصوم.
ثم المبحث الثاني وفيه نتعرف على الزهراء (صلوات الله عليه) بوساطة ما أُثر عنها من إنجاز في الخارج عكس ما اضطلعت به من مهام راسمةً الصورة المُثلى في جميع ما عالجته (صلوات الله عليه) من شؤون كشأن الأسرة، وتفعيل التولي والتبري بوصفهما مقوِّمي أساس في هوية التشيع.
ومن أهم نتائج هذا البحث:
انَّ أهم ما يُتوسط به في معرفة الزهراء (صلوات الله عليها) ما أثر عنها من منجز بنوي إصلاحي قد امتدَّ من رحاب الأسرة المثال إلى فضاء المجتمع ذي التزلزل الديني أصولًا وفروعًا، فكانت مهمتها الإصلاحية المجتمعية أبرز فاصلة في منجزها المتنوع؛ إذ طبَّقت عمليًا التأسيس النبوي المحدِّد للهوية الإيمانية من تولٍّ وتبرٍّ مصحَّحة المفهوم السائد في التولي إلى ممارسة عملية بمتابعة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) حصرًا ونصرته بكل ما يمكن مناسِبة ذلك وتداعيات ظرف المعالجة وموازنة ذلك بالتبرؤ من أعدائه ومقاطعتهم، بتطبيقات بِكر امتدَّت منها سائر الممارسات لبقية حجج الله تعالى.
وأمَّا منهج البحث فقد كان وصفيًا تحليليًا وفيه عرضت المادة البحثية بالوصف ثم الشرح والتفسير بالاعتماد على جمع من المصادر ذات العلاقة والدراسة.
وختامًا أشكر الله تعالى ونبيه والآل (صلوات الله عليهم جميعًا) على توفيقي لكتابة هذه السطور، راجية منهم القبول على ضعفه والعذر على تقصيره والحمد لله رب العالمين والصلاة على رسوله وآله الطاهرين.
التمهيد:
القدوة المُثلى، معرفة بين المتطلب والأبعاد
إنَّ من شؤون حكمة الله تعالى وتجليات لطفه أن جعل الوصول إلى المعرفة ثم إلى الهداية أمرًا متاحًا محفوفًا بإضاءات ودلائل تؤدي تطبيقاتها إلى حيث الغاية الحق؛ تنطلق بدوًا من منظومة عناصر تكوينية فطرية ترشد إلى كل ما من شأنه أن يؤدي إلى الوصول وتؤمن بمطلوبيته، تتعقبها منظومة أدوات يُتوسَّط بها خارجًا إلى المطلوب في ظلِّ موائمة تامَّة بين دواعي الفطرة الأصيلة والوسائط الإلهية.
إنَّ وجود القدوة ([1]) يعدُّ من أهم تطبيقات ما يُتوسط به إلى الهداية الذي ترتسم به كذلك منعكسة التلائم بين الحاجة البشرية والإغناء الإلهي، وقيد الأمثل في عنوان القدوة الإلهي قياسًا بمن يتقدَّمهم القدوة شرط مقوِّم للعنوان يكون بتحققه وينعدم بانتفائه إرشادًا عقليًا، ثمَّ إنَّ الأمثلية المتجلِّية في اعتقادات القدوة وسلوكياته ماهي في الواقع إلَّا انعكاسة للعصمة العقدية المومأ إليها بدوًا بالحكم العقلي، فيترتب على ذلك أنَّ الأنبياء ومن شاكلهم قد حازوا بالعصمة المترجمة بالأمثلية العالية في الاعتقاد والقول والفعل الَتقدمَة واقعًا على سائر الخلق وتصدَّروا محل القدوة عن تمكن وجدارة، والمؤدى المطلوب من تصدُّر الأمثلين الواجهة هو الأخذ بأيد الخلق إلى صلاحهم الواقعي مُؤمِّنين خط مسيرهم من العثار أو الميلان عن الاستقامة وهذا شأن جليل في الهداية.
تُعدُّ الزهراء فاطمة (صلوات الله عليها) أنموذجًا متميزًا في مفهوم القدوة الإلهي ذا الأمثلية الأقرب إلى السقف فيه، والبداية من الأثر الشريف المقبول عند جميع المسلمين بأنَّ الزهراء (صلوات الله عليها) هي سيدة نساء الكون متجاوزة أمة الإسلام إلى أمم الخليقة قاطبة ([2])، يُفهم ذلك من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): «وَأَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ»([3])، «أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ، أَوْ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ»([4])، إذ إنَّ أول ما ينسبق إلى الفهم من قوله (صلى الله عليه وآله): «سيدة نساء الجنة» أنَّه أراد سيادتها المطلقة على نساء الكون قاطبة بلحاظ أنَّ الجنة جزاءً للمؤمنات من النساء في كل الأمم ابتداءً من نُخبهن المميزات إلى أدناهن ممَّن حصَّلت مؤهل دخولها، والمعلوم أنَّ نساء أهل الجنة بلحاظ آخر هن نخبة نساء الخليقة، فكانت الزهراء (صلوات الله عليها) بالبيان النبوي المعصوم سيدة النخب في نساء الكون ابتداءً من حواء وآسية ومريم وخديجة (عليهن السلام) إلى آخر امرأة في الخليقة مهما كان حالها؛ إذ إنَّ سيادتها لمن سوى النخبة كذلك محصَّل وأولى، وقد قال الإمام الصادق (صلوات الله عليه) في سيادة الزهراء المطلقة: «إنَّما سُميت فاطمة (عليها السلام) محدَّثة لأنَّ الملائكة كانت تهبط من السماء فتناديها كما تنادي مريم بنت عمران فتقول: يا فاطمة الله اصطفاكِ وطهرَّك واصطفاكِ على نساء العالمين، يا فاطمة اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين، فتحدثهم ويحدثونها، فقالت لهم ذات ليلة: أليست المفضلة على نساء العالمين مريم بنت عمران؟ فقالوا: إنَّ مريم كانت سيدة نساء عالمها، وان الله (عزَّ وجلَّ) جعلك سيدة نساء عالمك، وعالمها، وسيدة نساء الأولين والآخرين» ([5]).
فالإلزام في تقديمها (صلوات الله عليها) سيدة في الواجهة النسوية إلزام عقلي قبل صيرورته منقول مؤكِّد؛ لما حازته من مؤهلات سَبق يحسن معها التَّقدم على من سواها؛ إذ إنَّ تأخر الفاضل وتقدُّم المفضول عليه قبيح ومستهجن عقلًا، وإنَّ ما أردناه من السبق والتقدمة والكون في محل القدوة هو من منظور إلهي لا بشري، فنرى أنَّه قد يصدق أن يكون القدوة الواقعي متصدِّرًا الواجهة في الخارج المنظور وقد لا يصدق تَصَدُّره؛ لعرضية التدخل البشري والاختيار قبال التعيين الإلهي، وفي الحالين جميعًا لا يضير المنتخب الإلهي لأداء مهمة الهداية أن يتقبله المكلفون بتحصيل الهداية فيقدِّموه أو لا يتقبلوه فيؤخروه؛ لعدم مدخلية هذا الأمر في اختيار الله تعالى لنخب الهداية الذي جعل المناط فيه أمثلية المنتخب اعتقادًا وقولًا وفعلًا، لذا ما كان يُضير سيادة الزهراء (صلوات الله عليها) حؤول المنافقين دون تقدمتها في واجهة الإسلام التي قد أُشغلت ببدائل مزيفة سوَّقت استئكال الدين وتلاعبت بشرع سيد المرسلين.
يضاف إلى ما تقدَّم أنَّ من سيرة الله تعالى مع منتخبي الهداية (القدوات الإلهية) أن ينيط المهام الأثقل بالأعلى في الأمثلية رتبةً، لذا كانت مهمة رسول الله وعترته الطاهرين (صلوات الله عليهم) الأثقل قياسًا بمن سواهم من منتخبين إلهيين من أنبياء وأوصياء ومن ماثلهم؛ لحيازتهم الرتبة الأعلى في الأمثلية الإمكانية في متسلسلة الرتب المنتخبة، فكذلك الزهراء (صلوات الله عليه) كانت أُنموذجًا في العترة النبوية ذات المهمة الأصعب المتناسبة وقابلياتها (صلوات الله عليها)؛ وسيتضح إن شاء الله تعالى في تضاعيف بعض العنوانات الآتية شيئًا من دورها المقدس في تجسيد أصالة الدين والدفاع عن هويته فنحصِّل قدر من فهم تلك الذات المطهرة، ونحصِّل معرفة بها ننجو يوم يَميز الله الذين يعلمون عن الذين لا يعلمون.
فالسلام عليها من كنهٍ تفوّق أمثلًا قبل الخلقة حين امتحنت فوِجدَت صابرةً وعلى أبيها وكفئها وأبنائها الطاهرين.
المبحث الأول: المقام الفاطمي قصور في الوصول وحُجية في المتحصِّل:
على غير العادة المألوفة في خلق البشر فُطرت فاطمة (صلوات الله وسلامه عليها) اُنموذجًا متفردًا؛ إذ شاء الله تعالى أن يحفَّها بالتميز في كل شؤونها وحيثياتها ولادةً، تنشئة، دورًا، وتضحيةً؛ لذا كان الاقتراب من تمام حقيقتها ضرب من محال؛ تقريبه كناظرٍ تجاه قرص شمس في ظهيرة يوم صائف، فكما أنَّ الأبصار تنحسر وهي تواجه ضوء مادي كذلك البصائر عيِّية عن إدراك حقيقة النور الإلهي في واقعية الزهراء (صلوات الله عليها) والفارق في التشبيه شاسع غير متسانخ، والحقيقة ما زالت مصونة عن الكشف التام إلّا لقابل كامل كأبيها وبعلها وبنيها المعصومين (صلوات الله عليهم)، فعلى معرفتها دارت القرون الأُولى، ولكن لمَّا كانت الزهراء (صلوات الله عليها) حجة من حجج الله تعالى لزم أن تعرف بقدر كافٍ في الدلالة عليها ودعم حجيتها، فأصبحت معرفتها (صلوات الله عليه) متدلاة بين اللاوصول وهو درك تمام الحقيقة وبين المتحصِّل الذي يفي بدعم الاعتقاد بها حجة على الخلق، وكأنَّها (صلوات الله عليها) بعيدة وقريبة في الآن ذاته، تنأى عن العقل فيما لو حاول درك حقيقتها وواقعية مقامها؛ لكنَّها تدنو قريبة تلامس الروح فتهديها إلى متَّجه الخير وتُبَصُّرها سبيل النجاة.
