لمحات من حياة فاطمة الزهراء (عليها السلام)
لمحات من حياة فاطمة الزهراء عليها السلام
اسمها : فاطمة
ابوها : محمد بن عبد الله ( صلى الله عليه وآله ) رسول الله وخاتم النبيّين وسيّد المرسلين , وأَعْظِمْ به رسولاً ، وأَكْرِمْ به أبّاً .
امها : خديجة بنت خويلد ، أم المؤمنين ، والسابقة إلى الإسلام والمحامية عن دين الله والمضحية في سبيل الرسالة ، هي أمّ فاطمة (ع) .
الشجرة المباركة
( عن أبي جعفر عليه السلام عن جابر بن عبد الله قال :
قيل يا رسول الله انك تلثم فاطمة وتلزمها وتدنيها منك وتفعل بها مالا تفعل بأحد من بناتك ؟
فقال : إن جبرائيل أتاني بتفاحة من تفاح الجنة فأكلتها فتحولت ماءً في صلبي ثم واقعت خديجة فحملت بفاطمة فأنا أشم منها رائحة الجنة ) .
وكان مولدها عليه السلام في العشرين من شهر جمادي الثانية سنة 8 قبل الهجرة
للحوراء الانسية تسعة أسماء يرمز كل منها لصفات و مناقب هذه السيدة الطاهرة المباركة، وهي:
1 ـ فاطمة
2 ـ الصديقة
3 ـ الطاهرة
4 ـ المباركة
5 ـ الزكية
6 ـ الراضية
7 ـ المرضية
8 ـ المحدّثة
9 ـ الزهراء
ثم أخذت تنشأ نشأة مباركة .
كانت فاطمة عليها السلام تترعرع في تلك الظروف المتأزمة التي كان النبي ( صلى الله عليه وآله ) كلما بالغ في الدعوة إلى الله والحق ، بالغ أعداؤه في التنكيل به وتعذيب أصحابه .
فلقد عاشت فاطمة عليها الصلاة والسلام مأساة شِعب أبي طالب , وشاهدت أباها أيضاً وهو مهاجر إلى الطائف ، مبلِّغ في أهلها دعوة الله ، ولم يستجب له أحد .
كما شاهدت ذلك اليوم الذي كانت أمها خديجة (ع) على فراش الموت وتلفظ أنفاسها الأخيرة وهي لا تملك من مال الدنيا شيئاً . نعم لقد لاحظت فداء أمها خديجة للدِّين ، وتفانيها في سبيله ، ودفاعها عنه بكل ما كانت لديها من القوة والإمكانات . فكانت كآبة وفاة أمها ، تمتزج في قلبها ببطولات خديجة.
وقد سايرت الدعوة ، في معركتها العنيفة ، وهي في قلب المعركة . لأنها كانت ، بنت قائد المعركة ، وهو النبي (ص) ، فلذلك كانت تدور اينما دارت المعركة وتعيش وفق ما عاشت .
وحينما أُحيط بيت محمد (ص) وقد أرادوا قتله كانت فاطمة عليها الصلاة والسلام تلاحظ ذلك .. وحينما هاجر النبي (ص) إلى المدينة كانت فاطمة عليها الصلاة والسلام تشعر بمرارة الفراق .. وكانت كذلك حينما كُلِّف الإمام أمير المؤمنين (ع) من قِبَلِ النبيّ (ص) بأن يهاجر مع من بقي من أهل بيت النبي . الذين كانوا يتألفون من الفواطم .
وسار الركب إلى المدينة . ولحقتها سريّة مسلحة من قِبَلِ قريش لكي تمنع لحوق أهل النبي (ص) به ، فاشتدت المعركة بين الإمام علي (ع) وبين تلك السريّة ، حتى هزمها الإمام ، وبعد ان كبدها خسائر .. كانت فاطمة عليها الصلاة والسلام حينذاك ، في الركب المُهاجَم عليه .
وكان النبي (ص) ينتظر قدوم ابنته فاطمة عليها الصلاة والسلام والإمام (ع) ، فلم يدخل المدينة حتى لحقا به .
وكانت فاطمة في المدينة ، ترافق الأحداث .. وتراقبها فتنصقل شخصيتها وتكتمل يوماً بعد يوم ، ففي يوم أُحد إذ دارت الحرب على المسلمين جاءت فاطمة عليها الصلاة والسلام تضمّد جراح والدها برماد حصيرة أحرقتها وأخذت سيفي النبي والوصي عليهما السلام وغسلتهما ونظفتهما .
