من بحوث المسابقة الفاطمية البحثية السنوية الثامنة / فاطمة الزّهراء (ع) القديسة الثائرة، بنظرةٍ استشراقية/للباحثة رجاء محمد بيطار/ لبنان

14 مايو، 2026
9

فاطمة الزّهراء (ع) القديسة الثائرة، بنظرةٍ استشراقية

(كتاب «فاطمة الزّهراء (ع) وتر في غمد» لسليمان كتّاني أنموذجًا)

(بحث مضموني دلالي)

(ضمن المحور الرابع: السيدة الزهراء عليها السلام في الدراسات الاستشراقية)

للباحثة رجاء محمد بيطار/ لبنان

بحث مشارك في المسابقة البحثية السنوية الثامنة لمركز الدراسات الفاطمية- البصرة

 (سيرة السيدة الزهراء عليها السلام صفحات نورانية في تاريخ الإسلام والإنسانية)

        المقدّمة:

كثُر الحديث في فاطمة الزهراء عليها السلام، وكثُرت دلالاته، ولم تستطع كلّ الكتب والمصنّفات والأبحاث والمقالات أن تلمّ بتلك الشخصية الإنسانية الملكوتية الفذّة، التي ملأت الدنيا والآخرة وشغلت أهلهما، بين محبٍّ لها ولأبيها ولبعلها ولبنيها، وقالٍ لهم، فتباينت الآراء واختلفت الأهواء، وقد قاد الخلاف حولها إلى الخلاف في الكثير من الأمور اللاحقة، التي أثّرت إيجابًا أو سلبًا في المجتمع الإسلاميّ منذ كانت حتى اليوم، ولكن العنوان العريض الذي لم يختلف فيه اثنان، هي شخصيّتها الاستثنائيّة التي مهما تدارسها الباحثون، لم يتمكّنوا من الإحاطة ولو بجزءٍ ضئيلٍ من جوانبها المستفيضة…

        وإننا في هذا البحث نحاول أن ندلي بدلونا في هذا اليمّ العميق الزاخر، عسانا نستخلص بعض درره، فالحديث عن فاطمة الزهراء عليها السلام قد استهوى القلوب والعقول بغناه وطيب جناه، واجتذب بسناه فكر ذوي الفكر، من عرب وأعاجم، مسلمين ومسيحيين، فاجتمعت تحت عرش عظمتها الأقلام، وطافت بكعبة عشقها الأحلام.

        ولعل من أبرز ما اتّصفت به الزهراء عليها السلام من صفاتٍ جمّة، عاشتها وقدّمتها للعالمين مثالا، عبر حياتها القصيرة أمدًا الزاخرة بالأحداث المصيرية والعبر الاستثنائية، هما صفتا القدسية والثورة على الظلم، وقد عالجهما الباحثون من جوانب متعدّدة، فحقّ لنا أن نعالجهما من جانبٍ آخر… فكان اختياري لهذا الشعاع المتألّق من شمسها الباهرة؛ هذا الكتاب الذي استلّ كاتبه المسيحيّ من جوانب التاريخ لمحاته، وأضفى عليه من قلمه السيّال بعض صفاته، فخرج بنظرةٍ فريدةٍ مختلفةٍ لحياة السيدة الزهراء (ع)، وبرؤيةٍ ذات عمقٍ ودلالة، فكان حريًّا بالباحث أن يحاول إلقاء الضوء على الشخصية المحوريّة لهذا الكتاب، لا من خلال ما أدّاه التاريخ إليه، بل من خلال ما أدّاه هو للقارئين، فهو خلاصة فهمه لهذه الحقيقة الرقيقة العميقة،  المتمثّلة بفاطمة الصدّيقة (ع)، كما يراها المسيحيّ ذو الرأي الحرّ والفكر النيّر، الذي استطاع أن يكتشف القدسية في امرأةٍ غير مسيحيّة، بل وأن يقرنها بالعذراء مريم (ع) في بعض أجزاء الكتاب، وأن يلاحظ الثوريّة الحقّانية في امرأةٍ عاشت الهدوء والاستقرار في الحياة العائلية، وخرجت من محيطٍ حديث عهدٍ بالجاهلية، التي تزدري المرأة وتنظر إليها ككائنٍ يقلّ عن سواه في مستوى البشرية، ولكنّ الإسلام رفعها، وطاعتها لنبيّها أولًا ثم لوليّها ثانيًا، دفعاها إلى القيام في وجه الظلم بحجّتها الدامغة…

تتداخل القدسية مع الثورة ضدّ الظلم في أحداث حياة الزهراء (ع) كما يراها الكاتب؛ قدسيّةٌ مستلّةٌ من واقعٍ حياتيٍّ واختيارٍ إلهيّ، وثوريّةٌ مستمدّةٌ من مظلوميةٍ وقعت عليها، مع دورها المحوريّ في حياة أبيها النبي (ص) وزوجها عليّ (ع)… وبين القدسية والثورية يقف الكاتب ليحلّل المواقف ويستخلص العبر والعظات، ولذا فقد كان لهذا البحث وقفاتٌ مع أهم مفاصل الكتاب، وبالأخص تلك التي تعالج هاتين الصفتين الأساسيتين في حياة الصديقة الطاهرة (ع)، واللتين ترجمتهما عمليًّا من خلال سيرتها السامقة، لتبقيا على مدى التاريخ، ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، قدوةً وأسوةً لا لنساء العالم فحسب، بل لكلّ كائنٍ بشريٍّ يبحث عن الكمال.

        وهنا تكمن إشكالية البحث، إذ تتمحور مباحثه حول الإجابة على الأسئلة الآتية:

  • كيف يرى الآخر، المسيحيّ سليمان كتّاني، في كتابه «فاطمة الزهراء (ع) وتر في غمد» تحديدا، شخصية الزهراء (ع)، بنظرةٍ موضوعيّةٍ مجرّدة؟
  • وكيف ينظر هذا الكاتب المفكّر إلى قدسية الزهراء وسببها وأثرها في المجتمع الإسلاميّ قديمًا وحديثا؟
  • وكيف يقرأ مظلوميّتها وثوريّتها التي قامت على خلفية غصب حقوقها الشرعية وذلك من خلال المطالبة المحقّة بها؟ وكيف يرى أثر تلك المظلومية والثورية على المجتمع الإسلاميّ في ذلك الحين وبعده، على امتداد الأجيال حتى عصرنا هذا؟

على أن البحث كما هو مطروحٌ يندرج ضمن الدراسات الاستشراقية التي لامست حياة الزهراء عليها السلام، من هنا فإنه لا بد لنا من تعريف الاستشراق أولًا، ثم ربط موضوع هذا البحث به، باعتباره قائمًا على كتابٍ كتبه مسيحيّ عربي وليس غربيًّا.

–  تعريف الاستشراق:

الاستشراق (orientalism) لغةً هو مصدرٌ مشتقٌّ من الشرق، وقد عرّفه أصحاب المعاجم بأنه “طلب الشرق”[1]، وليس طلب الشرق إلا طلب علومه وآدابه ولغاته وأديانه، ذلك أن مصطلح الشرق (orient) لا يشير إلى الشرق الجغرافيّ بقدر ما يشير إلى الشرق المعنوي، “فمعناه باللاتينية التعلّم والبحث عن شيءٍ ما، وبالفرنسية التوجيه والإرشاد، وبالانجليزية توجيه الحواس نحو اتجاهٍ أو علاقةٍ ما في مجال الأخلاق أو الاجتماع أو الفكر أو الأدب نحو اهتماماتٍ شخصيةٍ في المجال الفكري أو الروحي.[2]” …

والاستشراق اصطلاحًا هو “علم الشرق أو علم العالم الشرقي”[3]، كما يُقصد به “أسلوب للتفكير يرتكز على التمييز المعرفي والعرقي والأيديولوجي بين الشرق والغرب”[4]، أو “ذلك التيار الفكري الذي تمثّل في الدراسات المختلفة عن الشرق الإسلامي، والتي شملت حضارته وأديانه وآدابه ولغاته وثقافته”[5] .

ومع أن هناك خلافٌ بين المؤرّخين في بداية ونشأة الاستشراق، إلا أن عالم التاريخ والأيديولوجيا السويسري المعاصر أرس آب Urs App (1949-)، يشير في كتابه “ولادة الاستشراق” (The Birth of Orientalism) إلى أن “الاستشراق بشكله الحاليّ ظهر في القرن الثامن عشر نتيجة دوافع اقتصادية وسياسية ودينية..” .[6]

أما عن تعريف “المستشرق”، فيرى الدكتور إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق”، أن المستشرق هو “كلّ من يعمل بالتدريس أو الكتابة أو إجراء البحوث في موضوعات خاصة بالشرق، سواءً كان ذلك في مجال الأنثروبولوجيا أو علم الاجتماع أو التاريخ أو فقه اللغة”[7]، وأن “معظم المستشرقين لا جميعهم من الغربيين”[8] … أما الدكتور حسام الآلوسي فيرى “أن الإجماع ينعقد على أن الاستشراق بوصفه حركةً منظمة بدأت مع أواخر القرن الثامن عشر، وطيلة القرن التاسع عشر، ولم تكن حركة الاستشراق نتيجةً لحبّ الاستطلاع، ولكن من أجل الاستعمار وإثبات التفوق الغربي والتبشير.”[9]

انطلاقًا من التعريفات السابقة، فإن بحثنا هذا في رصده ومناقشته لرأي الكاتب المسيحي العربي سليمان كتاني في السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، من خلال كتابه “فاطمة الزهراء عليها السلام وترٌ في غمد”، يندرج ضمن دراسات الاستشراق عمومًا، حيث أن كاتب الكتاب هو مسيحي عربي، أي مستشرق شرقي، باعتبار أن المستشرق ليس بالضرورة أن يكون غربيًّا، على حدّ رأي إدوارد سعيد…

إنه من الملفت حقًّا أن يعمد كاتبٌ مسيحيٌّ لم يترك مسيحيّته ولم يعتنق الإسلام دينا، للحديث بإسهابٍ وعمق، عن سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام، وأن يكون حديثه يفيض عاطفةً متدفّقةً وعقلانيةً صادقةً وووجدانيةً وموضوعيةً في آنٍ واحد. فالكاتب في كتابه الذي عنونه “فاطمة الزهراء عليها السلام وترٌ في غمد” ينقل إلينا صورةً من صور التاريخ الإنسانيّ عابقةً بالمحبة والقداسة، والعاطفة والتفكّر، والعِبرة العميقة والخاطرة الرقيقة، والتحليل العلميّ والتاريخيّ والفلسفيّ، من خلال دراسته لشخصية الزهراء عليها السلام، التي اتّفق عليها جميع البشر والمسلمين، واختلفوا فيها كذلك، فكانت محورًا للاهتمام الإنسانيّ عبر التاريخ، لما لسيرتها تلك من دلالاتٍ حدّدت مسار أممٍ بكاملها…

لقد اكتشف سليمان كتّاني، عبر دراسته الوافية لمراجع تاريخية عديدة ومتنوعة، مذكورة في الهوامش وفي نهاية الكتاب، جوانب من شخصية الزهراء عليها السلام لم يتطرّق إليها الكثيرون، فرآها بعينٍ جديدةٍ منفتحةٍ على الآخر، وغير مقيّدةٍ بإطارٍ متزمّتٍ ضيّقٍ مقيت، وبعدسةٍ لم يؤطّرها الإسلام ولكنّه تغلغل في شفافيّتها، وهذا ما سنلقي الضوء عليه في جملة مواضيع هذا البحث، فإذا هو تارةً يحكم بقدسيّتها، وأخرى يراها إنسانةً متفوّقة، ولكنه في كلا الحالين يرى فيها امرأةً مثالًا يصعب أن تتكرّر، بل هي صنفٌ من النساء فريد، من جنس مريم بنت عمران عليها السلام… كما ينظر إلى قيامها ضدّ الظلم الذي حاق بها بعد وفاة والدها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بنظرةٍ ثاقبة، فلا يكتفي بفحصها تحت مجهر التاريخ، بل يستعمل منظارًا مقرّبًا للمسافات، ويرمي بنظره إلى أبعد الأبعاد، فيتفحّص آثار ونتائج تلك المظلومية وذلك الموقف البطوليّ الذي وقفته سيدة النساء، لا في زمانها فحسب، بل في كل زمانٍ تلاها وصولًا إلى عصرنا الحاضر.