ولكي تتضح لنا وسطية المعرفة اقترحنا العنوانين الآتيين في هذا المبحث:
أولًاـ بين حقِّة العرش وقرطه:
إنَّ من عادة الله تعالى مع من ينتخبهم هداة للخلق هو أن يجعل ظرف المنتخب في فواصل من حياته مميزًا بالحدث غير الاعتيادي جاعلًا من تلك الفواصل الاستثنائية محطات توقف تُرشد إلى اختلاف في المزايا وفارق في المؤهلات التي سيقرؤها العقل فيما بعد مرجحات أحقية في التّقدمة، والكون بمقام تمثيل حجة الله تعالى، وهذا يقع في طول سَوق الخلق إلى ما خُلقوا لأجله، وعليه يمكن القول بأنَّ الله تعالى جعل من أولويات لوازم الحجة الموصلة إلى الاعتقاد بذلك المنتخب هو العمل على إثبات تفرده وتميزه عن أفراد مجتمعه فَيُؤمّن له التقدمة عليهم بسور من المرجحات غير المتوافرة عند من سواه وهذا من بديهيات ما يحكم به العقل في علة من يتقدَّم هاديًا على غيره، وبإسقاط ما تقدَّم من كلام على حجية الزهراء (صلوات الله عليها) ومرجحات تَقدِمَتها على من سواها أنَّها قد حفَّت بعناية إلهية أثبتت مزاياها العالية (صلوات الله عليه) وسبقها في عالم الاستثناء، والكلام عن سماوية الأصل ونورية الحقيقة التي كما أسلفنا أنَّها إن أفادت فتُفيد محصلة في المعرفة إجمالية تقصر عن درك واقعية الشأن؛ لكنها كافية في المقام من جهة إثبات تميز الذات المقدسة بمؤهل الكون في محل السيادة.
نتوقف عند النقل الشريف الكاشف عن العناية الإلهية بالزهراء (صلوات الله عليها) وبداية الخلقة الاستثناء في عالم النور إذ نقل الإمام أبي عبد الله الصادق (صلوات الله عليه) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): «خُلق نور فاطمة (عليها السلام) قبل أن تخلق الأرض والسماء، فقال بعض الناس: يا نبي الله فليست هي إنسية؟ فقال (صلى الله عليه وآله): فاطمة حوراء إنسية، قال: يا نبي الله وكيف هي حوراء إنسية؟ قال: خلقها الله (عزَّ وجلَّ) من نوره قبل أن يخلق آدم إذ كانت الأرواح فلمَّا خلق الله (عزَّ وجلَّ) آدم عرضت على آدم، قيل: يا نبي الله وأين كانت فاطمة؟ قال: كانت في حقة تحت ساق العرش، قالوا: يا نبي الله، فما كان طعامها؟ قال: التسبيح، والتهليل، والتحميد، فلمَّا خلق الله عزَّ وجلَّ آدم أخرجني من صلبه أحب الله عزَّ وجلَّ أن يخرجها من صلبي جعلها تفاحة في الجنة وأتاني بها جبرئيل (عليه السلام) فقال لي: السلام عليك ورحمة الله وبركاته يا محمد، قلت: وعليك السلام ورحمة الله حبيبي جبرئيل، فقال: يا محمد إنَّ ربك يقرئك السلام، قلت: منه السلام وإليه يعود السلام، قال: يا محمد إنَّ هذه تفاحة أهداها الله عزَّ وجلَّ إليك من الجنة فأخذتها وضممتها إلى صدري، قال: يا محمد يقول الله جلَّ جلاله: كلها، ففلقتها فرأيت نورًا ساطعًا ففزعت منه، فقال: يا محمد مالك لا تأكل؟ كلها ولا تخف، فإن ذلك النور المنصورة في السماء وهي في الأرض فاطمة، قلت: حبيبي جبرئيل، ولم سميت في السماء” المنصورة ” وفي الأرض ” فاطمة “؟ قال: سميت في الأرض” فاطمة”؛ لأنَّها فطمت شيعتها من النار وفطم أعداؤها عن حبها، وهي في السماء “المنصورة” وذلك قول الله عزَّ وجلَّ: ﴿يومئذ يفرح المؤمنون* بنصر الله ينصر من يشاء﴾ يعني نصر فاطمة لمحبيها»([6]).
إنَّ ما تضمنته هذه الرواية من أخبار كينونة الزهراء (صلوات الله عليها) تكشف عن اهتمام إلهي بتلك الذات الذي سيؤول إلى إغناء الحاجة العقلية ومتطلبها في علة تصدرها متبوعةً.
وبالرجوع مرة أخرى إلى النقل الشريف نجد مزيد آثار تُقدِّم لأصل الزهراء النوري (صلوات الله عليها) وتؤكد على نعتها بالإنسية الحوراء إضافة إلى الخبر المتقدِّم، ومن تلك الأخبار: (عن ابن عباس، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في حديث طويل: «وأمَّا ابنتي فاطمة (ع) فإنَّها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين وهي بضعة منى وهي نور عيني وثمرة فؤادي وهي روحي التي بين جنبي وهي الحوراء الانسية»([7])، وعن أسماء بنت عميس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّ فاطمة خلقت حوريّة في صورة إنسيّة» ([8])، ثمَّ أنَّ نورها (صلوات الله عليها) أصبح كالمزود للنور في غيره لتزهر بشيء منه السموات والأرضون «… ثم إنَّ الله تعالى ابتلى الأرض بالظلمات فلم تستطع الملائكة ذلك فشكت إلى الله عزَّ وجلَّ، فقال عزَ وعلا لجبرئيل (عليه السلام): خذ من نور فاطمة وضعه في قنديل وعلقه في قرط العرش، ففعل جبرئيل (عليه السلام) ذلك، فأزهرت السماوات السبع والأرضين السبع فسبحت الملائكة وقدست، فقال الله: وعزتي وجلالي وجودي ومجدي وارتفاعي في أعلا مكاني، لأجعلنَّ ثواب تسبيحكم وتقديمكم لفاطمة وبعلها وبنيها ومحبيها إلى يوم القيامة، فمن أجل ذلك سميت ” الزهراء ” عليها السلام) ([9]).
ومن إفادات شؤون النور نقول: من المعلوم بالوجدان أنَّ أظهر خصيصة في الضوء المادي أنَّه به تتمٌّ رؤية المخلوقات بعد أن يؤثر في تفعيل مهمة الباصرة رؤيةً؛ بانعكاساته عن الأشياء، إضافة إلى دوره الأول في دورة حياة الكائنات وديمومة فعالياتها الحية ولولاه لما يُتصوَّر وجود الحياة على البسيطة، وهذا ما يعدُّ اليوم من بديهيات العلم ومسائله الضرورية، وللنور المعنوي أثر فيه شبه؛ إذا به يُنار سبيل الحق متميزًا عن سبل الباطل المضلِّلة، وبه كذلك تتفعَّل مهمة البصائر وتعزَّز قابلياتها في الاختيارات الحقة توصلًا إلى الهداية، وبتحقق الهداية تتحقق الحياة المعنوية للإنسان فيُدرك مهمته ويسعى تجاه هدفه، وشرطية النور في تحقق الحياة الواقعية حدوثًا واستمرارًا كشرطية الضوء في حدوث الحياة الظاهرية وديمومتها، ولأجل هذا كانت الزهراء منضمة إلى أبيها وبعلها وأبنائها (صلوات الله عليهم أجمعين) قنديل هداية تعكس النور الإلهي مضيئة طريق الله تعالى ومفعِّلة مهمة البصيرة حيث الفوز والنجاة وهذا ما أثبته لها الذكر العلي بقوله جلَّ وعلا: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: 35].
وممَّا جاء في تفسير هذه الآية كما في تفسير القمي عن أبي عبد الله (صلوات الله عليه): «﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة﴾، المشكاة فاطمة عليها السلام ﴿فيها مصباح المصباح﴾ الحسن والحسين ﴿في زجاجة الزجاجة كأنَّها كوكب دري﴾ كأن فاطمة عليها السلام كوكب دري بين نساء أهل الأرض ﴿يوقد من شجرة مباركة﴾ يوقد من إبراهيم عليه وعلى نبينا وآله السلام ﴿لا شرقية ولا غربية﴾ يعني لا يهودية ولا نصرانية ﴿يكاد زيتها يضيء﴾ يكاد العلم يتفجر منها ﴿ولو لم تمسسه نار نور على نور﴾ إمام منها بعد إمام ﴿يهدي الله لنوره من يشاء﴾ يهدي الله للأئمة من يشاء ان يدخله في نور ولايتهم مخلصا ﴿ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم﴾» ([10])، وهذا الشأن فيها (صلوات الله عليها) كافٍ في دواعي تصدُّرها الواجهة تلبية لمتطلب العقل والنقل، ومن لم يصدِّر المصباح الواجهة سيؤول به المآل إلى العتمة فيتخبط مضيعًا الجادة والمؤدى إلى الضلال والهلكة ولا يلومنَّ عند ذلك إلَّا نفسه؛ فالتيه والضلال مصير استحقاق لكل من أسكت واعية العقل وأصمَّ سمعه عن داعية النقل.
ثانيًا: فاطمة بين القصد القرآني والتشخيص النبوي:
من المعلوم أنَّ البيان النبوي الشريف يقع في طول القرآن الكريم عصمة وحُجية، وبه تؤول المقاصد القرآنية إلى متعينات وجوهها، وإنَّ هذا المعلوم مستفاد من المعنى النصيَّ لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4].
إنَّ للزهراء (صلوات الله عليها) حضور في المقاصد القرآنية العالية التي تتضمن إثبات مقاماتها وتقدمها، ولمَّا كانت نصوص القرآن تعرض الموضوعات بنمطية المفهوم، كما أنَّ الغالب في الوارد القرآني المُستدعى لمورد معين أنَّه غير مختص بمورده الذي كان داعيًا في نزوله لأنَّ العبرة كما قالوا بعموم السبب لا بخصوص المسبب؛ لذا يمكن إسقاط القصد القرآني على مسبب النزول وعلى غيره من الموارد ذات الوقوع في ضمن كلية المفهوم المعالَج، وأوضح إسقاط لهذا الغالب القرآني آيات الأحكام من إيجاب أو نهي كما في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ التي نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط في حادثة مذكورة في التفاسير؛ إلا أنَّ الحكم فيها أصبح عامًا لكلِّ فاسق من جهة وجوب التبيُّن في إخباراته.