وكان لزواج فاطمة من بين أحداث حياتها قصة تُروى ، فتأخذ جانباً عظيماً من حياتها . والواقع أن زواجها تمَّ وفق القيم الإسلامية ، في كل جوانبه ، ولذلك فقد أصبح النموذج والمثل لكل زواج لابد منه لكل إنسان .
ولقد جعل الفقه الإسلامي الطريقة التي اتبعت في زواج فاطمة عليها الصلاة والسلام سنّة مندوبة ، لأنها كانت صورة مجسدة لتعاليم الإسلام .
أوّلاً : الخطبة
علي بن أبي طالب عليه السلام يأتي إلى النبي (ص) فيسلم عليه . ويتّخذ موقعه .. فيسأله النبي (ص) عن سبب مجيئه ، فيعرض عليه أمر الزواج بفاطمة (ع) فيقول النبي (ص) له بكلّ بساطة : أهلاً ومرحباً , بينما رد النبي صلى الله عليه واله غيره منتظرا فيها امر الله جل وعلى .
ثانيا : القبول
ولا يبت النبي (ص) الأمر إلاّ بعد أن يَعرض على فاطمة عليها الصلاة والسلام ذلك ، بكل تفاصيله ، يذكر لها موجزاً من تاريخ علي عليه السلام وشيئاً من فضائله ومناقبه ، وفاطمة تسكت مشيرة إلى رضاها بذلك ، فيقول النبي (ص) في هذا المجال : الله أكبر ، سكوتها رضاها .
ثالثا : الكفاءة
تسابق الرجال يريدون أن يكتسبوا شرف الزواج ببنت رسول الله (ص) فاطمة الزهراء عليها الصلاة والسلام التي كانت قد اشتهرت مآثرها ومناقبها ، وما لها من عفة ، وحياء وحكمة ، وسداد ، وورع واجتهاد ، وعلم ومعرفة .وما كان سوى علي عليه السلام كفوء لهافي ذلك فعن الصادق عليه السلام أنه قال :
“ لولا أن الله تبارك وتعالى خلق أمير المؤمنين لفاطمة ما كان لها كفء على وجه الأرض آدم فمن دونه “.
رابعاً : المهر والتجهيز
لقد كان المهر مقدار “ 480 “ أربعمائة وثمانين درهماً ، وفي بعض النصوص أنه كان خمسمائة درهم .
أما التجهيز الذي قام بإعداده النبي (ص) فهو كالآتي :
1- قميص بسبعة دراهم .
2- خمار بأربعة دراهم ( وهو بمنزلة العباءة ) .
3- قطيفة سوداء خيبرية ( وهي دثار له خمل ) .
4- سرير مزمّل .
5- فراشان من خيش مصر ( وهو قماش في نسجه رقة وخيوطها غلاظ ) . حشو أحدهما ليف ، وحشو الآخر صوف الغنم .
6- أربع مرافق من أدم ( وهي بمنزلة المخدّة ) حشوهما أذخر ( وهو نبت طيب الرائحة ) .
7- ستر رقيق من صوف .
8- حصير هجري ( أي مصنوع في هجر وهو بلد في اليمن ) وقد يكون الحصير من العلف .
9- رحى يدوية .
10- مخضب من نحاس ( أي إناء تغسل فيه الثياب مثل الطشت ) .
11- سقاء من أدم .
12- قدح ( كعب ) من خشب .
13- قسنّ ( سقاء ) .
14- مطهرة .
15- كيزان خزف .
16- نطع ( وهو بساط من أدم كان يستعمل لمائدة الطعام ) .
17- عباءة من صنع الكوفة .
18- قربة ماء .
19- شيء من الطيب .
ولقد جهّز الإمام بيته بافتراش صحن داره بالرمل الناعم ونصب خشبة طويلة بين جانبي الحائط لغرض تعليق الثوب عليه ( كالعلاقة ) . وافتراش غرفته بأهاب كبش ومخدة ليف فقط .
خامسا : الخطاب
وقال النبي (ص) للإمام تكلم لنفسك خطيباً ، فقال الإمام (ع) :
( الحمد لله الذي قرب من حامديه ، ودنا من سائليه ، ووعد الجنة لمن يتقيه ، وأنذر بالنار من يعصيه . نحمده على قديم إحسانه وأياديه ، حمد مَن يعلم أنه خالقه وباريه ، ومميته ومحييه ، وسائله عن مساويه . ونستعينه ونستهديه ، ونؤمن به ونستكفيه .
ونشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لاشريك له ، شهادة تبلغه وترضيه ، وأنّ محمداً عبده ورسوله (ص) صلاةً تزلفه وتحضيه ، وترفعه وتصطفيه ، وهذا رسول الله (ص) زوجني ابنته فاطمة على خمسمائة درهم ، فاسألوه وأشهدوا ) .
فقال رسول الله (ص) :
( قد زوجتك ابنتي فاطمة على ما زوّجك الرحمن ، وقد رضيت بما رضي الله فنعم الختن أنت ، ونعم الصاحب أنت ، وكفاك برضى الله رضىً ) .
ثم أمر رسول الله (ص) بطبق بسر أو تمر وأمر بنهبه .
بيت الزوجية:
جاء في حديث عن الإمام الباقر (ع) قال :
( إن فاطمة عليها السلام ضمنت لعلي عليه السلام عمل البيت والعجين والخبز وقمَّ البيت . وضمن لها علي عليه السلام ما كان خلف الباب : نقل الحطب وأن يجيء بالطعام . فقال لها يوماً : يا فاطمة هل عندك شيء ؟ قالت : والذي عظم حقك ما كان عندنا منذ ثلاثة أيام شيء نقريك به . قال : أفلا أخبرتني ؟ قالت كان رسول الله (ص) نهاني أن أسالك شيئاً . فقال : لا تسألين ابن عمك شيئاً . إن جاءكِ بشيء ، وإلا فلا تسأليه ) .
وقد كانت هذه الأعمال تكلفها تعباً ونصباً بالغين . وذات مرة دخل النبي (ص) عليهما ، فرآهما قد
أعياهما العمل . فقال : أيكما أكثر تعباً ؟ فقال علي : فاطمة فأقامها النبي عن العمل وجلس مكانها يعمل .
تسبيحة الزهراء:
عن عليٍّ (ع) أنه قال لرجل من بني سعد : ألا أحدثك عني وعن فاطمة ؟ إنها كانت عندي وكانت من أحب أهلي إليّ . وإنها استقت بالقربة حتى أثر في صدرها ، وطحنت بالرحى حتى مجلت يداها ، وكسحت البيت حتى اغبرَّت ثيابها ، وأوقدت النار تحت القدر حتى دكنت ثيابها . فأصابها من ذلك ضمار شديد .
فلما طلبت خادمة تستعين بها . قال النبي (ص) لها : اني سوف أعلمكِ شيئاً يفيدك أكثر من الخادمة .
قالت وما هو يا أبتاه ؟
قال لها : إذا فرغت من الصلاة .. فقبل أن تلتفتي يميناً أو شمالاً قولي : [ الله أكبر ثلاثا وثلاثين مرة . ثم قولي الحمد لله وسبحانه مثل ذلك ] .
فإذا فعلت ذلك ، أعطاكِ الله القوة والنشاط .. ثم توجه إليها النبي (ص) يقول : هل رضيتِ بذلك !
قالت : نعم يا رسول الله ، رضيت “ .
وحين تأتي “ فضة “ لتفتخر بشرف خدمة الزهراء (ع) بعد أن تنزل هذه الآية :
{ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ – يعني عن قرابتك وابنتك فاطمة – ابْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً } (الاسراء/28)
وينفذ الرسول فضةً إليها بمقتضى هذه الآية التي تأمره بذلك حسب بعض الروايات ، فتأبى فاطمة عليها السلام أن تتعامل معها ، كما كانت سيدات العرب تعامل الخادمة .. كانت تأمر وتنهي وما على الخادمة إلاّ أن تطيع السيدة بكل خضوع .
كلا، إنها قسّمت الأيام بينها وبين فضة ( الخادمة ) دون أن ترجّح نفسها على فضة بأية ميزة .
مقام الزهراء :
عن الرضا عن آبائه عن علي عليهم السلام ، قال رسول الله (ص) : ( إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش يا محشر الخلائق غُضُّوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله ) .
وفي رواية أخرى : ( يا أهل الجمع ، نكِّسوا رؤوسكم وغُضُّوا أبصاركم حتى تجوز فاطمة على الصراط ، فهي ومعها سبعون ألف جارية من الحور العين ) .
وعن صبيح مولى أم سلمة ، وزيد بن أرقم قالا : إنّ رسول الله (ص) قال لعليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام : ( أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم ) .
