من بحوث المسابقة البحثية السنوية الثامنة(خطاب الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) دراسة حجاجيَّة/ د. عمار حسن عبدالزهرة
الملخَّص:
يأخذ الخطاب قيمته في كثيرٍ من الأحيان من جملة أمور أهمُّها قيمة منتجه ودرجة تأثيره في المجتمع وما يملك من سلطة على أذهان متلقيه، سواء أكانت تلك السلطة قدسيَّة روحيَّة أو حاكميَّة أو مجتمعيَّة أو غير ذلك، فإنَّ ذلك يؤثِّر بشكلٍ مباشر في تأثير الخطاب وانتشاره، ولمَّا كان الخطاب يستدعي في مفهومه العام قصديَّة التأثير في المتلقي فإنَّه يحمل بين طيَّاته الحجاج الذي يستدعي تضمين تقنيَّات معيَّنة تؤدِّي بالمتلقي إلى التسليم بمضمون الخطاب أو ترفع من درجة التسليم، وهذه المعطيات وجدناها خصبةً في خطبا الزهراء (عليها السلام)، فهي تتمتَّع بسلطةٍ تأثيريَّةٍ في نفوس المتلقين؛ بوصفه ابنة نبيِّهم فضلًا عن درجتها الدِّينيَّة التي نصَّت عليها نصوص قرآنيَّة وروائيَّة كثيرة متَّفق عليها، ثمَّ ما تحمل من بلاغة وقدرة عالية على توظيف الخطاب وتفعيل الحجاج بمساراتٍ متنوِّعة ما بين شواهد من القرآن الكريم والسنة النبويَّة، ثمَّ تفعيل الجانب العاطفي الذي من شأنه أن يرتقي بطاقة الخطاب ويرفع من وتيرة تأثيره في الجمهور، وبعد ذلك ما يستدعيه بيان حال المتلقي وتقلُّباته في مراحل الحدث الذي توجَّه إليه الخطاب، وخلق منها تقنيَّات حجاجيَّة فاعلة؛ فضلًا عن التقييد لأهمِّ الأحداث التي جرت بعد رحيل النبيِّ (صلى الله عليه وآله) من لدن أقرب شخصٍ للنبيّ عايش الحدث وسجَّله في حضور جماهيريٍّ سعت الزهراء (عليها السلام) به أن تنقل الحدث من صفته الفرديَّة على أنَّه خلاف فردي بين شخص وصاحب سلطةٍ إلى أن يكون رأيًا عامًّا وخطابًا جماعيًّا، سلَّطت فيه الضوء على أهمِّ المنحنيات التي أصابت المسلمين بعد استشهاد النبيِّ محمَّد (صلى الله عليه وآله)، وبهذا الوعي سنقرأ خطاب الزهراء (عليها السلام) في ضوء المنهج الحجاجي على النحو الذي يستدعي قراءة الحدث التواصلي بأركانه الثلاث: المتكلم، والخطاب، والمخاطب.
الكلمات المفتاحيَّة: الخطاب، الزهراء (عليها السلام)، الحجاج، فدك.
Abstract:
The value of a discourse often stems from several factors, the most important of which are the value of its product, its degree of influence on society, and the authority it holds over the minds of its recipients. Whether that authority is spiritually sacred, governmental, societal, or otherwise, it directly affects the impact and spread of the discourse. Since the discourse, in its general concept, requires the intention to influence the recipient, it carries within it argumentation that necessitates the inclusion of certain techniques that lead the recipient to accept the content of the discourse or increase the degree of acceptance. We found these factors abundant in the sermons of Fatima (peace be upon her), as they possess an influential authority over the souls of the recipients. As the daughter of their Prophet, in addition to her religious status as stated in many agreed-upon Qur’anic and narrative texts, and then what she possesses of eloquence and a high ability to employ discourse and activate argumentation in various paths between evidence from the Holy Qur’an and the Prophetic Sunnah, then activating the emotional aspect that would elevate the energy of the discourse and raise the pace of its impact on the audience, and after that what is required to explain the state of the recipient and his fluctuations in the stages of the event to which the discourse was directed, and creating from it effective argumentative techniques; In addition to documenting the most significant events that occurred after the Prophet’s (peace and blessings be upon him and his family) passing, as recounted by the person closest to the Prophet who witnessed and recorded the event before a public audience, Fatima (peace be upon her) sought to transform the event from a personal dispute between an individual and an authority figure into a public opinion and collective discourse. In this discourse, she highlighted the most significant challenges faced by Muslims after the martyrdom of the Prophet Muhammad (peace and blessings be upon him and his family). With this understanding, we will read Fatima’s (peace be upon her) discourse through the lens of argumentation, which necessitates an examination of the communicative event in its three components: the speaker, the discourse, and the audience.
Keywords: Discourse, Fatima (peace be upon her), Argumentation, Fadak
المقدمة:
الحَمْدُ للهِ الَّذَي لاَ يَبْلُغُ مِدْحَتَهُ القَائِلُونَ، وَلاِ يُحْصِي نَعْمَاءَهُ العَادُّونَ، ولاَ يُؤَدِّي حَقَّهُ الُمجْتَهِدُونَ، وصلَّى اللهُ على سيِّدنا محمَّد وآله الطاهرين…
يمثِّل خطاب الزهراء (عليها السلام) وثيقة تاريخيَّة في غاية الأهميَّة؛ لما تضمَّنته من كشفٍ للأحداث التي جرت بعد رحيل النبي محمَّد (صلى الله عليه وآله)، وكذلك الحالة التي سيطرت على المسلمين في ذلك الوقت، فوضعت الزهراء (عليها السلام) خطوطًا تكشف عن أهمِّ المتغيرات التي حدثت على مستوى العقيدة وعلى مستوى العزل لأهل البيت (عليهم السلام)، وكذلك أبانت في خطابها عن علاقة الجمهور بأهل البيت (عليهم السلام) وكيف أنَّ الولاءات قد تبدَّلت، ترى الدموع تملأ وجوه المتلقين تفاعلًا مع خطابها (عليها السلام)؛ ولكن من دون أفعالٍ، وكأنَّ السلطة قد سلبتهم حقَّ التصرُّف أو تعديل السلوك، ولذلك عملت الزهراء (عليها السلام) على إحياء ضمير الاستجابة لدعوة الحقِّ فألقت خطابها في جمعٍ من المسلمين؛ بغية إنشاء خطاب جمعيّ والخروج برأي عام يوقف السلطة عند حدودها فتأخذ المبادرة في تعديل سلوك الجمهور.
وعلى أساس ذلك قررنا دراسة خطاب الزهراء (عليها السلام)؛ لما فيه من منبِّهاتٍ تدعو إلى تفعيل استجابة الجمهور نحو الحقِّ، وذلك عبر تقنيَّاتٍ حجاجيَّةٍ لم تفارق الخطاب من التحضيرات الأولى لانبثاقه حتَّى ختامه.
أمَّا مشكلة البحث وسؤاله فيكمن في محاولة استجلاء التقنيات الحجاجيَّة التي وردت في خطاب الزهراء (عليها السلام)، ومن ثمَّ تحديدها ومقاربتها مع ما انتهى إليه الدرس الحديث.
في حين تركَّزت أهميّة البحث في محاولة إضافة علميَّةٍ في دراسة خطاب الزهراء (عليها السلام) وبيان التقنيات الحجاجيَّة التي وردت فيها، مع الإشارة إلى أهمِّ مرتكزات الخطاب التي استند عليها؛ لعلَّ هذا البحث يكون شاهدًا في بيان جزءٍ من ظلامة الزهراء (عليها السلام)، ووثيقة بسيطة في تسجيل الانقلاب الذي حدث بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).
وأمَّا المنهج المعتمد في هذه الدِّراسة فقد اعتمدت على المنهج الوصفي التحليلي، وذلك عبر وصف الأحداث التي ركَّزت عليها الزهراء (عليها السلام) في خطابها، ومن ثمَّ تحليلها حجاجيًّا عبر بيان التقنيات الحجاجيَّة التي ارتكز عليها الخطاب.
وهذه الدراسة قد انتظمت في خطَّةٍ استدعتها المادَّة فتكوَّنت من تمهيدٍ بعد المقدِّمة بيَّنت فيه أهم المفردات التي وردت في العنوان، ثمَّ درست أركان الخطاب بوصفها تقنيات حجاجيَّة فبدأت في المبحث الأوَّل بالمتكلِّم بما يحمل من قيمة خطابيَّة، ومن ثمَّ المبحث الثاني وبحث فيه مضمون الخطاب ومركزيَّته في الحجاج، والمبحث الثالث درس حال المتلقي بوصفه أحد المهيمنات الحجاجيَّة في الخطاب.
وقد توصَّلت الدراسة إلى جملةٍ من النتائج أهمُّها أنَّ خطاب الزهراء (عليها السلام) ارتكز على مهيمنات حجاجيَّة من أوَّل التحضيرات للخطاب إلى خاتمته، وأنَّ من أهمّش تقنيات الحجاج هي نقل الخطاب من المستوى الفردي على نطاق الخلاف بين شخصين إلى مستوى الجماعي ببيان القضايا التي تجاوزت عليها السلطة الجديدة؛ بغية تحويل الخطاب إلى رأي عام يتفاعل معه الجمهور انفعاليًّا وسلوكيًّا.
وختامًا لا أدَّعي الكمال فيما سطَّرت ولكن حسبي أنِّي بذلت جهدي وفوق كلِّ ذي علمٍ عليم، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على محمَّدٍ وآله الطاهرين.
التمهيد: قراءة في مفردات العنوان
أوَّلًا/ الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) مقامٌ وخطاب
يأخذ الخطاب مساحته التأثيريَّة وقوَّته الإنجازيَّة من جملةٍ من الأمور أهمُّها قيمة منتجه ومقامه بين متلقي خطابه، وهذا يؤثِّر بشكلٍ مباشر في الاستجابة لمضمون الخطاب، والتأثُّر به والإيمان بسلطة رسالته ولو على المستوى العاطفي، ومن هنا سنبدأ بالتعريف ببعض مقامات الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) بوصفها تمهيدًا لما سيأتي من بعض مضامين كلماتها حتَّى نكون على وعيٍ تامٍّ بقيمة الخطاب التي تتفرَّع من قيمة منتجه، ولذا سنعرِّف ببعض مقامات السيِّدة الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ)، لأنَّها كثيرة جدًّا لا يمكن أن نستوعبها في هذه العجالة، وذلك على النحو الآتي:
1. مقام الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) عند الله تعالى:
حازت الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) عند الله تعالى مرتبةً عظيمةً لا تدانيها امرأةً في ذلك، فكانت في الكمال المثال الأعلى للمرأة، وقد كشفت جملةً من النصوص مقامها عند الله تعالى في كثيرٍ من النصوص التي رواها الفريقان، ومنها قوله (صلى الله عليه وآله): ((يا فاطمة إنَّ الله ليغضب لغضبك ويرضى لرضاك))([1]).
وهذا الحديث بوضوح يقرن غضب الله تعالى بغضب فاطمة (عَلَيها السَّلَامُ) بالمطلق بلا تقييد، وأقلُّ ما يمكن أن يدلَّ ذلك على عصمة الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) من كلِّ ذنبٍ؛ وذلك لاستحالة غضب الله تعالى نصرةً لغضب المذنب والعاصي والظالم؛ لأنَّه خلاف حكمته وعدله، فلزم أن لا يكون غضب الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) إلَّا في الحقِّ، وهذه مرتبةٌ عظيمةٌ للزهراء (عَلَيها السَّلَامُ)؛ لأنَّها ستكون فيصلًا وعلامةً كاشفةً عمَّن يرضى الله تعالى عنه ومن يغضب عليه، فمن رضيت عنه الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) فسيكون ذلك علامةً على صلاحه ورضا الله عنه بعكس من غضبت عليه.
وفي حديثٍ آخر للرسول (صلَّى الله عليه وآله) يبيِّن منزلة الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) في أوَّل الخلق، وذلك بعد أن اظلمَّت السماوات فما كان من الملائكة إلَّا أن توجَّهت إلى الله تعالى بالقول: ((إلهنا وسيدنا منذ خلقتنا وعرفتنا هذه الأشباح لم نر بؤسًا، فبحقِّ هذه الأشباح إلَّا ما كشفت عنَّا هذه الظلمة، فأخرج الله من نور ابنتي فاطمة قناديل فعلقها في بطنان العرش، فأزهرت السماوات والأرض، ثم أشرقت بنورها، فلأجل ذلك سميت الزهراء، فقالت الملائكة: إلهنا وسيدنا، لمن هذا النور الزاهر الذي قد أشرقت به السماوات والأرض؟ فأوحى الله إليها: هذا نور اخترعته من نور جلالي لأمتي فاطمة بنت حبيبي وزوجة وليي وأخي نبيي وأبي حججي على عبادي، أشهدكم يا ملائكتي أني قد جعلت ثواب تسبيحكم وتقديسكم لهذه المرأة وشيعتها ومحبيها إلى يوم القيامة))([2]).
يكشف هذا النصُّ المقام الرفيع للسيِّدة الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) عند الله تعالى وما لها من سموٍّ عند خالقها، وهذا المقام أعطاها تأثيرًا كبيرًا فيمن يؤمن بقدسيَّتها ويعتقد بمقامها، ويتشيَّع لها فإنَّ الله تعالى إكرامًا لها منحهم لأجلها مقامًا رفيعًا، وهذا أيضًا جاءت فيه أحاديث كثيرة منها: ما روي في الحديث القدسيّ: ((يا فاطمة وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لقد آليت على نفسي من قبل أن أخلق السماوات والأرض بألفي عام أن لا أعذب محبيك ومحبي عترتك بالنار))([3])، ومنه أيضًا ما يرويه الإمام الصادق (عليه السلام) عن الرسول (صلى الله عليه وآله): ((يا فاطمة أبشري فلك عند الله مقام محمود تشفعين فيه لمحبيك وشيعتك فتشفعين، يا فاطمة لو أن كل نبي بعثه الله وكل ملك قربه شفعوا في كل مبغض لك غاصب لك ما أخرجه الله من النار أبدا))([4])، وعنه (عليه السلام) أيضًا: ((والله يا جابر إنها ذلك اليوم لتلتقط شيعتها ومحبيها كما يلتقط الطير الحب الجيد من الحب الرديء))([5]).
وممَّا تقدَّم فإنَّ خطاب الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) يأخذ سلطةً قصوى في التأثير؛ لما لها من السيادة العظمى في الأحاديث المتقدِّمة، ممَّا يؤثِّر في رفع إنجازيَّة خطابها ونطاق تأثيره في نفوس المتلقين، وقد أكَّد ذلك مالينوفسكي في قوله: ((اللغة في جوهرها متأصِّلة في حقيقة الثقافة ونظم الحياة، والعادات عند كلِّ جماعة، ولا يمكن إيضاح اللغة إلَّا بالرجوع الدائم إلى المحيط الأوسع، وهو الظروف التي يتمُّ فيها النطق))([6]).
2. مقام الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) عند النبيّ (صلَّى الله عليه وآله):
حازت الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) مرتبةً عظيمةً عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكان يؤكِّد في حوادث كثيرة على تلك المنزلة، ويوصي المسلمين بها في كثيرٍ من الأحاديث التي رويت عنه، من ذلك ما جاء في قوله: ((من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمَّد، وهي بضعة مني وهي قلبي وروحي التي بين جنبي، فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله))([7])، وفي روايةٍ أخرى قوله (صلى الله عليه وآله): ((وأما ابنتي فاطمة، فإنها سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وهي بضعة مني، وهو نور عيني، وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبي، وهي الحوراء الإنسية))([8])، وعنه أيضًا في روايةٍ أخرى قوله)) :إنَّما فاطمة شجنة مني، يقبضني ما يقبضها، ويبسطني ما يبسطها، وإن الأنساب يوم القيامة تنقطع غير نسبي وصهري))([9])، وفوق ذلك كلِّه أنَّها ((كانت تكنى أم أبيها))([10]) كما في رواية الإمام جعفر بن محمَّد، عن أبيه (عليهما السلام).
هذه المنزلة التي كانت للزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمنحها بعدًا تأثيريًا في نفوس المسلمين؛ بوصفها ابنة الرسول (صلَّى الله عليه وآله)، فضلًا عن كميَّة الأحاديث التي يصف بها ابنته بأنَّها: بضعته، قلبه، نور عينيه، ثمرة فؤاده، روحه التي بين جنبيه، شجنة منه؛ فضلًا عن منزلة الأمومة، وهذه الأوصاف تجعل من الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) مهيمنةً في السلطة القدسيَّة لدى المسلمين، ومن ثمَّ تمنح خطابها بعدًا تأثيريًّا يصل إلى مرحلة خضوع المتلقي لكلِّ ما يصدر منها عن رضًى وقبولٍ طوعيٍّ.