إنَّ هنالك طرحًا قرآنيًّا آخر يكون الوارد القرآني فيه منحصر بمورده المتعين وإن كان بنمطية العرض المفهومي كالآيات المختصة في إثبات فضائل الآل الطاهرين ومقاماتهم العالية، ومن أمثلة هذا الطرح الذي كان للزهراء (صلوات الله عليها) حضور مُميَّز فيه -توسط بين نصِّ القرآن قصدًا والنصِّ النبوي تعيينًا بلا تعدية للمراد الإلهي خارج الأفراد مورد النزول- آية المباهلة التي كان موضوعها إثبات أحقية دين الإسلام على دين النصارى المبتدع، وتضمن موضوع هذه الآية كذلك إثبات مقام الشهادة على الدين لأمير المؤمنين والزهراء والحسن والحسين (صلوات الله عليهم أجمعين) فقال الله تعالى في ذلك: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61]، وجاء في تفسير الآية: (لمّا قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذه الآية على وفد نجران ودعاهم إلى المباهلة، قالوا له: حتّى نرجع وننظر في أمرنا ونأتيك غداً، فخلا بعضهم إلى بعض، فقالوا للعاقب وكان ديّانهم: يا عبد المسيح ما ترى؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أنّ محمّداً نبي مرسل، ولقد جاءكم بالفضل من عند ربّكم، والله ما لاعن قوم قطُّ نبيّاً فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن، وإنْ أبيتم إلاّ الف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد غدا رسول الله محتضناً للحسن وآخذاً بيد الحسين وفاطمة تمشي خلفه، وعليّ خلفها، وهو يقول لهم: “إذا أنا دعوت فأمّنوا” فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى، إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً لأزاله من مكانه، فلا تبتهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة فقالوا: يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك، وأن نتركك على دينك ونثبت على ديننا، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه [وآله] وسلم): «فإن أبيتم المباهلة فأسلموا يكُن لكم ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم»، فأبوا. قال: «فإنّي أُنابذكم بالحرب»، فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة ولكنّا نصالحك على أن لا تغزونا ولا تُخيفنا ولا تردّنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي سكّة ألفاً في صفر وألفاً في رجب، فصالحهم رسول اللّه (صلى الله عليه [وآله] وسلم) على ذلك، وقال: «والذي نفسي بيده إنّ العذاب قد نزل في أهل نجران ولو تلاعنوا لمُسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي ناراً، ولاستأصل اللّه نجران وأهله حتّى الطير على الشجر ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا»)([11])، (وقال جابر: فنزلت فيهم ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا﴾ أي: الحسن والحسين، ﴿وَنِسَاءَنَا﴾ فاطمة، ﴿وَأَنفُسَنا﴾ النبيّ وعليّ …) ([12])، فجاء الإيراد القرآني لجميع الألفاظ (نساء، أبناء، أنفس) بصيغة الجمع؛ ولكن بالتطبيق النبوي تحدَّدت دائرة المعنيين حصرًا، فبان مثلًا أنَّ القصد الإلهي بالنساء في الآية الزهراء (صلوات الله عليها) حصرًا إسقاطًا نبويًّا، ولو كان مثلًا في أزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو من سواهن من نساء المسلمين من تستحق أن يُباهل بها وأن تكون شهيدة على الدين لأخرجها (صلى الله عليه وآله) على الفور، فهو لا يفعل عن الهوى، فالتطبيق النبوي للآية كاشف عن مقام الوراثة له (صلى الله عليه وآله) والشهادة على الدين.
والمثال الثاني حضورها (صلوات الله عليها) في آية المودة، إذ أوجب (صلى الله عليه وآله وسلم) مودتها وبعلها وابنيها على الناس وجعلها أتعاب دعوته مؤتمرًا بوحي الله تعالى (عن ابن عباس قال: لمَّا نزلت هذه الآية: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلَّا المودّة في القربى﴾ [الشورى: 42] قالوا: يا رسول الله أي قرابتك (هؤلاء) الذين افترض الله علينا مودتهم؟ قال: «علي وفاطمة وولدهم»)، يقولها ثلاث مرات) ([13])، فمنع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بنصِّه على أسماء المعنيين حصرًا بهذه الآية انطباقها على من سواهم ومرة أخرى كانت الزهراء (صلوات الله عليها) محل قصد قرآني عالٍ بدلالة القول النبوي.
والمثال الأخير في الحصر النبوي للمراد القرآني في تفسير (أهل البيت) من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33] (عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي (صلى الله عليه وآله) قال: نزلت هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وآله) في بيت أم سلمة… فدعا (النبي) فاطمة وحسنًا وحسينًا فجلَّلهم بكساء وعلي خلف ظهره فقال: «اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرًا» فقالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: «أنت على مكانك وأنت إلى خير»)([14])، (وعن أنس بن مالك أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يمرُّ ببيت فاطمة بعد أن بنى بها علي [رضي الله عنه] بستة أشهر يقول الصلاة ﴿إنَّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾([15])، مكذبًا ادعاء القوم بأنَّها تعني غيرهم أو تشملهم مع غيرهم بهذا الفعل الجامع لهم المانع لغيرهم، فكانت الزهراء (صلوات الله وسلامه عليها ) مرتكزًا ومحورًا في كل هذه التشخيصات النبوية السابقة في عينة الآيات المنتخبة؛ لأنَّها العنصر الملتقى بين النبوة والإمامة فعناها الله تعالى في المواضيع التي تقدِّمها سيدة أولى في الكون، ليُفهم مرتَّبًا على هذه المعرفة حرمة تقدُّم من سواها عليها حتى وإن كانت مصطفاة مطهرة فكيف الحال بتقدُّم ذوات المثالب عليها فالحرمة قطعًا ستكون أشد وآكد، فكان ممَّا تقدم أشبه ببطاقة تعريفية للزهراء صلوات الله عليها عبر بوابة النَّص (قرآن وسنة) لا تقف عند حدود ما طرحناه وأن أفادنا بمعرفة على قدرنا في رحاب التسابق إلى (اعلموا أنَّي فاطمة).
المبحث الثاني: الموروث الفاطمي… تنوع وإغناء
يرتكز هذا الجزء من الكلام حول منجز الزهراء (صلوات الله عليها) المتنوع وأثر هذا المنجز في بلورة الاعتقاد بها سيدة متفوقة على كل نساء الخليقة ومتقدِّمة عليهن، فالمعرفة في هذا الجانب بإضافتها إلى المعرفة المحصَّلة من تقديم النصِّ لها (صلوات الله عليها) ينتج مزيج من علم يتكئ بعضه على بعض ويعضّد بعضه بعضًا يؤول بالنتيجة إلى بناء عقدي متناسب ونتاج التحصيل، ثم تطبيق ما تحصَّل من يقين اعتقادي إلى ممارسات في الخارج بتوليها عمليًّا ثم الدعوة إليها والتثقيف لشؤونها (صلوات الله عليها)؛ من تعريف بمقامها، وتوعية الأمة بضرورة نصرتها بعد إلفات الأنظار إلى قدر مظلوميتها بما يُتَمكن لذلك.
إنَّ الوقوف على منجز العظماء أمر غاية في الأهمية لدواعٍ عدة يقرأ منها: أنَّه بتوسط المنجز يتعرف المحصِّل على ذي الإنجاز وهذا ما تقدَّم بيانه، إضافة إلى أنَّ بوساطة منجزات الأشخاص ونوعية ما تخلفه من آثار في المجتمع يتمايز ذوي المنجزات عن غيرهم أولًا ثم يفاضل بين ذوي الآثار النافعة ثانيًا، فالنفس تنزع في أحكامها إلى ما تلمسه من آثر ولا تجد بُدًّا من تقدمة صاحب الأثر العظيم على غيره ممَّن إنجازه أقل فضلًا عمَّن أساء بأثره، لأنَّ النفوس مجبولة تكوينًا على الميل تجاه ذوي الإحسان والآثار الطيبة والنفور من أهل الإساءة والضرر، يضاف إلى أنَّ التعرف على الأثر ضروري كذلك من جهة التأسي بذوي الإنجازات النافعة الذين يُعدّون قدوات في المجتمع فيتيحون لأفراده فرصة الاقتداء بهم والتباري فيما بينهم على صناعة أجمل الآثار وأبقاها.
وسنتعرض إن شاء الله تعالى في هذا المبحث إلى موضوعات نقترب فيها من بعض آثار الزهراء ومنجزاتها الخارجية لما تقدَّم من دواعٍ وأهمها لكي نعلم أنَّها فاطمة.
أولًا: الأسرة المثال
جاء الإسلام معالجًا شؤون الأمة بدقيقها وجليلها، والجوهر في معالجاته يكمن في مراعاة ما جُبلت عليه النفس البشرية السوية من ميول وطبائع، وبأدنى مؤونة من التفات إلى تفصيلات تلك المعالجات يُرى أنَّها من تدبير خالق هذه الأنفس الخبير بمتطلباتها والعارف بحاجاتها.
ومن شؤون التنظيم البشري الذي أعطته الشريعة اهتمامًا أولويًا وكان في مقدِّمة معالجاتها هو شأن الأسرة المسلمة، ثمَّ أنَّ الرسالة لم تقف عن حدَّ تشريع النصوص تنظيريًا فحسب من دون إسقاط تلك التشريعات مثالًا تطبيقيًا يرى فيه المسلمون النُّصوص حيَّة معاشة في بيئة الخارج فيَسهُل فهمُها وتطبيقُها.
وعند الكلام عن أمثلة الشريعة التي تحكي نصوصَها انطباقًا تامًّا أمثلًا فالكلام لا يتعدى البيت النبوي الطاهر بعنوانه المخصوص والمتعين بالنَّص النبوي الصريح؛ ذلك البيت الُمذهَب عنه الرجس إرادة إلهية، والذي أذن الله أن يُذكر فيه ويُسَبح له فيه، عماده الرضا بأقل ما يمكن والعطاء بأكبر ما يكون من قدر، وهذا البيت لم يكن إلَّا بيت الزهراء فاطمة (صلوات الله عليها).
