مركز الدراسات الفاطمية
مركز الدراسات الفاطمية
فاطمة (ع) وليلة القدر
+ = -

فاطمة (ع) وليلة القدر

فاطمة (ع) وليلة القدر للشيخ محمد علي اليعقوبي:

ولقد يعز على رسول * الله ما جنت الصحابة قد مات فانقلبوا على * الأعقاب لم يخشوا عقابه منعوا البتولة أن تنوح * عليه أو تبكي مصابه نعش النبي أمامهم * ووراءهم نبذوا كتابه لم يحفظوا للمرتضى * رحم النبوة والقرابة لو لم يكن خير الورى * بعد النبي لما استنابه قد أطفأوا نور الهدى * مذ أضرموا بالنار بابه وعدوا علي بنت الهدى * ضربا بحضرته المهابة في أي حكم قد أباحوا * إرث فاطم واغتصابه بيت النبوة بيتها * شادت يد الباري قبابه أذن الإله برفعه * والقوم قد هتكوا حجابه بأبي وديعة أحمد * جرعا سقاها الظلم صابه عاشت معصبة الجبين * تئن من تلك العصابة حتى قضت وعيونها * عبرى ومهجتها مذابة وأمض خطب في حشا * الإسلام قد أورى التهابه بالليل واراها الوصي * وقبرها عفى ترابه.

فاطمة وليلة القدر ” من عرف فاطمة حق معرفتها فقد أدرك ليلة القدر وإنما سميت فاطمة لأن الخلق فطموا عن معرفتها . . . ” في فاطمة الزهراء سر مستودع كما تقدم ذلك في حديثنا حول هذا الموضوع – أي السر المستودع – وأيضا في ليلة القدر سر عظيم لا يعرفه إلا المقربون الذين امتحن الله قلوبهم للإيمان والتقوى ، فليلة القدر رفعها الباري عز وجل وجعلها خيرا من ألف شهر وفيها تشويق لذيذ لمعرفة ذلكم السر المكنون في أعماقها ، * ( وما أدراك ما ليلة القدر ) * حيث خاطب الله تعالى المؤمنين في ضمائرهم لكي يحرك فيهم أمواج المعرفة عبر وسائل العلم والوعي ولتنفتح لهم أسرار ليلة القدر بالتمعن والتدقيق فيها ، على أن معرفة ليلة القدر تفوق الادراك البشري العادي أي أنها تفوق إدراك سائر الناس من السواد الأعظم فإنه لا بد أن يكون فيها سر عظيم ، والسر تقتضي معرفته استيعابا كاملا لمعنى ليلة القدر والغاية التي نزلت ليلة القدر من أجلها ولأجل تحقيقها في الأرض . وعلى هذا الأساس لا بد من معرفة الأساس الذي بنى عليه الحديث الذي ذكرناه في أول بحثنا حول علاقة معرفة فاطمة بليلة القدر فإنه لا بد من وجود الترابط في هذا الموضوع المهم ، ففاطمة فيها سر مستودع وكذلك ليلة القدر فيها سر مكنون ، فمن عرف فاطمة والسر المستودع فيها عرف سر ليلة القدر وعظمتها ، فليلة القدر عظيمة كعظمة فاطمة لذا كانت مجهولة في إثباتها ودقتها من حيث الزمان المختص بليالي شهر رمضان . على أن من عرف فاطمة فقد أدرك ليلة القدر هذا كونه ناتج عن معرفة فاطمة التي تجعلنا ندرك الإسلام ونستوعب أهمية ليلة القدر من خلال هذه المعرفة ، ولقد طرح الكثير من العلماء أوجه للشبه بين ليلة القدر وفاطمة ومنها : * ليلة القدر وعاء وظرف زماني لنزول كل القرآن الكريم * ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) * ، * ( ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين ) * ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ، وفيه كل شئ ، وتبيان كل شئ ، وسعادة الدارين . وكذلك الحوراء الإنسية فاطمة الزكية ، فإن قلبها ظرف مكاني وروحاني ، وصدرها وعاء إلهي للقرآن الكريم والمصحف الشريف ، وأنها كانت محدثة تحدثها الملائكة ، فهي وعاء للإمامة وللمصحف الشريف . * وفي ليلة القدر يفرق كل أمر أحكمه الله خلال السنة ، فيفرق ما يحدث فيها من الأمور الحتمية وغيرها ، وينزل بها روح القدس على ولي العصر والزمان وحجة الله على الخلق الذي بيمنه رزق الورى وبوجوده ثبتت الأرض والسماء ، وأن الإيمان بليلة القدر فارق بين المؤمن والكافر .