لم يكن سليمان كتّاني الأول في كتابه هذا ومقاربته تلك لشخصية فاطمة الزهراء عليها السلام، ولن يكون الأخير، ولكنه واحدٌ من الذين عالجوا هذا الموضوع الفذّ، وخرجوا منه بنتائج فذّة، وكان له من شمولية نظرته وبعد أفقه وسعة اطلاعه ما أعطاه الفرصة لفهمٍ معمّقٍ لتلك الشخصية الاستثنائية، ولئن اختلف ذاك الفهم في بعض جوانبه عن الفهم الإسلاميّ الشيعيّ لها، إلا أنه تلاقى معه في جوانب أخرى، وكان له وقفاتٌ ولمحاتٌ وتصريحاتٌ قلّ أن التفت إليها القدامى أو المحدثون، من كلّ الفرق الإسلامية، وستتمّ الإشارة إليها في موضعها من البحث… ولعل هذا يعود إلى الزخم المتدفّق من تلك الشخصية الاستثنائية، التي لا يمكن أن يحصي فضلها العادّون، تمامًا كالبحر الذي لا يتمكّن من اغترافه واكتشاف كلّ كنوزه الغائصون، مهما بذلوا من جهد، كما يعود أيضًا إلى الزاوية الجديدة التي انطلق منها الكاتب في تصويره للأحداث، حيث وقف على حيادٍ ولم يوظّف حكمًا مسبقًا على الأحداث في رؤيته الموضوعية، شأن أكثر المؤرخين الذين يعالجون المسائل التاريخية، موظّفين أقلامهم في خدمة هذا وذاك من الحكّام، مبتعدين عمّا أُريد للبشرية من خلال علم التاريخ أصلًا من معرفةٍ مجرّدة، فما بالك بأكثر تلك المسائل تعقيدًا واختلافًا بين مذاهب المسلمين كافة؟!…

إنها الزهراء، وإنه الحديث عنها الذي يأخذ بالألباب والأفهام، وإنه ذاك الإنسان الذي استهواه البحث عن الحقّ في كلّ مكانٍ وزمان، فرسا بسفينته المبحرة في صحراء جزيرة العرب عند ذلك الشطّ الأمين، وانكفأ يغربل الرمال بحثًا عن الحقيقة المختبئة بين ذراتها، ويمسح الأثير مسحًا بصريًّا وبصيريًّا يستشفّ المكنون بين ذرّاته المتطايرة وأشعّته المتناثرة، فلا يهدأ حتى يصل إلى سؤله، ويدلي برأيه ويعلن موقفه…

وإننا في دراستنا المضمونية الدلالية لهذا الكتاب لا نحاول أن نكتشف ما خفي علينا في شخصية الزهراء، بقدر ما نحاول أن نكتشف ما رآه الآخر فيها، وأن تكون معرفتنا به سلّمًا يجعلنا نتسلّق سبل المعارف لتوصيل الكلمة، ونفهم فكر الآخر حتى يسهل علينا مخاطبته، ونعيَ منطلقاته حتى تكون متّكأً يتّكئ عليه الباحثون والمبلّغون في حديثهم الموضوعي الشامل الذي يخاطب كلّ عقل، لا بدّ من فهم هويّته ومرتكزاته، وليكون البحث في محورية الزهراء عليها السلام مصداقًا للحديث الشريف: “خاطبوا الناس على قدر عقولهم”، إذ لا يمكن للباحث أو المبلّغ أن يقدّم حوارًا حضاريًّا حول موضوعٍ لا يعرف نظرة الآخر إليه، ولا يحترم رأيه فيه، مع اختلاف الرؤى والتحاليل… ومعلومٌ أن للزهراء عليها السلام شأنيّة عند المسلمين عامة، وعند الشيعة الإمامية خاصة، وها نحن الآن نحاول أن نلقي الضوء على شأنيّتها عند غيرهما، وأن نكتشف معالم الاتفاق والاختلاف والصواب والخطأ في هذه الرؤية المتميّزة التي بين أيدينا.

المبحث الأول: قدسية فاطمة الزهراء (ع)، بين الطهارة التكوينية والحياة البشرية:

  • الحديث عن الزهراء عليها السلام بين الذاتية والموضوعية:

“إن فاطمة الزهراء هي أجلّ من أن تشير إليها الأسانيد، وأكرم من أن تدلّ عليها السرود، يكفيها إطارًا أنها ابنة محمد، وزوجة علي، وأم الحسن والحسين، وسيدة نساء العالمين”[10].

كذا يشير سليمان كتّاني إلى فاطمة الزهراء عليها السلام في مطلع كتابه “فاطمة الزهراء (عليها السلام) وترٌ في غمد”، وكذا يراها فردًا قائمًا بذاته، لا يحتاج المتعرّف عليها إلى سندٍ يشير، ولا سردٍ يدلّ، فهي غنيّةٌ عن التعريف والتوصيف، لأنها بنت محمدٍ وزوجة علي وأم الحسنين وسيدة النساء…

إن الكاتب في تقديمه للزهراء عليها السلام على تلك الصورة، يمهّد لاستراتيجيةٍ بحثيةٍ مختلفةٍ يتّبعها في كتابه، حيث يعتمد في كتابه أسلوبًا يتراوح بين الخبر والإنشاء، فهو تارةً يبتعد عن الموضوعية فيخاطب الزهراء بصيغة النداء والتعجب والمناجاة، حتى لكأنه ينظم فيها شعرا، وطورًا يخوض في جدليات المنطق، فيناقش أحداث التاريخ من خلال رؤيةٍ اجتماعيةٍ شاملةٍ وفلسفةٍ حياتيةٍ عميقة، يقدّم من خلالها الحجة والبرهان على بساط البحث… فها هو يناجي الزهراء عليها السلام في أحد مباحث الكتاب المعنون “إلى فاطمة” فيقول: “إيه فاطمة! يا ثغرًا تحلى بالعفاف فطاب رضابه، ويا عنقًا تجمّل بالمكرمات فذكا إهابه… لقد ذاب التراب في المصهر يا ابنة الجنة… هكذا يا ابنة أبيك أصحبت الوصية… يا طيب الأمومة، يا منتهى العفّ، يا طهارة المردن، يا نحيلة!… يا قيثارة النبيّ… يا ثورة اللحد… ويا وترًا في غمد.”[11] ثم ها هو يأخذ صفة المحلّل الباحث فيقول تحت عنوان “دراسة”: “إن المجتمعات التي يكثر فيها هذا العدد من الأفراد المدركين يرفعون نسبة الرقيّ في مجتمعاتهم، ويعينون إلى حدٍّ بعيدٍ بروز القادة اللامعين فيهم، لتخفّ الأخطاء في القيادة، وليتميّز النجاح في تطبيق المناهج. ولم يبرز في مجتمع الجزيرة أي فردٍ تمكّن من حصر القيادة ونقشها على صفحات التاريخ، إلا في ظهور محمد، فحطّم أبلغ رقمٍ قياسيٍّ في تأريخ خلود القادة العباقرة.” ثم ها هو يقول تحت عنوان “الإمامة”: “… لم يكن النبي العظيم ليغفل عن سرّ نجاح دعوته الكبيرة، فأحبّ أن يترك للجزيرة بعده من يتمكن من متابعة جدل الحبال، لن يكون ذلك عن طريق الاختيار، فقبائل الجزيرة لم تبلغ بعد سن الرشد حتى تتسلّم بنفسها زمام نفسها… ولقد أحبّ النبيّ أن يعيّن القيادة من بعده بعد تحضيرٍ طويل، ولقد وجد في عليٍّ كلّ انصباب الصفات المؤهلة…”[12].

يتّضح لنا مما سبق أن لغة الكتاب تتراوح ما بين عاطفةٍ وعقل، وذاتيةٍ وموضوعية… ولكن ذاتية الكاتب نفسها تخضع لحكم المنطق، فهو ما كان ليضع فاطمة في تلك المنزلة، ولا ليخاطبها بتلك الصفات المبجّلة، إلا لأن ما توصّل إليه عبر بحثه المطوّل المعمّق في مصادر التاريخ ومراجعه، وما استنتجه من خلال المنطق السليم، قد وصل به إلى تلك المرحلة من إكبارها وتقديسها…أما لغته العلمية التي يحلّل فيها ويناقش، والتي تتمازج مع لغته الإنشائية، فهي تتداخل بشكلٍ منسجمٍ يقنع عقل القارئ ويدخل قلبه في وقتٍ واحد، فإذا هو يشكّل بلغته البحثية منطقًا جديدًا مقنعًا مؤثّرًا في آنٍ واحد.

  •  قدسية الزهراء عليها السلام بين العقيدة الإسلامية والنظرة المسيحية:

مع أن الكاتب يتحدّث عن النبي والزهراء وعلي عليهم الصلاة والسلام بلغة التفخيم والتعظيم، إلا أنه يخوض مواضيعه عبر جدليات منطقية بحتة لا علاقة للفهم الإلهيّ السماويّ فيها، فهو وإن كان غير معترضٍ على نبوة محمدٍ أو إمامة علي، إلا أنه يراهما عبقريّين فذّين أكثر مما يراهما نبيًّا وإماما! فالرسول مثلًا، بحسب رأي كتّاني، “لم يجهل هذه الحقيقة (حقيقة واقع مجتمع الجزيرة)، لهذا فإنه لم يتمكّن من جمع وحداتهم إلا بفكرةٍ هبطت من فوق، فجاء الدين بالتوحيد يفعل ما لا تفعله أية قوةٍ أخرى، ولقد قال: ﴿لو أنفقتَ ما في الأرض جميعًا ما ألّفتَ بين قلوبهم﴾[13]“![14]، أما علي فالحديث عن إمامته يأخذ منحىً آخر، حيث يقول كتّاني: “إن الحكم في الجزيرة في خطة الماضي لم يكن درجةً في السلم الحضاري. إن الرسالة الجديدة هي التي نقضت الحكم في مجال تحضير مادةٍ جديدة يستقيم فيها الحكم، تلك المادة هي الوجبة الروحية التي يكتمل بها رشد الإنسان في الجزيرة، حتى يتوصّل إلى حقيقة الحكم. تلك الحقيقة كان يعرفها النبي، وكان يعرفها أشدّ الناس اختلاطًا بالنبي صلى الله عليه وآله، لهذا كان النبيّ أكثر تشديدًا على استكمال نموّ رسالته بتسليمها إلى من يدرك الكنه العميق، هنا كانت تبرز الإشارة بوضوحٍ إلى علي.”[15].