إنَّ محورية الزهراء في البيت النبوي واضحة جليَّة؛ فهي الابنة لخير الرسل والزوجة لخير الأوصياء والأٌم لخير الأسباط، فارتسمت علاقاتها بهذه الأطراف بأمثل ما يكون، ولكي نقترب من تلك المثالية العالية نمرُّ سريعًا على مجمل تلك الارتباطات:
أـ البنت المثال:
إنَّ علاقة الزهراء (صلوات الله عليها) بأبيها (صلى الله عليه وآله) كانت بحق العلاقة الاستثناء بين الأب والبنت في كل المخلوقين، ومن (أُم أبيها) المنطوقة بلسان الوحي نستشف شيئًا من أبعاد المعنى القريبة دون البعيدة منها؛ وهي الدلالة على عمق العلاقة ولطف الارتباط، وأنَّ هنالك كمٌّ من رحمة بعيد الغور بين ثنايا هذه الكُنية المباركة من الزهراء تجاه أبيها (صلوات الله عليهما)، وممَّا جاء في الأثر في هذه الكنية إذ روى ابن المغازلي بإسناده عن جعفر بن محمّد عن أبيه، قال: «كنية فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أم أبيها»([16])، وكأنَّها (صلوات الله عليها) قد طبَّبت -بقربها وحنوها ورعايتها- جرح فقد النبي (صلى الله عليه وآله) لأمه مبكرًا فملئت بجدارة وتمكن فراغ الأم عنده على صغر سنها ويُتمها متداركة سني يُتمه، كما وكم قد طبَّبت آثار معاركه وغزواته تمسح الدماء وتشد الجراح وتهون الألم، وقد ذكر التاريخ مواقف في أمومتها الاعتبارية تلك للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) منها ما نقله ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة: (روى أهل الحديث أنَّ النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، وعمرو بن العاص، عهدوا إلى سلا جمل فرفعوه بينهم ووضعوه على رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو ساجد بفناء الكعبة، فسال عليه، فصبر ولم يرفع رأسه، وبكى في سجوده ودعا عليهم، فجاءت ابنته فاطمة (عليها السلام) وهي باكية، فاحتضنت ذلك السلا فرفعته عنه فألقته وقامت على رأسه تبكي) ([17]) وكأنَّها (صلوات الله عليها) من شدة حنوها على رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت تراقبه كما تفعل الأم مع ولدها الوحيد فتراها تتدخل مباشرة في حال تعرضه لأذى فتدفع عنه ما استطاعت وهذا من ألطف ما ارتسم عن هذه الكنية الشريفة، وعن كيفية التعامل بينهما (صلوات الله عليهما)، عن عائشة قالت: (ما رأيت من الناس أحدًا أشبه كلامًا وحديثًا برسول الله (صلى الله عليه وآله) من فاطمة، كانت إذا دخلت عليه رحب بها، وقبَّل يديها، وأجلسها في مجلسه، فإذا دخل عليها قامت إليه فرحبت به، وقبَّلت يديه) ([18])، فأعطت (صلوات الله عليها) الأمة بسيرتها مع أبيها المثال الإسلامي الأتم في الاقتداء والتأسي للبنت البارة الرحيمة.
ب ـ الزوجة المثال:
ومع جانب آخر من سيرتها الأسرية المثالية ما كان مع أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) والمثالية الزوجية كانت من مراعاة اعتبار التكافؤ بينهما بدوًا، بدأتْ حياتَها (صلوات الله عليها) راضيةً بأقل الإمكاناتِ التي ما كانت تَرضى بها سائر فتياتُ عصرها، ولطالما (صلوات الله عليها) عُيِّرت بزواجِها من معدم المال فقير الحال، ولأنَّها (صلوات الله عليها) كانت الأكمل في النساء ما كانت ترى لذلك قيمة لأنَّها كانت تدور في فلك كمال أمير المؤمنين الإلهي؛ فكانت ترى أنَّ مشاركته (صلوات الله عليه) الظرف الصعب والحال المتعسرة شأن في شؤونات كمالها؛ ولأنَّها (صلوات الله عليها) كانت المثال الإسلامي في الزوجة القدوة لزم في تحقق الاقتداء بها أنَّها تكون قد عاشت في ظل حياة قاسية وظرف صعب؛ إذ لو كانت حياتُها ذاتُ رغادةٍ وترفٍ لَما تسنّى التأسي بها من لدن من يعشنَ شظفَ العيش وجشوبةَ الحياة، والمروي (صلوات الله عليها) عنها من تلك الجهة أنَّها: (استقت بالقربة حتى أثر في صدرها، وطحنت بالرحى حتى مجلت يدها، وكسحت البيت حتى غبرت ثيابها، وأوقدت النار تحت القدر حتى دكنت ثيابها) ([19]).
والخلاصة في مثاليتها الزوجية ما شهد به أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) عندما سألته: «يا بن عم ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني؟ فقال (عليه السلام): معاذ الله أنت أعلم بالله، وأبر، وأتقى، وأكرم، وأشد خوفًا من الله أن أوبخك غدًا بمخالفتي» ([20])، وقوله حاكيًا كل الحال: «فوالله ما أغضبتها ولا أكرهتها من بعد ذلك على أمر حتى قبضها الله (عزَّ وجلَّ) إليه، ولا أغضبتني ولا عصت لي أمرًا، ولقد كنت انظر إليها فتكشف عنّي الغموم والأحزان بنظري إليها»([21]).
فأصبحت في هذا الجانب حجة على الزوجة المسلمة وقدوة مثلى لها، فليس هنالك من امرأة أكرم على الله تعالى من الزهراء فاطمة (صلوات الله عليها) ومع هذا ما كانت (صلوات الله عليها) تمارس وظيفتها في ظل الإمكانات والتسهيلات؛ فكانت (صلوات الله عليها) تعالج عُسر الحال بالصبر والرضا فصنعت مثالية مُثلى ينبغي الالتفات إليها والتزود منها لكل زوجة تسعى لأداء وظيفتها بنجاح دنيوي وقبول أخروي.
ج ـ الأم المثال:
ومع مثاليتها كأمٍّ (صلوات الله عليه) وكما تقدَّم أنَّها قد مارست دورًا مجازيًا مبكرًا في الأمومة مع أبيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكأنَّها خُلِقت أمًّا مثالًا مع أول يوم من عمرها الشريف.
إنَّ دراسة حال الطفل عادة ما تتمحور حول عاملين وتفرعاتهما وهما العامل الوراثي والعامل التربوي، فإذا نشأ الطفل سليمًا بدنًا وسلوكًا كشف هذا على سلامة هذين العاملين، وأمَّا إذا كان هنالك خلل في أحدهما ترتَّب على ذلك تداعيًا في الجانب الذي يؤثر فيه.
إنَّ أمومة الزهراء (صلوات الله عليها) لم تشذ عن بقية شؤونها الأسرية؛ فكانت كذلك مثالًا وقدوة في هذا الجانب، فمن جهة الوراثة كانت معبرًا (صلوات الله عليها) في تمرير الصفات النبوية العالية إلى أبنائها وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك: «كل بني أنثى فانَّ عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فاني أنا عصبتهم وأنا أبوهم»([22]) وقوله أيضًا: «إنّ الله جَعل ذُرِّيَة كلِّ نبيٍّ مِن صُلْبِهِ، وإنّ الله عزّ وعلا جعل ذُرِّيّة محمّد مِن صُلبِ عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام)» ([23])، فأنتج الجين المحمدي الأرقى في البشرية بمعية الجين العلوي المسانخ له- بحسب نشأة المادة- جينًا وراثيًا متعرقًا في أعلى أرومة إمكانية في أبنائها (صلوات الله عليهم جميعًا)، ثم تعود (صلوات الله عليها) لتناسب الموروث العالي بتنشئة عالية على مستوى العقل والروح والأخلاق والسلوك فأبدعت في إغناء هذه الجوانب، وأي نتاج يتصور في المحصِّلة بين فاعل أتمٍّ وقابل أتمٍّ.
فكان من سيرتها (صلوات الله عليها) انَّا قد عوَّدت الحسنين (صلوات الله عليهما) على السؤال عقب رجوعهما من المسجد عمَّا سمعاه من جدهما (صلى الله عليه وآله) مع استذكار حديثه بلفظه ثم عمَّا فهماه من معنى لحديثه النصِّي؛ معزِّزة الوظيفة العقلية بتحفيزها الجانب الفهمي والتذكري ممازجة ذلك بتعزيز الثقة بالنفس والتدريب على الجرأة والخطابة قاصدة بتنشئتها البنيوية هذه تأهيل أبنائها لقابل دورهم في التبليغ والقيادة داعمة الجانب الوراثي في ذلك، ولا يفوتنا أنَّ تلك العادة من الزهراء مع أبنائها كانت كذلك بمحضر من زينب (صلوات الله عليها) فتنظم إلى أخويها في درس الجانب العقلي من تقوية الذهن واستنباط المعاني، وأيضًا كانت كذلك معنية بالتنشئة التأهيلية للمهام القادمة من دربة على الثقة بالنفس والتكلم بشجاعة بمعرض الحضور، ولا ننسى أنَّ مولاتنا الزهراء (صلوات الله عليها) قد اصطحبت العقيلة (عليها السلام) أثناء خطبتها المشهورة في خضم مواجهتها للسلطة آنذاك، فكأنَّها (صلوات الله عليها) أرادت تأهيلها لمهمتها الآتية فأثبتت (عليها السلام) جدارة في التلقي والحفظ عندما روت خطبة أمها في ذلك اليوم مستذكرة للفظها واعية لمراميها وهي بعمر الخمس سنوات، ثمَّ مجسِّدة إياها بعد ذلك صرخة رفض أخرى في زمان ومكان آخرين.
أمَّا من الجانب التعبدي الروحي، فنراها (صلوات الله عليها) قد اعتنت بهذا الجانب في شخصية أبنائها مؤكِّدة أنَّ تمتين العلاقة مع الله تعالى هو أول الأشياء وقبل كل العلاقات؛ بل أنَّ سائر العلاقات لابدَّ أن تتفرع عن العلاقة مع الله تعالى وتكون في طولها والعرضي لها متروك منبوذ؛ مجسِّدة بالعبادات المتنوعة رابطة القرب منه تعالى، فكان أبناؤها (صلوات الله عليهم جميعًا) يرفلون بجوٍّ تعبدي، يطوفون حول ذلك النور المنبعث من محرابها؛ إذ دأبوا على سماع صوت ترتيلها وتسبيحها وبكائها خشوعًا لبارئها وخشية منه، ولكم قد مرَّ على مسامع أبنائها وهي في عبادتها أنَّها تدعو لجيرانها مؤثرة لهم على نفسها وأهل بيتها ممازجة جو العبادة بنكهة تربوية روحية أخلاقية في تقدمة الآخر على النفس والأهل في الخير ([24])، وإنَّ هذه العادة منها قد ألِفها أبناؤها ليس على المستوى الدعائي الذكري فحسب؛ بل لكم قد عايشوها تطبيقًا وسيرة عملية ويكفيك مثالًا إيثارهم الجمعي لأقراص إفطارهم للمسكين واليتيم والأسير في حدث استنزل ذكرًا إلهيًا يُتلى ما بقي القرآن، فالأبناء قد اقتدوا بالفعل الايثاري للأب والأم فطبقوا الوراثة والتنشئة بإيثارهم المحتاج على صغر سنهم وحاجتهم إلى ما آثروه به ([25]).
وأمَّا لسائر الصفات الفاضلة كانت كذلك (صلوات الله عليها) متجلىً لكل خلق حميد وصفة كريمة فعزَّرت الصدق والأمانة والكرم والتودد إلى ما سواها من مكارم في نفوس أبنائها قولًا وفعلًا لتطرح تلك التنشئة العالية نتاجًا كالحسنين وزينب (صلوات الله عليهم) سادات في الوجود، معطية (صلوات الله عليها) مثالية أخرى في شأنها الأسري.
وبمجموع ما تقدَّم على إجماله كانت الزهراء (صلوات الله عليها) في كل ارتباطاتها الأُسرية المثال الإسلامي المجسد للمراد الإلهي فاستأهلت محل الأمثلية المُتأسى به في السير إلى مرضاة الله، وذي الحجية على من تراخى متكاسلًا.
