مركز الدراسات الفاطمية
مركز الدراسات الفاطمية
ألفاظ القرابة في خطاب السيدة الزهراء(ع)…بقلم الاستاذ عبدالحسن الناصر
+ = -

 ألفاظ القرابة في خطاب السيدة الزهراء(ع)

     لقد ذكرت السيدة الزهراء(ع) في خطابها التاريخي عدة الفاظ تدل على القرابة حملت عدة معانٍ حجاجية تثبيتا وتقوية لحجتها واستدلالا وبرهاناً لما خرجت من أجله, نعرض لها ومعانيها ودلالاتها بإيجاز فمنها: 

  • 1- الأب: ذكرت الزهراء (ع) في خطابها لفظة (أبي) ثمان مراتٍ, حمَلَتْ عِدَّة دلالاتٍ في:

  • v قولها ” وأشهَدُ أنَّ أبي مُحَمَّداً (ص) عبدُهُ ورسُولُه “(1).

  • v قولها ” فأنارَ الله بأبي مُحَمَّد (ص) ظُلَمَها “(2).

  • v قولها ” صلَّى اللهُ على أبي نَبِيَّهُ وأَمِيْنَهُ عَلى الوَحي “(3).

  • v قولها ” إنِّي فاطِمَةٌ وأبي مُحَمَّدٌ “(4).

  • v قولها ” فإنْ تعْزوهُ وتَعْرِفوهُ, تَجِدُوهُ أبي دُونَ نِسائكُم “(5).

  • v قولها ” سُبْحانَ الله, ما كانَ أبي رسولُ الله(ص) عن كِتابِ الله صادِفاً “(6).

  • v قولها ” هذا ابن أبي قُحَافَة يبْتَزُّنِي نِحْلَة أبي “(7).

  • v قولها ” شكواي إلى أبي, وعدواي إلى ربِّي “(8)

لقد كررت الزهراء (ع) ذكر أبيها بإضافته لياء المتكلم؛ لأسباب كثيرة ودواعٍ جليلة منها:

  • التكرار من باب الاستئناس, فللعلاقة الوطيدة التي تربطها بالنبي الكريم (ص) ولفقدِها إياه, وجدت في تكرار ذكره أُنساً وسروراً لقلبها الحزين.

  • الشعور بالغبن والجحد والظلم الذي وَقعَ على البيت العلوي بالاجتراء عليه, وحرمانه من حقوقه المشروعة(9), وهو ما بيَّنتْه (ع) في المقطع الأخير علانية عند مخاطبتها لأمير المؤمنين (ع).

  • تذكير القوم بفضل رسول الله (ص) عليهم, وإنقاذِه إياهم من الظلم والفساد والرذيلة.

  • التعالي على المصالح الدنيوية الضَّيِّقة, والإبحار في أفق واسع أرحب, متمثِّلاً بعُظمِ المُصيبة, والفاجعة الأليمة, التي حلَّت بالأُمَّة؛ لفقد نبيها وانقطاع الوحي, وتنبيه الامة الى خطورة ما أقدموا عليه .

  • التَّشَرُّف بذكرِه (ص), فكفاها شرَفاً وفخراً وسمُوَّاً أنَّها ابنته وبضعته وحبيبته, تقول (ع) ” ولَنعْمَ المعْزى إليه (ص) “(10).

  • الترابط الروحي بينهما, وإشعار الأُمة بالحضور النبوي من خلالها, يظهر ذلك من خلال النَّسب الشريف الذي كررته,وفيما نقله لنا أرباب التأريخ بكيفية خروجها الى المسجد, وطريقة مِشيتها (ع)؛ إذ عُبِّر عنها بـ ” تطأ ذيولها ما تَخرم مِشيَتُها مِشيَة رسول الله (ص) “(11).

  • 2- الاخ: أطلقت الزهراء (ع) لفظ (الأخ) في خطابها, على العلاقة والرابطة القائمة بين الإمام علي (ع) والرسول الأكرم (ص), ولعلَّها بذلك أرادت تذكير الأمَّة بـحادثة (المؤاخاة)(12) وحديث المَنزلة(13), وفيهما كان لعلي (ع) من الميزات ما لم يكن لغيره, فإذا أقرت الأُمة بذلك, كان ردعاً لها لما أقدمت عليه, من ظلمٍ واعتداءٍ على منزلته السامية.