إن الشاهدين السابقين يظهران بوضوحٍ أن كتّاني يرى الرسالة فعلًا إنسانيًّا وكذلك الإمامة، ولكنه مع ذلك يصادق عليهما ويصدّقهما، كما أنه يرى أن محور الرسالة والإمامة هي الجزيرة العربية وإنسانها، لا العالم أجمع، ولذا  فهو يرى أن الشخص المناسب قد أخذ الموقع المناسب، سواءً كان النبيّ في رسالته، أو عليًّا في إمامته، وسواء كان الاختيار من قبل الله عزّ وجلّ، أو من قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فالنتيجة عنده واحدة، وإن اختلفت الوسائل…. على أن كلّ هذه النقاط المذكورة ليست بمستغربة، فالكاتب مسيحيّ، وهو لم يقرّ بنبوّة محمدٍ الإلهية، وإلا لأسلم، ولكنه على كلّ الأحوال يحاول أن يفهم ما وصله على ضوء عقيدته، فإذا هو منصفٌ لا معادٍ ولا مناهض، بل يرى الأمر بعين الصديق الصدوق…

لهذا السبب وغيره، نلاحظ أن سليمان كتّاني يطلق على محمدٍ لقب النبوة تارة، والعبقرية أخرى، والعظمة الإنسانية طورا، ويحاكم تصرّفاته كما يحاكم تصرّفات البشر العاديين غير المرسلين، ولكنه يراها بعين الاحترام والتبجيل والتقدير، وما هذه النقاط السابقة التي تمت الإشارة إليها في كتابه، إلا محاولة للوصول إلى ما بعدها، إلى كيفية تعامله مع حديثه عن فاطمة الزهراء، التي يرسم لها تلك الصورة المقدّسة المظلّلة بأطياف الطهر المغمّسة بكوثر العطاء، ولكنه في الوقت عينه لا يُظهر دور التدخّل الإلهيّ في حياتها إلا لماما… على خلاف ما يعتقده المسلمون والشيعة الإمامية تحديدًا، من تفضيل الزهراء كحوراء إنسية، وكإنسانٍة معصومةٍ ذات مميّزاتٍ لا يمكن أن ترقى إليها امرأة، ومصداق عقيدة الشيعة فيها كثيرٌ من الأحاديث الصحيحة المسندة، لا يتّسع البحث لإيرادها بتفاصيلها، لئلا يكون في ذلك خروجٌ عن موضوع البحث، لكنّ أبرزها ما جاء في زيارتها المرويّة عن الإمام الباقر عليه السلام: “السلام عليك يا ممتحنة امتحنك الذي خلقك قبل أن يخلقك فوجدك لما امتحنك به صابرة، ونحن لك أولياء مصدقون، ولكل ما أتى به أبوك ووصيه مسلّمون”[16]، فهي إذًا ممتحنةٌ قبل الخلق، ومعصومةٌ بفعل صبرها على ذاك الامتحان، وإيمان المؤمن بها مستمدٌّ من إيمانه بما جاء به أبوها وبعلها صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين…

إن الزهراء عند سليمان كتاني امرأة مقدسة، لا يجري قلمه إلا بإجلالها، ولكنّ قدسيّتها عنده ليست بالمستوى الذي تعتقده الإمامية، وذلك لاختلاف معتقده، فالقديس في عرف المسيحيين ليس معصومًا منذ ولادته، بل هو إنسانٌ عاديّ، يخطئ ويصيب، لكنه يستطيع أن يصل إلى طهارةٍ روحانيةٍ تدفعه في درب القداسة. “والقديس كلّ شخصٍ عاش الفضائل الإلهية في الإيمان والرجاء والمحبة، خلال حياته على الأرض ببطولة”[17]، والكتاب المقدّس يحوي عددًا من النصائح في هذا الجانب: {اذكروا دائمًا مرشديكم الذين علّموكم كلام الله، تأمّلوا بسيرتهم حتى  النهاية واقتدوا بإيمانهم}[18]… 

إن نظرة كتّاني إلى الزهراء عليها السلام هي هذه النظرة، وهي تفيض قدسيّةً مسيحيّة، وتتداخل في صيغتها الإنسانية بالإلهية، لينتج عنهما ملكوتية تتساوى عندها فاطمة ومريم، وتتآخيان وتتماثلان، ومن هنا نجد أن كتّاني قد أنصف فاطمة في معتقده المسيحيّ، إذ ساواها بسيدة القديسات عند المسيحيين، ولئن اختلفت نظرته وإشارته إليها عما هو معتقَدٌ عند الشيعة، فلأمرين، أولهما أنه لم يعتقد بنبوة محمدٍ وإمامة عليٍّ كاعتقاد الشيعة كما أسلفنا، ولكنه مع ذلك رآهما جديرين بما كانا عليه من عظمةٍ وتفوّق، وثانيهما أنه لم يعتقد بعصمة فاطمة، لنفس السبب، ولكنه رآها قديسةً فوق القديسات، “عديلة مريم”، لأن صفاتها أهّلتها لذلك… وها هو يناجيها بقوله: “لقد عبق خطّ وصلك ببنت عمران، يا ابنة المصطفى… فتلك مريم ما فرشت الأرض إلا من نتف الزنابق، وأنت النفحة الزهراء، ما نفت الطيب إلا من مناهل الكوثر، والخطّ خطّ الطهر والعفاف…”[19] “… وذاب حبر الوصية يا أنوق… وبقيتِ على الخطّ يا عديلة مريم”[20]. إن الكاتب يقرن الزهراء بمريم في طهرها وعفافها تارةً، وفي ثباتها على الخطّ تارةً أخرى، ثم إنه يطلق على فاطمة صفة الصدّيقة، إذ يقول: “لهفي على فاطمة!… لهفي على الصدّيقة التي رافقت أباها كما يرافق الظلّ أغصان الشجر…”[21]، والصدّيقة صيغة مبالغة مؤنّثة من الصدق، ففاطمة عليها السلام عند كتّاني قد اتّصفت بتلك الصفة لشدة صدقها وتصديقها لرسالة أبيها ونبوّته، والصفة إسلامية بامتياز، ولها معانٍ أكثر شمولًا تصل إلى تصديق الذات الإلهية “أكمل تصديقٍ حتى أوقف سبحانه رضاه على رضاها وغضبه على غضبها”[22]، ولكنّ الكاتب اقتبسها ليمعن بها في تبجيل فاطمة، ثم هو يخاطب التاريخ معاتبًا له قائلًا: “عتبًا على التاريخ! يتقبّل في فاطمة كل كلمةٍ مجنّحة، كلّ وصفٍ تتشوّق إلى مثله مخامل الورد ومعاطف النرجس، كل صفةٍ كأنها تيمّن الأرض بأنقى الشمائل… ثم يتقبّل جحودًا بها، كأنها الغفلة المرميّة والنواة المنسيّة…”[23]. إن الكاتب إذ يلوم التاريخ على هذه المفارقة الواضحة، هو في الحقيقة يلوم ماضي العرب وحاضرهم، على قبولهم في فاطمة كلّ مديحٍ وثناء يحلّق في الفضاء بجناحين، “كل كلمةٍ مجنّحة”، ومع هذا ينكصون ويجحدون فضلها حين يتعارض مع مصالحهم، فيهملون أفضليّتها وتفضيلها ليغفلوها ويظلموها ويسدروا في جهالتهم…

  • صفات الزهراء القدسية من خلال مراحلها الحياتية:

إن ما يقدّمه الكاتب من صفات التقديس للزهراء، مقرونة بالعجب من إنكار فضلها، يطلّ علينا من كلّ صفحات الكتاب، ولنا أن نلاحق صفات التقديس التي يطلقها عليها، فإذا هي تارةً تُقتبس من صفاتها الإسلامية التي نعتها بها أبوها النبي، وتارةً يتفرّد الكاتب بوصفٍ تسوقه إليه مخيلته ويواكب من خلاله ذاك الرقيّ والعنفوان الاستثنائي للزهراء فاطمة، ولنا أن نرصد تلك الصفات المتمثّلة بشكلٍ رئيسٍ في مراحل حياتها الثلاثة: ابنةً لمحمد، وزوجةً لعليّ، وأمًّا للحسنين عليهم جميعًا أفضل الصلاة والسلام… ولئن كانت الصفات المذكورة في الكتاب بمعظمها ترتكز على بنوة فاطمة للنبي صلى الله عليه وآله، إلا أن عليًّا عليه السلام يحتلّ في الكتاب مكان الصدارة إلى جانب فاطمة، أما الحسنان عليهما السلام فيتمّ ذكرهما دون تفصيل، إذ تبقى قدسية فاطمة مستمدة بالشكل الأساس من قدسية نبوة والدها النبي.

        إن الكاتب يوصّف فاطمة عليهاالسلام وصفًا يراها فيه بغيرها ويراها فيه بنفسها، فأما رؤيته لها بغيرها، فبوالدها وزوجها وولديها الحسنين، عليهم الصلاة والسلام، وأما رؤيته لها بنفسها فتلك الأوصاف التي يشرد فيها لبّه حتى يحلّق في عليين…

يقول كتّاني: “وفاطمة الزهراء إن لم تكن من أولئك الأفذاذ، فهي على الأقلّ ابنة نبيٍّ هزّ، ليس تأريخ الجزيرة وحسب، بل جذور الفكر في الإنسان، وقفز به فوق الأجيال، وهي زوجة رجلٍ، هو الآخر قطبٌ من أقطاب الفكر، وخطٌّ من خطوط الأصالة، وركنٌ من أركان الحق، وامتدادٌ لأعظم عبقريّ جدل النور في قرآن. وليس ذلك ليكفي، فهي انجذابٌ بين قطبين، عبّت من الأول كما عبّت من الثاني، فإذا نهجها في الحياة امتدادٌ لنهجٍ مرسوم… وانحصرت فيها ذرية أبيها، لتكون ذخيرةً يتوارثها كلّ جيلٍ عن جيل…”[24]. إن الملاحظ من هذا التوصيف للزهراء عليها السلام أن الكاتب يقيّم موقعها في خارطة الإنسانية أولًا، قبل أن يقيّمها كإنسانةٍ كاملةٍ ثانيًا، فهي ابنةٌ لنبيٍّ عظيم، وزوجةٌ لرجلٍ عظيم، وأمٌّ لذريةٍ من العظماء… ثم إنه يوضح أكثر فيقول: “عاشت فاطمة تحت ظلّين، ظلّ أبيها وظلّ حليلها، وعانقت ريحانتين، الحسن والحسين، ذريةً لرجلين، نبيّ وإمام…”[25].

        إن حديث الكاتب في أوصاف فاطمة المقدّسة ينمو معها، فهي طفلةً “عاشت موفورة الدلال ملوّنة العواطف مرهفة الحسّ منزّهة الشمائل، على أنوثةٍ تعهّدتها كفّ أمها بشملة الحبّ المعفّف، وعين أبيها بغمرة الحنان المطهّر، ورفقة عليّ بخفقة القلب الطهر البريء”[26]… إنه يرافق طفولتها خطوةً بخطوة، ويحاول أن يكتشف سرّ تلك القدسية وعناصر نمائها، ثم هو يتابع الوصف: “وتوالت العوامل فيما بعد على فاطمة تشحذ هذا الحسّ فتزيد رهافته، ففي الوقت الذي انقلب فيه حبها لأبيها من نطاق حبٍّ بنويّ إلى تقدير بالغ الخطورة، أصبحت لها عينٌ كالسهم، وأذن كأنها الغور، وأصبح لها قلب كأنه اللين، وفؤادٌ كأنه الوهج البعيد…”[27]… إن فهم كتّاني لهذا التطوّر الحياتيّ الذي يكتنف علاقة فاطمة عليها السلام بأبيها، يجذبه نحو محاولة فهم تلك العلاقة الاستثنائية، فيلجأ إلى لغته الإنشائية التي تستطيع أن تتعدّى حدود المألوف متى شاءت، لتتلاءم وتنسجم مع “القديسة” الموصوفة بهذه اللغة البديعة، التي تتعدّى بصفاتها حقًّا حدود المألوف…

        وفي محاولةٍ أكثر تصويبًا نحو الهدف، يستقرئ الكاتب علاقة فاطمة بأبيها في عمقٍ أكبر، فيخلص إلى القول: “لقد تحكّم العقل بهذا المعدن، فطاب الوجد فيه مع النهى كما يطيب السيف على المشحذ… لهذا انعكس أبوها في وجدانها فامتصّه عقلها، وعبّرت عنه عاطفتها، وبفضل هذا الحبّ ازدوجت لها الحالتان، فهي بنت أبيها في الوقت الذي أصبحت فيه “أم أبيها”… وتلك أول تسجيلةٍ حلوةٍ من نوعها تأخذها صفحةٌ ناعمةٌ من صفحات التاريخ.”[28]… إن تحليل كتّاني لصفة “أم أبيها” التي تتميّز بها الزهراء عليها السلام عن سائر نساء العالمين، هو تحليلٌ فريدٌ من نوعه، وتوقيعٌ تميّزت به لغته المعبّرة وأفكاره المعمّقة، التي خاضت في بحر فاطمة اللجّي، فاستخرجت درًّا ثمينًا آن أوان جلائه… لقد ربط علاقة فاطمة بأبيها إلى تمازج قوى العقل والقلب، لتكون القوة العظمى التي يمكن أن يتحلّى بها إنسان، والقدسية التي تتّصف بها امرأة، إذ جمعت في نفسها الكمال العقلي والقلبي منعكسًا عليها من أبيها، فكانت بينهما تلك العلاقة الاستثنائية الفريدة التي لا تماثلها علاقة، وكانت فاطمة بحقٍّ “أم أبيها”…