كذلك بفاطمة الزهراء الطيبة الطاهرة المطهرة يفرق بين الحق والباطل ، والخير والشر ، والمؤمن والكافر ، وقد ارتد الناس في العمل وفي الولاية بعد رحلة رسول الله إلا ثلاث أو خمس أو سبع ، وفيهم سيدة النساء فهم على حق ، وغيرهم استحوذ عليهم الشيطان فأغرهم وأضلهم فكانوا أئمة الضلال .

وفي ليلة القدر معراج الأنبياء والأولياء إلى الله سبحانه فيزاد في علمهم اللدني والرباني ويكسبوا من الفيض الأقدس الإلهي . كذلك ولاية فاطمة المعصومة النقية التقية ، فهي مرقاة لوصولهم إلى النبوة ومقام الرسالة والعظمة الشموخ الإنساني والروحاني ، فما تكاملت النبوة لنبي حتى أقر بفضلها ومحبتها وذلك في عالم * ( ألست بربكم ) * أو في عالم الذر أو عالم الأنوار أو الأرواح أو النشأة الإنسانية التي وراء نشأتنا هذه ، وهذه إنما هي صورة لتلك كما عند بعض الأعلام . ففاطمة الزهراء قطب الأولياء والعرفاء ومعراج الأنبياء والأوصياء ، صدرها خزانة الأسرار ، ووجودها ملتقى الأنوار ، فهي حلقة الوصل بين أنوار النبوة وأنوار الإمامة ، فأبوها محمد رسول الله ، وبعلها علي وصيه وخليفته إمام المتقين وأمير المؤمنين ، ومنها أئمة الحق والرشاد وأركان التوحيد وساسة العباد .

وليلة القدر خير من ألف شهر فيضاعف فيها العمل والثواب كل واحد بألف ، فالتسبيح والتمجيد والتهليل والتكبير والصلاة وكل عمل كل واحد بألف ، فكذلك محبة الزهراء وولايتها يوجب مضاعفة الأعمال فإن تسبيحها ( 34 مرة الله أكبر و 33 مرة الحمد لله و 33 مرة سبحان الله ) بعد كل صلاة واجبة أو نافلة يجعل كل ركعة بألف ركعة كما ورد في الخبر الشريف . فمودتها هي الإكسير الأعظم ، يجعل من كان معدنه الحديد ذهبا ، وأن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ، فمن والاها وأحبها وأطاعها وأطاع أبنائها الأطهار ، وعادى عدوها وأعداء ذريتها ، فإنه يكون كالذهب المصفى وباقي الناس كلهم التراب ، وأن الله يضاعف الأعمال بحبها كما تضاعف في ليلة القدر . وامتازت ليلة القدر عن كل ليالي السنة بالخير والبركة والشرافة والعظمة وعلو الشأن والرفعة ، كذلك خير نساء الأولين والآخرين فاطمة الزهراء فهي خير أهل الأرض والسماء عنصرا وشرفا وكرامة بعد أبيها الرسول المصطفى وبعلها الوصي المرتضى . * وليلة القدر ليلة مباركة * ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) * ، والبركة بمعنى النماء والزيادة والخير المستمر والمستقر الدائم والثابت وما يأتي من قبله الخير الكثير ، ومن ألقاب فاطمة الزهراء أنها ( المباركة ) ففيها كل بركات السماوات والأرض ، فهي الكوثر في الدنيا والآخرة ، وهي المنهل العذب والمعين الصافي لكل من أراد البركة ، فما أدراك ما فاطمة ، خير من في الوجود بعد أبيها وبعلها . ولو كن النساء كمثل هذه * لفضلت النساء على الرجال ولا التأنيث لاسم الشمس عار * ولا التذكير فخر للهلال وقال آخر :

هي مشكاة نور الله جل جلاله * زيتونة عم الورى بركاتها فهي الكوثر ، والكوثر ، الخير الكثير * ( إنا أعطيناك الكوثر ) * ، ومنها ذرية الرسول الأكرم ، وعدم انقطاع نسله إلى يوم القيامة ، وفي وصف النبي ، إنما نسله من مباركة لها بيت في الجنة لا صخب فيه ولا نصب . والعبادة في ليلة القدر تكون منشأ للفيوضات الإلهية ، والكمالات الربانية والفيوضات القدسية ، والبركات السماوية ، كذلك التوسل بفاطمة الزهراء فهي منشأ البركات والخيرات . ونزل القرآن الكريم وهو النور والفرقان والبيان والتبيان في ليلة القدر ، فليلة القدر نزول النور الإلهي ، وفاطمة الزهراء هي نور الله ، وهي الكوكب الدري ، كما جاء ذلك في تفسير آية النور في قوله تعالى : * ( الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في رجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور والله يهدي لنوره من يشاء ) *.