وروي أن رسول الله (ص) قال : ( فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني ) .
وعن علي (ع) قال : قال رسول الله (ص) : ( يا فاطمة إن الله يغضب لغضبكِ ويرضى لرضاك ) .
وعن عائشة قالت : كنّا عند رسول الله (ص) في مرضه الذي مات فيه إذ جاءت فاطمة ، ما تخطيء مشيتها عن مشية النبي (ص) شيئاً ، فلما رآها قال : ( مرحباً يا بنتي ، فأقعدها عن يمينه أو عن يساره ثم سارّها بشيء فبكت ، فقلت لها أنا من بين نسائه ، خصك رسول الله من بيننا بالسرار وأنت تبكين؟! “ ثم سارها بشيء فضحكت . فسألتها عائشة . فقالت : ما كنت لأُفشي على رسول الله (ص) سرّاً “ فلما توفي النبي (ص) سألتها “ فقالت : أما بكائي ، فإنّ رسول الله قال لي : إن جبرائيل عليه السلام كان يعرض عليّ القرآن كل عام مرة فعرضه العام مرتين ، ولا أراني أجلي إلاّ قد اقترب ، فبكيت . فقال لي اتقي الله واصبري فإني أنا نعم السلف لك . ثم قال : يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين ، أو نساء هذه الامة ، فضحكت ) .
وروي عن النبي (ص) قال : ( كَمُل من الرجال كثير ، ولم يَكمل من النساء إلاّ مريم ابنة عمران ، وآسية ابنة مزاحم امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد ) .
وكان رسول الله (ص) إذا رجع من غزوة أو سفر أتى المسجد فصلَّى ركعتين ، ثم ثَنَّى بفاطمة ، ثم يأتي أزواجه . ولكنّ النبي كان إذا أراد سفراً أو غزوةً اختتم وداعه بفاطمة بعد كل أزواجه .
و عن عائشة أنها سئلت عن أحب الناس إلى رسول الله ؟ فقالت : فاطمة , فسئلت فمن الرجال؟ قالت: زوجها .
وعن ابن بريد عن أبيه قال:كان أحب النساء إلى رسول الله (ص) فاطمة ومن الرجال عليّ بن أبي طالب (ع) .
وكانت عائشة تقول بعدما سألت عن علي : تسألينني عن رجل والله ما أعلم رجلاً أحب إلى رسول الله (ص) من عليّ ، ولا في الأرض امرأة كانت أحب إلى رسول الله (ص) من امرأته .
وعن النبي (ص) قوله : ( فاطمة سيدة نساء أهل الجنة ) .
العابدة الزاهدة :
روي عن الإمام الحسن عليه السلام أنه قال : رأيت أمي فاطمة ليلة الجمعة وقد وقفت للعبادة .. ومازالت بين راكعة وساجدة وقائمة وقاعدة ، حتى أسفر الصبح . وهي تدعو للمؤمنين والمؤمنات ، تسميهم بأسمائهم .. قال الإمام (ع) فقلت يا أماه : لماذا لم تدعي لنفسك ، وإنما دعوتِ لسائر المؤمنين ؟ قالت : يا بُنَيَّ الجار ثم الدار .
وعن الصادق (ع) انه حدّث : بانه دخل رسول الله (ص) على فاطمة يوماً ، فرآها قد لبست ثوباً من صوف الإبل . وهي تطحن بيديها ، وترضع ابنها ، فلما رأى الرسول ذلك بكى وقال : بنيّة ، ذوقي مرارة الدنيا لحلاوة الآخرة . فقالت فاطمة : أحمد الله على نعمائه وأشكره على آلائه .. فنزلت هذه الآية : { وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى } (الضحى/5)
أصدق الناس لهجةً :
عن عائشة قالت : ما رأيت أحداً أصدق لهجةً من فاطمة ، إلاّ أن يكون الذي ولدها ( أي رسول الله صلَّى الله عليه وآله ) .
بطلة الإيثار :
كان الحسنان (ع) قد أصابهما مرض ، وكان الإمام علي (ع) قد نذر لله أن يصوم لو شُفيا . وكانت فاطمة والحسنان وفضة ( الخادمة ) قد تبعوا عليّاً في هذا النذر ، فالآن قد عوفيا . فجاء دور الوفاء بالنذر . فذهب أمير المؤمنين وأخذ مقداراً من الصوف وأعطاه لفاطمة عليها السلام لكي تغزله . وأخذ مكانه ثلاثة أَصْوُعٍ من الشعير أجراً على ذلك . لكي يفطروا عليها .