ثم إن الكاتب يصل في تتبّعه لنمو فاطمة القدسيّ إلى علاقتها بعليّ عليه السلام، فإذا هو يستقرئ في ارتباطها به متابعة الطريق التي بدأتها مع أبيها، طريق الفكر والروح، وإذا هي في حبها له “ترى في عينيه طيف أبيها وظلّ ذيّاك الجبين… هكذا أصبحت لها جلوة الرؤى وتوجيه الميول… لقد اغتسلت شرايينها في تلافيف عقلها، وانطفأت مجامر الدم في هذا الحنين.”[29]… إن الكاتب يرى في فاطمة الكبيرة امتدادًا وتكاملًا مع حياتها السابقة، فهي تزداد كمالًا مع كلّ تكاملٍ حياتيّ، وهي ترى في عليٍّ امتدادًا لأبيها، ولذا فهي تتكامل معه وتكتمل به، تمامًا كما هي في تكاملها بأبيها، ثم إنها إذ تحبّه، فهي “لن تحبّ رجلًا لأنه لحمٌ ووتر ولأنه عظمٌ وعضل، وستحبّ رجلًا يكون وشاحًا وخيالًا وفكرًا وإيحاء…”[30] إن فهم كتّاني لقدسية الزهراء وكمالها لا ينفصل عن فهمه لصفاتها المتغلغلة في عواطفها، وفكرها المندمج اندماجًا كلّيّا في أبيها وزوجها، ولذا فهو يعمد إلى الدخول في عمق ذاك الحبّ المكنون الذي راحت توزّعه بينهما، كلٌّ بحسب مقتضاه، ولكنه يندرج تحت عنوانٍ واحد، إنه الكمال متمثّلًا في إنسان…

        يزداد تتبّع كتّاني لحياة الزهراء ليرى في كلّ ما يجري عليها من صروف الحياة عاملًا يزيدها كمالا، حتى المصائب، فيقول: “كل شيءٍ في وجود فاطمة ساهم في نحت شخصيّتها، فجزّها بهذا الحسّ المرهف، ولن تكفكف يد الموت عين أمها إلا لتغلب قلبها بهالةٍ جديدةٍ من الألم وعمق التبصّر… وسيرهف حسّها إلى أقصى حدود الإرهاف بموت أبيها النبيّ، … وستصبح – مع رهافة الحسّ- رهيفة الهيكل مع كل صدمة وكل خيبة أمل تنتظرها على الدرب المضني الذي وسع لها عليه صدر أبيها الراحل… وستذوق مع مرارة اليتم مرارة الحرمان مع كلّ خطوة ستخطوها أيضًا على الدرب الذي عرضت عليه خطوات زوجها الفارس الأمين… وستهوي حافية القدمين نحيلة الخصر والقوام من فرط تلك الرهافة التي جعلتها بحقّ جلوة عصرها وسيدة نساء العالمين”[31]… إن كتّاني في هذا المقطع يبرز لنا فهمًا عميقًا حقًّا لفكرة الابتلاء، ذاك الألم الذي يصقل الإنسان ويرفعه إلى أعلى عليين، وهو بالمنظور المسيحيّ، الألم المطهّر، والمسيح نفسه في عقيدة المسيحيين تألّم ليطهّر شعبه، فهو “رجل أوجاعٍ ومختبر الحزن”[32]… إذًا فلا عجب أن يفهم الكاتب ارتقاء فاطمة الزهراء في سلّم القداسة من هذا المنظور، وأن يرى وصولها إلى ذروته نتيجة تلك الآلام العظيمة التي احتملتها حتى ارتقت عبرها إلى قمة القدسية والكمال الإنسانيّ، مشابهًا بذلك إلى حدٍّ ما، ما نُقل في زيارتها وفضلها، من اختبار الباري لها واحتمالها وصبرها قبل الخلق، “امتحنك الباري قبل أن يخلقكِ فكنتِ لما امتحنك به صابرة…”حتى بلغت ما هي فيه في عالم الدنيا من منزلةٍ رفيعةٍ لا تدانيها منازل العالمين.

ومع أن ختام الرحلة عند كتّاني كانت هي تلك العصارة، وبلوغ غاية الكمال الفاطميّ بنظره كان بلوغها ذروة الألم بموت أبيها واغتصاب حقّها وحقّ زوجها، إلا أن ذلك لا يمنعه من أن يستخلص العبرة بوقفةٍ يوضح فيها شيئًا مما خفي، ولعل ما يخفى في سيرة الصدّيقة الطاهرة وحديثها هو دائمًا أكثر مما يظهر، فيقول موضحًا قصده بتلك الرهافة التي ختم بها توصيفه السابق للكمال الفاطمي: “تلك هي الرهافة في الصدّيقة الزهراء التي جعلتها ابنة نبيّ أكثر مما جعلتها ابنة عبقريّ، تلك هي القِبلة المفتوحة على بواكير الصفاء، تخصّ رفيقة الرجل العظيم الذي شرّع حسامين دفاعًا عن حقٍّ توطّدت ركائزه على صلابة ساعده ومتانة منكبيه، كما تركّزت على متانة عقله وصفاوة وجدانه… وتلك هي البتول المحصّنة بحبّ أبيها، حبٌّ ذابت فيه كما تذوب الشموع على مدارج الهياكل، لتكون أطهر أمٍّ عرفتها الأجيال”[33]… إن خلاصة قول الكاتب في قداسة الزهراء، ترتكز على توصيفها بأنها أولًا “ابنة نبيّ أكثر مما هي ابنة عبقريّ”، والكاتب هنا يتأرجح في حيرةٍ بين توصيف النبي بالعبقرية أو بالنبوة، فالحقّ يفرض نفسه في النهاية، وثانيًا هي “قِبلةٌ مفتوحة على بواكير الصفاء”، مع ما للقِبلة من معاني التقديس والاقتداء، وثالثًا هي رفيقة الرجل العظيم المدافع عن الحقّ بفكره ووجدانه، ورابعًا هي البتول المحصّنة بحبّ أبيها، ذاك الحبّ الذي ذوّبها تضحيةً وفناءً في الحقّ ليستضيء الآخرون، كما الشموع على مدارج الهياكل، والصورة هنا مسيحيةٌ بامتياز، وخامسًا هي أطهر أمٍّ عرفتها الأجيال، ولعله بذلك يرفعها درجةً فوق مريم العذراء، مع أنه كان قد جعلها وإياها في موقعٍ سواء…

        إن كتّاني في كتابه لم يستطع وهو يخوض بحث قداسة الزهراء في طيات كتابه، مع توصيفها بصفاتها المجتباة، إلا أن يقرن محمّدًا بعيسى، فيقول: “إن خلود عيسى ومحمد مدينٌ لتلك العبقرية المتصلّبة بمعدن الحق”[34]، وأن يقرن فاطمة بمريم في شتى الصفات التي أوردنا شواهدها سابقًا، ثم في صفةٍ أخيرة، هي ولادتهما لأعاظم البشرية، فإذا هو يقول: ” وهذه رحمٌ ما كانت بطانتها من لحمٍ ودم! لقد شقّت من قبل رحمٌ مثلها عن ولادةٍ جاءت رحمًا لسموّ الإنسان، تلك مريم واضعةً في حضنها ذلك الذي احتضن الأرض والسماء، وهذه فاطمة تتفتّق خاصرتها عن سلالةٍ هي ديمومة النبوة في خطّها الصاعد مع الأجيال… وما كان الحسن والحسين إلا بداية تلك السلسلة المؤتمّة…”[35]… إن الكاتب يرصد منتهى الكمال في حقيقة الأمومة، ويطلّ على ذلك التتويج الإلهيّ لمريم وفاطمة، وإذا ديمومة النبوة تنبع من أم الأئمة النجباء، تلك المقدّسة القدّيسة التي ولدت الحسن والحسين عليهما السلام، فكانت بهما منطلقًا لاستمرارية الرسالة والإمامة الهادفة إلى ارتقاء الأجيال البشرية.

        إن كتّاني في ختام كتابه يصل إلى حقيقةٍ تاريخيّةٍ ومنطقيّة لا تُنكر، فالتاريخ هو الشاهد عليها دون غيره، وما تلك إلا حقيقة أن فاطمة عليها السلام تزداد قدسيتها مع الأجيال، وهي لا تزداد بعد نقصٍ بل بعد اكتمال، ولكن رؤية الناس لها تغدو أوضح وأبهى، واكتشافهم لمعدنها يصبح أكثر وعيًا ورشادا… ويلخّص الكاتب تلك الفكرة المبهرة بقوله: ” هكذا اصبحت (فاطمة) مع التاريخ إطلالة شوقٍ وقدسية إطلاب، وكلما جار عليها الاضطهاد زاد بروز اسمها لمعانا”[36]… أما السبب وراء هذه الحقيقة الغريبة التي تناقض منطق علم الاجتماع الإنسانيّ، الذي ينظر إلى الإنسان كوجودٍ يتناقص ذكره كلما تباعد الزمان عنه، فلعلها بحسب فهمنا القاصر عن إدراك ذاك المطلب الكامل، مظلوميتها العظيمة التي توازنت مع قدسيتها، حتى غدت الأقدس والأكثر مظلوميةً بين نساء العالمين، وبما أن المظلوم لا يسكت عن حقّه، وتلك قاعدةٌ من قواعد الإيمان الإيجابيّ الذي لا يعترف بالاستسلام والانهزام في مواجهة الباطل، فقد كان جديرًا بالمظلومة الكبرى أن تقوم وتثور في وجه ظالميها، وأن تقول كلمتها الفصل، لا لبني قومها فحسب، بل للتاريخ وللعالم أجمع، ماضيًا وحاضرًا ومستقبلا، ومن هنا ننتقل إلى المبحث الثاني من هذه الدراسة، حيث سنحاول أن نتبيّن كيفية بروز الصورة الثورية لتلك القديسة العظمى، التي رسمها ذاك الكاتب المسيحيّ الذي أراد أن يلج عالمها الزاخر بالقداسة والبطولة والبهاء، فقدّمها لنا بخطوطٍ وتفاصيل واضحة، بذل جهدًا مضاعفًا في فهمها واستقصائها.