ثانيًا: هوية الإيمان:
لم تنتهِ مهمة الزهراء (صلوات الله عليها) عند حدود تجسيد المثالية في الشأن الأسري؛ بل إنَّها (صلوات الله عليها) قد تعدَّت ذلك الأفق إلى رحاب أوسع مستهدفة الأمة الإسلامية بنهضة تأصيلية رسَّمت بها -تطبيقًا- حدود هوية الإيمان.
إنَّ من بداهة القول أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) ما رحل إلى ربِّه إلا بعد أن أسَّس لكل المفاهيم الدينية التي تحتاجها الأمة آنذاك على المستوى النظري، وقد دخل الكثير من تلك المفاهيم رقعة التطبيق خارجًا لتحقق داعي الممارسة وظرفها وبقي منها ما لم يُتح له ذلك لعدم وجود المقتضي لها -وإن كان ممارسًا في دوائر ضيقة لا تفي بالتعبير عن الثقافة المجتمعية أو رسم الحكم العام للمجموع- فبقي تطبيقه الكلي مؤجلًا وإن انتمى إلى البيان النبوي تنظيرًا وأصالة، ومن نماذج هذا النوع من التأسيس النبوي هو ترسيم قيود هوية الإيمان؛ إذ قد حدَّد النبي (صلى الله عليه وآله) ماهية تلك الهوية بمقوِّمين كما ورد في المنقول عنه (صلى الله عليه وآله) بقوله مثلًا: «أوثق عُرى الإيمان الحبُّ في الله والبغض في الله، وتوالي أولياء الله، والتبري من أعداء الله»([26])، ثمَّ إنَّه (صلى الله عليه وآله) حدَّد مصداقيًا هذين المقوَّمين بتسمية ما عليه مدارهما في الخارج، فقال (صلى الله عليه وآله) لبعض أصحابه ذات يوم: «يا عبد الله أحبب في الله وأبغض في الله، ووال في الله، وعاد في الله، فإنه لا تنال ولاية الله إلا بذلك، ولا يجد رجل طعم الايمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا، عليها يتوادون، وعليها يتباغضون، وذلك لا يغني عنهم من الله شيئًا، فقال له: وكيف لي أن أعلم أني قد واليت وعاديت في الله عزَّ وجلَّ، فمن وليالله عزَّ وجلَّ حتى أواليه، ومن عدوه حتى أعاديه؟فأشار له رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى عليٍّ (عليه السلام)، وقال: أترى هذا؟ فقال: بلى. قال: ولي هذا ولي الله فواله، وعدو هذا عدو الله فعاده، وال ولي هذا ولو أنَّه قاتل أبيك وولدك، وعاد عدو هذا ولو أنَّه أبوك وولدك»([27])، ولا ننسى دعاءه (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) عقب بيان ولاية الغدير: «اللهم والٍ من والاه وعاد من عاده» ([28]) فأصبح أمير المؤمنين بالتعيين النبوي وليًّا الله بل محورًا للولاية الإلهية محقِّقة الإيمان، فيكون وليه ولي الله وعدوه عدو لله إفادة من البيان النبوي المعصوم، فتعيَّن في المحصِّلة أنَّ هوية الإيمان ماهي إلَّا التولي لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) والتبري من أعدائه، ولا يتصور تحقق العنوان بتخلف أحدهما فضلًا عن تخلفهما جميعًا، وهذا عين ما طبّقته الزهراء (صلوات الله عليها) في إبراز تلك الهوية من ولاية وبراءة أبان موقفها عقيب استشهاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) للعلة المقتضية لذلك، ولكي يُضاء أكثر على دورها (صلوات الله عليها) في تجسيد تلك الهوية تطبيقًا لا بُدَّ من المرور على ما مارسته في هذين المحدِّدين:
أولًاـ التولي:
عندما يُتَتَبع هذا المفهوم في العهد النبوي يُحسب للوهلة الأولى أنَّه قد تم تطبيق هذا المفهوم بصورة غالبة تجاوزت الدوائر الضيقة إلى الدوائر الأوسع في المجتمع الإسلامي آنذاك، ويمكن أن يقال أنَّ التولي أسهل ممارسة من التبري وأخف منه على الممارس تبعةً، إذا ما قايسنا بين تطبيقات هذين الركنين، فلا يكون تبعًا لذلك من مانع في تحققه أبان الحقبة النبوية؟ ثمَّ ما الذي أضافته الزهراء (صلوات الله عليها) من جديد لخصوص هذا المفهوم زيادة على ما كان سائدًا من ذي قبل؟
إنَّ منشأ العلة في عدم إصابة هذا القول يؤول إلى القصور في فهم معنى التولي المطلوب وقيد تحققه في الواقع، إذ إنَّ تجاذبات تطبيق هذا المفهوم ناشئة من الخلط بين معنييه اللغوي غير المعني بالمراد الإلهي وإن لزم تحققه بداهة والمعنى المطلوب المحقق للهوية الإيمانية، فشاع تبعًا لذلك المعنى الأسهل في المجتمع الإسلامي غير الكاشف عن تحقق المعنى واقعًا في نفس الفرد المسلم لعدم استتباعه المتابعة والعمل؛ فدخل في عينة أفراد هذا المعنى أهل المزاعم والادعاء، وكان يرى الغالب من المسلمين أنَّ هذا المعنى متحقق بداهة وهو فرد من أفراد المفهوم العام الداعي إلى تولي المؤمنين بعضهم لبعض بلا مزيد فارق للآل عمَّن سواهم من المؤمنين الآخرين.
وهنا تبرز قيمة التحرك الفاطمي في تجسيد معنى التولي بمعناه الواقعي ذي الانتماء إلى النص النبوي الشريف، وقد علمنا أنَّ للمقتضيات أثر في تحقق الموضوعات فكان لرحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الأمة الإسلامية اغتيالًا، ثم الإنكار القولي والعملي للوصية النبوية القاضية بتنصيب أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) خليفة للأمة من بعده بإبعاده عن محله وانتحال صفته الإلهية، ثم انجراف سواد المسلمين الأعظم جهة المعطِّلين المنتحلين كل ذلك شكَّل ظرفًا استثنائيًا غاية في المناسبة في تطبيق معنى التولي خارجًا بحسب المراد الإلهي، وغاية في المعيارية الفارقة بين من المجسِّد لهذا المعنى حقًّا وبين المدَّعي له، فيقال أنَّ الاختلاف بعد رسول الله كان محكًا في التمييز الولائي بعد أن كان الجميع في العهد النبوي موالون خلف المتابعة النبوية ولو في الظاهر، وإنَّ هذه الاستثنائية المستجدة في الأحوال تطلبت فردًا استثناءً يقوم بمهمة تصحيح ما به الاختلاف من إجراءات ومعالجات محكمة تؤول إلى شرعية النص النبوي، فكانت الزهراء فاطمة (صلوات الله عليها) المعلومة فضلًا ومقامًا والمزكَّاة قولًا وفعلًا بالبيان النبوي المعصوم الذي أثبته المخالف في مدوناته حجة عليه ومنه: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي»([29])، وأيضًا على نقل:«إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يُؤْذِينِي مَا آذَاهَا» ([30])، وكذلك قوله مخاطبًا الزهراء (صلوات الله وسلامه عليهما): «إِنَّ اللَّهَ يَغْضَبُ لِغَضَبِكِ وَيَرْضَى لِرِضَاكَ»([31])، مُنبَريةً لأداء تلكم المهمة؛ إذ إنَّ أقرب مدلول في هذه النصوص هو أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد شرعن أي تحرك تقوم به الزهراء (صلوات الله عليها) في كل حياتها وخصوصًا في قابل أيامها وأنَّ الله قد اختارها متجلَّىً لرضاه وسخطه.