عن موسى بن القاسم عن علي بن جعفر قال : سألت أبا الحسن – الإمام الكاظم – عن قول الله عز وجل * ( كمشكاة فيها مصباح ) * ، قال : المشكاة فاطمة والمصباح الحسن والحسين . * ( كأنها كوكب دري ) * قال : كانت فاطمة كوكبا دريا من نساء العالمين . * ( يوقد من شجرة مباركة ) * ، الشجرة المباركة إبراهيم * ( لا شرقية ولا غربية ) * ، لا يهودية ولا نصرانية ، * ( يكاد زيتها يضئ ) * قال : يكاد العلم أن ينطق * ( ولو لم تمسسه نار نور على نور ) * ، قال : يهدي الله عز وجل لولايتنا من يشاء .

عن فاطمة الزهراء سلام الله عليها : اعلم يا أبا الحسن أن الله تعالى خلق نوري وكان يسبح الله جل جلاله ، ثم أودعه شجرة من شجر الجنة فأضاءت ، فلما دخل أبي الجنة أوحى الله إليه إلهاما أن اقتطف الثمرة من تلك الشجرة وأدرها في لهواتك ، ففعل ، فأودعني الله سبحانه صلب أبي ثم أودعني خديجة بنت خويلد فوضعتني ، وأنا من ذلك النور أعلم ما كان وما يكون وما لم يكن ، يا أبا الحسن المؤمن ينظر بنور الله تعالى. وما أروع ما يقوله الشاعر :

مشكاة نور الله جل جلاله * زيتونة عم الورى بركاتها هي قطب دائرة الوجود ونقطة * لما تنزلت أكثرت كثراتها هي أحمد الثاني وأحمد عصرها * هي عنصر التوحيد في عرصاتها .

ويقول المحقق العلامة الشيخ محمد باقر صاحب ( الخصائص الفاطمية ) في كتابه : سبحانك اللهم يا فاطر السماوات العلى وفالق الحب والنوى ، أنت الذي فطرت اسما من اسمك واشتققته من نورك ، فوهبت اسمك بنورك حتى يكون هو المظهر لظهورك ، فجعلت ذلك الاسم أصل لجملة أسمائك وذلك النور أرومة لسيدة إمائك ، وناديت بالملأ الأعلى : أنا الفاطر وهي فاطمة ، وبنورها ظهرت الأشياء من الفاتحة إلى الخاتمة ، فاسمها اسمك ونورها نورك وظهورك ظهورها ، ولا إله غيرك ، وكل كمال ظلك وكل وجود ظل وجودك ، فلما فطرتها فطمتها عن الكدورات البشرية واختصصتها بالخصائص الفاطمية ، مفطومة عن الرعونات العنصرية ، ونزهتها عن جميع النقائص مجموعة من الخصائل المرضية بحيث عجزت العقول عن إدراكها ، والناس فطموا عن كنه معرفتها ، فدعا الأملاك في الأفلاك بالنورية السماوية وبفاطمة المنصورة . . . أم السبطين وأكبر حجج الله على الخافقين ، ريحانة سدرة المنتهى وكلمة التقوى والعروة الوثقى وستر الله المرخى والسعيدة العظمى والمريم الكبرى والصلاة الوسطى والإنسية الحوراء التي بمعرفتها دارت القرون الأولى .

وكيف أحصي ثناها وأن فضائلها لا تحصى وفواضلها لا تقضى ، البتول العذراء الحرة البيضاء أم أبيها وسيدة شيعتها وبنيها ، ملكة الأنبياء الصديقة فاطمة الزهراء عليها سلام الله . * وكثير من الناس أدركتهم السعادة في ليلة القدر ، فهي ليلة السعادة ، وكذلك السيدة فاطمة الزهراء ، فهي سر السعادة ، ومحبتها ومعرفتها والاقتداء بها وإطاعتها ونصرتها يوجب السعادة الأبدية ، ويحلق الإنسان في آفاق الكمال ويسبح في يم الجلال . وكم من شاهد وقصة تدل على أن هناك من أدركتهم السعادة ببركة فاطمة الزهراء ، كما أن الله هدى ذلك المجوسي وأهل بيته إلى الإسلام فأسلموا جميعا لما أكرم العلوية التي جاءت إليه تشكو حالها ، كما يحدثنا بذلك العلامة المجلسي ( قدس سره ) في كتابه القيم ( بحار الأنوار 93 : 225 – 236 ) ، فراجع .