3. مقام الزهراء (عليه السلام) بين الانتهاك والتضليل
لقد عرضنا فيما سبق جملةً من الإشارات التي تكشف عن بعضٍ من مقامات الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ)، وهي مقامات عالية المضامين تُظهر قيمةً قدسيَّة كبيرة في نفوس المسلمين، وهنا لابدَّ أن نعرف كيف تعاملت السلطة بعد رحيل النبيِّ (صلى الله عليه وآله) مع الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ)، وهل حفظت لها مكانتها أو رعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيها أو أنَّها انتهكت قدسيَّتها ولم تحترم مكانتها؟
وهنا سنجيب عن هذا التساؤل ببعض الإشارات التي تكشف عن حجم المأساة التي لاقتها الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) بعد استشهاد النبي (صلى الله عليه وآله)، والغاية من ذلك تدخل في صميم البحث؛ لأنَّنا سندرس خطاب الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ)، وهو في عمومه إظهار لمظلوميَّتها وبيانٌ لكثيرٍ من مسارات الانقلاب على وصايا أبيها وشرعيَّة حقِّهم أهل البيت في الخلافة.
وسنبدأ من إخبار الرسول (صلى الله عليه وآله) لها (عَلَيها السَّلَامُ) بدنويِّ أجله فما كانت إلَّا أن تبكي فقال النبيُّ لها: ((يا سيّدة النسوان ممّ بكاؤك؟ قالت: يا أبتِ أخشى الضيعة بعدك! قال: أبشري يا فاطمة فإنّك أوّل من يلحقني من أهل بيتي، ولا تبكي ولا تحزني فإنّك سيّدة نساء أهل الجنّة، وأباك سيّد الأنبياء، وابن عمّك خير الأوصياء، وابناك سيّدا شباب أهل الجنّة، ومن صلب الحسين يخرج الله الأئمّة التسعة، مطهّرون معصومون، ومنّا مهدي هذه الأمّة))([11]) .
وما إن استشهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتَّى بدأت معالم الانحياز إلى السلطة وإقصاء أهل البيت (عليهم السلام) منها، ولم يكتفوا بذلك؛ بل سعوا إلى قطع كلِّ الإمدادات الماليَّة التي أوجبها الرسول (صلى الله عليه وآله) لهم، فأخذوا أرض فدك وقطعوا عنهم الخمس حتَّى لا يتمكَّنوا من جمع أنصارٍ لهم فيشكِّلوا معارضةً للسلطة، وهذا ما سيأتي إثباته في دراسة بعض المواضع من الخطبة الفدكيَّة، وكانت النتيجة أنَّ الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) ظلَّت باكيةً بعد أباها، نادبةً على مصيبته في رسالةٍ فحواها بكاء وعزاء على ما لاقته بعد النبيِّ ممَّن كان يدَّعي صحبته فأكَّدت أنَّها راحلةً إلى عالم الآخرة، وأنَّها لا تريد ذلك العالم الذي ظلمها، ومن جملة ما دار بينها وبين زوجها أمير المؤمنين (عليه السلام) في شكواها من ظلامتها: ((ما أقل مكثي بينهم وما أقرب مغيبي من بين أظهرهم، فو الله لا أسكت ليلًا ولا نهارًا أو ألحق بأبي رسول الله (صلى الله عليه واله) فقال لها علي (عَلَيه السَّلَامُ): افعلي يا بنت رسول الله ما بدا لك، ثم أنه بنى لها بيتًا في البقيع نازحًا عن المدينة يسمى بيت الأحزان، وكانت إذا أصبحت قدمت الحسن والحسين عليهما السلام أمامها، وخرجت إلى البقيع باكية، فإذا جاء الليل أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) إليها وساقها بين يديه))([12]).
ثمَّ أنَّها ثبَّتت ظلامتها بشواهد لا يمكن نكرانها أو تزويرها، وأهمُّ تلك الشواهد هي مراسيم دفنها وخفاء قبرها، فلا يُعلم على وجه الحقيقة مكان القبر إلَّا تشخيصات عامَّة من قبيل قولهم إنّها دُفنتْ في مقبرة البقيع، وقيل إنَّها دُفنت في بيتها، فلمّا كان التوسيع للمسجد صار قبرُها في المسجد([13])، وهناك من استدلَّ بقول النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) ((بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على ترعة من ترع الجنَّة))([14])، فحدَّد موضع القبر بين منبر الرسول وقبره.
ومع ذلك تبقى هذه التحديدات مجرَّد احتمالات لا تقارب الواقع الذي شدَّدت الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) فيه على قصديَّة سريَّة مراسيم الدَّفن وخفاء القبر؛ لتجعل منه شاهدًا عمليًّا لكلِّ الأجيال، يُعرِّفهم بأنَّ الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) كانت غاضبةً ساخطةً على السلطة في ذلك العصر، وتجعل ذلك ميدانًا تطبيقيًّا لحديث الرسول (صلى الله عليه وآله) في حقِّها الآنف الذكر، ولذلك شدَّدت في وصيَّتها لأمير المؤمنين (عليه السلام) على المنع التام بقولها: ((أُوصيك ألا يشهد أحدٌ جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني، فإنّهم عدوّي وعدوّ رسول الله صلّى الله عليه وآله… وادفني في الليل إذا هدأتْ العيون ونامتْ الأبصار))([15])، ولذلك عندما توفِّيت الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) اجتمع كثيرٌ من النَّاس لحضور مراسيم الدَّفن من الصلاة وتشييع الجنازة والدَّفن وغير ذلك، فخرج أبو ذر (رضوان الله عليه) مبلِّغًا النَّاس أنَّ مراسيم الدَّفن ستتأخَّر هذه العشيَّة فتفرَّق النَّاس ظنًّا منهم أنَّها ستتأخَّر إلى الصباح، ولمَّا تفرَّق النَّاس تكفَّل أمير المؤمنين (عليه السلام) مع أسماء بنت عميس بالتغسيل والتكفين، ثمَّ صلَّى عليها، ودفنها في جوف الليل، ولم يحضر معه إلَّا خواصّ شيعته مع نفرٍ من بني هاشم([16]).
ثمَّ بعد ذلك جعل أمير المؤمنين (عليه السلام) قبورًا رمزيَّة في البقيع زيادة في السريَّة والخفاء لقبرها (عَلَيها السَّلَامُ)، ولما علمت السلطة بذلك أرادوا نبش القبور من أجل إعادة المراسيم فوقف أمير المؤمنين (عليه السلام) متقلِّدًا بذي الفقار، ولمَّا رأوا الحزم منه والشدَّة رجعوا عن قصدهم([17])، وثبت الخفاء والسريَّة بهدف تثبيت أجلى قرينة على الظلم الذي أصاب ابنة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وعدم رضاها وسخطها على سلطة السقيفة، وقد كان لذلك ردَّة فعلٍ وسجال وندم على الغياب لمشهد مراسيم جنازة ابنة النبي (صلى الله عليه وآله)([18])، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يؤكِّد مشهد المنع من حضور ذلك المشهد لتثبيت الظلامة، فكان إذا عُوتب قال: ((بذلك أمرتني))([19])، وفي نصٍّ آخر يصرِّح قائلًا: ((إنّها كانتْ ساخطةً على قومٍ كرِهتْ حضورَهم جنازتِها، وحرامٌ على من يتولّاهم أن يُصلّي على أحدٍ من ولدِها))([20])، وعندما دفنها صرَّح أمير المؤمنين (عليه السلام) أكثر بقوله: ((وستَنبُئكَ ابنتُك بتضافر أُمّتِك على هضمها، فأحفْها السؤالَ واستخبرْها الحال، هذا ولم يطلْ العهد، ولم يخلُ منك الذكر))([21]).
وممَّا تقدَّم يظهر جليًّا الواقع مثبتًا الحجَّة الدَّامغة على ظلامة الزهراء (عليه السلام) وانتهاك حقِّها وثبوت غضبها على السلطة آنذاك، وهو برهانٌ لا يمكن ردَّه إزاء كلِّ ما يمكن أن يُنتحل بعد ذلك من أنَّ الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) قد رضيت على السلطة([22])؛ لأنَّه سيدفعه بقوَّة الواقع الذي أثبت عدم حضورهم لمراسيم التشييع ومن ثمَّ الدَّفن وتحديد القبر. ونؤكِّد على أنَّنا سقنا هذا الموضوع لنجعل القارئ على بيِّنةٍ من صحَّة ما سيقرأه لاحقًا من بعض مقاطع خطاب الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ)، التي يظهر فيها كميَّة الألم والحسرة والشعور بالظلم من السلطة في ذلك العصر، فنكون قد أثبتنا مقام الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ)، ثمَّ التجرُّؤ على انتهاك ذلك المقام بالظلم والتعسُّف والاعتداء.
4. القيمة المعرفيَّة لخطاب الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ)
يأخذ خطاب الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) قيمته المعرفيَّة من قيمة الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ)، التي اشتقَّت منزلتها من منزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكانت أشبه النَّاس به بدليل ما روي عن عائشة قولها: ((ما رأيت من الناس أحدًا أشبه كلامًا وحديثًا برسول الله (صلى الله عليه وآله) من فاطمة))([23])، وفي علَّة تسميتها بفاطمة يقول الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام): ((لما ولدت فاطمة (عَلَيها السَّلَامُ) أوحى الله إلى ملك فأنطق به لسان محمَّد (صلى الله عليه وآله وسلم) فسمَّاها فاطمة، ثمَّ قال: إنِّي فطمتك بالعلم وفطمتك من الطمث، ثمَّ قال أبو جعفر (عليه السلام): والله لقد فطمها الله بالعلم وعن الطمث بالميثاق)) ([24])، وفي تعليلٍ آخر رُوي عن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام): ((إنما سُميّت فاطمة؛ لأن الخلق فطموا عن معرفتها))([25]).
فالزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) بلغت من المنزلة أنَّ الخلق فُطموا عن معرفة حقيقتها، وقصروا عن إدراك كنهها؛ لعظيم منزلتها ورفعة شأنها، فكانت ليلة القدر بسموِّها وعظيم خطرها، وقد عَنْ أبي عَبْدِ اللَّهِ الصادق (عليه السلام): ((أَنَّهُ قَالَ: )إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(([26]) اَلَّلَّيْلَةُ فَاطِمَةُ وَالْقَدْرُ اللهُ فَمَنْ عَرَفَ فَاطِمَةَ حَقَّ مَعْرِفَتِهَا فَقَدْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ فَاطِمَةُ؛ لِأَنَّ اَلْخَلْقَ فُطِمُوا عَنْ مَعْرِفَتِهَا أَوْ مِنْ مَعْرِفَتِهَا اَلشَّكُّ، وَقَوْلُهُ )وَمَا أَدْرَاكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ* لَيْلَةُ الْقَدْرِ خيرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(([27]) يَعْنِي خَيْرٌ مِنْ أَلْفَ مُؤْمِنٍ، وَهِيَ أُمُّ اَلْمُؤْمِنِينَ )تَنَزَّلُ اَلْمَلاَئِكَةُ وَاَلرُّوحُ فِيهٰا(([28]) وَاَلْمَلاَئِكَةُ اَلْمُؤْمِنُونَ، الّلذِينَ يَمْلِكُونَ عِلْمَ آلِ مُحَمَّدٍ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) وَالرُّوحُ القُدُسُ هيَ فَاطِمَةُ (عَلَيها السَّلَامُ) )بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ(([29]) يَعْنِي حَتَّى يَخْرُجَ اَلْقَائِمُ “عَلَيْهِ السَّلاَمُ”))([30]).
وهذه المنزلة الرفيعة والدرجة الكبيرة تنسحب على خطابها فيأخذ قوَّته الإنجازيَّة من شأن منتجه، وعلوِّ قيمته فيتسلَّط على المتلقين بقوَّة منتجه، وعلى أساس ذلك يأخذ الخطاب مساحته التأثيريَّة في نفوس متلقيه على مرِّ الأزمان، ولذلك كان لخطاب الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) أهميَّة معرفيَّة تضاهي قيمتها العلميَّة، وقد وِصفت خطبتها الفدكيَّة بأنَّها: ((من محاسن الخطب وبدايعها عليها مسحة من نور النبوة، وفيها عبقة من أرج الرسالة، وقد أوردها المؤالف والمخالف))([31]).
ثانيًا/ الخطاب
1. الخطاب في اللغة:
الخطاب في اللغة يشير إلى جملةٍ من المعاني: ((الخَطْب: سَبَبُ الأمر… والخِطاب: مراجعة الكلام))([32])، ((والخطابُ: كل كلام بينك وبين آخر))([33])، وقيل: ((الخَطْبُ: الشَّأْنُ أو الأَمْرُ، صَغُر أو عَظُم؛ وَقِيلَ: هُوَ سَبَبُ الأَمْر. يُقَالُ: مَا خَطْبُك؟ أَي مَا أَمرُكَ؟ وَتَقُولُ: هَذَا خَطْبٌ جليلٌ، وخَطْبٌ يَسير. والخَطْبُ: الأَمر الَّذِي تَقَع فِيهِ المخاطَبة، والشأْنُ والحالُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: جَلَّ الخَطْبُ أَي عَظُم الأَمرُ والشأْن))([34]).
وردت لفظة (الخطاب) في القرآن الكريم ثلاث مرات، وهي قوله تعالى: )وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ(([35])، وقوله: )إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ(([36])، وقوله: )رَبِّ السماوات وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا(([37]).
وهذه المواضع الثلاثة لو تأمَّلنا فيها فإنَّها تنطوي على التخاطب بين طرفين تتخلَّلهما رسالة وقصديَّة في التأثير، فالموضع الأوَّل جاء بمعنى ((ما ينفصل به الأمر من الخطاب))([38])، وهذا يحتاج إلى حجَّة وإقناع، والثاني كذلك فإنَّه يعني إجراء عمليَّة خطابيَّة بين الطرفين، تخللهما إقناع وحجَّة وإثبات، والثالث يكاد أن يكون أوضح لثبوت الحجَّة من الباري جلَّ شأنه على خلقه وسيادة خطابه عليهم، ولذا فإنَّ الدَّلالة العامَّة من مصطلح الخطاب في القرآن الكريم تحمل في طياتها على فرضيَّة الحجاج؛ لأنَّ الخطاب لا يمكن تصوَّره من دون وجود طرفين مع قصديَّة التأثير، وهي ما لا يمكن أن تكون من دون اللجوء إلى وسائل إقناعيَّة تُثبت التأثير في الطرف الآخر، ومن هنا فإنَّنا نرى أنَّ الخطاب لا ينفكُّ بمعناه العام عن الحجاج. وهذا المعنى لا يكاد أن يبتعد عن المعنى في الاصطلاح.
ثالثًا: الخطاب لغة واصطلاحا:
لغة:
الخطاب هو من ((خطب… يقال: خاطبه يخاطبه خطابًا، وهو الكلام بين اثنين))([39])، وفي اللسان قيل: ((والخطاب والمخاطبة: مراجعة الكلام، وقد خاطبه بالكلام مخاطبة وخطابًا، وهما يتخاطبان))([40])، وقال الزمخشري في الخطاب: ((هو المواجهة بالكلام))([41])، لذا يفهم ممَّا تقدَّم أنَّ الخطاب يحتاج إلى طرفين هما: المتكلِّم والمخاطب الموجه إليه الخطاب.
اصطلاحًا:
يُعدُّ هاريس أوَّل من اهتمَّ بدراسة الخطاب من الغربيين؛ إذ عرَّفه بقوله: هو((ملفوظ طويل، أو متتالية من الجمل تكون مجموعة منغلقة يمكن من خلالها معاينة بنية سلسلة من العناصر بواسطة المنهجيَّة التوزيعيَّة، وبشكل يجعلنا نظلُّ في مجال لساني محض))([42])، وهنا ينطلق هاريس من تصوره التوزيعي على الخطاب على أنَّ كلَّ العناصر لا تلتقي مع بعضها اعتباطًا؛ بل بنظام معيَّن يكشف عن بنية النصِّ.
أما بنفنست فيرى أنَّ الخطاب هو ((كلُّ تلفُّظٍ يفترض متكلِّمًا ومستمعًا، وعند الأوَّل هدف التأثير على الثاني بطريقةٍ ما))([43]).
وعرَّفه محمود عكاشة بأنَّه ((القول الموجَّه المقصود من المتكلِّم (أنا، نحن) إلى المتلقِّي المخاطب (أنت، أنتما، أنتم، أنتن) لإفهامه قصده من الخطاب صريحًا مباشرًا، أو كنايةً، أو تعريضًا في سياق التخاطب التواصلي))([44]).