و جاء بالشعير إلى البيت ، وصامت الاسرة ، وصنعت الزهراء منه خمسة أقراص من الخبز .. وانتهى النهار ، وجلسوا ليأكلوا .. وتماماً في الوقت الذي أرادوا الأكل سمعوا صوتاً من وراء الباب يقول :
السلام عليكم يا أهل بيت النبوَّة . إني مسكين من مساكين المدينة وجائع .. فأعطوني .. بارك الله فيكم .
فأخذ الإمام أمير المؤمنين رغيفه وتبعته فاطمة ثم الحسن والحسين (ع) وحتى فضة ، أخذوا أرغفتهم الخمسة وأعطوها للمسكين .. ثم أفطروا بالماء القراح وشكروا الله .
وفي اليوم الثاني ، كان الوقت عند الإفطار ، وكانت فاطمة قد صنعت خمسة أرغفة أيضاً .. وكانوا قد أرادوا الإفطار فجاء يتيم وطلب منهم طعاماً ؛ فقدم كل منهم رغيفه وأفطروا بالماء وحمدوا الله .
وجاءت الليلة الثالثة .. وجاء دور الأسير .. ففي نفس الوقت – أي عند الإفطار – طلب منهم الأسير ، وأعطوه الأرغفة وباتوا جياعاً لثلاثة أيام وليال كاملة .
ولما جاء الرسول لزيارتهم ، وشاهد الحسنين يرتجفان جوعاً ، وفاطمة عليها السلام قد اشتد بها الضعف ، والإمام وفضة . كلاًّ منهما قد أثر فيه الجوع أثراً بليغاً ، قال الرسول حينذاك :
واغوثاه بالله أهل بيت محمد (ص) يموتون من الجوع .. فنزلت فيهم :
{ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً إِنَّا نَخَافُ مِن رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً فَوَقَاهُمُ الله شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً } (الإِنسَان/7-11) .
الصديقة فاطمة تتحدى نكسة الأمة :
كان لموت الرسول (ص) أثر عميق وبليغ في فؤاد فاطمة (ع) حتى أنها ما رؤيت مبتسمةً بعده قط ، إلاّ حين نَعَى إليها نفسَها ، حيث علمت باقتراب أجلها وحلول ميعاد الالتحاق بأبيها .
فمازالت فاطمة بعد أبيها معصبة الرأس ، ناحلة الجسم ، منهَّدة الركن ، يغشى عليها ساعة بعد ساعة .
وبلغ بها البكاء على أبيها أنَّ أهل المدينة شكوا إلى أمير المؤمنين أمرها واقترحوا عليها أن تبكي إما ليلاً أو نهاراً . بيد أنها لما سمعت بذلك اشتد بكاؤها وأبت إلاّ أن تبكي على والدها أبداً ، حتى تلتحق به ، وأضافت بأنه – ما أقل مكثي بين أظهرهم – .
وكانت فاطمة قطب الرحى في بيت الرسالة .. فماذا فعلت وكيف نهضت بأعباء الحركة التصحيحية ؟
ولم يكد الإمام علي (ع) يفرغ من دفن رسول الله (ص) حتى هبت على الأمة رياح الجاهلية وأوشكت أن تقتلع شجرة الإسلام الطرية .. وكان على بيت الرسالة أن يقف كالجبل الأشم في وجه عواصف الرِّدة . ويحافظ على كيان الإسلام وفاءً بعهده مع رسول الله ، وتحقيقاً لدوره المرسوم الذي عبّر عنه صاحب الوحي (ص) حيث قال 🙁 إني تارك فيكم الثقلَين : كتابَ الله ، وعترتي أهلَ بيتي ، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا أبداً ) .