فنقول بناء على ذلك: لا يُتَصوّر أن يفترض فضلًا عن أن يقال أنَّ الله تعالى ممكن أن يقع الباطل في دائرة رضاه أو الحق في دائرة غضبه؛ فيتبع هذا الكلام أنَّ الحق مع فاطمة أبدًا لأنَّ رضاها متجلَّى الرضا الإلهي، وأنَّ الباطل في سخطها أبدًا لأنَّ سخطها متجلَّى السخط الإلهي، فيلزم أن يكون فعلها فارقًا بين الحق والباطل ثم حجة بالغة على كل من بلغ، وتفريعًا على ذلك نقول أنَّ تفصيل الزهراء للمراد من تولي لأمير المؤمنين (صلوات الله عليهما) هو المتعين الإلهي وما سواه ضلالًا باطلًا، فقد فسَّرت المعنى المطلوب فيه بقيد الملازمة والمتابعة فاصلة إياه بهذا القيد عن المعنى الغائم المشوش، فالولاء الحق يثبت بمتابعة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) دون غيره من شخوص جبهة الاختلاف جاعلة من نفسها (صلوات الله عليها) مثالًا في التطبيق بتبنيها المطلق لجهة أمير المؤمنين محل رضا الله تعالى، وامتناعها البتة عن بيعة المنقلبين على العقب فارقة بفعلها هذا بين الرضا والسخط والحق والباطل، وممَّا نقل في ممارستها الولائية أنَّها كانت تدور على بيوت المهاجرين والأنصار أربعين صباحًا مفسِّرة معنى الولاء بملازمة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) نافية تحقق الموضوع بلا متابعة ونصرة، مسقطة اعتبار ادعاء المحبة الظاهري من أفراد المعنى المطلوب، فعرَّفت التولي بجمع ومنع تطبيقيين مخرِّجة ما كان سائدًا من ممارسة للتولي سابقًا وكذلك الممارسات ذات المنهجية في المداراة وتبني أنصاف الحلول؛ فرويَّ: (ثمّ خرجَتْ وحَمَلها عليٌّ على أتان عليه كساء له خمل، فدار بها ــ أربعين صباحاً ــ في بيوت المهاجرين والأنصار والحسن والحسين معها وهي تقول: يا معشر المهاجرين والأنصار أنصروا الله فإنّي ابنة نبيّكم، وقد بايعتم رسول الله يوم بايعتموه أن تمنعوه وذريّته ممّا تمنعون منه أنفسكم وذراريكم، ففوا لرسول الله ببيعتكم! قال: فما أعانها أحد ولا أجابها ولا نصرها!) ([32]) وممَّا أثر عنها (صلوات الله عليها) في الدعوة إلى اتباع أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ومبالغتها في إرجاع الناس إليه ببيان ناغمت فيه السجية البشرية في الانجذاب نحو الكمال بعرض فضائله التي افترق بها بعيدًا عن سائر الخلق، فقالت بمحضر من نساء المهاجرين والأنصار وهي على فراش العلة: (ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة وقواعد النبوة ومهبط الوحي الأمين والطبين بأمر الدنيا والدين، ألا ذلك هو الخسران المبين، وما نقموا من أبي حسن، نقموا والله منه نكير سيفه، وشدة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله عزَّ وجلَّ، والله لو تكافوا عن زمام نبذه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لاعتلقه، ولسار بهم سيرا سجحا لا يكلم خشاشه ولا يتعتع راكبه، ولا وردهم منهلا نميرا فضفاضا تطفح ضفتاه، ولأصدرهم بطانًا، قد تخير لهم الري غير متحل منه بطائل إلا بغمر الماء وردعه سورة الساغب ولفتحت عليهم بركات السماء والأرض وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون، ألا هلم فاسمع وما عشت أراك الدهر العجب وإن تعجب وقد أعجبك الحادث، إلى أي سناد استندوا؟ وبأية عروة تمسكوا؟ استبدلوا الذنابى والله بالقوادم، والعجز بالكاهل، فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدي فمالكم كيف تحكمون) ([33])، وقبلها في خطبتها في المسجد النبوي قد قايست (صلوات الله عليها) فارقة بين أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) وبين مناوئيه حاجة الفطرة بأحكامها في الميل تجاه أهل الفضيلة ونبذ أهل الرذائل فقالت (صلوات الله عليها): «… وبَعدَ أنْ مُنِيَّ ببهم (أي رسول الله) الرجالِ وذؤبانِ العَرب، ومردةِ أهلِ الكتابِ، كُلمَّا أوقدوا نارًا للحربِ أطفأها اللهُ، أو نَجَمَ قرنُ الشيطانِ أو فَغَرَتْ فاغرةٌ مِنَ المشركينَ قَذَفَ أخاه في لهَواتِها، فَلا ينكفئُ حتى يَطأَ جَناحَها بأخمصهِ، ويُخمدَ لهبهَا بسيفِه، مكدودًا في ذاتِ الله، مجتهدًا في أمرِ الله، قريبًا من رسولِ الله، سيدًا في أولياءِ الله، مشمرًا ناصحًا، مجدًا، كادحًا، لا تأخذُه في الله لومةُ لائمٍ، وأنتم في رفاهيةٍ من العيشِ، وادعونَ فاكهونَ آمنونَ، تتربصونَ بنا الدوائرَ وتتوكفونَ الأخبارَ وتَنكِصونَ عندَ النزالِ، وتفرونَ من القتالِ، فلمَّا اختارَ اللهُ لنبيهِ دارَ أنبيائِه، ومأوى أصفيائهِ، ظَهَرَ فيكم حسكةُ النفاقِ، وسَمُلَ جلبابُ الدِّينِ، ونطقَ كاظمُ الغاوينَ، ونبغَ خاملُ الأقلينُ، وهَدَرَ فنيقُ المُبطلينَ، فَخَطَرَ في عَرصاتِكم، وأطْلَعَ الشيطانُ رَأسَهُ من مَغْرِزِه هاتفًا بِكم، فألفاكمْ لِدعوتهِ مُستجيبينَ، وللعزةِ فيه مُلاحظين، ثُمَّ استنهَضَكُم فوجدَكُمْ خِفافًا، وأَحشَمَكم فَأَلفاكُم غضابًا، فوسمتم غيرَ إبلِكم، ووردتُم غَيرَ مَشْرَبِكُم، هذا والعهدُ قريبٌ والكَلِمُ رَحيبٌ، والجُرحُ لمـَّا ينَدَمِلُ والرسولُ لمـَّا يُقبَـرُ، ابتدارًا زَعَمتُم خوفَ الفتنةِ أَلا في الفتنةِ سَقَطُوا وإِنَّ جهنـَّمَ لمَحيطةٌ بالكافرينَ، فهيهاتَ مِنكم، وكيفَ بكم، وأَنى تُؤفَكُون، وكتابُ اللهِ بينَ أظهركِم، أمورُه ظاهرةٌ، وأحكامُه زاهرةٌ وأعلامُه باهرةٌ، وزواجرُه لايحةٌ، وأوامرُه واضحةٌ، وقد خلفتموه وراءَ ظهوركِم، أرغبةً عنه تريدون؟ أم بغيره تحكمون؟ بئسَ للظالمينَ بدلًا، ومن يبتغِ غيرَ الإسلام دينًا فلن يُقبلَ منه وهو في الآخرةِ من الخاسرينَ»([34])
وفي مقال ثانٍ قالت (صلوات الله عليها) في خطبتها: «لمّا اختار الله لنبيّه دار أنبيائه، ومأوى أصفيائه ظهر فيكم حسكة النّفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الأقلّين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفاً بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللعزّة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافاً، وأحمشكم فألفاكم غضاباً، فوسمتم غير إبلكم ووردتم غير مشربكم»([35])، تعني بذلك الخلافة التي نحوَّها عن أمير المؤمنين مستعينين بعدم تحقق ما به تلك الولاية من متابعة لشخصه ونصرة لمنهجه (صلوات الله عليه)، فافتقرت جبهته إلى أهل الولاء العقدي المُنظّر له من النبي بالأمر الإلهي.
بقيت (صلوات الله عليها) مثقفة لملازمة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ونصرته إلى أن فارقت روحها الدنيا شهيدة في الولاء والنصرة ليبقى منهجها تأسيسًا يسير عليه من رام الوصول إلى رضا الله بتولي أولياءه متابعة ونصرة.
ثانيًاـ التبري:
لم تقف مهمة الزهراء (صلوات الله عليها) عند حدِّ ممارسة الولاء تطبيقًا فحسب؛ بل قد وازنت الأمر بإبراز ممارسة أخرى توازي المهمة الولائية وتشاركها في قيدية الهوية الإيمانية، فكان التبري من الجبهة المناوئة لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) بتجريمها، وتعرية باطلها، ثم توجيه الأمة إلى عدم شرعية موافقتها فضلًا عن اتباعها حاضر هو الآخر في المنجز الفاطمي وبقوة، وهذا من أظهر متجليات شأنها الفارق (صلوات الله عليها) بين الحق المرضي عنه والباطل المسخوط عليه، فعرَّفت (صلوات الله عليها) بممارستها البرائية المضافة إلى ممارسة الولاء هوية الإيمان مخرِّجة الأغيار من حدود تحقق المفهوم، فأصبح من الواضح أنَّ تلك الأغيار هي نتاج لانتفاء الممارستين أو أحدهما أو الإخلال بشروطهما أو ببعض شروطهما؛ وهنا يمكن أن نتصور أفرادًا في تلك العينة المستبعدة من دائرة مؤمني الهوية حقًّا وهم؛ من تبنّى جهة أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) وجهة أعدائه معًا بلا تخطئة للجهة المضادة له (صلوات الله عليه)، ومن اختار أحدهما مرجحًا إياه على الآخر بلا تخطئة لأي منهما كمن اختار بين الأصح والصحيح، ويدخل تحت هذه العينة نوعين من الأفراد المتصورة وهما من جعل أمير المؤمنين في جهة الترجيح بلا تخطئة أعدائه ومن جعل مخالفيه جهة الترجيح بلا تخطئة له (صلوات الله عليه)، وثالث العينات المفترضة من لم يتبنَ أي من الجهتين مع التخطئة لكليهما أو لأحدهما أو عدمها، وهنالك عينة خارجة أفرادها بداهة من حدود الهوية الإيمانية الحقة؛ تلك التي تجاوزت نصف الحلِّ تجاه التبني الكامل للجهة المضادّة لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) مع التخطئة له والبراءة منه (صلوات الله عليه)، ثمِّ إنَّ ما تصورناه من عينات مفترضة من الواضح أنَّه لم يصدق بعضها خارجًا آنذاك لكنهًا واردة احتمالًا في دائرة الوقوع الامكاني قابلًا، فالزهراء (صلوات الله عليها) بتعريفها الهوية الإيمانية كانت تستهدف كل من اعتقد بالإسلام وتدّين به في كل زمان ومكان وجيل، فعرّفتها ضمن محدِّدي متابعة أمير المؤمنين بالكلية وفي طول ذلك متابعة أبناءه من بعده (صلوات الله عليهم) وتجريم أعدائهم ومعاداتهم والبراءة منهم بالكلية.
إنَّ الممارسة العملية لمعنى البراءة من لدن الزهراء (صلوات الله عليها) كان واضحًا ودقيقًا لأهمية مرحلة التأسيس التفعيلي قياسًا بمراحل الممارسة الأخرى، وفيه تبنّت الزهراء (صلوات الله عليها) المستوى الأعلى في العمل الذي قد تعدَّى مرحلة الاعتقاد القلبي بضلال رؤوس الخلاف والرفض القولي إلى رفض استنكار ومواجهة، مناسبة لمقتضيات الحال التي علمنا دخالتها في تحديد المستوى المطلوب لتلك الوظيفة، ثم تأتي في الطول ممارسات الأئمة (صلوات الله عليهم) وأتباعهم بإزاء تلك الوظيفة بمستويات متفاوتة موازنين بين مطلوبيتها اللازمة وتداعيات ظرف الممارسة.