لذا نستشفُّ من تعريف الخطاب اللغوي والاصطلاحي أنَّ الخطاب لابدَّ من أن يكون بين طرفين هما: المتكلِّم والمتلقي؛ ليتحقق التواصل التخاطبي بينهما ولابدَّ من أن يكون هناك قصدٌ وغاية من الخطاب وليس اعتباطيًّا؛ حتَّى يفهمه المخاطب وتتحقَّق عمليَّة التواصل التخاطبي بينهما، ويتمُّ هذا التواصل بينهما إمَّا من طريق مباشر صريح أو غير مباشر بالتلميح، أي بالكناية والأساليب البلاغيَّة الأخرى بحسب السياق المقامي المحيط بالخطاب.
أنواع الخطاب:
ويكون الخطاب بحسب التوجيه والمخاطبة على نوعين([45]):
1ـ مباشر: يكون من المتكلِّم إلى المتلقي (أنا ــ أنت) مشافهة أو عبر وسيط أو قناة الاتصال.
2ـ غير مباشر: ويسمَّى (الكنائي) الذي يواري فيه المتكلِّم عن نفسه أو يلتفت عن نفسه بضمير غيره، أو يخاطب المتلقِّي بغير خطابه الصريح كأن يلتفت من ضمير الخطاب إلى الغيبة تأدُّبًا أو تواضعًا أو مدحًا أو تعظيمًا.
وأحيانًا تكون أنواع الخطاب بحسب الموضوعات التي يتطرَّق إليها المخاطِب أو بحسب السياق المقامي الذي يأتي من أجله، فيكون على أنواع، منها: الخطاب السياسي إذا كان الأمر يخصُّ الأمور السياسيَّة، والخطاب الديني إذا كان يخصّ الأمور الدينيَّة والعباديَّة والتشريعيَّة، والخطاب الجهادي إذا كان يخصُّ أمور الجهاد والحثّ عليه، وغيرها من أنواع الخطاب التي سنتعرف إليها عند تحليل الخطب الحجاجيَّة لأصحاب الكساء(عليهم السلام).
2. الخطاب (discourse) في الاصطلاح:
عرَّف الآمدي (ت: 631هـ) الخطاب بقوله: ((اللَّفْظُ الْمُتَوَاضَعُ عَلَيْهِ الْمَقْصُودُ بِهِ إِفْهَامُ مَنْ هُوَ مُتَهَيِّئٌ لِفَهْمِهِ))([46])، وعُرِّف أيضًا بأنَّه: ((كل ملفوظ يفترض متكلمًا ومستمعًا، وتكون لدى الأول نية التغيير في الثاني بصورة ما))([47])، فالخطاب يتكوَّن من ثلاثة أركان: متكلِّم لديه نيَّة تأثير بمستمع مقصود، ومتلقٍ مستعد ومتهيئ لفهم مراد المتكلِّم، ورسالة تحمل مضمون هدفه التأثير في المتلقِّي، وعلى أساس ذلك يكون الخطاب ((شكل من أشكال الاتصال الكلامي، ودراسته تهدف إلى تحليل أبنية النصوص من أجل الكشف عن تشكيل المعنى الذي ينتج عن عمليتي ترميز وتفسير يشكلان فعل الاتصال الذي يسهم فيه أطراف ثلاثة: “مرسل – مؤلف” و”خطاب – نص” و”متلق- قارئ”))([48]).
فالخطاب ينضوي على مفهوم شامل لعناصر العمليَّة التخاطبيَّة (متكلِّم، مستمع، خطاب)، ولكلٍّ منهم مساحته في فهم دلالة النصِّ العامَّة من الخطاب.
ثالثًا/ مفهوم الحجاج:
1. الحجاج في اللغة:
معنى الحجة في اللغة ((الظَّفَر عند الخُصومة، والفِعل حاجَجْتُه فَحَجَجْتُه))([49])، وقيل: القصد، والظفر، والغلبة، والمصدر الحجاج([50])، وأمَّا في القرآن الكريم فقد وردت مادة (حجج) مع مشتقاتها في ثلاثة وثلاثين موضعًا([51])، وهي تدلُّ بالشكل العام على ((الدلالة المبينة للمحاجة أي المقصد المستقيم، الذي يقتضى صحَّة أحد النقيضين))([52])، ولذا فإنَّ هذه اللفظة يظهر من مفهومها العام وجود طرفين، وموضوعها غالبًا ما يكون في مواضيع الخصومة والجدال، هذا على مستوى اللغة.
2. الحجاج في الاصطلاح:
الحجاج ((هو العملية التي من خلالها يسعى المتكلم الى تغيير نظام المعتقدات والتصورات لدى مخاطبه بواسطة الوسائل اللغوية))([53])، وهدفه دراسة ((تقنيات الخطاب التي من شأنها أن تؤدي بالأذهان إلى التسليم بما يعرض عليها من أطروحات، أو أن تزيد في درجة ذلك التسليم))([54])، وذلك بما يتمُّ تقديمه من ((الحجج والأدلة المؤدِّية إلى نتيجة معيَّنة، وهو يتمثَّل في إنجاز تسلسلاتٍ استنتاجيَّةٍ داخل الخطاب، وبعبارة أخرى، يتمثَّل الحجاج في إنجاز متواليات من الأقوال، بعضها هو بمثابة الحجج، وبعضها الآخر هو بمثابة النتائج التي تستنج منها))([55])، ويُقارب مفهوم الحجاج بشكله العام مفهوم الخطاب؛ بل يتواشج معه وينسج مع معطياته، وذلك بما حدَّدناه للخطاب من أنَّه يستدعي متكلِّمًا لديه نيَّة التأثير بمتلقٍ مخصوص، والمتلقي فيه من التهيئة ما يكفي لاستقبال مضمون الخطاب، ورسالة مفادها التأثير في سلوك المتلقي، وهذا بعينه نجده في الحجاج؛ لأنَّه ((توجيه خطاب إلى متلقٍ ما لأجل تعديل رأيه أو سلوكه أو هما معًا، وهو لا يقوم إلَّا بالكلام المتألِّف من معجم اللغة الطبيعيَّة))([56])، ولذلك فالمفهومان منسجمان متناسقان يُكمل أحدهما الآخر.
وأمَّا المرتكزات التي يرتكز عليها الحجاج فهي تكمن في ثلاثة محاورٍ أساسيَّة:
((أوَّلًا: أخلاق القائل (المحدِّدات السياقيَّة)، ثانيًا: تصيير السامع في حالة نفسيَّة ما (التأثير)، ثالثًا: القول نفسه من حيث هو يثبت أو يبدو أنَّه يثبت))([57])، وهذه الأسس هي ما سنعتمدها في هذه الدِّراسة إلَّا أنَّنا سنقدِّم الثالث على الثاني؛ لطبيعة الدراسة التطبيقيَّة التي تبدأ من المتكلِّم بوصفه الباث للرسالة، ثمَّ الخطاب بوصفه رسالة موجَّهة إلى المتلقي، الذي يكون الختام عنده في معرفة مدى تأثير الرسالة عليه.
وأمَّا المبادئ الحجاجيَّة التي سنعتمد عليها في التحليل فهي الأسس التي تُشكِّل ((مجموعةً من المسلَّمات والأفكار والمعتقدات المشتركة بين أفراد مجموعة لغويَّةٍ وبشريَّةٍ معيَّنة، والكلُّ يسلِّم بصدقها وصحَّتها))([58])، وهذا ما يلائم الخطاب الذي ننوي دراسته؛ لاشتماله على أبعادٍ ثقافيَّةٍ وفكريَّةٍ واجتماعيَّةٍ، ذلك أنَّ الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) نوَّعت في حججها على مسارٍ تجعل المتلقي لخطابها يُسلِّم بمضمونه أو أنَّه يتأثَّر على أقلِّ تقدير، وطبيعة الحجاج الذي سندرسه فيه يوصف بأنَّه ((فعاليَّة تداوليَّة جدليَّة، فهو تداولي؛ لأنَّ طابعه الفكري مقامي واجتماعي؛ إذ يأخذ بعين الاعتبار مقتضيات الحال من معارف مشتركة ومطالب إخباريَّة وتوجيهات ظرفيَّة، ويهدف إلى الاشتراك جماعيًّا في إنشاء معرفة علميَّة إنشاءً موجّهًا بقدر الحاجة، وهو أيضًا جدلي؛ لأنَّ هدفه إقناعي قائم بلوغه على التزام صور استدلاليَّة أوسع وأغنى من البيانات البرهانيَّة الضيقة))([59]).
المبحث الأوَّل: قيمة المتكلِّم ومركزيَّته في الحجاج
يأخذ المتكلِّم مركزيَّةً مهمَّةً في الخطاب، فهو الذي يؤلِّفه على وفق قصديَّةٍ معيَّنةٍ، ويبنيه على وفق أنظمةٍ أسلوبيَّةٍ تنبثق من مستواه الثقافي، وما لديه من خزينٍ لغويٍّ يستطيع به توثيق رسالته بمؤثِّراتٍ لغويَّةٍ وغيرها، ولذلك يكون حضوره والكشف عن ماهيَّته ضروريًا في الكشف الدَّلالي على مستوى الدِّراسات في نظريَّات الخطاب، وهناك أساس آخر لا يقلُّ شأنًا عمَّا سبق، وهو قيمة المتكلِّم وسلطته الاجتماعيَّة، وهذا الأساس يمنح النصَّ إنجازيَّة وقوَّةً تأثيريَّة بقدر ما يمتلك المخاطب من رمزيَّة وسلطة قدسيَّة أو غيرها، وإذا اجتمع الأمران: الرصانة في صياغة الخطاب والإبداع في تنظيمه مع قيمةٍ رمزيَّةٍ فإنَّ الخطاب يتجاوز التلقي المعتاد إلى التأثير المباشر، على نحوٍ يستحوذ على متلقيه ويصبح مدارًا للقراءة والتأويل والدِّراسة والمراجعة، وفضلًا عن ذلك فإنَّه يمنح الخطاب طاقة حجاجيَّة مدارها النفوذ الاجتماعي والمكانة المتقدِّمة والوجاهة التي يحفظها المجتمع للمتكلِّم.
وإضافةً إلى ما تقدَّم فإنَّ المتكلِّم يعدُّ من مقوِّمات السياق([60])، بما يقتضيه من مراعاة المتكلِّم لحال السامعين وثقافتهم، والموازنة بين ما يُقال وثقافة السامع أو المخاطَب([61])، ولهذا ((تشدد التيارات التداوليَّة على أنَّ سلوك الأفراد إزاء الخطاب مرهون بحجَّة صاحبه – أي المتلفظ به- وكذا على المشروعيَّة المرتبطة بالمنزلة المعترف بها له))([62]).
وعلى أساس ما تقدَّم فإنَّ خطاب الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) يأخذ قيمته من درجتها الاجتماعيَّة وقيمتها القدسيَّة بوصفها بنت الرسول (صلَّى الله عليه وآله)، وقد قدَّمنا في التمهيد ما يكشف عن سموِّ منزلتها ومساحة نفوذها في المجتمع، ومن هنا سندرس مركزيَّة التأثير للزهراء (عَلَيها السَّلَامُ)، واستثمارها لتلك المركزيَّة في الخطاب، وما صاحب خطابها من حضورٍ للمؤثِّرات الخطابيَّة بصفتها المنتج للخطاب، وهذا الأمر سنتبيَّنه على وفق المحاور الآتية:
أوَّلًا/ إجراءات المتكلِّم وهيأته في تنظيم مهيمنات حجاجيَّة قبل الخطاب
يعمل المتكلِّم الفطن في الحجاج على إجراء مهيمنات خطابيَّة قبل أن يبدأ بالخطاب، من أجل أن يرفع من طاقة التلقي لخطابه، ويرفع من وتيرة تأثيره في الآخرين، ويزيد من ترقُّب المتلقِّي لما سيُلقى في الخطاب، فتتمكَّن من الإجراءات المسبقة وتتحكَّم فيه حتَّى يكون المتكلِّم المسيطر الوحيد في حدث التخاطب، وهذا بنفسه حجَّةٌ فاعلةٌ في إثبات مضمون الخطاب، ولذلك قيل ((هيئة المرسل وسلوكه (حجة) تعضد دعواه، فلا يدعو داعٍ (المرسل) إلى أمر إلَّا وقد تجسَّد في هيئته وسلوكه حتَّى يكون أكثر إقناعًا))([63])، وبذلك يسيطر المتكلِّم على جمهوره بما ينظِّمه من مهيمنات إجرائيَّة، وقد عمدت الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) إلى تصفيف بعضٍ من تلك الإجراءات؛ توثيقًا لحجَّتها، وممَّا ورد في هذا الشأن ((أنَّه لَمّا أجْمَعَ أبو بكر عَلى مَنْعِ فاطمةَ (عَلَيها السَّلَامُ) فَدَكَ، وبَلَغَها ذلك، لاثَتْ خِمارَها على رأسِها، واشْتَمَلَتْ بِجِلْبابِها، وأَقْبَلَتْ في لُمَةٍ مِنْ حَفَدتِها ونساءِ قَوْمِها، تَطأ ذُيُولَها، ما تَخْرِمُ مِشْيَتُها مِشْيَةَ رَسولِ الله صلى الله عليه وآله، حَتّى دَخَلَتْ عَلى أَبي بَكْر وَهُو في حَشْدٍ مِنَ المهاجِرين والأَنصارِ وَغَيْرِهِمْ، فَنيطَتْ دونَها مُلاءَةٌ، فَجَلَسَتْ))([64])، فالنَّصُّ يكشف الإجراءات التي اعتمدها الزهراء (عليها السلام) قبل الخطاب، فهي عصبت خمارها وشدَّته على رأسها، ثمَّ اشتملت بجلبابها، وهو الثوب الواسع ويطلق على الملحفة والرداء والازار، والمراد أنها غطت رأسها وصدرها أولا بالمقنعة، ثم لبست ملحفة تغطي جميع بدنها فالتفت بها، وهذا كناية عن غاية التستر، وأثوابها طويلة تستر قدميها، وتضع عليها قدمها عند المشي وجمع الذيل باعتبار الأجزاء أو تعدد الثياب،وخروجها كان بلمَّةٍ من الجماعة، والحفدة: الأعوان والخدم، (ما تخرم مِشيتها): الخرم الترك والنقص والعدول، والمشية بالكسر، أي لم تنقص مشيها من مشيه (صلى الله عليه وآله) شيئًا كأنَّه هو بعينه. والحشد: الجمع، فنيطت: علقت. وملاءة: الربطة والإزار يعلق للستر والحجاب بينها وبين القوم([65]).
وهذه الإجراءات من جملة التقنيات الحجاجيَّة ((التي تؤدِّي بالذهن إلى التسليم بما يعرض عليه من أطروحات، وأن تزيد في درجة التسليم، محاولة إذعان العقل لما يطرح عليه من أفكار))([66]).
يرسم هذا النَّص من خطاب الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) صورتها وهي متوجِّهه إلى حدث الخطاب، فلم تأتِ وحدها وإنَّما أقبلت في لُمَّةٍ نحو موطن الخطاب، وهذا بنفسه يُعطي لحدث الخطاب مزيدًا من الهيبة والتأثير، وينقل الحدث من كونه حدثًا فرديًّا إلى أن يكون رأيًا يعم الجميع، وكذلك ينقله من حدثٍ بين طرفين إلى حدثٍ يتجاوز الفرديَّة إلى الجماهيريَّة، وإضافةً إلى ذلك فإنَّ تحشيد الجمهور كلَّما ارتفع يزداد سقف التوثيق للحادثة، وبذلك فإنَّ ما نقلته الرواية من مصاحبات توثيقيَّة تدلُّ ((على أنَّ الزهراء كانت تصحبها معها نسوة من قومها وحفدتها كما سبق ذكره ومرد هذه الصحبة، وذلك الاختيار للباب العام الى أمر واحد، وهو تنبيه الناس، وكسب التفاتهم باجتيازها في الطريق مع تلك النسوة ليجتمعوا في المسجد، ويتهافتوا حيث ينتهي بها السير بقصد التعرف على ما تريده وتعزم عليه من قول أو فعل، وبهذا تكون المحاكمة علنية تعيها اسماع عامة المسلمين في ذلك الوسط المضطرب))([67]).