المبحث الثاني: ثورية فاطمة الزهراء (ع)، بين المظلومية والحقّانية:

  • بطولة فاطمة عليها السلام:

إن من الملفت حقًّا أن نرى سليمان كتّاني في كتابه “فاطمة الزهراء وترٌ في غمد”، يصف الزهراء “القدّيسة” بـ”البطولة”، فالكلمتان تتباعدان للوهلة الأولى منطقًا وفكرا؛ أولاهما تعبّر عن روحانيّةٍ فيّاضةٍ تزخر بالمكرمات، والثانية تغلب عليها صفة القوة والغلبة، ولكنّ كتّاني يستخدم الكلمات بمعانٍ منفتحة، كما لاحظنا في شواهد سابقة، وهو يوضح استخدامه لها ويقنع القارئ بها، فنجده يرسم البطولة التي ينعت بها الزهراء عليها السلام بصورةٍ استثنائية، فيقول: “أيّ فرقٍ كان بين البطولة التي تجلّى بها عليّ بن أبي طالب في دفاعه عن الرسالة، وبين البطولة التي تجلّت بها فاطمة في دفاعها عن الحقّ أمام الخليفة؟! لعمري إنها بطولةٌ من معدنٍ واحد، الفرق في أن عليًّا كان بمكنته أن يعبّر عن هذه البطولة بسلاحين في وقتٍ واحد: العقل والحسام، إن الحسام ما كان لفاطمة النحيلة”[37]… بلى، إنها بطولة العقل والمنطق التي اشترك فيها عليّ وفاطمة، وزاد عليها عليّ بالقوة الماديّة، كذا رأى كتّاني بطولة فاطمة، إذ نسبها إلى معدن بطولة عليّ، بطل بدرٍ وأحدٍ وخيبر والأحزاب، وكلّ موقعةٍ طهّر فيها الأرض من رجس الأصنام والأوثان، وأوضح أكثر فقال: “… كلّ قوةٍ في البدن مهما بلغ شأوها ليست لها قيمةٌ في الحساب إلا بين الكسور، أما القيمة العقلية فتلك التي تعمل من ورائها كما تعمل القيادة الحكيمة من خلف الحصون… ولما كان علي بن أبي طالبٍ متين الساعد لو أن العقل كان يهرب منه، ولما كانت لأية آيةٍ من آيات القرآن الشريف سطوة الانطلاق والانفتاح لو أنها ما تسلّحت بنور المعرفة وبهاء الحقّ.”[38]. لقد أسهب كتّاني في وصف بطولة العقل ودورها في حياة الشعوب، والعدل في الملك، والعدالة الاجتماعية، ليصل في النهاية إلى الاستنتاج الأخير الذي ربطه ببطولة فاطمة؛ لقد عاد إلى موضوع “الخليفة” ليصدر حكمه: “لو أن الخلفاء في الإسلام مشوا على النهج المرسوم نظافةً وحقًّا وتقىً وعدالة، فأغلب الظنّ أنهم ما كانوا توصّلوا إلى أية خيبةٍ من خيباتهم الكثيرة.”[39]… إنها زبدة الفكرة، ففاطمة البطلة التي واجهت بقوة عقلها ومنطقها ظلمًا غاشمًا بحقّها، ممّن يدّعي تطبيق العدل، هي نفسها فاطمة القديسة التي تطهّرت من الرجس وغدت صنوًا لمريم العذراء بل أرفع منها بدرجة، كما توصّلنا في المبحث السابق… وأمّا إطلاق لفظ “البطولة” تحديدًا على تلك المواجهة العسيرة، فهو يمتّ بصلةٍ إلى تعريف “القديس” الذي أوردناه في المبحث السابق:  “والقديس كلّ شخصٍ عاش الفضائل الإلهية في الإيمان والرجاء والمحبة، خلال حياته على الأرض ببطولة”[40]… وبطولة فاطمة المشهودة، كانت نابعةً من شجاعتها وقدرتها على التصدّي رغم كلّ العوائق التي واجهتها، بدءًا بالاستهانة بحقّها والتعدّي على حرمتها وحرمة دارها، وهي من هي من نبي الرحمة، ووصولًا إلى غصب حقّ زوجها في الخلافة وحقّها في إرثها…

  • حادثة الدار:

إن كتّاني قد لاحق حياة فاطمة الزهراء عليها السلام، وتتبّعها ورصد مواطئ قدميها بدقةٍ وتأنٍّ، ليقرأ في آثارها وأسرارها وصدى أخبارها كلّ قديمٍ تليد وحادثٍ جديد، وتعرّف على قدسيّتها عن كثب، رغم أنه لم يعتقد بأنها عصمةٌ تكوينية، ثم انكفأ يتعرّف على تلك القوة الخفيّة الكامنة خلف صمتها ونحولها، والتي تفجّرت حينما دعاها داعي العقل لتفعل، فكشفت عن بطولتها الفريدة… ولكنّ الملاحظ أنه لم يأتِ على ذكر حادثة الدار، بل اقتصر حديثه عن مظلوميتها على أمرين: غصب الخلافة، وغصب فدك، وقد رأى في هذين الأمرين قمةً سحيقةً من قمم الغبن بحقّ الزهراء، ولعمري لو أن قصة التعدّي على الدار كانت داخلةً في صلب الموضوع الذي عالجه الكتاب، لغدت الزهراء عنده مسيحًا صلبته أيدي اليهود على جلجلة البيت الذي أذهب الله الرجس عن أهله وطهّرهم تطهيرا!

إن كتّاني لم يتطرّق إلى ذكر ما جرى على فاطمة من أهوال، ربما لاختلاف القول بين أهل العامة فيها، ومعظم مصادره من كتبهم، وربما لأنه لم يرد أن يدخل في متاهة الخلاف التاريخي، فاقتصر على ما هو متّفقٌ عليه بين كلّ الفرق، وكان له فيه كفاية، ليكتشف المعالم المكنونة في شخصية الصدّيقة الكبرى عليها السلام، ويلقي الضوء على مظلوميّتها العظيمة، ومواجهتها البطولية العظيمة، وخطابها التاريخيّ العظيم، واكتفى بتحليل هجوم عمر على بيت عليٍّ تحليلًا لا يختلف عن غصب فدك من فاطمة، وتحليل دمعة أبي بكرٍ التي ذرفها بين يدي فاطمة، حينما أراد أن يعتذر إليها عما بدر منه فرفضت اعتذاره لأنها لقلقة كلامٍ لا تقترن بفعل: “إن التحسّب سيعصر دمعةً من عين الخليفة أمام فاطمة وهو يواسيها معتذرًا إليها، وسيظنها البعض دمعةً فيها رأفة وفيها ندم، ولكنها بالحقيقة دمعة فيها خوفٌ من شيءٍ مرتقب… ولن تكون تهجّمات عمر بن الخطاب على بيت علي دليل خشونةٍ في طباعه، أكثر مما هي استكمالٌ لمخطّط إضعاف الخصم وطرحه في سلة العزلة…”[41]… لقد وعى الكاتب حقائق الأمور، وحلّلها بعين الخبير فلم ينجرف وراء تبريرات المؤرخين الواهية، والتزم بما يمليه العقل والضمير، والمنطق السليم، فأقرّ بأن دمعة أبي بكرٍ كانت ترقّبًا لمستقبلٍ أسود له وللأمة بعد ما جنته يداه، وتهجّم عمرٍ كان تخطيطًا مسبقًا لإضعاف خصمه صاحب الحق الأصيل في الخلافة، لا مجرّد طبعٍ عنيف…

على أن كتّاني يكتفي بهذا القدر من الإشارة إلى الموضوع، ثم هو يشرع في خوض تلك المعمعة الضروس، معمعة مواجهة الزهراء ومطالبتها بحقّها المهتضم، فيطلّ على ذلك الموقف المشهود الذي وقفته عليها السلام أمام الخليفة الأول، ويبدأ بتشريح الدقائق والثواني ومخاطبتها ومناقشتها، عساه يبلغ المأمول: “أي شيءٍ نفر بفاطمة إلى ساحة المسجد؟! من قال: إن البطولات وقفٌ على الرجال؟! من قال: إن النفوس الكبيرة تعيش بغير شموخ؟! من قال إن الشعور بالحقّ يرضى بالمهانة؟!”[42]… لقد راح يصوّب أسئلته في عين الزمن، ويهزّ نخلته لتساقط عليه رطبًا جنيّا، ولم يخب فأله، فالجواب كان يكمن في ثنايا السؤال، والحكاية كانت تكبر، وفاطمة تسعى إلى ساحة المسجد لتعيد الحقّ إلى نصابه، فهي بنت أبيها وأم أبيها، بطلةٌ شامخةٌ وصاحبة حقٍّ لا يُنكر، وهي العزيزة التي لا ترضى بالمهانة!

  •  بين قدسية فاطمة عليها السلام ومظلوميتها:

يربط كتّاني في كتابه ربطًا عميقًا بين قدسية فاطمة عليها السلام ومظلوميّتها، لا عند من أحبّها بل عند من ظلمها، لا كسببٍ ونتيجة، بل كفهمٍ وتطبيقٍ من قبل المناهضين لها، فإذا هو يقرأ اجتماع السقيفة بعينٍ واعية، ويحكم عليه بقوله: “إن الاجتماع الذي حصل في السقيفة- وجثمان النبيّ لا يزال فاترًا- كان أكبر دليلٍ على اليقظة السريعة للميول المكبوتة المجمّدة تحت ضغط الهالة القدسية التي كانت تشعّ من جبين المسجّى الصامت الذي كان على قيد الحياة منذ ساعة، لقد وجدت تلك الميول في هذه اللحظة التاريخية الواجمة متنفّسًا لها، فعبّرت عن روحٍ قبليّةٍ جاهليّةٍ لم تتمكّن حتى الرسالة من وأدها.”[43]. لقد قرأ الكاتب ما بين السطور، واستشعر الجاهلية القبلية التي تجلّت في مخالفة الرسول و”التلاعب بالمقدّسات” حالما غابت هالته القدسية عن عيونهم الغافلة… وتناسوا أن تلك القدسية تتجلّى في بضعته، وأنها لم تزل فيهم بنفسها وزوجها وأولادها، ووصيّته التي أعلنها فيهم مرارًا وتكرارا… لقد غفلوا عن قدسية فاطمة لأن قدسية محمدٍ ماتت في نفوسهم، وحلّت محلّها عصبيّاتهم القبلية التي كانت دفينة أحقادهم، لم يئدها الإسلام مع أنه حاول جاهدًا، بل هي التي هبّت نحوه لتحاول وأده، وتمثّلَ كلّ ذاك الانزياح الفكري والعقائديّ المصيريّ في مظلوميّة فاطمة… ولذا فقد ثارت فاطمة…

هنا يقف الكاتب ليقيّم ثورية فاطمة، ويفهم مغزاها ومعناها وما يختفي وراءها… ويتابع القراءة المعمّقة: “لا عليّ ولا فاطمة كانا مقتنعين بنجاحهما باسترجاع فدك، ولم يكن تصرّف فاطمة بالإقدام والمطالبة… عن اقتناعٍ بأن حقوقها بالإرث ستعود إليها… ولم يكن ذلك أيضًا دليلًا على تفتيش البيت عن موردٍ يؤمن له الثروة والترفيه، فالبيت هذا ألف القناعة في العيش…”[44]… لقد فهم الكاتب حقيقة الأمر، فهو يعلم أن القديسين لا يحفلون بمتاع الدنيا، إذًا فالمطالبة ليست من الدنيا في شيء، إن لها هدفًا آخر، وليس بيت فاطمة وعلي بالذي يسعى لرفاهية العيش ويحارب لأجل لقمةٍ زائدة، فالزهد كان ديدنها، ولكن الإشارة واضحة: “هذه هي حقيقة البيت الذي يطالب بفدك، يطالب بها، لا ليزيد لنفسه ثروة، بل ليزيد من متانة الإسلام، ليزيد من أعمال البرّ وتفريق الحسنات على كلّ هؤلاء الذين يعيشون في الجزيرة على المجاعات، وأشدّها مجاعة الفكر ومجاعة الروح”[45]… إن فدكًا كانت وسيلةً لبلوغ الأهداف، المعنوية لا المادية، وكانت ضمانًا لاستمرارية الإمامة بعد الرسالة، لتغني روح الإنسان وفكره، وكان السكوت عنها سكوتًا عن كلّ ما يليها، فلقد تجرّأ القوم على مخالفة الأمر الإلهيّ، وهم من بعد ذلك سيتجرّأون، وسيصلون ببغيهم إلى ما هم إليه واصلون… ولقد شهد التاريخ ما فعلوه بعد حين… ونفهم أيضا: أن فاطمة عليها السلام “هبّت تطالب بالإرث لا لتحصل على الإرث، بل لترهف حسًّا جماعيًّا لا يزال يهجع في الذل ويرضى بالاستكانة…”[46]!