والجواب : انه بالرغم من ذلك كله ، فإنّ تكريس عهد الوصاية بعد عهد الرسالة لم يتم من دون صعوبات ، بل تضحيات , فلم تقف فاطمة الزهراء ، ضد السلطة السياسية ، بقدر ما وقفت ضد عوامل الضعف والتواني التي كادت تتغلب على المجتمع ، وبالذات على الطليعة ، من المهاجرين والأنصار .. وقد اتبعت فاطمة (ع) خُططاً حكيمة ، لتحقيق الهدف ، ومن أبرزها :
أولاً : فاطمة الزهراء تحرض نساء المدينة :
لم تعش فاطمة الزهراء (ع) بعد أبيها إلاّ اشهرا قليلة وخلال هذه الفترة كانت حزينة كئيبة منهَّدة الركن ، بل كانت مريضة طريحة الفراش ، فزارتها نسوة من المهاجرين والأنصار يَعُدْنَها في علتها ، فقلن : السلام عليكِ يا بنت رسول الله (ص) ، كيف أصبحتِ ؟
فقالت : أصبحت والله عائفة لدنياكنَّ ، قالية لرجالكن لفظتهم بعد إذ عجمتهم وسئمتهم بعد أن سبرتهم فَقُبحاً لأفون الرَّأي ، وخطل القول ، وخَوَر القناة ، ولبئس ما قدَّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ، لاجرم والله لقد قلّدتُهم ربقتها ، وشننتُ عليهم غارها ، فجدعاً ورغماً للقوم الظالمين . ويحهم أَنَّى زحزحوها عن أبي الحسن ، ما نقموا والله منه إلاّ نكير سيفه ونكال وقعه ، وتنمّره في ذات الله ، وتالله لو تكافّوا عليه من زمام نبذه إليه رسول الله (ص) لاعتلقه ، ثمَّ لسار بهم سيرة سحجاً ، بجحاً ، فإنه قواعد الرسالة ، ورواسي النبوَّة ، ومهبط الرُّوح الأمين ، والطَّبين بأمر الدين والدُّنيا والآخرة ، ألا ذلك هو الخسران المبين .
والله لايكتلم خشاشه ، ولا يتعتع راكبه ، ولا وردهم منهلاً رويّاً فضفاضاً تطفح ضفَّته ، ولا صدرهم بطاناً قد خثر بهم الرّيُّ غير متحل بطائل إلاّ تغمر الناهل وردع سورة سغب ، ولفتحت عليهم . بركات من السماء والأرض ، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون . فهلمَّ فاسمع ، فما عشت أراك الدَّهر عجباً ، وإن تعجب بعد الحادث فما بالهم ؟ بأيِّ سند استندوا ، أم بأية عروة تمسَّكوا ، لبئس المولى ولبئس العشير ، وبئس للظالمين بدلا .استبدلوا الذنابي بالقوادم ، والحرون بالقاحم ، والعجز بالكاهل ، فتعساً لقوم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً . ألا إنهم هم المفسدون ولكن لايشعرون ، أفمن يهدي إلى الحقِّ أحق أن يُتبع أمَّن لا يَهِدي إلا أن يُهدى ، فمالكم كيف تحكمون ؟..
لقحت فنظرت ريثما تنتج ، ثمَّ احتلبوا طلاع القعب دماً عبيطاً ، وذعافاً ممضّاً هنالك يخسر المبطلون ، ويعرف التالون غبَّ ما أسكن الأولون ، ثمَّ طيبوا بعد ذلك عن أنفسكم لفتنها ، ثمَّ اطمئنوا للفتنة جأشاً ، وأبشروا بسيف صارم ، وهرج دائما شامل ، واستبداد من الظالين ، فزرع فيئكم زهيداً ، وجمعكم حصيداً ، فيا حسرة لهم ، وقد عميت عليهم الأنباء ، أنلزمكموها وأنتم لها كارهون .
ثانياً : إحياء ذكرَى الرسول في الأمة ، بالوله إليه والبكاء عليه .
لقد بلغ بكاء الزهراء على والدها حداً عُدّت معه من البكائين الخمسة إلى جنب آدم ويعقوب ويوسف عليهم السلام ، ثم علي بن الحسين (ع).
وجاء في حديث مروي عن فضة التي لازمت خدمة فاطمة الزهراء ، قصة حزن فاطمة ، حيث قالت :
ولم يكن في أهل الأرض والأصحاب ، والأقرباء والأحباب ، أشدَّ حزناً وأعظم بكاءً وانتحاباً ( على رسول الله ) من مولاتي فاطمة الزهراء (ع) ، وكان حزنها يتجدَّد ويزيد ، وبكاؤها يشتدُّ , فجلست سبعة أيام لا يهدأ لها أنين ، ولا يسكن منها الحنين ، كلُّ يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأوَّل ، فلما كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن ، فلم تطق صباراً إذ خرجت وصرخت ، فكأنها من فم رسول الله صلى الله عليه وآله تنطق ، فتبادرت النسوان ، وخرجت الولائد والولدان ، وضجَّ الناس بالبكاء والنحيب وجاء الناس من كلِّ مكان ، وأطفئت المصابيح لكيلا تتبيّن صفحات النساء وخُيِّل إلى النسوان أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قد قام من قبره ، وصارت الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم ، وهي (ع) تنادي وتندب أباها : وا أبتاه ، وا صفيّاه ، وا محمّداه ! وا أبا القاسماه ، وا ربيع الارامل واليتامى ، من للقبلة والمصلَّى ، ومن لابنتك الوالهة الثكلى .