بعد ذلك يأتي وصف مشيتها التي ذكَّرتهم بمشية رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ممَّا يرفع من سقف التأثير في الإقناع؛ وذلك للاتِّصال المباشر برسول الله (صلى الله عليه وآله) مصدر السلطة الذي تتفق عليه الأطراف، وبذلك يزداد رصيد التأثير ((ويتسع لنا المجال لفلسفة هذا التقليد الدقيق فلعله كان طبيعة قد جرت عليها في موقفها هذا بلا تكلف ولا اعتناء خاص، وليس هذا ببعيد فإنَّها (صلوات الله عليها) قد اعتادت أن تقلد أباها وتحاكيه في سائر أفعالها وأقوالها، ويحتمل أن يكون لهذه المشابهة المتقنة وجه آخر، بأن كانت الحوراء قد عمدت في موقفها يومذاك الى تقليد أبيها في مشيه عن التفات وقصد فأحكمت التمثيل وأجادت المحاكاة، فلم تكن لتخرم مشية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأرادت بهذا أن تستولي على المشاعر واحساس الناس وعواطف الجمهور بهذا التقليد الباهر الذي يدفع بأفكارهم الى سفر قصير، وتجول لذيذ في الماضي القريب حيث عهد النبوة المقدس. والأيام الضواحك التي قضوها تحت ظلال نبيهم الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) فيكون في إرهاف هذه الإحساسات وصقلها صقلًا عاطفيا ما يمهد للزهراء الشروع في مقصودها. ويوطئ القلوب لتقبل دعوتها الصارخة واستجابة استنقاذها الحزين، ونجاح محاولتها اليائسة أو شبه اليائسة. ولذا ترى أنَّ الراوي نفسه أثرت عليه هذه الناحية أيضًا من حيث يشعر أو لا يشعر، ودفعه تأثره هذا الى تسجيلها فيما سجل من تصوير الحركة الفاطمية))([68])، ونتيجة ما سبق فإنَّ الإجراءات التي يفعِّلها المتكلِّم في أثناء خطابه تمثِّل ((البؤرة التي تلتقي فيها جميع العناصر الحجاجيَّة من مقدِّرات برهانيَّة، وحقائق فعليَّة، وقرائن بلاغيَّة، وقيم بشتَّى أقسامها وعلاقة هذه القيم بمراتب الكائنات والأشخاص المعنيين بخطابٍ ما))([69]).
ثانيًا/ انفعال المتكلِّم وسمته العاطفي وأثره في الحجاج
يأخذ الجانب الانفعالي للمتكلِّم في أثناء الخطب مسارًا حجاجيًّا يرفع من وتيرة التأثير والتفاعل مع الخطاب، وكلَّما كان الانفعال متصاعدًا موازيًا للحدث التخاطبي بسط نفوذه على أكبر قدرٍ من السيطرة على الجمهور المتلقي للخطاب. وقد حمل خطاب الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) جوانبًا انفعاليَّة موازية للحدث التخاطبي وفاعلةً في التأثير الحجاجي، وممَّا ورد في هذا الصدد ما جاء من خطبتها: ((ثُمَّ أَنَّتْ أَنَّةً أَجْهَشَ القومُ لها بِالْبُكاءِ، فَارْتَجَّ الْمَجلِسُ، ثُمَّ أمْهَلَتْ هَنِيَّةً حَتَّى إذا سَكَنَ نَشيجُ القومِ، وهَدَأَتْ فَوْرَتُهُمْ، افْتَتَحَتِ الْكَلامَ بِحَمدِ اللهِ وَالثناءِ عليه والصلاةِ على رسولِ الله، فعادَ القومُ في بُكائِهِمْ، فَلَما أمْسَكُوا عادَتْ فِي كلامِها))([70]).
والمعنى: أجهش: الجهش أن يفزع الانسان إلى غيره، وهو يريد البكاء، كما الصبي إلى أمِّه بالبكاء. ارتج: الاضطراب. وهنيهة: زمنًا قليلًا. نشيج: صوت معه توجع وبكاء، إذا غص البكاء في حلقه ولم ينتحب، الفورة: الشدة وفارت بمعنى جاشت([71]).
وهنا نجد مساحةً من التأسيس للخطاب بوصفه صمتًا متفجِّر الدَّلالة، فبعد أن جلست الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) أنَّت، فقابلها الجمهور بالبكاء الشديد، وكأنَّها تهيئة عاطفيَّة؛ لما سيأتي من حدثٍ تخاطبيٍّ، أو تذكيرٍ بحدثٍ سابق كان سبب أنَّة الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ)، وما كان من الجمهور أن هزَّ المجلس لتلك الأنَّة، وكأنَّها أتى بأعلى ما يكون من استجابةٍ عاطفيَّةٍ للخطاب الذي سيأتي، وما أسهم في رفع وتيرة الاستجابة صمت الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) بعد الأنَّة، وكأنَّها تفسح المجال لفوران العاطفة لدى الجمهور، وإلى الآن لم يكن الخطاب إلَّا أنَّةً تبعها صمت أشعل الحدث التخاطبي بالعاطفة الجيَّاشة، ثمَّ ارتقت الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) بعاطفة الجمهور أكثر فذكرت بعد الحمد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فازداد لهيب العاطفة لدى الجمهور، لما تمثِّله الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) من اتِّصالٍ حقيقي بهذا المخلوق المتكامل الذي ما زال فقده رطبًا في قلوب الجمهور.
ثالثًا/ حجاجيَّة مقام المتكلِّم وسلطته في التأثير
يسعى المتكلِّم في بعض المواقف إلى الكشف عن هويَّته أو تذكير الجمهور بمنزلته وقيمته من أجل أن يرفع من طاقة الحجاج والتأثير في الإقناع؛ ولا سيَّما لو أنَّه استند إلى قواعد تعريفيَّة يؤمن بها الجمهور وينصاع إليها، فإنَّ هكذا أسلوب من شأنه أن يحدث انتقالة في الخطاب نحو تصعيد مستوى الحجاج، وقد ورد هذا الأمر في خطاب الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ)، وممَّا جاء منه: ((وأشهدُ أنَّ أبي محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، اختارهُ قبلَ أن اجْتباهُ، واصطفاهُ قبلَ أن يَبْتعثهُ؛ إذِ الخلائقُ بالغيبِ مكنونةٌ، وبنهايةِ العدمِ مقرونةٌ، علمًا منَ اللهِ بعواقبِ الأمورِ، وإحاطةً منه بحوادثِ الدُّهورِ، ومعرفة منه بعواقبِ المَقدورِ))(32). فالزهراء (عليها السلام) تؤكِّد نسبتها إلى الرسول محمَّد (صلَّى الله عليه وآله) بموضعٍ يستدعي التفكُّر بمنزلتها العظيمة التي تكسر المألوف وتتجاوز الرتابة في التعامل معها، فهي أتت بها بعد الشهادة بالوحدانيَّة لله تعالى، أي بالركن الثاني لهويَّة الإسلام، لتكشف عن هويَّتها المقدَّسة التي تناساها القوم، فثبَّتتها في أوَّل الخطاب من أجل أن ترفع من وتيرة التفاعل مع خطابها بقدر المنزلة والسلطة التي لها في نفوس الجمهور، ثمَّ لم تكتفِ بذلك وإنَّما كرَّرت تثيبت الهويَّة في موضعٍ آخر فقالت: ((فَأَنَارَ اللَّهُ بِأَبِي (صلى الله عليه وآله) ظُلَمَهَا))([72])، وهنا الهويَّة مقرونة ببيان أثر الرسول (صلى الله عليه وآله) في النور الذي عمَّ البريَّة فأنار الله تعالى به العالم بعد أن كانت الظلمة مخيِّمةً عليه بجاهليَّة الدِّين والتخلُّف في العقيدة والإنسانيَّة.
ولا تقف الزهراء (عليها السلام) عند هذا الحد من تعريف هويَّتها وإنَّما تتجه اتِّجاهًا آخر في بيان هويَّتها فتبيِّن انفرادها بهذه الهويَّة وتخصيصها بها دون غيرها، وذلك بقولها: ((أيُّها النّاسُ! اعْلَمُوا أنِّي فاطِمَةُ، وَأبي مُحمَّدٌ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، أَقُولُ عَوْدًا وَبَدْءًا، وَلا أقُولُ ما أقُولُ غَلَطًا، وَلا أفْعَلُ شَطَطًا: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيم﴾([73]) فَإنْ تَعْزُوه وَتَعْرِفُوهُ تَجِدُوهُ أبي دُونَ نِسائِكُمْ، وَأخا ابْنِ عَمَّي دُونَ رِجالِكُمْ))([74]).
يحملُ هذا النَّصُّ أبعادًا حجاجيَّة متنوِّعة تؤدِّي إلى تراكم دلاليٍّ وتكوثرٍ يتَّجه حول بؤرة الحدث التخاطبي؛ بوصفه مقدِّمةً لعرض حادثة فدك، ولمَّا كان المنازع في ذلك الخليفة الأوَّل وما ألبسه هذا المقام من تسلُّطٍ في الخطاب وسيطرةٍ على الجمهور كان لابدَّ من الإتيان بمستوى من التعريف بالهويَّة يتجاوز هذا السقف للطرف الآخر، على نحوٍ يكون ردعًا مناسبًا للخصم المحاجج، فجاءت الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) بنداء (أيُّها النَّاس) بما يحمل من عموميَّةٍ مطلقة تشمل المتلقين بكلِّ أصنافهم، ثمَّ كشفت عن هويَّتها باسمها الصريح وبانتسابها للرسول (صلَّى الله عليه وآله)، بعدها أبانت عن هويَّة هذا الرسول بشاهدٍ قرآنيٍّ لا يقبل التشويش أو التعمية، ثمَّ انتقلت إلى تخصيص هويَّتها الانتمائيَّة لهذا الرسول على نحوٍ لا يشاركها أحدٌ، فهو أبوها دون الجميع، وأخو زوجها دون الجميع، وبذلك انطلقت الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) من أفقٍ حجاجيٍّ واسعٍ لا يمكن أن يُقابل بمعادل موضوعي من الطرف الآخر مهما جاء من هويَّةٍ حجاجيَّةٍ في هذا الجانب، وبذلك سيطرت الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) على صدر الخطاب بما استحضرته من حجيَّة الهويَّة، وقد اختارت لها مكانًا في الخطاب استطاعت به أن ترفع من وتيرته التأثيريَّة، فجاءت به بعد مقدِّمة الأنَّة وإجهاش الناس بالبكاء، حتَّى تبقي ذلك الهيجان العاطفي مستمر مع الهويَّة وبالتفاعل نفسه مع ما سيأتي من خطاب.
وممَّا ورد أيضًا بهذا الخصوص ما جاء في خطاب الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) إلى نساء المهاجرين والأنصار، عندما قلن لها: ((فَقُلْنَ لَهَا كَيْفَ أَصْبَحْتِ مِنْ عِلَّتِكِ يَا ابْنَةَ رَسُولِ الَّلهِ فَحَمِدَتِ اللَّه وَصَلَّتْ عَلَى أَبِيهَا (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ)، ثُمَّ قَالَتْ: أَصْبَحْتُ وَاللَّهِ عَائِفَةً لِدُنْيَاكُنَّ، قَالِيَةً لِرِجَالِكُنَّ، لَفَظْتُهُمْ بَعْدَ أَنْ عَجَمْتُهُمْ، وَشَنَأْتُهْ بَعْدَ أَنْ سَبَرْتُهُمْ، فَقُبْحًا لِفُلُولِ اَلْحَدِّ وَاللَّعِبِ بَعْدَ اَلْجِدِّ وَقَرْعِ الصَّفَاةِ، وَصَدْعِ اَلْقَناةِ وَخَطَلِ اَلْآراءِ وَزَلَل اَلْأَهْوَاءِ، وَ)لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ(([75]) لا جَرَمَ لَقَدْ قَلَّدْتُهُمْ رِبْقَتَهَا، وَحَمَّلْتُهُمْ أَوْقَتَهَا، وَشَنَنْتُ عَلَيْهِمْ غَارَهَا، فَجَدْعًا وَعَقْرًا وَبُعدًا لِلْقَوْمِ الظّلِمِينَ))([76]).
فالزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) تكشف عن حالتها الانفعاليَّة والنفسيَّة فكانت كارهة للدُّنيا، وقالية لرجال نسوة الأنصار، ثمَّ تبيِّن أنَّها (لفظتهم) أي رمت بهم بعد أن عرفت معدنهم وبعدما تأمَّلت مواقفهم، وهذا الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) تكشف حالتها الانفعاليَّة لهؤلاء النسوة، فتثبِّت الحجَّة على المجتمع الذي خذلها وتخاذل عن نصرتها، فكانت حالتها النفسيَّة بمثابة حجَّةٍ فاعلةٍ في رفع طاقة التأثير للمتلقي؛ ولم يقف حجاج الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) بما تحمل من بعد نفسي عند ذلك الجمهور الذي خذلها؛ وإنَّما الهدف تسجيل موقف وتقييد حكم للأجيال القادمة، مدعمًا بالأثر النفسي والحجَّة العاطفيَّة التي قررت الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) تضمينها لخطابها؛ ليكون مؤثِّرًا بأعلى ما يكون من درجات التأثير. فالخطاب الحجاجي ((غايته القصوى إقناع المتلقِّي بما يحمله من أفكار وما يعرضه من مواقف أو إغرائه بهذه الأفكار وتلك المواقف؛ ليحدث في نهاية المطاف أثرًا واضحًا في المتلقي لا من حيث أفكاره فحسب؛ بل من حيث مواقفه وما قد يكون له من سلوك واقعي ملموس، وتحقيق هذا التغيير أو التبدّل في أفكار المتلقي ومواقفه يعدُّ علامة نجاح الخطاب الإقناعي ووجاهة الحجاج المتعمد، أو هو النتيجة المتوقّعة لخطابٍ ناجحٍ وحجاجٍ وجيهٍ ناجعٍ))([77])، ولذا فإنَّ المتكلِّم ومركزيَّه في الحوار تشكِّل أهم ((مظاهر التواصل؛ لما لها من أثر أساس في تشكيل خطاب حجاجي يسعى إلى خلق إطار تواصلي إقناعي يؤسِّسه المحاجج والمتلقي))([78]).
المبحث الثاني: مضمون الخطاب ومركزيَّته في الحجاج
يختلف الخطاب الحجاجي عن غيره في جملةٍ من الميزات أهمُّها أن يعتمد البناء والدِّيناميكيَّة بمعنى أن تكون فعاليَّة الخطاب الحجاجي من طريقة بنائه وتفاعل عناصره ومكوِّناته، ومن ثمَّ الفاعليَّة بين تلك المكوِّنات، وبعدها تعدُّد مستويات القراءة والتأويل بأن تكون له فضاءات واسعة في الإدراك والبناء المعرفي، على نحوٍ أن يكون التأويل على مستويين: الأوَّل: استقبال العبارة اللغويَّة، والثاني: فيتمُّ فيه تأويل العبارة أو العلامة اللغويَّة وفهمها، بمعنى أنَّ المستوى الأوَّل يُعدُّ فهمًا أوَّليًّا لمعنى القول، والثاني فهمًا ثانويًّا أي تأويل لمعنى القول، ولا يتمُّ التأويل بمعزل عن ظروف الخطاب وسياقاته ومقاماته التي تكتنفه ويتمُّ فيها، وأخيرًا خاصيَّة الاعتقاد بما تحمل من قيمٍ معنويَّة وأخلاقيَّة([79]).
وسندرس المضامين الحجاجيَّة على وفق النقاط الآتية:
أوَّلًا/ حجاجيَّة مقدِّمة الخطاب
ابتدأت السيِّدةُ الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) خطبتَها الفدكيَّة بقولها: ((الحمدُ لله على ما أنعمَ، وله الشكرُ على ما ألهمَ، والثناءُ بما قدّمَ من عمومِ نِعَمٍ ابتدأها، وسبوغِ آلاءِ أسداها، وتمامِ مِللٍ أولاها، جمَّ عن الإحصاءِ عددُها، ونأى عن الجزاءِ أمدُها، وتفاوتَ عن الإدراكِ أبدُها، وندبهم لاستزادتها بالشُّكرِ لاتّصالِها))([80]).
وهذا معنى قرآني اعتادت الخطب الإسلاميَّة أن تبدأ بالحمد والثناء لله تعالى، فالقرآن الكريم يبدأ بسورة الحمد، وأوَّلها: )الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(([81])، وهنا الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) ابتدأت بهذا التقليد القرآني، وفحواها حجَّة موجَّهة إلى الجمهور الذي لابدَّ أن يجتهد بحمد الله تعالى الذي تفضَّل عليه بنعمة الإسلام، وبنعمة النبيِّ محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)، الذي أخرج العرب من الظلمات إلى النور، ومن الجاهليَّة إلى حقيقة المعرفة، وكذا فيها حجَّة إقناعيَّة على أنَّ الحمد والثناء لا يكون في وقت الرخاء فقط وإنَّما يجب أن يكون ديدن المسلم في الرخاء والشدَّة.