إن قراءة الحدث الفدكيّ من خلال شخصية فاطمة عليها السلام كان مسيطرًا على بناء النصّ ولغته المتماسكة، والجوّ كلّه كان جوّ تلك القدّيسة التي لا تثور لنفسها ولا لشيءٍ من عرض الحياة الدنيا، بل لتكون عضدًا لرسالة أبيها كما كانت دائما، فوحدها فاطمة ووحدهم عليّ والحسن والحسين، صلوات الله عليهم أجمعين، وووحدهم ثلةٌ قليلةٌ من الأصحاب، لم ينكفئوا إلى الجاهلية الجهلاء وثبتوا على الإيمان واليقين، ولكنهم لم يكونوا بمعرض التصدّي المباشر للسيل الزاحف نحو قيم الإسلام الحقّة، يريد أن يدمّرها ويجعلها أثرًا بعد عين، إذ أنهم هم أنفسهم كانوا مهدّدين بخطر الإزالة، وبإزالتهم سيُزال الدين، فإن من تجرّأ على مخالفة الوصية ومعارضة النصّ الصريح برأيه الجاهليّ الناقص، “كرهت قريش أن تجتمع النبوة والخلافة في بني هاشم”[47]، ومن استهان بحرمة البيت الذي أذهب الله عنه الرجس وطهّره تطهيرا، لن يكون صعبًا عليه أن يجرف في طريقه كلّ من يعترض طريقه، ولم يكن بمقدور أحدٍ أن يقف أمامه، خلا فاطمة! تلك كانت بطولتها، لا لأن عليًّا عليه السلام كان عاجزًا عن الثورة في وجه الظلم كثورتها، بل لأن البقية الباقية من نبوة أبيها صلى الله عليه وآله وسلم كانت تتجسّد فيها هي بالذات، كما عجز المنكرون أن ينكروا، وبما أنها امرأة، فلن يدّعي المدّعون أنها تسعى خلف حكمٍ أو سلطان،  ومع أنهم تعرّضوا لها بالإساءة والأذى في بيتها، إلا أنهم لم يكونوا يستطيعون ذلك علانية، على مسمعٍ ومرأى من الجمع الغفير الذي اجتمع في المسجد، ولذا فقد توفّر لفاطمة ما لم يتوفّر لسواها، فبادرت لتقوم بدورها وخطت خطوتها بشجاعتها الاستثنائية، ووقفت وقفتها المشهودة وخطبت فيهم خطبتها الخالدة… لقد أخذت فاطمة على عاتقها همّ النطق بكلمة الحقّ التي أراد الجاهلون أن يطمسوها، وكانت فدك هي الباب الذي ولجت منه لإعلان تلك الكلمة، ففي فدك تمثّلت كلّ معاني الثورة…

  •  حقيقة الخلافة:

هنا يبرز لنا فهم كتّاني لحقيقة فدك، ولحقيقة اغتصاب الخلافة، ولحقيقة استغلال الإسلام للوصول إلى الخلافة، لا استثمار الخلافة للوصول إلى الإسلام واستكمال رسالته، كما كان عليٌّ والنبيّ من قبله يبغيان… فيقول كتّاني في علاقة الرسالة بمغتصبي الخلافة: “ها هي الرسالة أخذوها للاستعمال ولم يأخذوها للاكتمال، أخذوها أداةً ولم يأخذوها صفوة أناة!”[48] وفي محاولة لتحليل أسباب ذاك الاغتصاب لحقّ الخلافة، وتمييزها عن الحكم، يقول في موضع آخر متسائلًا ومجيبًا في الوقت عينه: “كيف تُبحث قضية الخلافة بأمانةٍ وإخلاصٍ إن لم يتحرّر الباحث من الهوى؟! ولكن الذي تزاحموا على كرسي الحكم ما ساقهم إليه إلا الهوى! كان كرسي الخلافة بين أن يكون متينًا وبين أن ينهار رهنًا بحروف اسمه، إما أن يكون خلافة أو أن يكون حكمًا، والخلافة كانت استكمال خطٍّ واستمرار نهج، والحكم كان لونًا سياسيًّا وصوليًّا.”[49] لقد قالها الكاتب بوضوحٍ ودون مواربة، أن الحكم بعد النبيّ لم يكن خلافة، بل سياسةً وانتهازًا ووصولية، وقد أدرك عليٌّ وفاطمة عليهما السلام ذلك منذ اللحظة الأولى، ولم يكن اعتراض فاطمة على سلب حقّها إلا لإظهار هذه الحقيقة، حقيقة معنى الحكم، “تلك الحقيقة التي كان يعرفها النبي، وكان يعرفها أشدّ الناس اختلاطًا بالنبيّ صلى الله عليه وآله، لهذا كان النبي أكثر تشديدًا على استكمال نموّ رسالته بتسليمها إلى الذي يدرك الكنه العميق… كان المقصود بإسناد الخلافة إلى علي خلافةً بالمعنى الصحيح، أكثر منها حكمًا مؤقّتًا، خلافةً لرسالة تتمّ تحضير الوجبة الكبيرة ليأكل منها كل الذين هم بحاجةٍ إلى اكتمال الرشد.”[50]… لقد فهم كتّاني وتعمّق في فهمه، بل هو امتدّ بفهمه ذاك طولًا وعرضًا وارتفاعا، فبلغ به مشارف المستقبل، ولم يكتف بحدود الفعل الآنيّ، بل مضى معه إلى مسلسل الغصب الأمويّ والعباسيّ، وكل حكمٍ جاء بعد النبيّ، خلا تلك السنوات القليلة التي حكم فيها عليّ عليه السلام، فكانت كالنجمة في ليلٍ لجيّ، لا يزال يستضيء بشعاعها حتى اليوم كلّ ذي عقلٍ ولبّ وحصافة… ويتابع كتّاني كشفه: “إن الخلافة يكون مجورًا عليها إذا حمّلت جريرة عدة أجيال، ولكنها كانت مسؤولةً كخلافة لرسالة سوف تتخطى المكان والزمان عن مدّ نظرها إلى مثل تلك الأبعاد، وهي مسؤولةٌ على الأقلّ عن تثبيت قدم العدالة التي ما تزال قريبةً من منابعها.”[51]… بلى، وبما أن أهل السقيفة لم يراعوا العدالة حتى مع بنت نبيّهم، فقد تحمّلوا وزر ما فعلوه وما فعله اللاحقون إلى يوم القيامة.

  • الخطبة الفدكية:

إنه لمن الطبيعيّ أن تحتلّ الخطبة الفدكيّة موقعًا مهمًّا في كتاب كتّاني، فهي مفصلٌ رئيسٌ في حياة الزهراء عليها السلام، بل من حياة “الجزيرة” بحسب تعبير كتّاني، ومن حياة الأمة بأجمعها، ولكنه بدل أن يوردها كاملة، ثم يعمد إلى تحليلها، راح يرصد معانيها وخلفيّاتها بما يفي بالغرض، فيكشف عن جوهرٍ هنا وفكرٍ هناك، ويجمع الثمار ليحصد خير الجنى، وذاك طبيعيٌّ أيضًا بحسب بناء الكتاب المضمونيّ واللغويّ، فهو خارجٌ عن المألوف، وهو لا يعتني بتحليل الكلمات بحرفيّتها، بل بمضمونها ودوافعها وظروفها وامتداداتها، وهو يقرأ التاريخ بعين الشاهد الناقد، كما يقرؤه بعين العاشق الزاهد، ويخرج من تلك القراءة بقلبٍ وفكرٍ منفتحين على الحقيقة التي يراها تحت ضوء معتقده، فلا يتنكّر لما هو عليه، كما لا يتنكّر لتلك الحقيقة!

ينبري كتّاني ليدخل ساحة المسجد ويستمع لخطاب فاطمة عليها السلام، فينظر يمنةً ويسرة، ويقيّم الواقع ويصدر الحكم: “إن الذين كانوا أقلّ الناس فهمًا لخطاب فاطمة هم بالذات أولئك الذين كانوا حاضرين في باحة المسجد يصغون… ولم يكن الخطاب موجّهًا إلى شرذمة من الناس، فهو ما أخذ من المسجد قاعدةً له إلا لتكون له رنّة الأذان. لذلك كان الخطاب في المسجد أبعد بكثيرٍ من جدران المسجد”… لقد وعى كتّاني تلك الحقيقة، أن فاطمة في خطبتها لم تكن تخاطب أولئك المجتمعين تحت منبر أبيها الذي اغتصبه أصحاب السقيفة، تقصر يدهم عن نصرتها ويسكتون على مظلوميتها، وتقصر عيونهم فيغضّون البصر عن حقّها عاجزين عن اتخاذ القرار بالمعارضة… كانت فاطمة تعلم أنها تسجّل للتاريخ وللمستقبل الآتي، ولا تسجّل لهؤلاء… “أما أولئك الذين سمعوها فإنهم لم يسمعوها إلا من خلال فدك، من خلال إرثٍ فقط تطالب به. إنه فيما بعد، في كل سنةٍ بعد سنة، في كل جيلٍ بعد جيل، أصبح السماع إليها من خلال القضية. هكذا كان يعمق مع الوقت سمع الخطاب… ما تضاءلت قضية فدك، ولكن أصبحت من خلالها وترًا في غمد.”[52]. لقد قيّم كتّاني حقيقة المستمعين، بدءًا من الحاضرين في المسجد إلى الحاضرين في المدى المستقبل، ثم انكفأ يخوض في تفاصيل الخطاب، ليستدرك محتواه وبيانه ومضمونه العميق، ولينظر في سطوره وما خلفها وما بينها، وليسأل السؤال التاريخيّ المصيريّ: “هل كانت المطالبة بفدك غير المطالبة بالخلافة للإمام علي؟ وهل أن اقتطاع فدك من يد فاطمة هو غير قطع المدد عن المطالبين بالخلافة؟”[53]. إنه الكشف عن حقيقة تلك المطالبة، ووضعها في إطارها الصحيح، لا محاولة تحجيمها بأرضٍ وإرثٍ ماديٍّ تصرّ على تحصيله بنت النبيّ… إن المطالبة بفدك كانت هي الثورة، والإصرار كان هو الثورة، ولذا فقد تضمّن الخطاب ما هو أكثر من الأرض بكثير، وليست تلك الأرض إلا سبيلًا لوضع الأمور في نصابها الصحيح…

وأكثر من ذلك، لقد تساءل كتّاني وألحّ في السؤال، ثمّ أجاب فأبلغ في الجواب: “لقد كانت تعلم فاطمة تمام العلم أن المطالبة بفدك لن تعيد إليها الأرض، ولم تكن لتطلب أرضًا فيها نخيل، إنها كانت تطالب بإرثٍ آخر، فيه عزة النفس، وفيه أصالة الحقّ، فيه عنفوان الرسالة، فيه امتداد أبيها…”[54]. بلى، فخطاب فاطمة ظاهره المطالبة بالإرث، أما باطنه وفحواه فهو كشفٌ للتاريخ ليعلم أبعاد الجريمة، وليدرك أيّ خرقٍ فادحٍ للإسلام قام به هؤلاء، وليعلم القادمون أين يكمن الحقّ، فلا يغترّون ولا يُضلَّلون، ولئن اغترّوا وضلّوا فمفتاح الهداية موجود، وليس عليهم إلا أن يصغوا ويتدبّروا، ليفهموا المقصود… “إن صوتها وهي تلقي خطابها لم يسمعه إلا نفرٌ قليل… إن ما سُمع من خطابها ليس كلامها المنطوق فحسب… إن ما دوّنه التاريخ من ذلك الخطاب هو المعنى، هو الفكر، هو التمرّد على كلّ ما هو ظلمٌ وجور…”[55]… هنا تبرز ثورية فاطمة، التي لم تخطب فقط، بل تمرّدت على الظلم، وكشفت وجه الحقيقة للجاهل والعارف، وألقت الحجة ولم تصمت عن البيان، وتوسّلت كلّ السبل لتدمغ الباطل بالحق، “ولقد طالبت بالإرث، مثبتةً أن لها حقًّا فيه كما لكلّ البنين من وراء آبائهم، ولقد ندّدت بالحاكم، قالت له: إنه مغتصب، ولقد ندّدت أيضًا بالمهاجرين والأنصار، لقد انفجرت نقمتها على كلّ هؤلاء الذين هم أشباه الرجال في تخلّفهم عن رؤية الحقّ ونصرته، ولقد غمزت بتنبّؤاتها بما ينتظر الظالمين الكافرين…”[56]… إن قراءة الكاتب في الخطبة كانت ترتكز على باطن الخطبة لا على ظاهرها فحسب، ولذا فقد راح يناقش ما جاء فيها ويربطه بما كان وما هو كائن، وبشخصية الزهراء نفسها، وراح يرصد فيه بيانات صفاتها الاستثنائية، التي جعلت من ثورتها امتدادًا لحياتها وخلودًا لكلماتها: “هل جاء الخطاب عميقًا؟ ليس العمق على فاطمة بكثير… وهل جاء الخطاب متينًا بليغًا؟ ولا بدع، فهي زوجة ذاك الذي كان ربّ البلاغة والبيان… وهل جاء الخطاب قويًّا عنيفا؟ لا غرابة في ذلك… إن لم تكن فاطمة الزهراء هي التي نطقت بخطابها الشامخ أمام الخليفة، فمن هو الذي يكون أولى به منها؟”[57]… لقد تجلّت صفات فاطمة في كلّ ما قالته وفعلته من قبل، وحريٌّ بها أن تتجلّى ها هنا، في هذا الخطاب الذي كان زبدة مآثرها وخلاصة مهجتها، فقد وقفت كما لم تقف قطّ، وحاورت وناقشت كما لم تفعل قطّ، فهي تواجه اليوم ما لم تواجهه قطّ، وإن عليها مسؤولية كشف النقاب عن وجوه النفاق، وهو ما لا يستطيعه سواها، للظروف المذكورة سابقا… وكانت تلك الخطبة الكاملة عميقةً كعمقها، متينةً بليغةً كمتانة إيمانها وبلاغة لسانها، قويّةً كقوة برهانها وعنيفةً كعنف مواجهتها للباطل، لا تأخذها في الحقّ لومة لائم… وكانت كلّ تلك الصفات خلاصة ثوريّتها الفريدة التي نتجت عن مظلوميّتها الاستثنائية، وكانت ثورتها مثال العمق والمتانة والبلاغة والقوة، والعنف أيضا، لا بمعناه الدمويّ، ففاطمة لم تُرِقْ بكلماتها محجمة دم، بل بعنف النور حين يقهر الظلام بسطوعه النفّاذ…