ثم أقبلت تعثر في أذيالها ، وهي لا تبصر شيئاً من عبرتها ، ومن تواتر دمعتها حتى دنت من قبر أبيها محمد صلى الله عليه وآله ، فلما نظرت إلى الحجرة وقع طرفها على المأذنة فقصرت خطاها ، ودام نحيبها وبكاها ، إلى أن أغمي عليها ، فتبادرت النسوان إليها فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها حتى أفاقت ، فلما أفاقت من غشيتها قامت وهي تقول :
( رفعت قوتي ، وخانني جلدي ، وشمت بي عدوّي ، والكمد قاتلي ، يا أبتاه بقيت والهة وحيدة ، وحيرانه فريدة ، فقد انْخَمَد صوتي ، وانْقَطَع ظهري ، وتنغص عيشي ، وتكدَّر دهري ، فما أجد يا ابتاه بعدك أنيساً لوحشتي ، ولا راداً لدمعتي ، ولا معيناً لضعفي ، فقد فني بعدك محكم التنزيل ، ومهبط جبرائيل ، ومحلُّ ميكائيل . انقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب ، وتغلّقت دوني الأبواب ، فأنا للدُّنيا بعدك قالية ، وعليك ما تردَّدت أنفاسي باكية ، لا ينفد شوقي إليك ، ولا حزني عليك ) . ثم نادت : يا أبتاه والبّاه ، ثم قالت :
إن حزني عليك حزن جديدُ وفؤادي و الله صبُّ عنيدُ
كل يوم يزيد فيه شجوني واكتئابي عليك ليس يبيدُ
جلَّ خطبي فبان عنّي عزائي فبكائي في كلَّ وقت جديدُ
إن قلباً عليك يألف صبراً أو عزاءً ، فإنه لَجَليدُ
ثم نادت : يا أبتاه ، انقطعت بك الدنيا بأنوارها ، وزوت زهرتها وكانت ببهجتك زاهرة ، فقد اسودَّ نهارها ، فصار يحكي حنادسها ويابسها ، يا أبتاه لازلت آسفة عليك إلى التلاق ، يا ابتاه زال غمضي منذ حقَّ الفراق ، يا أبتاه من للأرامل والمساكين ، ومن للأمة إلى يوم الدين ، يا أبتاه أمسينا بعدك من المستضعفين ، يا ابتاه أصبحت الناس عنّا معرضين ، ولقد كنا بك معظّمين في الناس غير مستضعفين ، فأيُّ دمعةٍ لفراقك لا تنهمل ، وأيُّ حزن بعدك عليك لا يتَّصل ، وأيُّ جفن بعدك بالنوم يكتحل ، وأنت ربيع الدِّين ، ونور النبيين ، فكيف للجبال لا تمور ، وللبحار بعدك لاتغور ، والأرض كيف لم تتزلزل .
رُميتُ يا أبتاه بالخطب الجليل ، ولم تكن الرّزية بالقليل ، وطرفت يا أبتاه بالمصاب العظيم ، وبالفادح المهول .
بكتك يا أبتاه الأملاك ، ووقفت الأفلاك ، فمنبرك بعدك مستوحش ، ومحرابك خال من مناجاتك ، وقبرك فرح بمواراتك ، والجنّة مشتاقة إليك وإلى دعائك وصلاتك .
يا أبتاه ما أعظم ظلمة مجالسك ، فوا أسفاه عليك إلى أن أقدم عاجلاً عليك ، واُثكْلَ أبي الحسن المؤتمن أبي ولديك ، الحسن والحسين ، وأخيك ووليّك وحبيبك ومن ربّيته صغيراً ، وواخيته كبيراً ، وأحلى أحبابك وأصحابك إليك من كان منهم سابقاً ومهاجراً وناصراً ، والثكل شاملنا ، والبكاء قاتلنا ، والأسى لازمنا .