إنَّ بعض ما أبدته (صلوات الله عليها) بإزاء تلك الوظيفة عملًا هو تصدِّيها لهجوم الدار رافضة بيعة الظالمين، وخروجها إلى المسجد النبوي مع لُمَّة من النساء لتخطب فيه بمحضر من المهاجرين والأنصار، ثمَّ تضمين تلك الخطبة حشد من استنكارات أفصحت بها عن ضلال حكومة السقيفة وعن غفلة الناس عن تداعيات هذا الأمر الخطير وقعودهم عن نصرة الحق والتخاذل عن إنفاذ الوصية النبوية، داعية الأمة إلى اتخاذ موقف الرفض وممارسة الوظيفة البرائية وكان ممَّا وجهته إلى الأنصار في خطبتها: «يا معشر النقيبة وأعضاد الملة وحضنة الإسلام، ما هذه الغميزة في حقي والسنة عن ظلامتي؟ أما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبي يقول (المرء يحفظ في ولده)؟ سرعان ما أحدثتم، وعجلان ذا إهالة ولكم طاقة بما أحاول، وقوة على ما أطلب وأزاول، أتقولون مات محمد (صلى الله عليه وآله)؟ فخطب جليل: استوسع وهنه، واستنهر فتقه، وانفتق رتقه، واظلمت الأرض لغيبته، وكسفت الشمس والقمر، وانتثرت النجوم لمصيبته، وأكدت الآمال، وخشعت الجبال، وأضيع الحريم، وأزيلت الحرمة عند مماته، فتلك والله النازلة الكبرى، والمصيبة العظمى، لا مثلها نازلة، ولا بائقة عاجلة، أعلن بها كتاب الله جل ثناؤه، في أفنيتكم، وفي ممساكم، ومصبحكم، يهتف في أفنيتكم هتافا، وصراخا، وتلاوة، وألحانا، ولقبله ماحل بأنبياء الله ورسله حكم فصل، وقضاء حتم: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب علي عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين﴾ أيها بني قيلة أأهضم تراث أبي؟ وأنتم بمرأى مني ومسمع، ومنتدى ومجمع تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة، وأنتم ذوو العدد والعدة، والأداة والقوة وعندكم السلاح والجنة توافيكم الدعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح، والنخبة التي انتخبت، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت، قاتلتم العرب، وتحملتم الكد والتعب، وناطحتم الأمم، وكافحتم البهم، لا نبرح أو تبرحون نأمركم فتأتمرون، حتى إذا دارت بنا رحى الإسلام، ودر حلب الأيام، وخضعت ثغرة الشرك، وسكنت فورة الإفك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق نظام الدين فأنى حزتم بعد البيان؟ وأسررتم بعد الإعلان؟ ونكصتم بعد الإقدام؟ وأشركتم بعد الإيمان؟ بؤسا لقوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، وهموا بإخراج الرسول، وهم بدؤوكم أول مرة، أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين ألا وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض وأبعدتم من هو أحق بالبسط والقبض، وخلوتم بالدعة ونجوتم بالضيق من السعة، فمججتم ما وعيتم، ودسعتم الذي تسوغتم فإن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد»([36])، فأسَّست منهجية الرفض والتبرؤ تطبيقًا للنصوص النبوية المؤصلة لذلك، وقد وجَّهت (صلوات الله عليها) خطابها بالمباشرة إلى منتخب السقيفة قائلة: «فدونكها مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم الله، والزعيم محمد، والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولا ينفعكم إذ تندمون، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم»([37])، بقيت تلك الكلمات توثق تلك النهضة ضد زعماء الانقلاب ومن تابعهم على امتداد العصور، ثم إنَّ الزهراء (صلوات الله عليها) لم تكتف بتلك الصرخة البرائية؛ بل إنَّها أبدعت في نهضتها الاستنكارية متجاوزة صدى الصرخة إلى أثر الرحيل وهي بعنفوان العمر متأثرة بجراح التبري معطية أبلغ الحجج لمن سعى في تحصيل حقيقة الإيمان، وقد حذَّرت الزهراء (صلوات الله عليها) من أنَّ الانحراف الأول هو المؤسس لانحرافات لاحقة، وأنَّ كل ابتداع يؤول إلى السقيفة نتاجًا ومخرجات فقالت: « معاشر المسلمين المسرعة إلى قيل الباطل المغضية على الفعل القبيح الخاسر أفلا تتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟ كلا بل ران على قلوبكم ما أسأتم من أعمالكم، فأخذ بسمعكم وأبصاركم، ولبئس ما تأولتم، وساء ما به أشرتم، وشر ما منه اغتصبتم لتجدن والله محمله ثقيلا، وغبه وبيلا، إذا كشف لكم الغطاء وبان بأورائه الضراء، وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون، وخسر هنالك المبطلون»([38])، وقولها على فراش علتها مخاطبة نساء المهاجرين والأنصار:«أما لعمري لقد لقحت، فنظرة ريثما تنتج، ثم احتلبوا ملاء القعب دما عبيطا وزعافًا مبيدًا، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف البطالون غب ما أسس الأولون» ([39])، ثم إنَّها صلوات الله عليها قد عزَّزت من موقفها الرافض هذا مواقف أخرى مؤكدة قصدية البراءة في تحركها والتربية بلا بدية اتخاذها منهجًا في تحصيل الإيمان، وممَّا نقل في سيرتها قبل استشهادها (صلوات الله عليها): “ فاستأذنعليها أبو بكر وعمر، فلم تأذن لهما، فأتيا أمير المؤمنين (عليه السلام) فكلماه في ذلك، فكلمهاوكانت لا تعصيه، فأذنت لهما، فدخلا، وكلماها فلم ترد عليهما جوابا، وحولت وجهها الكريمعنهما، فخرجا وهما يقولان لعلي: إن حدث بها حدث فلا تفوتنا، فقالت: عند خروجهما لعلي (عليه السلام): إن لي إليك حاجة فأحب أن لا تمنعنيها، فقال (عليه السلام): وما ذاك؟ فقالت: أسألك أن لا يصل علي أبو بكر ولا عمر، وماتت من ليلتها، فدفنها قبل الصباح،فجاءا حين أصبحا فقالا: لا تترك عداوتك يا ابن أبي طالب أبدا، ماتت بنت رسول اللهفلم تعلمنا؟ !، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لئن لم ترجعا لأفضحنكما! قالها ثلاثا، فلما قالانصرفوا …” ([40])، وفي نقل آخر أنَّها (صلوات الله عليها) خاطبتهما قائلة: ” نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول: رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟ قالا نعم سمعناه من رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم، قالت: فإنِّي أشهد الله وملائكته أنَّكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه، فقال أبو بكر أنا عائذ بالله تعالى مني سخطه وسخطك يا فاطمة، ثم انتحب أبو بكر يبكي، حتى كادت نفسه أن تزهق، وهي تقول: والله لأدعون الله عليك في كل صلاة أصليها، ثم خرج باكيا “([41])
وممَّا يُضاف إلى هذا العنوان ممَّا ورد في مصادرنا في أهمية اتخاذ التبري منهجًا دينيًا والأقوال فيها:
منها: ما ورد في كتاب (مستطرفات السرائر) لابن إدريس الحلّي (ت598هـ) نقلًا عن كتاب أنس العالم للصفواني: قال روي أنَّ رجلًا قدم على أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: يا أمير المؤمنين أنا أحبك وأحب فلانًا، وسمى بعض أعدائه، فقال (عليه السلام): «أما الآن فأنت أعور، فأما أن تعمى وأما أن تبصر»، وقيل للصادق (عليه السلام): إنّ فلاناً يواليكم، إلّا أنّه يضعف عن البراءة من عدوّكم، قال: هيهات، كذب من ادّعى محبّتنا ولم يتبرأ من عدوّنا، وروي عن الرضا (عليه السلام) أنّه قال: «كمال الدين ولايتنا والبراءة من عدوّنا»، وقال الصفواني: واعلم يا بني، أنّه لا تتم الولاية ولا تخلص المحبّة وتثبت المودّة لآل محمّد (صلى الله عليه وآله) إلّا بالبراءة من عدوّهم، قريباً كان منك أو بعيداً، فلا تأخذك به رأفة، فإنّ الله (عزّ وجلّ) يقول: ﴿لاَ تَجِدُ قَوماً يُؤمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَن حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَو كَانُوا آبَاءَهُم أَو أَبنَاءَهُم أَو إِخوَانَهُم أَو عَشِيرَتَهُم﴾ [المجادلة:22] ([42])، وقد قال الصدوق في التولي والتبري: “وحب أولياء الله والولاية لهم واجبة، والبراءة من أعدائهم واجبة ومن الذين ظلموا آل محمد وهتكوا حجابه فأخذوا من فاطمة فدك، ومنعوها ميراثها وغصبوها وزوجها حقوقهما، وهموا بإحراق بيتها، وأسسوا الظلم، وغيروا سنة رسول الله” ([43]).
رحلت (صلوات الله عليها) بعد أن تركت منجزًا هو من الإسلام في القلب، عليه مدار ارتضاء دين المسلم نصًّا إلهيًّا وهو قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3] قرآنًا أتُفق على نزوله عقيب تنصيب النبي أمير المؤمنين (صلوات الله عليهما وآلهما) خليفة له من بعده وإجراء البيعة له على حضور ذلك المشهد جميعهم، ومن المعلوم أنَّ تلك البيعة قد تمَّت قبيل استشهاد النبي (صلى الله عليه وآله) بمدة يسيرة فتساوى الكل بإزاء تلك البيعة ظاهرًا إلَّا أنَّ الله تعالى أبى إلَّا التفريق والممايزة وهو القائل: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 2-3]، فاضطلعت الزهراء (صلوات الله عليها) بمهمة التفريق التطبيقي المستند في أصالته إلى النص القرآني والبيان النبوي فتمخض عن ذلك تولٍّ وتبرٍّ.
وانتهاءً كما ابتدأنا نقول: إنَّ لله تعالى شؤون في تكليف ذوي المهام، وأول هذه الشؤون أنَّه من يختارهم لأداء الوظيفة الإلهية لابد أن يكونوا أفاضل غيرهم من الناس من جميع الجهات ممَّا يعني أنَّهم ذوي قابليات فارقة، وشأن آخر في التكليف أنَّ مستوى تلك القابليات هو المحدد لطبيعة المهمة التكليفية، فكلما كانت القابليات أعلى كانت المهمة أثقل، ومن هنا نخلص إلى القول أنَّ من أُنيط بها تحديد هوية الدين قبولًا أو رفضًا بممارسة امتدَّ أثرها من لدن القيام إلى آخر أيام الدنيا كان لها من القابليات ما تناسبت وهذا الثقل العظيم في المهمة الإلهية.
فغاية هذه الدراسة (فلنعلم أنَّها فاطمة) هو تحصيل مزيد معرفة بالزهراء (صلوات الله عليها) والاقتراب من سنا ضيائها أكثر؛ لندرك بهذه المعرفة أنَّ لها فضل على كل من دان بالإسلام الحق دينًا؛ فحقَّ على كل مسلم شكرها قولًا وعملًا؛ لأنَّ إنعامها في طول إنعام الربِّ المنعم فمن لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق.
أهم النتائج:
- إنَّ الزهراء (صلوات الله عليه) ملئت محل القدوة بكفاءة عالية برغم قصر عمرها وصعوبة ظرفها المرحلي مستعينة بمؤهلاتها التي أوجبت تقدمها أولًا فأغنت (صلوات الله عليها) متطلبات مهمتها على أكمل الوجوه.
- إنَّ العلم بالزهراء (صلوات الله عليها) أمر متدلٍّ بين اللاممكن من درك تمام الحقيقة والممكن المغني في الحجية.
- إنَّ ما أمكن من علم في فضاء الزهراء (صلوات الله عليها) ذو أبعاد وشؤون ولكل محصِّل فيه نصيب ولا زالت مراتب من أنصبة تحثُّ المحصلين على المزيد (اعلموا أنَّي فاطمة).
- إنَّ الآيات المتعلقة بفضائل أهل البيت ليس لمفهومها إلا مصداق العترة الطاهرة؛ إذ لا يمكن تعدية الوارد من تلك الآيات إلى من سواهم فتكون خاصة في السبب خاصة في الإسقاط.
- إنَّ البحث في منجزات من اختارهم الله تعالى قادة للأمة أثر في تمتين الاعتقاد بأحقية تقدمتهم؛ إذا يقرأ العقل منجز الشخص داع مهم في تصدره، ثم بالمنجز الخارجي يمايز العقل بين الأشخاص فيقدِّم الفاضل ويؤخر المفضول، وبه كذلك يفاضل بين ذوي الآثار النافعة مقدِّمًا أصحاب الإنجاز الأكثر نفعًا على من دونهم وهكذا.