وأمَّا بنية الخطاب في المقدِّمة في قولها: (جمَّ عن الإحصاءِ عددُها، ونأى عن الجزاءِ أمدُها، وتفاوتَ عن الإدراكِ أبدُها) فهذا معنى قرآنيٌّ أيضًا، مرجعيَّته قوله تعالى: )وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ(([82])، وقوله تعالى: )وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ(([83]).أمَّا قولها: (وندبهم لاستزادتها بالشُّكرِ لاتّصالِها)، فهذا أيضًا معنى قرآني مرجعيَّته: )وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(([84])، فالزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) ترسِّخ المعاني القرآنيَّة في خطابها من أوَّل وهلةٍ فترفع من طاقة التلقي لدى الجمهور بعد أن حمَّلت خطابها طاقةً حجاجيَّة زاد بها تفاعل المكوِّنات من المقدِّمة، فتواشجت عتبة الخطاب مع الحدث الذي هي بصدده وع المقام وثقافة الجمهور، ويمكن أيضًا أن نفهم منها دعوةً لاقتفاء الحمد على أي حالٍ؛ بوصفه استزادة للخير، وهو منهج دعا إليه أهل البيت (عليهم السلام)، وذلك بقول الإمام الصادق (عليه السلام): ((ما أنعمَ اللهُ على عبدٍ من نعمةٍ فعرفها بقلبهِ، وحمدَ اللهَ ظاهرًا بلسانهِ، فتمَّ كلامُهُ حتَّى يؤمرُ له بالمزيدِ))([85]).
وهكذا فقد هيَّأت الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) ذهن المتلقي في هذه الخطبة نفسيًّا وانفعاليًّا ومعرفيًّا وقرآنيًّا، من أجل أن تنطلق بعد ذلك ببعدها الحجاجي قبال السلطة في إثبات مضمون خطابها. وأمَّا كلماتها في هذا مقطع من الخطاب فقد كانت تتميَّز بالطلاقة اللفظية: word fluency))، وماهيَّتها القدرة على توليد عدد من الكلمات باعتبارها تكوينات أبجدية يعتمد فيها المبدع على مخزونه المعرفي في الذاكرة؛ بغية تحقيق أفكاره الإبداعية على أرض الواقع([86]).
وهناك ميزةٌ أخرى في هذه المقدِّمة، وهي التقديم والتأخير فيها، وهو خرق يقصده المتكلِّم لأنظمة اللغة؛ بغية شدِّ انتباه المتكلِّم وتحصيل مقاصد لا تأتي على نطاق الاستعمال على مستوى التركيب الحقيقي، وقد وصف هذا الأسلوب بأنَّه كثير الفوائد، جم المحاسن، واسع التصرف، بعيد الغاية لا يزال يفتر لك عن بديعه، ويفضي بك إلى لطيفه([87]).
ولو تأمَّلنا في المقدِّمة فسنجد تقدم الخبر (له) شبه جملة على المبتدأ (الشكر)، وهذا الخرق أفاد اختصاص الشكر بالله تعالى وحده، وهو تخصيص يستدعيه الإخلاص لله تعالى وحده؛ بوصفه المنعم المتفرِّد على الإنسان، وتخصيص الشكر بالله تعالى يكشف عن الانقطاع إليه والذوبان في ذاته. وهذا المعنى إنَّما ترشَّح نتيجة العدول عن القاعدة العامَّة التي تقتضي تأخير الخبر، وأمَّا كسرها فهو بمثابة منبِّه يعمد إليه المبدع ليخلق صورة فنيَّة مميَّزة([88]).
ثانيًا/ الحجاج بالقرآن الكريم
يمثِّل القرآن الكريم الخطاب الأعلى في العقيدة الإسلاميَّة، فهو كلام الله تعالى، والمتَّفق على قدسيَّته وإنجازيَّته الأعلى في نفوس الجمهور المسلم، ولذلك عمد الخطباء منذ صدر الإسلام إلى الاستشهاد بآياته واقتباس ألفاظه، ولم يتوقف الأمر عند حدود الأدب وإنَّما شمل الشعر بأنواعه، وأقلُّ ما يمكن أن يُعلَّل الاقتباس من القرآن الكريم هو الاستعانة بقوَّة إنجازيَّته بوصفها حجَّة لازمة من أجل إثبات مضمون الخطاب، وكذلك رفع قيمة الخطاب فيما لو تضمَّن بعض الآيات أو الألفاظ القرآنيَّة، وعلى كلِّ الاحتمالات فإنَّ معنى الحجاج في التوظيف القرآني ثابتٌ؛ لأنَّ من يسعى إلى التوظيف يبتغي إقناع المتلقي بمضمون خطابه وقصديَّته فيسعى إلى تقوية ذلك بالاستشهاد، وهذا أحد معاني الحجاج.
ولو عدنا إلى خطاب الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) فسنجدها من أوائل من استند على الخطاب القرآني حجاجيًّا، وأوَّل من طبَّق قاعدة العرض على القرآن الكريم تطبيقًا عمليًّا، وذلك عندما جاء الخليفة الأوَّل بحديث معاشر الأنبياء لا نورث ردَّته الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) بالحجاج بالقرآن الكريم، وبذلك فقد جعلت من القرآن الكريم حاكمًا ومهمينًا على السنَّة. وسندرس حجاج الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) بالقرآن الكريم على وفق المحاور الآتية:
1. بيان حجيَّة القرآن الكريم
أشارت الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) في خطابها بفقرةٍ تعريفيَّةٍ بالقرآن الكريم، جعلت منها مقدِّمةً لما سيأتي من احتجاجٍ بآيات الله تعالى، وذلك قولها: ((كِتابُ اللهِ النّاطِقُ، والقُرْآنُ الصّادِقُ، وَالنُّورُ السّاطِعُ، وَالضِّياءُ اللَّامِعُ، بَيِّنَةٌ بَصائِرُهُ، مُنْكَشِفَةٌ سَرائِرُهُ، مُتَجَلِّيَةٌ ظَواهِرُهُ، مُغْتَبِطَةٌ بِهِ أَشْياعُهُ، قائِدٌ إلى الرِّضْوانِ اتّباعُهُ، مُؤَدٍّ إلى النَّجاةِ إسْماعُهُ، بِهِ تُنالُ حُجَجُ اللهِ المُنَوَّرَةُ، وَعَزائِمُهُ المُفَسَّرَةُ، وَمَحارِمُهُ المُحَذَّرَةُ، وَبَيِّناتُهُ الجالِيَةُ، وَبَراهِينُهُ الكافِيَةُ، وَفَضائِلُهُ المَنْدوبَةُ، وَرُخَصُهُ المَوْهُوبَةُ، وَشَرايِعُهُ المَكْتُوبَة))([89]).
فهذه هويَّة تعريفيَّة بالقرآن الكريم أعطها الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) للجمهور من أجل تذكيرهم بأهميَّة هذا الكتاب، وعلوِّ مقامه في الحجاج، ولا سيَّما وأنَّ هذا المقطع ورد في الخطبة الفدكيَّة التي استعملت الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) حجاجًا قرآنيًّا واسعًا، وذلك لمَّا زعم أبو بكر بحديث عن الرسول (صلى الله عليه وآله) فحواه أنَّ الأنبياء لا يورثون، حتَّى بعد ذلك عندما تأتي بالآيات القرآنيَّة في الحجاج يكون المتلقي على وعيٍ تامٍّ بأهميَّة القرآن الكريم، التي أشارت لها الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) في أوَّل المقدِّمة للحجاج.
ولم تكتفِ (عَلَيها السَّلَامُ) بذلك وإنَّما أشارت إلى أنَّ هذا الكتاب بين أيديكم، وأحكامه بيِّنة بأوامره وزواجره، ولكنَّ القوم جعلوه وراء ظهورهم، ثمَّ حكمت عليهم بآياتٍ من القرآن الكريم، وذلك قولها: ((وكِتابُ اللهِ بينَ أظْهُرِكُمْ، أُمُورُهُ ظاهرةٌ، وأَحكامُهُ زاهرةٌ، وأعلامُهُ باهرةٌ، وزواجرُهُ لائِحةٌ، وأوامرُهُ واضحةٌ، وقد خلَّفتموه وراء ظهورِكم، أرغبةٌ عنهُ تُريدونَ أم بغيرِهِ تَحْكُمونَ؟ ﴿بئسَ للظَّالِمينَ بدلًا﴾([90])، ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾([91])))([92]).
فالحجَّة القرآنيَّة التي استدعتها الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) مقتضاها أنَّه مع توفُّر الكتاب بأحكامه البيِّنة إلَّا أنَّ القوم جعلوه وراء ظهورهم كنايةً عن تركهم لأحكام الله تعالى، واستبدالها بأحكامٍ أخرى تتلاءم مع مصالحهم ومنافعهم، فكان الحكم القرآني لهم أنَّهم بئس ما بدَّلوا به أحكام الله تعالى، وهذا ينسحب على الحجَّة القرآنيَّة الثانية التي تستدعيها الحجَّة الأولى وتكون نتيجة طبيعيَّة لها، وهي أنَّ استبدالهم لأحكام الله تعالى يقتضي اتِّباعهم لغير أحكام الإسلام، ومن يفعل ذلك فإنَّه سيكون من الخاسرين، وهذا تهديد من الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) للقوم، وتنبيه شديد لما هم عليه من الأحكام المخالفة للقرآن الكريم، فكان قولها بحقٍّ مقدِّمة حجاجيَّة تهيئ أذهان المتلقين لما سيأتي من أحكامٍ قرآنيَّة صريحة مع بيان المخالفات التي انتهكتها السلطة في قبال تلك الأحكام، وبذلك فقد أبانت الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) حكم المخالفين وثبَّتت الحجَّة عليهم أمام الجمهور بأنَّهم مخالفون للقرآن الكريم الذي بيَّنت هويَّته التعريفيَّة، مع العاقبة التي تنتظرهم نتيجة تلك المخالفة.
ومع ذلك فقد دعتهم (عَلَيها السَّلَامُ) إلى تدبُّر القرآن الكريم، ومحاكمة ما انتهوا إليه مع آياته، ولكن النتيجة أنَّ الرَّين تلبَّس في قلوبهم، وذلك قولها: ((مَعاشِرَ النَّاسِ المُسْرعة إلى قيلِ الباطلِ، المُغْضِيةِ على الفِعْلِ القبيحِ الخاسِرِ، ﴿أفلا يتدبَّرونَ القُرْآنَ أم على قُلوبٍ أقفالها﴾([93])، ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم﴾([94]) ما أسأتمْ من أعمالِكم فأخذَ بسمْعِكم وأبصارِكم))([95])، وإذا تلبَّس الرين في القلب، واتَّجه الإنسان نحو مخالفة القرآن الصريحة فإنَّه حتمًا سيكون في حكم الجاهليَّة، التي لم تكن تنصاع لأحكام الله تعالى، وقد أشارت (عَلَيها السَّلَامُ) إلى ذلك بقولها: ((وأنتم الآن تَزْعُمونَ أن لا إرْثَ لنا! أَ فَحُكْمُ الْجاهليَّةِ تَبْغونَ، ﴿ومَنْ أَحْسنُ منَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنونَ﴾، أفلا تَعْلَمُونَ))([96])(69). وكلُّ ذلك لم يؤشِّر عند السلطة من ردود فعلٍ على الرغم من سيطرة حجاج الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) على مطلق ما جاؤوا به من حجج، ووقفت السلطة بخطابها عاجزةً على مقارعة خطاب الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) وحججها المنتظمة والمترتبة على وفق سلِّمٍ من الترقي نحو البيان لمضمون خطابها، ولم يجدوا إلَّا السكوت جوابًا لحجاجها (عَلَيها السَّلَامُ)، فثبتت حجَّتها على المتلقين المنصفين في كلِّ العصور وعلى مرِّ الأيام.
2. قاعدة العرض على القرآن الكريم
أرسى النبيُّ محمَّد (صلى الله عليه وآله) قواعد لقبول حديثه؛ لأنَّه كان يعلم أنَّه سيأتي من يضع الحديث على لسانه لأغراضٍ شتَّى، ومن تلك القواعد ما جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله: ((خَطَبَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله) بِمِنًى فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ مَا جَاءَكُمْ عَنِّي يُوَافِقُ كِتَابَ اللَّه فَأَنَا قُلْتُه، ومَا جَاءَكُمْ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّه فَلَمْ أَقُلْه))([97])، وهذا الأساس الذي خطَّه النبيُّ (صلى الله عليه وآله) وجد تطبيقه الأوَّل عند الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) في حجاجها مع أبي بكر عندما زعم حديث أنَّ الأنبياء لا يورثون، وهنا قدَّم أبو بكرٍ حجَّةً أسندها إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) فلم تقابله الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) بحجَّةٍ مماثلة وإنَّما جاءته بحجَّةٍ تُبطل حجَّته وتُثبت دعواها، وذلك بقولها: ((ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاَءِ تَزْعُمُونَ أَنْ لاَ إِرْثَ لَنَا، أَفْحُكْمَ اَلْجٰاهِلِيَّةِ تَبْغُونَ؟ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللّٰهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ؟ إِيهًا مَعَاشِرَ اَلنَّاسِ أُبْتَزُّ إِرثِيَهْ! يا اِبْنَ أَبِي قُحَافَةَ أَفِي اَلْكِتَابِ أَنْ تَرِثَ أَبَاكَ وَلاَ أَرِثَ أَبِي! لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا، جُرْأَةً مِنْكُمْ عَلَى قَطِيعَةِ اَلرَّحِمِ وَنَكْثِ اَلْعَهْدِ. أَ فَعَلَى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتَابَ اَللَّهِ وَنَبَذْتُمُوهُ وَرٰاءَ ظُهُورِكُمْ، إِذْ يَقُولُ: )وَوَرِثَ سُلَيْمٰانُ دٰاوُدَ(([98])، وَفِيمَا اِقْتَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيَى وَزَكَرِيَّا؛ إِذْ يَقُولُ: )فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِيَ عْقُوبَ وَاِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا(([99])، وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: )يُوصِيكُمُ اللّٰهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ اَلْأُنْثَيَيْنِ(([100])، وَقَالَ تَعَالَى: )إِنْ تَرَكَ خَيْرًا اَلْوَصِيَّةُ لِلْوٰالِدَيْنِ وَاَلْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى اَلْمُتقِين(([101])))([102]).
فالزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) استدعت حشدًا من الآيات القرآنيَّة ردًّا على ما ادَّعاه أبو بكرٍ من زعم النقل عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) من أنَّ الأنبياء لا يورثون، فقدَّمت إليه حجاجًا موسَّعًا شمل نبيَّينِ نصَّ القرآن الكريم على إرثهما، ثمَّ بعد ذلك أعطته العموم الذي نطقت به الآية الكريمة في الإرث، وهي أنَّ للذكر مثل حظ الأنثيين، وبذلك كان الحضور لحجاج الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) المتفرِّد في ساحة التخاطب، فمعها الأصل القرآني في وراثة الذكر والأنثى للآباء من دون تخصيص، ثمَّ بعد ذلك استحضار وراثة الأنبياء بموضعين من القرآن الكريم، وبذلك تصبح الحجَّة التي جاء بها أبو بكرٍ هواء في شبك؛ لأنَّها تخالف القرآن الكريم، وعلى أساس قاعدة العرض فإنَّها تُرفض تمامًا.
وبعد أن بدَّدت الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) حجاج الطرف الآخر انتقلت به إلى أسلوب الإقرار عبر الاستفهام الإنكاري، الذي يهدف به المتكلِّم إلى حمل المخاطب على التسليم إليه بعد أن سدَّ عليه نوافذ الحجج، وذلك بقولها: ((وَزَعَمْتُمْ أَنْ لاَ حَظَّ لِي وَلاَ إِرْثَ مِنْ أَبِي، أَ فَخَصَّكُمُ اللَّهُ بِآيَةٍ أَخْرَجَ أَبِي منها؟ أَمْ تَقُولُونَ: إِنَّ أَهْلَ مِلَّتَيْنِ لاَ يَتَوَارَثَانِ؟ أَوَ لَسْتُ أَنَا وَأَبِي مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ؟ أَمْ أَنْتُمْ أَعلَم بِخُصُوصِ اَلْقُرْآنِ وَعُمومُهِ مِمَّنْ جَاءَ بِهِ))([103]).
وهنا جاء الحجاج على نمط الاستفهام الإنكاري نافيةً أن يكون التخصيص للإرث في القرآن الكريم في عموم الأبناء ما خلا أبناء الأنبياء، ولا يوجد في القرآن الكريم على طوله ما يؤيِّد ما انتهى إليه أبو بكرٍ من حديثٍ آحادٍ تفرَّد بنقله، وبذلك تثبت الحجَّة عليهم بالدليل القاطع، ولمَّا سيطرت عليهم الحجج واستيقنوا أنَّها لازمة فما كان منهم إلَّا أن جحدوها علوًّا وعتوًّا واستكبارًا، وفي هذه المرحلة التي لم تسمع منهم الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) إجابةً صدحت ببيان عاقبتهم فقالت: ((فَدُونَكَهَا مَخْطُومَةً مَرْحُولَةً تَلْقَاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ. فَنِعْمَ الْحَكَمُ الَّهُ، وَالزَّعِيمُ مُحَمَّدٌ، وَالْمَوْعِدُ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ، وَعِنْدَ اَلسَّاعَةِ يَخْسَرُ اَلْمُبْطِلُونَ، وَلِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ، وَسَوْفَ تَعْلَمُون مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ))([104]).