أما الكلمة عمومًا وكلمة فاطمة خصوصًا، فلها عند كتّاني مغزىً آخر: “إن الكلمة ليست غير قالب تعبيرٍ عن فكر، أو أداة تلميحٍ عن روح، إن الكلمة أوهى بكثيرٍ وكثيرٍ من أن تضبط لون الخيال ضاربًا في آفاق غير محدودة… إن خطاب فاطمة بكلماته القليلة لم يكن على كلّ حالٍ كثيرًا عليها، فهو بالنسبة قليلٌ وضئيل، أكان تعبيرًا عن ألمها بفقدان أبيها، أم كان احتجاجًا عن حرمانها من إرثها… إن العظيم منه والجليل هو الذي كان يتوارى خلف الحروف…”[58]… لقد أبرز كتّاني ما فهمه من تلك الكلمات، وترك فضاء الفهم مفتوحًا لكل التأويلات، ولكن المنطق يقود العقل إلى صحة التأويل، ومن كان العقل دليله اكتفى بذاك الدليل، وهذا ما قاد الكاتب إلى فهمه الحرّ لذلك الحدث الجليل…

د- حقيقة فدك:

يبقى لنا بعدما خضنا بعض غمار الخطبة الفدكية ودلالاتها مع سليمان كتّاني، أن نقيّم فحواها كما رآها، بل أن نحاول معرفة فهمه لمعنى فدك…

إن الكاتب يطرح جملةً تعجّبيّةً تبوح بكلّ ما يحتويه من فهمٍ وحسرةٍ على ضيق أفق من يحاول تضييق ذاك الفهم، ويذيّلها باعترافٍ يكاد من خلاله أن يعلن قناعته الفعلية برسالة الإسلام السماوية: “ما أضيق فدك إرثًا لفاطمة! لن تكون قريةً في الحجاز… حدود إرثٍ لتلك التي وعدها أبوها بكلّ ميراثه. وميراث محمد في أية خريطة من الخرائط تنزّلت له الحدود؟… إنه رسول الله، ذلك الذي هو قبل الحدود وبعد الحدود، قبل الزمان وبعد الزمان.”[59]… يكاد القارئ يجزم من خلال هذه الكلمات بأن الكاتب مسلم، أو هو على الأقلّ يؤمن بالإسلام إلى جانب مسيحيّته، مع أنه لم يكن يبدو كذلك في كثيرٍ من نواحي الكتاب، رغم اعتداله، ولعل ذلك لأنه رأى الحقيقة بعين اليقين، ولئن حاولنا أن نفهم رؤيته كمسيحيٍّ لسيدة نساء العالمين، فها نحن نراه ينجرف في سياقٍ آخر، فقد أقرّ بما أقرّ به، لأن التسلسل المنطقيّ يحتم هذه النتيجة، وقد نطق بها سواءً شعر واعتقد بها أم لم يعتقد ولم يشعر… وها هو يتغلغل في فكرته ليحيط بها من كلّ جوانبها فيقول: ” إن أولئك الذين كانوا يطلبون الخلافة، قد ضيّعوا لمّا وضعوا لها حدودا… وما كانت خلافة محمدٍ إلا نظرة متطاولةً إلى أبعاد، مع التراب وعبر التراب، مع الأثير وعبر الأثير، مع الإنسان وعبر وجود الإنسان… وما كان فدكًا أو واحةً في فدك إلا ليكون جنةً أو كوثرًا في الجنان!”[60] إنها قراءة واعيةٌ مدركةٌ عميقةٌ لأبعاد فدك وما تعنيه وما ترمز إليه، وهو لا يكتفي بها بل ينظر نظرةً تشمل المكان والزمان، ماضيًا وحاضرًا ومستقبلا، فيراها بمنظارٍ أوسع، مستشهدًا بقول الإمام موسى بن جعفرٍ الكاظم عليه السلام في حدود فدك: “الحدّ الأول عدن، والحدّ الثاني سمرقند، والحدّ الثالث أفريقيا، والحدّ الرابع سيف البحر مما يلي الخزر وأرمينيا”[61]… “وحدود فدك لعمري هي فدك وما بعد فدك، وهي كلّ غور، وبعد كلّ مرئيّ، وبعد كلّ ملموسٍ ومحسوس، وبعد كلّ حاضر وبعد كلّ آت!”[62]… إنها الأرض وما عليها، وليست إرثًا من ماءٍ وتراب، بل هي ما من أجله خلق الماء والتراب…

لقد توسّعت حدود فدك عند كتّاني لتشمل كلّ حقٍّ إلهيٍّ فرّط فيه الطامعون المعتدون، فإذا هو يربطها بنفوذ اليهود في الجزيرة، ومعلومٌ أن فدك هي أصلًا ضيعةٌ يهودية… وهو يربط توسّعها بعودة كلّ حقٍّ لأهله، وتطهّر الأرض من رجس الشرّ وأهله… “فقد ذاب يهود فدك لما ذابت حدود فدك في الهالة الكبرى… ففي تلك اللحظة فقط تقلّص القزم اليهوديّ وذاب وهم أرض الميعاد… في تلك اللحظة فقط ماد جبل طور سيناء تحت خفقة وومضة الحق… في تلك اللحظة انخبطت أسباط بني إسرائيل، وفقئت عين الأسخريوطي، وتصدّع حجاب الهيكل… وتوسّعت آفاق الأرض أمام الزحف المؤمن، لتتقوّض أركان المرتع الروماني، وتهتزّ جذور أواوين الأكاسرة… في تلك اللحظة كانت تنظّف الأرض من الأدران…”[63]… إن فدك قد غدت عند كتّاني رمزًا مسيحيًّا لا مسلمًا فحسب، بل هي رمز الحق الخالص، ورمز تطهير الأرض من الأرجاس، وفقدانها واغتصابها يعيد إلى الأذهان كل مظالم التاريخ بحقّ الأنبياء مجتمعين، ومظالم المسيح تحديدًا، وها هو يرى في التفريط بفدك انفراط عقد الحق، ويرى في تحديدها أنه قد “عاد يعيش الوعل الروماني، عاد يتنفس الذئب في إسرائيل… منذ تلك اللحظة المتردّية أخذ يتقلّص النور ليحصر في زجاجة…”[64].

إن الكاتب قد استخدم مخزونه اللغويّ والفكريّ المسيحيّ ليفهم بطولة فاطمة وثوريّتها من جهة، وليرى حقيقة فدك وحقانيّتها من جهةٍ أخرى، فوصل بهذه التحليلات والمداخلات إلى ما لم يصل إليه كثيرٌ من الباحثين، الذين أعمت عيونهم أحقاد التاريخ وأكاذيب المؤرّخين، فلم يستطيعوا أن يروا ذاك الحقّ المبين الذي تركه فيهم سيد المرسلين، والذي يتمثّل في بضعته المقدّسة فاطمة عليها السلام.

الخاتمة:

       بعدما استعرضنا في الدراسة التي بين أيدينا معالم فهم الباحث والكاتب سليمان كتّاني، كنموذجٍ للمفكّر المسيحيّ المعتدل- المستشرق الشرقي العربي- ذي الرأي الحرّ المنصف، في قدسية ومظلومية وثورية فاطمة الزهراء عليها السلام، من خلال كتابه “فاطمة الزهراء عليها السلام وترٌ في غمد”، فإن خلاصة ما توصّلنا إليه يندرج ضمن النقاط الآتية:

  • لقد أسقط كتّاني فهمه المسيحيّ للقدسيّة على شخصيّة فاطمة الزهراء عليها السلام، عبر ما وصله من سيرتها التاريخية، فرآها بعينٍ مسيحيةٍ من ناحية، ومنطقيةٍ منصفةٍ من ناحيةٍ ثانية، فانطلق قلمه ليعبّر عن تلك القدسية الفريدة، لا بفكرٍ موضوعيٍّ جافّ، بل بوجدانيةٍ صافيةٍ متألّقة، دمجها في بحثه دمجًا لم يخلّ بمقاييس الموضوعية، بل نثر عليها لآلئ من نور الكمال الإنسانيّ، إذ أنه لا يستطيع الباحث المطّلع على تلك الشخصية الفريدة أن لا يتفاعل  معها ويتأثّر وجدانيًّا وفكريًّا في آنٍ واحد، ومن هنا فقد أتى الحديث عن قدسية فاطمة حديث قلبٍ وفكرٍ وروح، وتمازجت في أجواء الكتاب اللغة العلمية باللغة الأدبية، والفكر التحليليّ بالخواطر الوجدانية، ليعبّر الكاتب من خلال ذلك المزيج المتكامل لا عن رأيه في قدسية الزهراء فحسب، بل عن شعوره المسيطر بتقديسها، حتى ضمّ صفاتها القدسية الإسلامية، “أم أبيها” و”الصدّيقة” و”سيدة نساء العالمين”…، إلى صفاتٍ راقيةٍ أخرى، راح يضفيها عليها من وحي فهمه لسيرتها وخلقها الكامل العظيم، فإذا هي “ابنة الجنة” و”طيب الأمومة” و”منتهى العفّ” و”طهارة المردن” و”امتزاج المسك بالعنبر” و”كبرياء النفس في عنفوان الجفر” و”عديلة مريم” و”قيثارة النبي” وثورة اللحد” و”وترٌ في غمد” و”أطهر أمٍّ عرفتها الأجيال”… وقد تمّ إيراد هذه الصفات في مواقعها ضمن متن البحث، مع الإشارة في الهوامش إلى موقعها من الكتاب، ولعلّ الصفة الأخيرة التي ذكرناها قد جعلتنا نجزم أنه رفعها فوق مريم العذراء عليها السلام، سيدة القديسات في المعتقد المسيحيّ، مما يكشف عن صفاتٍ قدسيةٍ لها لم ولن تطالها امرأة، مهما علت منزلتها وتقدّس ذكرها، ولذا فهي بحقّ، في عرف المسيحيّ الكامن بين فكر كتّاني وقلبه ويراعه، سيدة نساء العالمين دون منازع.
  • إن مظلومية الزهراء في كتاب كتّاني، ومن ثمّ ثورتها لتحصيل حقّها، قد برزت في هذا البحث مركّزة على أمرين: غصب إرثها وغصب الخلافة من بعلها، وقد حلّل كتّاني كلا الأمرين منفردين، ثم إنه عاد فأثبت أنهما أمرٌ واحد، وأن فدك التي قامت فاطمة عليها السلام لتطالب بها، ليست إلا رمزًا لحقّها المسلوب، وليس حقّها المسلوب إلا ذاك الامتداد والوعي والاكتمال للإسلام الحقيقيّ، وهو ما أراده النبيّ حينما خصّها بفدك، وخصّ عليًّا بالخلافة، بحسب منظور كتّاني، فإذا اغتصاب فدك هو تطاولٌ على النبيّ ورسالته السمحاء قبل أن يكون تطاولًا على فاطمة، وردّةٌ إلى الجاهلية الجهلاء، ومحاولةٌ لإضعاف تلك الانطلاقة الإسلامية الحرة التي كان من شأنها أن تغني الفكر والروح البشرية، والتي كانت لتزدهر وتعلو وتتكامل مع عليّ، أما مع مغتصبي الخلافة فقد تحوّلت حكمًا محدودًا لا يختلف عن أي حكمٍ آخر.