إن الله سبحانه جعل حريما لكل أمر مقدس ومعظم ، فإنه لا صلاة إلا بطهور وتكبيرة الإحرام ، وأن الحجر الأسود ومكة المكرمة جعل لها حرما ، فلا يدخلها إلا من كان محرما ، وقد حرم على نفسه الملاذ ، كالنساء واستعمال الطيب ولبس المخيط وطلب الراحة كالاستظلال ، فكان الحجر الأسود مواقيت ، وتقدست بقعة من الأرض لأجله ، ولأن مكة المكرمة والكعبة المعظمة مهبط الوحي ونزول الرسالة المحمدية السمحاء المتمثلة بالقرآن الكريم ، فمكة المكرمة مكان نزول القرآن وليلة القدر زمان نزوله ، وصار للكعبة حرما أثر عظمة الوحي ، وكذلك شهر رمضان ، فإنه نزل القرآن كله في ليلة قدره ، ولكن سرت القداسة والتكريم والتعظيم إلى أن كل أيام وليالي الشهر ، بل تشرف ذلك العصر الذي نزل فيه القرآن فأقسم به الله في سورة العصر ، كما أقسم بالمكان الذي نزل فيه الوحي * ( لا أقسم بهذا البلد ) * فشعاع الوحي والقرآن الكريم قد نور ميدانا وسيعا في الزمان والمكان . فما تقدس عند ربك الأكرم الذي علم الإنسان ما لم يعلم ، فإنه يكون له حريم مقدس وتوابع مقدسة ، كليلة القدر بشرفها تشرفت ليالي شهر رمضان وأيامه .

وكذلك فاطمة الزهراء تقدست عند ربها ، فوجب إجلالها وإكرامها ، بل وينبغي تعظيم ذريتها ومودتهم وتكريمهم ، فإنه ألف عين لأجل عين تكرم ، فوجب على كل مسلم إكرام السادة والذرية الطيبة ، من ولد فاطمة الزهراء وعلي المرتضى ، فالصالح منهم يكرم لله والطالح منهم لرسوله وعترته . إن الله سبحانه وتعالى قد دعا عباده لضيافتهم العامة في شهر رمضان المبارك ، فالصائم وافد على الله وضيفه ولكل ضيف قرى ، وقرى الله الإعتاق من النار ودخول الجنة ، وإن الله ليغفر لعباده الصائمين ويعتق الرقاب من جهنم في الشهر كله ، فإنها خير من ألف شهر ، كما جاء نص ذلك في الأخبار ، وفاطمة الزهراء ( عليها السلام ) سميت فاطمة ، لأنها تفطم شيعتها من النار ، وتعتق رقابهم وتدخلهم الجنة * ( ومن زحزح عن النار ، وأدخل الجنة فقد فاز ) .

عن الإمام الرضا ، عن آبائه ، قال : قال رسول الله : إنما سميت ابنتي فاطمة لأن الله فطمها وفطم محبيها عن النار .

قال النبي : إنما سميت فاطمة ابنتي لأن الله فطمها ومحبيها عن النار .

وانفردت ليلة القدر بعظمتها وشموخها من بين ليالي السنة ، فليس لها مثيل ولا نظير ، فهي سيدة الليالي والأيام . وفاطمة الزهراء لا مثيل لها بين النساء ، فهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين في الدنيا والآخرة ، ولولا أمير المؤمنين علي المرتضى لما كان لها كفؤ من الرجال آدم ومن دونه ، وهذا ما نصت عليه الأخبار الشريفة عند الفريقين السنة والشيعة ، ذات الله سبحانه سر لا يعلمه إلا هو ، وله في خلقه أسرار لا يعلمها إلا هو ورسوله والراسخون في العلم من عترة النبي الهادي المختار .

وليلة القدر سر من أسرار الله ، وفاطمة الزهراء عصمة الله وسر من أسراره العظمى ، لا يعرف حقيقتها ومقامها الرفيع وآياتها الباهرة إلا الله ورسوله وأهل بيته الأطهار ، فهي سر في وجودها وفي ولادتها وحياتها ورحلتها إلى جوار ربها . * وليلة القدر قد جهلها الناس من حيث الليالي ومن حيث القدر والمنزلة فقطعوا وفطموا عن معرفتها ، كذلك البضعة الأحمدية والجزء المحمدي فهي مجهولة القدر ( وإنما سميت فاطمة لأن الخلق فطموا عن النار

maram host