فبعد أن ثبتت الحجَّة عليهم ولم يُسلِّموا بما تستدعي تلك الحجَّة أخبرتهم ترهيبًا لهم بأنَّ الله تعالى سيكون هو الحكم، والزعيم نبيُّه، والموعد يوم القيامة، وهناك لا مجال لجحد الحجَّة أو الاستكبار عليها.
وبذلك فإنَّ الزهراء(عَلَيها السَّلَامُ) ابتدأت حجاجها بالتعريف في هويَّة القرآن الكريم، وبعدها انتقلت إلى الآيات القرآنيَّة التي أثبتت فيها بطلان ما ادَّعاه أبو بكر، ثمَّ بيَّنت لهم الأصل في الإرث زيادة في إثبات الحجَّة، وبعد ذلك كشفت عن شيء من مسرح الآخرة في اللقاء بين الخصوم وأين ستكون العاقبة، وبذلك قدَّمت تكوثرًا من الدَّلالات المترابطة في ترصين الحجَّة وإثبات مضمون الخطاب.
3. غصب الخلافة خسران مبين
استدعت الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) توظيفًا قرآنيًّا جعلت منه حجَّةً في بيان عاقبة الذين غصبوا الخلافة، وأشارت بشكلٍ مباشر إلى الكيفيَّة التي استولوا بها على مقاليد السلطة، وذلك قولها: ((ويَحَهم: انّى زَعزعوها عن رواسي الرِّسالة، وقواعد النُّبوّةِ والدَّلالةِ، ومَهبِطِ الرُّوح الأمينِ، والطَّبينِ بأمور الدُّنيا والدِّينِ، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾([105])))(20)، وهنا استعارت الرواسي للرسالة والقواعد للنبوَّة، وكذلك المهبط للوحي، مشيرةً إلى أنَّ أصل الإمامة عندهم وقواعده فيهم؛ ولكنَّ القوم تمادوا على الأصول، واستولوا حقًا ليس لهم، فكانت عاقبتهم الخسران المبين، وهنا حجاج من الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) مادَّته أنَّهم صاروا مصداقًا لهذه الآية الكريمة، وإنَّما جاءت بالآية ولم تبيِّن لهم بألفاظها من أجل رفع قيمة الخطاب وشدَّة التأثير وإثبات الحجَّة، وكذلك إثبات القدرة على استحضار المعاني القرآنيَّة في المواجهة الخطابيَّة.
ثمَّ تزيد الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) في حجاجهم فتقول: ((وإنْ تعجب فعجبٌ قولهم: ليت شعري؛ إلى أيِّ سَنادٍ استندوا؟ وإلى أيِّ عماد اعتمدوا؟ وبأيّ عروةٍ تمسَّكوا؟ وعلى أيّةِ ذرّيّةٍ أقدموا واحتنكوا؟ ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾([106])، و﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾([107])))(21).
وهنا استفهامات إنكاريَّة متوالية تستهدف إقرار المخاطب بسوء ما انقلب عليه من العدول عن الحقِّ إلى الباطل، فأهل البيت (عليهم السلام) لا يُقاس بهم أحد، فكيف بهؤلاء الذين عدلوا بهم إلى غيرهم، واتَّجهوا إلى من لا يصحُّ القياس بأهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، ثمَّ أشارت إلى أنَّ اختيارهم بئس الاختيار، وبئس البديل الذي اختاروه بظلمهم، وهذا المعنى استدعت له ألفاظًا قرآنيَّة بأجزاء من الآيات؛ ليكون أوقع في التعبير وأشدُّ في الدَّلالة عليهم، وألزم في إثبات الحجَّة فيهم، وهذا نوع من الحجاج الذي يهدف به المتكلِّم إلى إثبات مضمون خطابه وإقناع المتلقي في أهدافه والتأثير به نحو مدلوله.
قالت (عَلَيها السَّلَامُ): ((استبدلوا – واللهِ – الذُّنابى بالقوادِمِ، والعجز بالكاهِلِ فرُغْمًا لمعاطسِ قومٍ: ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾([108])، ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ﴾([109])))(39).
وهنا الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) تحاجج القوم على استبدالهم الذنب بمن مقامه الصدر والمقدِّمة، وبمن مقامه المؤخرة بمن مقامه القوَّة والصلابة في المقدِّمة، ثمَّ بعد ذلك تصفهم بالذُّلِّ بقولها: (فرُغْمًا لمعاطسِ قومٍ) كنايةً عن الذُّلِّ من إرغام الأنوف، والمشكلة أنَّهم في استبدالهم هذا يحسبون أنَّهم يفعلون الأحسن؛ كنايةً عن جهلهم وقلَّة تدبيرهم، وسوء اختياراتهم، وبعد ذلك تبيِّن عاقبتهم أنَّهم مفسدون من حيث لا يشعرون، ولذلك عمدت الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) بتنبيههم بهذا الحجاج القرآني، واستحضار الألفاظ القرآنيَّة من أجل خلق رادعٍ حجاجيٍّ يكشف للمتلقي سبيل الرشاد نحو الطريق السليم بالاختيار، ولا يُغش بالذيل عن الصدر ولا بالمؤخِّرة عن المقدِّمة، وكذلك نبَّهتهم إلى قضيَّة وسوسة الشيطان أو النَّفس بأنَّ ما يفعلونه هو خوفًا من الفتنة التي قد تكون فيما لو تسلَّمها أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ بسبب أنَّه كان له النصيب الأكبر في قتل رموز الكفر، وحتَّى هذا الفرض البعيد الذي قد تذهب نفوسهم إليه؛ بغية إيجاد حجَّةٍ ولو ضعيفة على مشروعيَّة ما قاموا به فإنَّ الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) أبطلتها بحجاجٍ قرآنيٍّ يؤكِّد أنَّهم ركسوا في الفتنة، وذلك قولها: ((هذا والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لما يندمل، بدارًا زَعمْتُم خوفَ الفِتْنَةِ ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾([110])، فهيهاتَ منكم! وكيفَ بكمْ؟ وأنَّى تُؤْفِكونَ))([111]). فالحجاج في أنَّهم زعموا في سلبهم لحقِّ أهل البيت (عليهم السلام) خوف الفتنة؛ ولكن فعلهم هو الفتنة نفسها، وبذلك أغلقت (عَلَيها السَّلَامُ) الأبواب في وجوههم فلم تدع لهم منفذًا حجاجيًّا يرأبون به صدع ما تفتَّق من حججهم الباطلة.
وعلى أساس ما سبق لم يكن خطاب الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) في خطبتي فدك وخطبتها مع نساء الأنصار مركَّزًا نحو حقِّها في فدك؛ وإنَّما كان ذلك بوَّابةً إلى نقدٍ شامل لما آلت إليه حالت الإسلام بعد النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، مع تقديم حلولٍ واقعيَّةٍ للمشكلات التي نشأت؛ نتيجة انتهاك وصايا النبيِّ (صلى الله عليه وآله) ومن قبلها القرآن الكريم، وفي ذلك قيل: ((اختارتِ السَّيّدةُ فاطمةُ الزَّهراء (عَلَيها السَّلَامُ) لخُطْبتِها هذا الأُسلوبَ للبداية والنِّهايةِ إنَّها لم تكتفِ بالتَّركيز على مطالبةِ حقِّها فقط؛ بلِ انْتهزتِ الفرصةَ ؛ لتُفجِّرَ للمُسلمينَ المَعارفَ الإلهيَّةَ وتَكْشف لهم محاسِنَ الدِّينِ الإسلاميّ، وتُبيِّنَ لهم عللَ الشّرائعِ والأحكامِ، وضمنًا تُهيِّئ الجوَّ لكلامِها المقصودِ وهدفِها المَطْلوبِ))(15).
وممَّا تقدَّم يظهر جليًّا أنَّ الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) قد اعتمدت الأصالةOriginality) ) في تقنين الخطاب على نحوٍ تفاجأ الخصم بابتكار الحجج وتأصيل التنظيم في إيرادها على نحو لا تجد لها تكرارًا فيما سبق من خطاب، ولذلك عُدَّ عنصر الأصالة من أكثر المهارات ارتباطا بالإبداع والتفرد بالفكرة([112])، وليست الأصالة على نحو الحجاج وتنظيم الخطاب وإنَّما تجاوزتها إلى جماليَّة الخطاب ((متمثلة بجزالة الأسلوب وعمق المعنى، والتناسق بين العبارات))([113]).
المبحث الثالث: حال المتلقي وتأثُّره بمضمون الخطاب الحجاجي
يمثِّل المتلقي أحد أركان الخطاب؛ بوصفه السبب الرئيس لإنتاج الخطاب، والمقصود الأوَّل بالتأثير، ولذا يُعدُّ الكشف عن حاله أحد أهمِّ أركان القصديَّة، التي لا يمكن اكتشافها بتمامها في كثيرٍ من الأحيان إلَّا بعد الكشف عن ((البيئة التفاعليَّة بين المتحدِّث والمخاطب وما بينهما من عرف سائد يحدِّد مدلولات الكلام، وذلك أنَّ تداول الخطاب يجري في سياق ثقافي واجتماعي بين المتحدث والمخاطب، وليس لفظًا مجرَّدًا عن محيطه الذي يجري فيه. فمعرفة قصد المتحدث وحال المخاطب من وسائل فهم سياق المقام))([114])، والمتلقِّي يُعدُّ من ((العوامل غير اللغويَّة المؤثِّرة في دلالة الكلام كلّه أو جزء منه))([115])، ولذلك يؤكِّد محللو الخطاب على متابعة شخصيَّة المتلقي والجمهور الذي يحضر لسماع الخطاب، فجعلوا من شخصيَّته وتكوينها الثقافي الأثر البالغ في معرفة مقاصد الخطاب([116]). وعلى أساس ذلك سنحاول تسليط الضوء على بعض ملامح حال متلقي خطاب الزهراء (عليها السلام)، ولا نذهب إلى مصادر غير الخطاب نفسه، فقد عمدت الزهراء (عليها السلام) بفعل ما تملك من درايةٍ ووعي يفنون القول أن تجعل من خطابها وثيقةً كاشفةً لحال المتلقي، فتثبِّت مفاتيح تحليل الخطاب في داخل المدوَّنة نفسها، ولذا سنستخرج شيئًا من ملامح حال المتلقي ونحاول أن نبيِّن أثر حاله في رفع طاقة الحجاج وتأثره في تنمية الخطاب، وذلك على وفق المحاور الآتية:
1. حال المتلقي قبل البعثة النبويَّة
ذكَّرت الزهراء (عليها السلام) جمهورها المتلقي بما كانوا عليه قبل أن يأتيهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبيَّنت حالهم الذي يبدو أنَّهم نسوا صفتهم من الخسران في تصحيح العقيدة أو الحياة الكريمة، وقد ورد ذلك في جملةٍ من المواضع أذكر منها: ((فَرَأَى (صلى الله عليه وآله) الْأُمَمَ فِرَقًا فِي أَدْيَانِهَا وَعَابِدَةً لِأَوْثَانِهَا، عُكَّفًا عَلَى نِيرَانِهَا، مُنْكِرَةً لِلَّهِ مَعَ عِرْفَانِهَا، فَأَنَارَ اللَّهُ بِأَبِي (صلى الله عليه وآله) ظُلَمَهَا، وَفَرَّجَ عَنِ الْقُلُوبِ بُهَمَهَا، وَجَلَا عَنِ الْأَبْصَارِ عَمَهَهَا))([117]).
فالزهراء (عليها السلام) بيَّنت في هذا المقطع حال الأمم قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله)، وركَّزت فيه على التشتُّت العقائدي الضال، وظلمات الدِّيانات التي كانوا عليها، والخسران الذي كانوا سيؤولون إليه لولا النور الذي أضاء الله تعالى به هذا العالم بمحمَّدٍ (صلى الله عليه وآله)، فأخرجهم من الظلمات إلى النور، وهذا حجاج ببيان أثر الرسول (صلى الله عليه وآله) العقدي، الذي نقلهم من عالم الظلمة إلى العقيدة الحقَّة، من العبادة التي تؤول بهم إلى خسران الآخرة إلى العبادة التي تؤهلهم إلى الفوز بالدنيا والآخرة، ولذلك حقيقٌ بهم أن يحفظوا له هذا الأثر في ذريَّته وأهل بيته، فتحدَّثت ((بِضْعةُ الرَّسول (صلَّى اللهُ عليه وآله) عن أبيها سيِّدِ الكائناتِ الَّذي أنارَ العُقُولَ، وحرَّرَ الإنسانَ منْ عبوديّةِ الأوثانِ والأصْنامِ الّتي هي من صُنْعِ الإنسانِ، وفتحَ آفاقًا كريمةً ومُشْرقةً للحياةِ يَعيشُ الإنسانُ في ظلالِها، موفورَ الكرامةِ ناعِمَ البالِ))([118])(65).
هذا على المستوى الدِّيني، وأمَّا على مستوى الحياة وكرامة العيش وأسلوب المعيشة فتكشف لنا الزهراء (عليها السلام) جانبًا من ذلك بقولها: ((وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها، مَذْقَةَ الشَّارِبِ، وَنَهْزَةَ الطَّامِعِ، وَقَبْسَةَ الْعَجْلَان،ِ وَموطاة الْأَقْدَامِ، تَشْرَبُونَ الطَّرْقَ، وَتَقْتَاتُونَ الْقِدَّ، أَذِلَّةً خَاشِعِينَ، تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ، فَأَنْقَذَكُمُ اللَّهُ بِنَبِيِّهِ))([119]).
فياله من وصف عظيمٍ جاءت به الزهراء (عليها السلام) محاججةً القوم بما كانوا عليه من بؤس العيش وذلَّةٍ المعيشة والتُّخلف الحياتي، فهم كانوا بقدرٍ صغير لا شأن لهم، يطمع فيهم الذين من حولهم لقلَّة ما عليه من حيلةٍ، فهم فرصة سهلة لمن يريد أن يغتنم ما عندهم أو يسيطر عليهم، أمَّا أسلوبهم في المعيشة فكانوا يشربون الماء الذي ينزل من السماء بعد أن يختلط ببول الإبل وبعرها، وهذا يكشف عن تخلُّفهم وبؤسهم، أمَّا أكلهم فهو ما يوضع في إناءٍ من جلدٍ غير مدبوغ، وتخيَّل ما يكون عليه من سوء الرائحة والطعم والشكل، وهذا ما كان من أمرهم وأسلوب معيشتهم قبل البعثة النبويَّة، وبعدها صاروا يُقارعون أعتى الإمبراطوريَّات في العالم، ويتسابقون مع أكثر الأمم بالعلم والمعرفة، أفلا يكفي ذلك أن يكون حجاجًا على يحفظوا أثر هذا الرسول في ذريَّته وأهل بيته.
2. حال المتلقي بعد بعد البعثة النبويَّة
ولمَّا جاء الرسول (صلى الله عليه وآله) نقل الأمَّة من الظلمات في العبادة لأوثانٍ لا تضرُ ولا تنفع إلى العبادة التي ترفع من شأنهم في الدُّنيا وتضمن لهم الفوز الأعظم في الآخرة، وكذلك نقلهم من حال الذلة بين الأمم إلى العزَّة فأصبحوا تهابهم الأمم بعد أن كانوا فرصةً لكلِّ من يطمع بهم لذلَّة ما عليه حالهم، ونقلهم أيضًا من التخلف في المعيشة وسوء الحياة التي كانوا فيها إلى كرامة العيش وحسن المعيشة، ولكن هل حفظوا ذلك للرسول في أهل بيته (صلوات الله عليه وعليهم)، وهل التزموا بأوامره ونواهيه أو أنَّهم تمردوا ورجعوا على أعقابهم فنكصوا عند أوَّل اختبار في ملذات الدُّنيا، والإجابة نجدها في خطاب الزهراء (عليها السلام) الذي تقول فيه: ((فَلَمَّا اخْتَارَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله) دَارَ أَنْبِيَائِهِ، وَأَتَمَّ عَلَيْهِ مَا وَعَدَهُ ظَهَرَتْ حَسِيكَةُ النِّفَاقِ، وَسَمَلَ جِلْبَابُ الْإِسْلَامِ، فَنَطَقَ كَاظِمٌ وَنَبَغَ خَامِلٌ، وَهَدَرَ فينق الْكُفْرِ يَخْطِرُ فِي عَرَصَاتِكُمْ، فَأَطْلَعَ الشَّيْطَانُ رَأْسَهُ مِنْ مَغْرَزِهِ هَاتِفًا بِكُمْ، فَوَجَدَكُمْ لِدُعَائِهِ مُسْتَجِيبِينَ، وَلِلْغِرَّةِ فِيهِ مُلَاحِظِينَ، وَاسْتَنْهَضَكُمْ فَوَجَدَكُمْ خِفَافًا، وَأَحْمَشَكُمْ فَوَجَدَكُمْ غِضَابًا، هَذَا وَالْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْكَلْمُ رَحِيبٌ، وَالْجُرْحُ لَمَّا يَنْدَمِلُ، فَوَسَمْتُمْ غَيْرَ إِبِلِكُمْ، وَأَوْرَدْتُمُوهَا شِرْبًا لَيْسَ لَكُمْ، وَالرَّسُولُ لَمَّا يُقْبَرْ، بِدَارًا زَعَمْتُمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ، أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا، وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ))([120]).