إن مظلومية الزهراء عليها السلام قد تمّت دراستها في هذا البحث مترافقةً مع قدسيّتها، وأن تُظلم امرأةٌ عاديةٌ فذاك أمرٌ قبيح، أما أن تُظلم امرأةٌ لها قدر الزهراء ومنزلتها وقيمتها الرفيعة التي لا يبلغها أحد، فتلك مصيبةٌ لا توازنها ولا تفوقها مصيبةٌ على وجه الأرض، فهي ليست مظلومية إنسان، بل مظلومية الإنسان، ومظلومية النهج الإلهي المختار، الذي كانت الزهراء عليها السلام له عنوانًا عريضًا شامخًا، لا يحتاج لبيان… ولذا فقد كان لها في هذا الكتاب، الذي رفع شأن الزهراء كقديسةٍ لا تُجارى، حديثٌ مستطيلٌ عن مظلوميّتها التي لا تجارى أيضا، وقد تصاعد الحديثان معًا، ليبلغا قمة الوعي والإدراك عند الكاتب بحقّانية تلك المظلومية، وبحقّانية الثورة التي واجهت بها الزهراء ظالميها، ببطولةٍ غير مسبوقة، وقد جزم الكاتب بأن كلا قدسية الزهراء وثوريتها قد حملتهما أجنحة التاريخ، فرفرفا وازدادا ارتفاعًا ونماء، وهما يحلّقان أكثر فأكثر مع مرور الزمان وتوالي السنين، ولذا فقد كانت ثورتها وكلمة الحقّ التي رفعتها، لواءً لذلك الحق العظيم، لم ولن يسقط أمام ظلمٍ قط.

إن حديث سليمان كتّاني في كتابه عن الزهراء كقديسة فريدة وثائرة استثنائية، يفتح الآفاق على وعي الآخر لحقائق التاريخ الإسلاميّ ومعرفته بحقّانية الحقّ الفاطميّ، ويكشف عن مستوى هذا الوعي وتلك المعرفة، ويثري الفكر الإنسانيّ المنفتح على عالم البشرية الواسع، ويلغي الحدود المصطنعة بين عقول البشر، ليثبت أن الإنسان إذا ما سعى لمعرفة الحقّ بقلبٍ نقيٍّ وفكرٍ سليم، فسيراه واضحًا لا لبس فيه، وسيدرك القيم الإنسانية الرفيعة التي من أجلها استشهدت الزهراء عليها السلام، وظُلم الأئمة واستشهدوا، وقام فكرهم المتكامل مع فكر الرسالة المحمدية، ليكون سبيلًا وحيدًا لسعادة الإنسانية، وإن هذا الكشف يقرّب المسافات بين عقول البشر وقلوبهم، ويجعل الباحث الموضوعي المتجرّد في الفكر الإسلاميّ، واعيًا لفهم الآخر ومدركًا لمستوى تفاعله مع ثوابت الإسلام ومعطياته الأساسية، مما يفتح نافذةً عريضةً في مدخل الحوار الإسلامي المسيحيّ، تنفذ منها الأفكار وتُتَبادل، ويكون الإقناع على مستوى الفهم، ويأخذ الحوار بعدًا موسوعيًّا جديدًا يظلّله العقل والمنطق، وتمسح عليه المشاعر الإنسانية العميقة الراقية بظلّها الرؤوم.

وتبقى هناك أسئلةٌ كثيرةٌ تحتاج لأجوبة، حول نظرة الآخر إلى عقائد الدين الحنيف، وسيرة النبي والمعصومين عليهم الصلاة والسلام وصفاتهم ومظلومياتهم، وقد يكون لهذا البحث شرف الإضاءة على بعضها، أما البعض الآخر فينتظر من يضيء عليه ويكتشفه، لتكتمل الصورة وتتّضح الرؤية للباحث الموضوعيّ المُحاورِ للآخر والساعي للتبليغ بكلمة الحقّ، عبر الحوار الموضوعيّ الحضاريّ السلميّ القائم على الموعظة الحسنة، وإن مثل هذا الحوار الذي يتكئ على معرفة الآخر الواعي المنصف، يمكن أن يكون بذرةً للكلمة الطيبة التي تشقّ تراب الحاضر وفضاء المستقبل، كشجرةٍ طيّبةٍ أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء، ونقطة بدايةٍ لتعريف الآخر والعالم أجمع أكثر فأكثر، بحقّانية الدين الإسلاميّ وشرائعه ومقدّساته، مما يساهم في إزاحة الضباب المتراكم عنه بفعل جهل الآخر بحقيقته، كما يساهم في تقبّله له ومن ثمّ إيمانه بتلك الحقّانية المقدّسة، فيكون المُحاور والمبلّغ قد قام بدوره في التمهيد الفاعل لإمام زمانه، ليكون انتظاره له انتظارًا إيجابيًّا، ومنسجمًا مع “المسارعة إليه في قضاء حوائجه” أرواحنا لتراب مقدمه الفداء، وأيّ حاجةٍ لصاحب الزمان (عج) أكثر إلحاحًا وضرورة، من التعريف بمظلومية جدّته الصديقة الكبرى وآبائه الطاهرين، الذين لا يكتمل عقد الحقّ إلا بمعرفتهم الحقّة؟!

لائحة المصادر والمراجع:

الكتب المقدسة:

  • القرآن الكريم
  • الإنجيل- العهد الجديد- الرسالة إلى العبرانيين
  • التوراة- العهد القديم- سفر إشعياء

المدوّنة:

  • “فاطمة الزهراء عليها السلام وِترٌ في غمد”، سليمان كتّاني

المصادر والمراجع:

  • تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي
  •  جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع، السيد ابن طاووس
  • شرح نهج البلاغة، ابن أبي حديد
  • مصباح المتهجد، الشيخ الطوسي
  • المزار الكبير، الشيخ محمد بن جعفر المشهدي
  • مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب
  • من هو الصدّيق؟ ومن هي الصدّيقة؟، علي الشهرستاني
  • لافتة بدير القديس أنبا مقار (مكتوبٌ فيها تعريف القديس بالمفهوم المسيحي)

[1]  المعجم الوسيط، ج1، مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ص482

[2]  الاستشراق والاتجاهات الفكرية في التاريخ الإسلامي، مازن بن صلاح مطبقاني، الرياض، مكتبة الملك فهد الوطنية، 1995، ص3

[3]  الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري، دار المعارف، القاهرة 1997، ص18

[4]  نقد الخطاب الاستشراقي، ساسي سالم الحاج، ج1، دار المدار الإسلامي، بيروت، 2002، ص20

[5]  الاستشراق في السيرة النبوية، عبد الله محمد الأمين، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، القاهرة، 1997، ص16

[6]  من مقدمة كتاب “ولادة الاستشراق”، إيرس آب، جامعة بنسلفانيا، فيلادلفيا،الولايات المتحدة الأمريكية، 1949، ص6(The Birth of 

 Orientalism, Urs App, University of Pennsylvania Press, Philadelphia, Oxford, U.S.A, 1949)

[7] الاستشراق، إدوارد سعيد، ترجمة محمد العناني، ص44

[8]  المصدر السابق ص488

[9]  نقد المناهج المعاصرة، حسام الآلوسي، ص402

[10]  “فاطمة الزهراء (عليها السلام) وترٌ في غمد”، سليمان كتّاني، ص61

[11]  المصدر السابق، ص 62 و63 و64

[12]  فاطمة الزهراء وترٌ في غمد، ص 206

[13]  سورة الأنفال، الآية 63

[14]  فاطمة الزهراء وترٌ في غمد، ص132

[15]  المصدر السابق، ص186

[16]  “تهذيب الأحكام” الشيخ الطوسي ص9، “مصباح المتهجد” الشيخ الطوسي ص711، “المزار الكبير” الشيخ محمد بن جعفر المشهدي ص79، جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع، السيد ابن طاووس ص31 و32

[17]  لافتة بدير القديس أنبا مقار، مكتوبٌ فيها تعريف القديس بالمفهوم المسيحي

[18]  العهد الجديد، الرسالة إلى العبرانيين 13: 7

[19]  فاطمة الزهراء وترٌ في غمد، ص62

[20]  المصدر السابق، ص 63

[21]  المصدر السابق، ص141

[22]  “من هو الصدّيق؟ ومن هي الصدّيقة؟”، علي الشهرستاني، ص6

[23]  فاطمة الزهراء وترٌ في غمد، ص 147

[24]  فاطمة الزهراء وترٌ في غمد، ص67 و68

[25]  المصدر السابق ، ص 84 و85

[26]  المصدر السابق، ص119

[27]  المصدر السابق، ص120

[28]  فاطمة الزهراء وترٌ في غمد، ص121

[29]  المصدر السابق، ص121

[30]  المصدر السابق، ص122

[31]  فاطمة الزهراء وترٌ في غمد ، ص123

[32]  العهد القديم، سفر إشعياء، 53: 3

[33]  فاطمة الزهراء وترٌ في غمد، ص194

[34]  المصدر السابق، ص173

[35]  فاطمة الزهراء وترٌ في غمد، ص 199

[36]  المصدر السابق، ص226

[37]  “فاطمة الزهراء وترٌ في غمد”، ص169

[38]  المصدر السابق، ص169

[39]  المصدر السابق ، ص174

[40]  لافتة بدير القديس أنبا مقار، مكتوبٌ فيها تعريف القديس بالمفهوم المسيحي

[41]  فاطمة الزهراء وترٌ في غمد، ص221

[42]  المصدر السابق، ص 150

[43]  فاطمة الزهراء وترٌ في غمد ، ص 135

[44]  المصدر السابق ، ص151

[45]  المصدر السابق ، ص152

[46]  المصدر السابق، ص152

[47]  شرح نهج البلاغة، ابن أبي حديد، ج12 ص53

[48]  فاطمة الزهراء وترٌ في غمد، ص152

[49]  المصدر السابق ، ص186

[50]  فاطمة الزهراء وترٌ في غمد، ص186

[51]  المصدر السابق، ص185

[52]  فاطمة الزهراء وترٌ في غمد، ص188

[53]  المصدر السابق، ص 166

[54]  المصدر السابق، ص 166

[55]  المصدر السابق، ص166

[56]  المصدر السابق ، ص 167

[57]  فاطمة الزهراء وترٌ في غمد، ص167

[58]  المصدر السابق ، ص167 و168

[59]  المصدر السابق ، ص 189

[60]  فاطمة الزهراء وترٌ في غمد ، ص 189

[61]  المصدر السابق ص 189، وعنه كتاب مناقب آل أبي طالب 3: 364

[62]  فاطمة الزهراء وترٌ في غمد ، ص190

[63]  المصدر السابق، ص190 و191

[64]  المصدر السابق، ص192

التصنيفات : البحوث | بحوث أخرى