لقد ذكرت الزهراء (ع) لفظة (الاخ) في موضعين, وفي كلِّ مرَّةٍ حمل دلالةً مُختلِفة:

  • v الموضع الأول: تقول (ع) ” كلَّما أوقدوا ناراً للحَربِ, أطْفَأَهَا الله, أو نَجَمَ قرْنُ الشَّيْطان, أو فَغَرَتْ فاغِرةٌ منَ المُشْرِكين, قَذَفَ أخَاهُ في لهَوَاتِها “(14), وهنا تُقَدِّم ذِكر النبي (ص), وتُنسِب علياً (ع) له, والضمير يعود الى عليٍّ (ع) كما هو واضح . ويبدو أنَّ علةَ ذلك راجعةٌ الى المقام والسياق الذي وردت فيه؛ فالموقف موقفُ حربٍ وشِدَّة وعناء, مما يوحي الى ثِقَة النبيِّ (ص) بعلي (ع) وبقُدْرَتِه في إخماد نار الحَرْب وإطفائها, فهو (أخاه).

  • v الموضع الثاني: تقول (ع) في موضعٍ آخر بعد ذِكرِها للنبي محمد (ص) ” وأخا ابن عمِّي دُونَ رجالِكُم “(15), وهنا تُنسِب النبي (ص) الى عليٍّ (ع), وتُضيفُه إليه, على العكس من الموضع الأول, وأنَّه الأوحدي من الأمة الذي يملكُ هذه الميزة(16)؛ إذ تُظهِر (ع) بذلك مكانةً أخرى لعلي (ع), فمن أراد اتباع الرسول (ص) فعليه باتِّباع أخيه.

  • 3- الابن والابنة: ورد ذكر (الابنة) مرتين مضافاً الى النبي (ص), وفيه استشعار للأمة بقرب المنزلة وعلو المرتبة, التي لا يُضاهيها أحد:

  • v تقول (ع) ” بلى قد تَجَلَّى لَكُم كالشَّمْسِ الضَّاحِيَةِ: أنِّي ابنته “(17), وهي هنا في مقام الاحتجاج, والمطالبة بالإرث الطبيعي من رسول الله (ص), وانَّها الوريثة له (ص) بموجب النسب الطبيعي بينهما.

  • v تقول (ع) ” وأنَا ابْنَةُ نَذِيْرٍ لَكُم بَيْنَ يَدَي عَذابٍ شدِيْد “(18), وذِكْرُ النسب الشريف هنا حَمَلَ دلالة الإنذار والوعيد؛ إذ استنفذَت (ع) كل الحجج والبراهين في ردع القوم وما أقدموا عليه.

         وأمَّا ذِكْر (الابن) فقد ورد بصيغة المثنى, إشارة الى ابْنَي رسول الله (ص), الحسن والحسين (ع), تقول في بيان صِفةِ فدك ” … وبُلْغَة ابنيّ “(19), والبُلْغَة: ما يُتَبَلَّغُ به من العيش, وفيها معنى الاكتفاء(20), وفي ذلك اشارة الى فدكٍ, وأنَّها للزهراء (ع) ولذُرِّيَتِها من بَعْدِها .

      ما يُمكن ملاحظته في هذا الحقل: وجود علاقة التضاد العكسي(21) بين ( الاب والابن).

  • (1) الاحتجاج للطبرسي:1/ 256

  • (2) م.ن:1/ 257

  • (3) م.ن:1/ 257

  • (4) م.ن:1/ 259

  • (5) م.ن:1/ 259

  • (6) م.ن:1/ 276

  • (7) م.ن:1/ 280

  • (8) م.ن:1/ 282

  • (9) ينظر: المِثال في خطاب الزهراء (ع), بحث غير منشور, د. عباس الفحام: 5

  • (10) الاحتجاج للطبرسي: 1/259.

  • (11) حياة سيدة النساء فاطمة الزهراء للشيخ باقر شريف القرشي: 346

  • (12) وهو ما عليه إجماع أرباب السِّيَر, ويومها قال رسول الله (ص) لعلي (ع) ” أنت أخي في الدُّنيا والآخرة ” , ينظر: تاريخ الأحمدي 49.

  • (13) ينظر: المعجم الكبير: 1/146 رقم الحديث(328), والمعجم الأوسط: 5/287 رقم الحديث(5335).

  • (14) الاحتجاج للطبرسي 1/262

  • (15) الاحتجاج 1/259

  • (16) ينظر: الهداية الكبرى: 138

  • (17) الاحتجاج: 1/267

  • (18) م.ن: 1/274

  • (19) م.ن: 1/280

  • (20) ينظر: لسان العرب 1/598 مادة (بلغ)

  • (21) وهي علاقة بين ازواج من الكلمات تظهر علاقات تقابلية بينها, سمَّاها (بالمر) بـ(المتضادات العلائقية أو المناظرات), يعني وجود وحدتين معجميتين متقابلتين, مثل (باع واشترى), و(زوج وزوجة), وكالأبوة والبنوة, فإذا تعقَّلنا أحدهما لا بد أن نتعقل معه مقابله, ولا يصح أطلاقهما على موضوع واحد من جهة واحدة, فلا يكون الشخص أباً وابناً لشخص واحد, وإنما يصح من جهتين بأن يكون الفرد أباً لشخص وابناً لشخص آخر

maram host