تكشف الزهراء (عليها السلام) الحال الذي أصبحت عليه الجمهور المتلقي بعد شهادة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فشخَّصت جملةً من الأمور أهمُّها: ظهور حسيكة النفاق بما تحمل من بغضٍ وعداوة، وسرعان ما بُلي رداء الإسلام فانخرم فاضحًا من تستَّر به خلافًا لحقيقته، فنطق من كان يكظم حقيقته، ورفع رأسه من كان خاملًا في كلِّ المواقف، وكان نتاج ذلك أن عاد الكفر يهدر بصوته عاليًا، وهنا برز الشيطان داعيًا فاستجاب له القوم طائعين مسرعين، وكل ذلك والعهد قريب برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وجسده لم يوارَ في التراب.
وممَّا تقدَّم فإنَّ الزهراء (عليها السلام) حاججت القوم بحالهم قبل النبوَّة الخاتميَّة، وما صاروا عليه معها، وما آل إليه الأمر بعدها من سيطرة الشيطان وظهور النفاق، وتسلُّط الخاملين على مقاليد الأمور، وبذلك تكون قد اعتمدت على التاريخ والحوادث الجارية فجعلت منها مؤشِّرات حجاجيَّة تُرغم القوم على التسليم بصدق دعواها وبمضمون خطابها؛ إذ لا يمكن ردُّ هذه الحجج التي أثبت الواقع صحَّتها ومسار وقوعها.
وممَّا تقدَّم يظهر أسلوب الزهراء (عليها السلام) في حجاج القوم، وكيف أنَّها اعتمدت على الحقائق في تثبيت مضمون الخطاب، وقد تميَّز أسلوبها بالطلاقة التعبيرية Expressional Fluency))، التي تعني التفكير السريع في الكلمات المرتبطة بموقف معين، وصياغة الأفكار السليمة، وتتضمَّن أيضًا إصدار أفكار متعددة تتَّصف بالوفرة والتنوع في موقف محدد([121]).
فحال المتلقي على ثلاث مراحل ما قبل البعثة النبويَّة وفي خلالها وما بعدها يمثِّل مؤشِّرات حجاجيَّة؛ وذلك نتيجة تقلُّبات الجمهور فيها من حالٍ إلى حال، فهم اتجهوا مع النبوَّة نحو الاستقامة وساروا معها باتجاه الارتقاء في سُلَّم البناء السليم، ثمَّ كان الانحدار بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله)، فكان ذلك حجاجًا يُذكِّر المتلقي بما كان عليه وما آل إليه من الانحراف نحو الدُّنيا وملذاتها، وقد جعلت الزهراء (عليها السلام) من ذلك مؤثِّرات حجاجيَّة تنبِّه المتلقي إلى ما آل إليه من انحدار، وفي اتِّجاهٍ آخر فإنَّ الكشف عن حال المتلقي في خطاب الزهراء (عليها السلام) كشف لنا الحالة التي كانت بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) من سرعة الانقلاب نحو سوء العاقبة، وكيف كان رحيل النبي (صلى الله عليه وآله) فرصةً لأن يظهر النفاق ويتكلم الخامل، ويشرئب بأنفه من لا ذكر له ولا أثر.
ومن جملة التأثير في المتلقي أنَّ الزهراء (عليها السلام) عندما حاججت أبي بكرٍ أذعن لها، وأراد أن يكتب لها ما أرادت منه لولا تدخل عمر بن الخطاب، وقد روي ذلك بما نصُّه: ((ثُمَّ إِنَّ فَاطِمَةَ (عليها السلام) بَلَغَهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَضَ فَدَكَ، فَخَرَجَتْ فِي نِسَاءِ بَنِي هَاشِمٍ حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ تُرِيدُ أَنْ تَأْخُذَ مِنِّي أَرْضًا جَعَلَهَا لِي رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله)، وَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَيَّ مِنَ الْوَجِيفِ الَّذِي لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلا رِكابٍ؟ أَ مَا كَانَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله): الْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ بَعْدَهُ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ لِوُلْدِهِ شَيْئًا غَيْرَهَا، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ مَقَالَتَهَا وَالنِّسْوَةُ مَعَهَا دَعَا بِدَوَاةٍ لِيَكْتُبَ بِهِ لَهَا، فَدَخَلَ عُمَرُ فَقَالَ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا تَكْتُبْ لَهَا حَتَّى تُقِيمَ الْبَيِّنَةَ بِمَا تَدَّعِي، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام): نَعَمْ أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ، قَالَ: مَنْ؟ قَالَتْ: عَلِيٌّ وَأُمُّ أَيْمَنَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ عَجَمِيَّةٍ لَا تُفْصِحُ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَيَحُوزُ النَّارَ إِلَى قُرْصِهِ، فَرَجَعَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام) وَقَدْ جَرَعَهَا مِنَ الْغَيْظِ مَا لَا يُوصَفُ))([122]).
وهذا النَّص يكشف تأثُّر المتلقي الرئيس (أبو بكر) بخطاب الزهراء (عليها السلام)؛ ولكنَّه لم يكن تأثيرًا نافذًا ينتج سلوكًا صارمًا، ولذلك سرعان ما اختفى ذلك التأثير بتدخُّل عمر بن الخطاب، وأمَّا المتلقي العام فإنَّ خطاب الزهراء (عليها السلام) ماثلٌ فيه إلى قيام الساعة، وقد أنتج جمهورًا واسعًا وإن كان المتأثرون به في حينه على النحو البسيط إلَّا أنَّه صار جذوةً للحقيقة وبرهانًا يقيِّد حادثةً تاريخيَّا برز فيها الحقُّ بحجاجٍ أدمغ فيه الباطل في عصر قلَّ الناصر وضعف المعين.
والخلاصة أنَّ بيان حال المتلقي كان من أهمِّ مواطن الحجاج في خطاب الزهراء (عليها السلام)، وذلك بالاحتجاج بأثر الرسول (صلى الله عليه وآله)، مع الإشارة إلى بيان حالهم قبل الدعوة الإسلاميَّة وما آل إليه وضعهم بعدها بفعل أثر الرسول (صلى الله عليه وآله) فيهم، وكل ذلك حجاج من الزهراء (عليها السلام) على هذا الجمهور الذي تنكَّر لذلك الرسول، ولم يرعَ ذريَّته من بعده على الرغم من النصِّ عليهم برعايتهم وحفظهم ومودَّتهم وقبل ذلك موالاتهم، وهذا لم يرد في السنَّة فقط بل فيها وفي القرآن الكريم، قال تعالى: ]قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى[([123])، ولذلك كان هذا المحور من المستويات الحجاجيَّة الحاضرة بشدَّة في الخطاب الزهراء (عليها السلام)؛ لما شكَّله من مادَّةٍ تُدين القوم وتُثبت الارتقاء في إثبات الحقِّ عليهم، وأنَّهم قد خالفوا القرآن الكريم وكذلك سنَّة النبيّ (صلى الله عليه وآله)، ولم يحفظوه في أهله، ولم يشكروا الأثر الذي صنعه فيهم فسرعان ما تنكَّروا له في ذريَّته، لا سيَّما وأنَّ الزهراء (عليها السلام) أردفت ذلك بالاستشهاد بحديثٍ للنبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) يُعزِّز من طاقة الحجاج، ويرفع من وتيرة تأثيره في الجمهور، فاحتجَّت بحديث للرسول (صلى الله عليه وآله) ينصُّ على أنَّ (الْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ بَعْدَهُ)، وهذا حجَّة على القوم على أنَّهم لم يحفظوا الرسول (صلى الله عليه وآله) في ابنته من بعده، فسرعان ما اعتدوا على حقوقها واستولوا على إرثها، وما أخال أنَّهم فعلوا ذلك حبًّا بفدك أو طمعًا بها بقدر ما كان التخطيط يهدف إلى قطع أي مطالبات تأتي من هذا البيت، فلو تمَّ تصديق الزهراء (عليها السلام) في قضيَّة فدك للزمهم تصديقها بقضايا أخرى من قبيل الإمامة والخلافة وغيرها، وكذلك لا نستبعد أن تكون القصديَّة وراء الاستيلاء على فدك هي تجفيف كلِّ الموارد الماليَّة للبيت العلوي؛ لأنَّه شكَّل معارضة عارمة، وهذه المعارضة لو كان لها موارد ماليَّة من الممكن أن يكون تأثيرها أكبر وأمضى وتكون لها نتائج قاسية على السلطة الجديدة، ولذلك كان خيار تجفيف الموارد الماليَّة خيارًا استراتيجيًّا بالنسبة للسلطة في ذلك الوقت. ويبدوا أنَّ عامَّة النَّاس لم تستطع دفع السلطة إلى الاستجابة للزهراء (عليها السلام)؛ نتيجة الاستحواذ التامِّ على كلِّ مفاصل القيادة؛ نتيجة انشغال أغلب المؤثِّرين بتجهيز النبي والصلاة عليه ودفنه، ولذلك فإنَّ عامَّة المتلقين قد تفاعلوا مع الزهراء (عليها السلام) واستجابوا لخطابها؛ ولكن كانت الاستجابة ضعيفة اكتفوا بالبكاء على النحو الجمعي، حتَّى أنَّ الراوي ينصُّ على أنَّ ذلك البكاء كان عظيمًا لم ير مثله، ممَّا يعني أنَّ تأثرهم لخطاب الزهراء (عليها السلام) كان أعظم من تأثرهم باستشهاد الرسول (صلى الله عليه وآله)، وقد نصَّ الراوي على هذا المفهوم بقوله: ((فَمَا رَأَيْتُ أَكْثَرَ بَاكِيَةٍ وَبَاكٍ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ))([124]). وممَّا تقدَّم فإنَّ خطاب الزهراء (عليها السلام) بما حمل من تقنيات على مستوى بيان سلطتها في الخطاب ومركزها ف الثقافة الإسلاميَّة، وما تبع ذلك من الاحتجاج بالقرآن الكريم مع الإشارة إلى حال المتلقي كل ذلك قد شكَّل تقنيات حجاجيَّة، وهي موضوع الحجاج كما نصَّ بيرلمان وتيتكاه في قولهما: ((موضوع نظريَّة الحجاج هو درس تقنيات الخطاب التي من شأنها أن تؤدِّي بالأذهان إلى التسليم بما يعرض عليها من أطروحات، أو أن تزيد في درجة ذلك التسليم))([125]).
الخاتمة:
1. مثَّل خطاب الزهراء (عَلَيها السَّلَامُ) وثيقةً حجاجيَّةً أشَّرت بشكلٍ تفصيليٍّ أحداث ذلك العصر، وكشفت عن الواقع الذي ألمَّ بالمسلمين وتحولاتهم على المستوى الاعتقادي، وكيف أنَّ الجمهور قد أصبح رهين السلطة ومدار توجيهاتها.
2. شكَّل الحجاج عنصرًا فاعلًا في توجيه المخاطَب وإذعانه وتسليمه لمضمون الخطاب عبر اختيار البيئة المكانية التي أحاطت بالخطاب .
3. من أهمِّ مظاهر تسليم الجمهور المتلقي لخطاب الزهراء (عليها السلام) استجابتهم لمضمون الخطاب عبر البكاء الذي لم يُسبق بمثيلٍ له، والبكاء كان على مراحل في أوَّل الخطاب ونهايته ما يوثِّق الاعتراف بالانحراف عن أهل البيت (عليهم السلام) والتقصير في نصرتهم.
4. شكَّل أنين الزهراء (عليها السلام) في أوَّل الخطاب مثيرًا حجاجيًّا رفع من طاقة التفاعل مع الخطاب.
5. عملت الزهراء (عليها السلام) على تقنين إجراءاتٍ تخاطبيَّةٍ تجاوزت المستوى اللغوي فيها من قبيل الانتقال بالخطاب إلى أن يكون جمعيًّا، وأن يكون بمحضرٍ من جمهورٍ واسع، مع اختيار مكانٍ له يمثِّل مصدر القرار وقيادة الأمَّة وهو مسجد الرسول (صلى الله عليه وآله) ممَّا أسهم بشكل فاعل من رفع الطاقة التأثيريَّة للحجاج.
6. نقل مشهد الخطبة بكلِّ تفصيلاتها وظروفها الموضوعيَّة وتوقيتها، مع الوصف الدقيق لهيأة المتكلِّم فيها بما اختارته الزهراء (عليها السلام) من الظهور النوعي، حتَّى إنَّها مثَّلت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مشيتها من أجل أن تعيد ذلك المشهد المقدَّس في النفوس وترفع من تأثير الخطاب في الجمهور.
7. اعتماد الوفد النسوي الذي جاءت به الزهراء (عليها السلام) واختيارها للمشهد الذي كان فيه الخليفة في وسط جمهوره، منح الخطاب سمة الرأي العام وخرج عن صورته الفرديَّة، وكذلك شكَّل مساحةً من التوثيق والنقل الذي تجاوز الفرديَّة إلى تعدُّد الطرق، وكلُّ ذلك من أجل تثبيت هذا الخطاب وجعله وثيقة حيَّة في إدانة القوم.
8. مثَّلت المقدِّمة بما تحمل من أبعادٍ حجاجيَّةٍ توطئة للمتلقي تهيئ ذهنه لاستقبال الحجاج والتفاعل مع الحجاج.
9. شكَّل القرآن الكريم بوصفه شاهدًا حجاجيًّا مساحة واسعة في خطاب الزهراء (عليها السلام).
10. تعدُّ الزهراء (عليها السلام) أوَّل من طبَّق قاعدة عرض السنة على القرآن الكريم، وردَّت الحديث الذي نقله أبو بكرٍ بشواهد قرآنيَّة.
11. حضرت السنَّة النبويَّة بوصفها عاملا حجاجيَّة في خطاب الزهراء (عليها السلام) ممَّا جعلت الخطاب متنوعًا في استشهاداته.
12. مثَّل حال المتكلِّم مساحة حجاجيَّة فاعلة في خطاب الزهراء (عليها السلام)، وكذلك الأثر الفاعل في تحولات حاله وتنقلاته.
13. انتهت الدِّراسة إلى أنَّ السلطة في إجراءاتها لمنع الزهراء (عليها السلام) من أرض فدك هي إمَّا أنَّهم منعوها حتَّى لا يضروا إلى تصديقها في طلبات أخرى وأهمُّها الخلافة، أو أنَّهم منعوها من أجل تجفيف الموارد الماليَّة للبيت العلوي حتَّى لا يعيد بناء نفسه ويشكِّل ضدًّا للسلطة.
14. كان للحضور العاطفي وانفعال المتكِّلم مساحة من الحجاج الفاعلة في استجابة الجمهور وتفاعلهم مع المتكلِّم في مضمون خطابه.
المصادر والمراجع:
القرآن الكريم
- أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد، مقاتل ابن عطية (ت: ٥٠٥ هـ)، مؤسسة الأعلمي – بيروت، ط1، ١٤٢٣ ق.
- الاحتجاج، أحمد بن علي الطبرسي (ت: ٦٢٠ هـ)، تحقيق: السيد محمد باقر الخرسان، دار النعمان للطباعة والنشر – النجف الأشرف، ١٣٨٦ – ١٩٦٦ م.
- الإحكام في أصول الأحكام، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري (ت: 456هـ)، تحقيق: الشيخ أحمد محمد شاكر، قدم له: الأستاذ الدكتور إحسان عباس، دار الآفاق الجديدة، بيروت، (د ط)، (د ت).
- أساس البلاغة، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (ت 538هـ)، تحقيق: محمَّد باسل عيون السود، دار الكتب العلميَّة، بيروت – لبنان، ط1، 1419 هـ – 1998 م .
- أعيان الشيعة، السيد محسن الأمين، تحقيق: السيد حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات_ بيروت، 1403ه -1983م.
- الأمالي، الشيخ الطوسي (ت: ٤٦٠هـ)، تحقيق: قسم الدراسات الإسلاميَّة – مؤسَّسة البعثة، ط1، ١٤١٤هـ.
- الأمالي، محمَّد بن علي، الشيخ الصدوق (381هـ)، مركز الطبعة والنشر في مؤسسة البعثة، ط1، (1417هـ).
- أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من ارسطو إلى اليوم: حمادي صمود، جامعة الآداب والفنون والعلوم الإنسانيَّة، تونس، د.ت.
- بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، محمَّد باقر المجلسي (ت1111هـ)، تحقيق محمَّد باقر البهبودي، مؤسَّسة الوفاء بيروت ــ لبنان، ط2، 1403هـ، 43/1.