- تنوعت المهمة الفاطمية متخذة أبعادًا وتأثيرات، منطلقة من قلب الأسرة راسمة لأسمى العلاقات وأمتنها، معطية المثال الإسلامي المشرق في البناء الأسري المتكفل بتأهيل أفراد أسوياء ذوي نفع في المجتمع وتأثير في صلاحه العام.
- إنَّ المهمة النبوية كانت شاملة على مستوى التأسيس النظري المطلوب آنذاك على كل الأصعدة، أمَّا التطبيق الخارجي لتلك التأسيسات الإلهية كان منوطًا بتحقق الدواعي والأسباب؛ فمنها ما استدعت ظروفها تحققًا في العهد النبوي، ومنها ما أرجئ تطبيقه لاحقًا بعد أن شرط النبي (صلى الله عليه وآله) للأمة التزامًا بسلامة تلك التطبيقات للنصوص النبوية في القابل على يد من جعل (صلى الله عليه وآله) فعلهم كفعله.
- إنَّ مهمة الزهراء (صلوات الله عليها) التي نالت بها سنام مقامها هو دورها الفاعل في بسط معنى هوية الإيمان توليًّا وتبريًا بعد أن كان المعنى مخلَّط بين عام لغوي وخاص اصطلاحي.
- إنَّ التطبيق الفاطمي لمقوم التولي في الهوية الإيمانية كان يرتكز على تفعيل الموالاة خارجًا باتباع هدي أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ومتابعته ثم نصرته الفعلية في استرداد حقه المغتصب، فارقة بهذا القيد بين التولي مقوِّم الإيمان وما سواه من معان أخرى.
- إنَّ قيمة التحرك البرائي الفاطمي يتأتى من جهة التأصيل التطبيقي لهذا المفهوم المقابل للتأصيل التطبيقي العدائي لأهل البيت وفي مقدمتهم أمير المؤمنين (صلوات الله عليهم أجمعين)، فيدين تبعًا لذلك كل من حقق وظيفة الإيمان إلى الزهراء (صلوات الله عليها) بالنعمة عليه إذ تقدَّمته شاخص هداية ونجاة.
المصادر:
- الآحاد والمثاني، الشيباني المتوفى(287هـ)، تحقيق: د. باسم فيصل أحمد الجوابرة، دار الراية – الرياض، ط 1، 1411 – 1991.
- : الاحتجاج، الشيخ الطبرسي المتوفى (548ه)، تحقيق: تعليق وملاحظات: السيد محمد باقر الخرسان، دار النعمان للطباعة والنشر – النجف الأشرف، د ط، 1386-1966ه.
- الاختصاص، الشيخ المفيد المتوفى (413ه)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، السيد محمود الزرندي، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، ط2، 1414-1993م.
- أسد الغابة، ابن الأثير المتوفى (630ه)، دار الكتاب العربي، بيروت – لبنان، د ط، د ت.
- الأمالي، الشيخ الطوسي المتوفى (460ه)، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية – مؤسسة البعثة، دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع – قم، ط1، 1414ه.
- الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري المتوفى (276ه)، تحقيق: طه محمد الزيني، مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع، د ط، د ت.
- بحار الأنوار، العلامة المجلسي المتوفى (1111ه)، تحقيق: الشيخ عبد الزهراء العلوي، دار الرضا – بيروت – لبنان، د ط، 1403 – 1983م.
- البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري الجعفي، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، ط1، 1422ه.
- تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي المتوفى (329ه)، تحقيق: تصحيح وتعليق وتقديم: السيد طيب الموسوي الجزائري، مطبعة النجف، د ط، .1387.
- الخصال، الشيخ الصدوق المتوفي (381ه)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، د ط، 18 ذي القعدة الحرام 1403 – 1362 ش.
- دلائل الامامة، محمد بن جرير الطبري (الشيعي)، المتوفى (ق4)، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة – قم، مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة، ط1، 1413ه.
- روضة الواعظين، الفتال النيسابوري المتوفى (508ه)، تحقيق: تقديم: السيد محمد مهدي السيد حسن الخرسان، منشورات الشريف الرضي – قم، د ط، د ت.
- السنن الكبرى، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي المتوفى (303هـ)، حققه وخرج أحاديثه: حسن عبد المنعم شلبي، أشرف عليه: شعيب الأرناؤوط، قدم له: عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة – بيروت، ط1، 1421هـ – 2001م.
- شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي المتوفى (656ه)، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية – عيسى البابي الحلبي وشركاه، د ط، د ت.
- شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، الحاكم الحسكاني المتوفى (ق 5)، تحقيق: الشيخ محمد باقر المحمودي، مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي- طهران، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية- قم، ط1، 1411 -1990م.
- علل الشرائع، الشيخ الصدوق المتوفى (381ه)، تحقيق: تقديم: السيد محمد صادق بحر العلوم، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها- النجف الأشرف، د ط، 1385- 1966م.
- فضائل الصحابة، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني المتوفى (241هـ)، تحقيق: د. وصي الله محمد عباس، مؤسسة الرسالة – بيروت، ط 1، 1403 – 1983
- فضائل فاطمة الزهراء (ع)، ابن شاهين المتوفى (385ه)، تحقيق: تقديم وتحقيق: الدكتور محمد هادي الأميني.
- الفضائل، شاذان بن جبرئيل القمي (ابن شاذان) المتوفى (نحو 660ه)، منشورات المطبعة الحيدرية ومكتبتها -النجف الأشرف، الحيدرية – النجف الأشرف، 1381- 1962م.
- الكشف والبيان عن تفسير القرآن (تفسير الثعلبي)، الثعلبي المتوفى (427ه)، تحقيق: الإمام أبي محمد بن عاشور، مراجعة وتدقيق الأستاذ نظير الساعدي، بيروت – لبنان، دار إحياء التراث العربي، ط1، 1422 – 2002م.
- مستطرفات السرائر، ابن إدريس الحلي المتوفى (598ه)، تحقيق: لجنة التحقيق، مطبعة مؤسسة النشر الإسلامي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، ط2، 1411ه.
- مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني المتوفى (241هـ)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط – عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط1، 1421هـ – 2001م.
- المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم)، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (261هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، د ط، د ت.
- معاني الأخبار، الشيخ الصدوق المتوفى (381ه)، تحقيق: تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، د ط، 1379- 1338ش.
- المعجم الكبير، الطبراني المتوفى (360ه)، تحقيق: تحقيق وتخريج: حمدي عبد، دار إحياء التراث العربي، الثانية، مزيدة ومنقحة المجيد السلفي، 1404 – 1984 م.
- المناقب، الموفق الخوارزمي المتوفى (568ه)، تحقيق: الشيخ مالك المحمودي – مؤسسة سيد الشهداء (ع)، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، مؤسسة النشر الإسلامي، ط2، ربيع الثاني 1414ه.
- مناقب الإمام أمير المؤمنين (ع)، محمد بن سليمان الكوفي المتوفى (ح300)، تحقيق: الشيخ محمد باقر المحمودي، النهضة، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية- قم المقدسة، ط1، محرم الحرام 1412ه.
- نوادر المعجزات، محمد بن جرير الطبري (الشيعي)، المتوفى (ق4)، تحقيق: مؤسسة الإمام المهدي (ع)، (ط1)، 1410.
([1]) يُراد من لفظ القدوة هنا هو خصوص المعنى المتحقق عند منتخبي الهداية من لدن الله تعالى لا مطلق المعنى فيه الذي يمكن أن نراه (المعنى العام) في الكثير من الأفراد المؤمنين وبنسب متفاوتة.
([2]) تقدَّم أن سيادتها تعم الرجال كذلك باستثناء رسول الله وأمير المؤمنين (صلوات الله عليهما وآلهما).
([3]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل: 38/ 354، ح23328.
([4]) صحيح البخاري، البخاري: 4/ 203، ح3623.
([5]) علل الشرائع، الشيخ الصدوق: 1/ 182، ح1.
([6]) معاني الأخبار، الشيخ الصدوق: 396-397.
([8]) دلائل الامامة، محمد بن جرير الطبري (الشيعي): 146.
([9]) نوادر المعجزات، محمد بن جرير الطبري (الشيعي): 83.
([10]) تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي: 2/ 103-104.
([11]) الكشف والبيان عن تفسير القرآن (تفسير الثعلبي)، الثعلبي: 3/ 85.
([12]) مناقب علي بن أبي طالب (ع) وما نزل من القرآن في علي (ع)، ابن مردويه الأصفهاني: 1/ 227.
([13]) مناقب الإمام أمير المؤمنين (ع)، محمد بن سليمان الكوفي:1/ 117.
([14]) مناقب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، محمد بن سليمان الكوفي: 1/ 157؛ أسد الغابة، ابن الأثير: 2/ 12.
([15]) فضائل فاطمة الزهراء (ع)، ابن شاهين: 69؛ شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، الحاكم الحسكاني: 2/ 23.
([16]) مناقب علي بن أبي طالب [عليه السلام]، ابن المغازلي: 267.
([17]) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: 6/ 282-283.
([18]) الأمالي، الطوسي: 400، ح40.
([19]) علل الشرائع، الصدوق: 2/ 366.
([20]) روضة الواعظين، الفتال النيسابوري: 151.
([21]) المناقب، الموفق الخوارزمي: 353-354.
([22]) المعجم الكبير، الطبراني: 3/ 44، ح2631.
([23]) مناقب علي بن أبي طالب (ع)، ابن المغازلي: 61، ح70.
([24]) ينظر: روضة الواعظين، الفتال النيسابوري: 329.
([25]) ينظر: الكشف والبيان عن تفسير القرآن، أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي:10/ 99-102.
([26]) الكافي، الكليني: 2/ 125-126.
([27]) الأمالي، الصدوق: 61-62، ح7.
([28]) فضائل الصحابة، أحمد بن حنبل: 2/ 585، ح991؛ السنن الكبرى، النسائي: 7/ 310، ح8092.
([29]) البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري: 5/21، ح3714.
([30]) المسند الصحيح، مسلم بن الحجاج النيسابوري: 4/1903، ح 2449.
([31]) الآحاد والمثاني، الشيباني: 5/363، ح 2959، المعجم الكبير، الطبراني: 1/108، ح 182.
([33]) معاني الأخبار، الشيخ الصدوق: 355.
([34]) الاحتجاج، الشيخ الطبرسي: 136-137.
([35]) معاني الأخبار، الشيخ الصدوق: 355.
([36]) الاحتجاج، الشيخ الطبرسي: 1/139- 141.
([37]) الاحتجاج، الشيخ الطبرسي: 1/139.
([38]) الاحتجاج، الشيخ الطبرسي: 1/144.
([39]) الاحتجاج، الشيخ الطبرسي: 1/148.
([40]) بحار الأنوار، العلامة المجلسي: 31/ 621، ح105.
([41]) الإمامة والسياسة، ابن قتيبة الدينوري: 1/ 20.