- البرهان في تفسير القرآن، هاشم البحراني (ت: 1107هـ)، تحقيق سم الدراسات الإسلامية، مؤسسة البعثة – قم.
- بلاغات النساء، ابن طيفور (ت: ٣٨٠ هـ)، مكتبة بصيرتي، قم المقدسة، (د ط)، (د ت).
- بلاغة الحجاج في الشعر القديم: د. محمد سيد علي عبد العال، مكتبة الآداب- القاهرة، ط1، 2014م.
- البلاغة والاسلوبية، د. محمَّد عبد المطلب، مكتبة لبنان- ناشرون، الشركة المصرية العالمية للنشر، لوجمان، (د ط)، (د ت).
- تحليل الخطاب الروائي، سعيد يقطين، المركز الثقافي العربي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط3، 1997م.
- تحليل الخطاب في ضوء نظريَّة أحداث اللغة دراسة تطبيقية لأساليب التأثير والإقناع الحجاجي في الخطاب النسوي في القرآن الكريم: د. محمود عكاشة، دار النشر للجامعات، القاهرة، ط1، 2013م.
- تفسير فرات الكوفي، فرات بن إبراهيم الكوفي (ت: ٣٥٢ هـ)، تحقيق: محمد الكاظم، مؤسسة الطبع والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي – طهران، ط1، ١٤١٠ – ١٩٩٠ م.
- تفكير الأطفال وطرق تعليمه، محمود محمَّد غانم، دار الفكر للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 1995م.
- تنمية الإبداع والتفكير الإبداعي في تدريس العلوم، عمان، جمعية المطابع التعاونية، 1987م.
- تهذيب التهذيب، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (ت: 852هـ)، مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند الطبعة: ط1، 1326هـ.
- الحجاج في الشعر العربي بنيته وأساليبه: د. سامية الدريدي، عالم الكتب الحديث، أربد– الأردن، ط2، 2011م.
- الحجاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية، عبد الله صولة، دار الفارابي، بيروت – لبنان، ط2، 2007م.
- الحجاج مفهومه ومجالاته دراسات نظريَّة وتطبيقية في البلاغة الجديدة: إعداد وتقديم: د. حافظ إسماعيلي علوي، عالم الكتب الحديث، الأردن، ط1، 2010م.
- الخصائص الفاطمية، محمَّد باقر الكجوري (ت: 1255هـ)، مطبعة شريعت، ط1، (د ت).
- خطب سيدة النساء فاطمة الزَّهراء (عليها السلامُ) مصادرها وأسانيده، محمَّد جواد المحموديّ، ط1، مطبعة فخراويّ، البحرين، 1429هـ – 2008م.
- دلائل الإعجاز في علم المعاني، أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمَّد الجرجاني (ت: 471هـ)، تح: د. عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية – بيروت، ط1، 1422هـ – 2001 م.
- روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، الآلوسي (ت: ١٢٧٠ هـ)، تحقيق: علي عبد الباري عطية، دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون – لبنان – بيروت، ط1، ١٤١٥هـ.
- روضة الواعظين وبصيرة المتعظين، أبو علي الفتَّال بن الحسن الفارسي النيسابوري (ت-508هـ)، تقديم وتحقيق: السيد محمد مهدي الخرسان، مطبعة منشورات الشريف الرضي، قم المقدسة، 1386هـ.
- السقيفة وفدك، أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري البصري البغدادي (ت: 323 ه)، تقديم وجمع وتحقيق: الدكتور الشيخ محمَّد هادي الأميني، شركة الكتبي للطباعة والنشر بيروت – لبنان، ط1، 1401 ه – 1980 م .
- سيميوطيقا اللغة وتحليل الخطاب الإعلان التلفزيوني، د. حسنة عبد السميع، عين للدراسات والبحوث، مصر، (د ط)، 2005م .
- شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار للقاضي أبي حنيفة النعمان بن محمَّد التميمي المغربي (ت 363 ه)، مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، مؤسَّسة النشر الإسلامي، د.ط، د.ت.
- شرح خطبة الزهراء (عليها السلام)، المجلسي والنعمان المغربي والأنصاري التبريزي، تحقيق: باقر الكيشوان الموسوي، مؤسسة البلاغ بيروت، ط2، 2012م.
- علل الشرائع، أبو جعفر محمَّد بن أبي الحسن علي بن الحسين بن موسى ابن بابويه القمي الملقب بالشيخ الصدوق (ت 381هـ)، تحقيق وتقديم: السيد محمَّد صادق بحر العلوم، منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها، النجف الأشرف، ١٣٨٥ – ١٩٦٦ م.
- علم اللغة– مقدمة للقارئ العربي، د. محمود السعران، دار النهضة العربية، بيروت- لبنان.
- عندما نتواصل نتغير، مقاربة تداولية معرفة لآليات التواصل والحجاج، عبد السلام عشير، إفريقيا الشرق، المغرب، 2006م.
- فدك في التاريخ، السيد الشهيد محمد باقر الصدر، تحقيق: د. عبد الجبار شرارة، مركز الغدير للدراسات الإسلامية– إيران، (د ط)، (د ت).
- في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، طه عبد الرحمن، المؤسسة الحديثة للنشر، ط1، 1987م.
- في نظريَّة الحجاج دراسات وتطبيقات، أ.د. عبد الله صولة، مسكيلياني للنشر والتوزيع، تونس، ط1، 2011م.
- الكافي، الشيخ الكليني (ت: ٣٢٩ هـ)، صحَّحه وعلق عليه: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية – تهران – إيران، ط5، تابستان ١٣٦٣ ش.
- كتاب العين، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (ت170هـ)، تحقيق: د. مهدي المخزومي، د. إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال.
- كتاب سليم بن قيس الهلالي، سليم بن قيس الهلالي الكوفي (ت: ٧٦ هـ)، تحقيق: محمد باقر أنصاري، ط1، الهادي – قم.
- كشف الغمة في معرفة الأئمة، أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الإربلي (ت٦٩٣هـ)، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت لبنان، ط2، ١٤٠٥ – ١٩٨٥ م.
- كفاية الأثر في النص على الأئمة الإثني عشر، الشيخ أبو القاسم علي بن محمد بن علي الخزّاز القمي الرازي، تحقيق: السيد عبد اللطيف الحسيني الخوئي، انتشارات بيدار، وطبعة الخيام، قم، 1401ه.
- الكليات، أيوب بن موسى الحسيني القريمي الكفوي، أبو البقاء الحنفي (المتوفى: 1094هـ), تحقيق: عدنان درويش ومحمد المصري, مؤسسة الرسالة, بيروت ـ لبنان, ط2, 1998.
- لسان العرب، محمَّد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الأفريقي (ت711هـ)، دار صادر – بيروت، ط3- 1414 هـ.
- اللغة والحجاج، د. أبو بكر العزاوي، العمدة في الطبع، ط1، 2006م.
- اللمعة البيضاء، التبريزي الأنصاري (ت ١٣١٠ هـ)، تحقيق: السيد هاشم الميلاني، ط1، ١٤١٨.
- مجمل اللغة لابن فارس، أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (ت ٣٩٥هـ)، دراسة وتحقيق: زهير عبد المحسن سلطان، مؤسسة الرسالة – بيروت، ط2، ١٤٠٦ هـ – ١٩٨٦ م.
- مُسند الامام أحمد بن حنبل، أحمد بن محمد الشيباني (164-241هـ)، تحقيق: شعيب الأرناؤوط، دار الرسالة، ط1 (بيروت-1419هـ).
- معجم اكسفورد للتداولية، يان هوانغ، ترجمة وتقديم: هشام ابراهيم عبد الله الخليفة، دار الكتاب الجديد المتحدة- ليبيا، ط1، 2020م.
- المعجم المفهرس لألفاظ القران الكريم: محمد فؤاد عبد الباقي، مطبعة دار الكتب المصرية، دار الحديث – القاهرة، 1364ه.
- معجم مقاييس اللغة: أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (ت 395هـ)، تحقيق: عبد السلام محمَّد هارون، دار الفكر، 1399هـ – 1979م.
- المفردات في غريب القرآن، أبو القاسم الحسين بن محمَّد المعروف بالراغب الأصفهاني (ت502هـ)، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، دار القلم، الدار الشاميَّة – دمشق بيروت، ط1، 1412هـ.
- من لا يحضره الفقيه، علي بن الحسين بن بابويه القمّي الصدوق (ت-381هـ)، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، ط2، قم، 1404هـ.
- مناقب آل أبي طالب، محمَّد بن علي بن شهر آشوب المازندرانيّ (ت: 558 هـ)، المكتبة الحيدريَّة، النجف، ط1، 1376هـ .
- وفاة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، الشيخ علي البلادي البحراني (ت-ق13هـ)، تحقيق وإعداد: السيد محمود الغريفي، مطبعة شريعت، دار حفظ التراث البحراني، ط1، قم المقدسة-1423هـ.
المجلات والدوريات:
- الأبعاد التداولية في خطب السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، د. رحيق صالح فنجان، بحث منشور في كلية التربية للعلوم الانسانية، مجلة آداب ذي قار، 2020م.
- استراتيجية الاقناع في الخطاب اللغوي، المفهوم والآليات: د.فاطمة عماريش، ضاد مجلة لسانيات العربية وآدابها، مج2، ع 4، اكتوبر 2021م.
- الحديث النبوي ومستويات السياق المقامي مقاربة أصوليَّة لسانية، د. إسماعيل نقاز، مجلة المَخبَر، أبحاث في اللغة والأدب الجزائري – جامعة بسكرة، الجزائر، العدد الثاني عشر، 2016م.
- ظاهرة الأفعال الكلاميَّة في الخطاب النبوي مقاربة تداولية لخطبة الوداع: حبيب بوزوادة، مجلة جذور، ع 35، 2013م.
- مدخل إلى الحجاج، أفلاطون وأرسطو وشاييم بيرلمان، محمَّد الولي، مجلة عالم الفكر، مج40، ع2، 2011م.
الرسائل والأطاريح:
- البحث الدلالي في كتاب أصول السرخسي (رسالة ماجستير)، نواس محمَّد علي، جامعة المستنصرية، كلية الآداب، قسم اللغة العربية، 2001م.
- الحجاج في كلام الإمام الحسين (عليه السلام) (أطروحة دكتوراه)، إعداد: عايد جدوع حنون، إشراف: أ. م. د. حامد ناصر الظالمي، جامعة البصرة، كلية التربية للعلوم الإنسانية، قسم اللغة العربية، 2013م.
- المعاني السياقية القرآنية في معجم تاج العروس من جواهر القاموس (أطروحة دكتوراه)، زهراء نور الدين قاسم نوري، جامعة بغداد، كليَّة الآداب، قسم اللغة العربية، 2014م.
([1]) بحار الأنوار: 43/1.
([2]) البرهان في تفسير القرآن: 2/126.
([6]) اللغة في المجتمع، لويس: 48.
([8]) الأمالي، الشيخ الصدوق: 175.
([9]) مسند أحمد بن حنبل: 4/322 .
([10]) الخصائص الفاطمية: 1/126 .
([11]) كفاية الأثر في النص على الأئمة الإثني عشر في النص على الأئمة الإثني عشر: 124، تهذيب التهذيب: ۱۱/۸۱
([12]) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: 16/234، بحار الأنوار :43/ 177.
([13]) يُنظر: من لا يحضره الفقيه: 2/572.
([14]) يُنظر: بحار الأنوار: 97/192.
([16]) يُنظر: أعيان الشيعة: 1/317.
([17]) يُنظر: اللمعة البيضاء: 1/869 .
([18]) يُنظر: وفاة فاطمة الزهراء (عليها السلام): 147-148.
([19]) يُنظر: كشف الغمة في معرفة الأئمة في معرفة الأئمة: 2/122 ، بحار الأنوار: 43/186 .
([20]) الأمالي، الصدوق: 756 ، مناقب آل أبي طالب: 3/138 .
([21]) المعتزلي: ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج2، ص182.
([22]) يُنظر: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني: 2/430 .
([23]) الأمالي: الشيخ الطوسي: ٤٠٠.
([30]) تفسير فرات الكوفي: 581 – 582 .
([31]) كشف الغمَّة في معرفة الأئمَّة: ٢ /١٠٨، وينظر: السقيفة وفدك: ١٣٩.
([32]) كتاب العين: 4/ 222.
([33]) مجمل اللغة لابن فارس: 295.
([34]) لسان العرب: 1/ 360
([38]) ينظر: المفردات في غريب القرآن: 150.
([39]) معجم مقاييس اللغة: 2/198 .
([42]) تحليل الخطاب الروائي: 17 .
([44]) تحليل الخطاب في ضوء نظريَّة إحداث اللغة: 17
([46]) الإحكام في أصول الأحكام: 1/95، وينظر: الكليات: 419 .
([47]) تحليل الخطاب الأدبي دراسة تطبيقية: 10.
([48]) سيميوطيقا اللغة وتحليل الخطاب – الإعلان التلفزيوني: 109.
([50]) ينظر: مقاييس اللغة: 2/23- 24 .
([51]) ينظر: المعجم المفهرس لألفاظ القران الكريم: 194 .
([52]) المفردات في غريب القران: 108.
([53]) في نظرية الحجاج دراسات وتطبيقات: 68 .
([56]) مدخل إلى الحجاج، أفلاطون وأرسطو وشاييم بيرلمان (بحث): 11
([57]) بلاغة الحجاج في الشعر القديم: 17.
([59]) في أصول الحوار وتجديد علم الكلام: 65.
([60]) معجم اكسفورد للتداولية: 181 .
([61]) البحث الدَّلالي في كتاب أصول السرخسي (رسالة ماجستير): 98.
([62]) ظاهرة الأفعال الكلاميَّة في الخطاب النبوي – مقاربة تداوليَّة لخطبة حجَّة الوداع- (بحث): 230.
([63]) استراتيجيَّة الاقناع في الخطاب اللغوي، المفهوم والآليات (بحث): ٤١٧.
([65]) ينظر: شرح خطبة الزهراء (عليها السلام): 18- 43 .
([66]) أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم: 299.
([67]) فدك في التاريخ: 30- 31.
([69]) الحجاج مفهومه ومجالاته دراسات نظريَّة وتطبيقية في البلاغة الجديدة: 2/209.
([71]) ينظر: شرح خطبة الزهراء (عليها السلام): 18- 43 .
([72]) كشف الغمَّة في معرفة الأئمة: 483 .
([74]) شرح الأخبار: ٣ / 34- 35 .
([77]) الحجاج في الشعر العربي بنيته وأساليبه: 35.
([78]) الحجاج في كلام الإمام الحسين (عليه السلام)،(أطروحة دكتوراه): 20.
([79]) ينظر: عندما نتواصل نغير مقاربة تداوليَّة معرفة الآليات التواصل والحجاج: 129-135.
([86]) ينظر: تنمية الإبداع والتفكير الإبداعي في تدريس العلوم: 22.
([88]) ينظر: البلاغة والأسلوبية: 200.
([89]) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: 16/234 ـ 355، والاحتجاج: 1/ 147 ـ 149.
([95]) أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد: 1/288 .
([96]) الاحتجاج: 1/138.
([97]) الكافي: 1/69 – 70 .
([102]) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: 16/234، بحار الأنوار :43/158 ـ159.
([103]) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: 16/234، معاني الأخبار: 354 ـ355، والاحتجاج: 1/ 147 ـ149.
([104]) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي: 16/234، معاني الأخبار: 354 ـ355، بحار الانوار :43/158 ـ159.
([111]) بلاغات النساء،: 14.
([112]) ينظر: تفكير الأطفال وطرق تعليمه: 655.
([113]) الأبعاد التداولية في خطب السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) (بحث): 369.
([114]) الحديث النبوي ومستويات السياق المقامي مقاربة أصوليَّة لسانيَّة (بحث): 61.
([115]) المعاني السياقيَّة القرآنيَّة في معجم تاج العروس (أطروحة دكتوراه): 13.
([116]) ينظر: علم اللغة – مقدمة للقارئ العربي: 311 .
([117]) السقيفة وفدك: 141 ، بلاغات النساء: 15 ، أبهى المداد في شرح مؤتمر علماء بغداد: 1/280 .
([118]) خطب سيدة نساء العالمين (عليها السلام) مصادرُها وأسانيدها: 168 .
([119]) كشف الغمة في معرفة الأئمة في معرفة الأئمة: 1/485 .
([120]) كشف الغمة في معرفة الأئمة في معرفة الأئمة: 1/487 .
([121]) ينظر: تفكير الاطفال وطرق تعليمه: 653.
([122]) كتاب سليم بن قيس الهلالي: 886 .
([124]) كشف الغمة في معرفة الأئمة في معرفة الأئمة: 1/489 .
([125]) الحجاج في القرآن الكريم من خلال أهم خصائصه الأسلوبيَّة: 27.