ثم زفرت زفرة وأنّت أنّه كادت روحها أن تخرج ثمَّ قالت :
قلَّ صبري وبان عني عزائي بعد فقدي لخاتم الأنبياء
عين يا عين فاسكبي الدمع سحّاً ويك لا تبخلي بفيض الدماء
يا رسول الإله يا خيرة اللـ ـــــــــــهِ وكهف الأيتام والضعفاء
قد بكتك الجبال والوحشُ جمعاً فبكتِ الأرض من بكاء السماء
وبكاء الحجون والركن والـ ـمَشْعَرِ يا سيدي مع البطحاء
وبكاك المحراب والدَّرس للقر آنٍ في الصبح معلناً والمساء
وبكاك الإسلام إذ صار في النا سِ غريباً من سائر الغرباء
لو ترى المنبر الذي كنت تعلو هُ علاه الظلام بعد الضياء
يا إلهي عجّل وفاتي سريعاً فلقد نقَّص الحياة بكائي
قالت : ثمَّ رجعت إلى منزلها وأخذت بالبكاء والعويل ليلها ونهارها ، وهي لاترقأ دمعتها ، ولا تهدأ زفرتها .
واجتمع شيوخ أهل المدينة وأقبلوا إلى أمير المؤمنين علي (ع) فقالوا له : يا أبا الحسن إنَّ فاطمة (ع) تبكي الليل والنهار ، فلا أحد منّا يتهنأ بالنوم في الليل على فُرشنا ، ولا بالنهار لنا قرار على أشغالنا وطلب معايشنا . وإنّا نخبرك أن تسألها إمّا أن تبكي ليلاً او نهاراً ، فقال (ع) : حُبّاً وكرامةً .
فأقبل أمير المؤمنين (ع) حتى دخل على فاطمة (ع) وهي لاتفيق من البكاء ، ولا ينفع فيها العزاء . فلما رأته سكنت هنيئة له ، فقال لها : يا بنت رسول الله (ص) ، إنَّ شيوخ المدينة يسألوني أن أسألك إما أن تبكين أباك ليلاً وإمّا نهاراً .
فقالت : يا أبا الحسن ما أقلَّ مكثي بينهم ، وما أقرب مغيبي من بين أظهرهم ، فوالله لا أسكت ليلاً ولا نهاراً أو ألحق بأبي رسول الله صلى الله عليه وآله . فقال لها علي عليه السلام : افعلي يا بنت رسول الله ما بدا لك .
ثمَّ إنه بنى لها بيتاً في البقيع نازحاً عن المدينة يسمى بيت الأحزان ، وكانت إذا أصبحت قدَّمت الحسن والحسين (ع) أمامها ، وخرجت إلى البقيع باكية .
وكانت فاطمة الزهراء تستغل بعض المناسبات لتعريف الناس برسول الله ، وتجديد ذكراه العطرة . فلقد روي [ أنّه ] لما قبض النبي (ص) امتنع بلال من الأذان ، قال : لا أؤذن لأحد بعد رسول الله (ص) ، وإن فاطمة (ع) قالت ذات يوم : إني أشتهي أن أسمع صوت مؤذِّن أبي (ص) بالأذان ، فبلغ ذلك بلالاً ، فأخذ في الأذان ، فلمّا قال : الله أكبر الله أكبر ، ذكرت أباها وأيامه ، فلم تتمالك من البكاء ، فلما بلغ إلى قوله : اشهد أن محمداً رسول الله شهقت فاطمة (ع) وسقطت لوجهها وغشي عليها ، فقال الناس لبلال : أمسك يا بلال فقد فارقت أبنة رسول الله (ص) الدُّنيا ، وظنوا أنها قد ماتت ، فقطع أذانه ولم يتمه فأفاقت فاطمة (ع) وسألته أن يتمَّ الأذان ، فلم يفعل ، وقال لها : يا سيدة النسوان إنّي أخشى عليك ممّا تنزلينه بنفسك إذا سمعت صوتي بالأذان ، فأعفته عن ذلك .
الصدِّيقة عليها السلام تلتحق بوالدها (ص) :
وحان ميعاد اللقاء ، واستعدت الصديقة للقاء الله والالتحاق برسول الله ، وكان لذلك قصة تروى فلقد مرضت فاطمة (ع) مرضاً شديداً ومكثت أربعين ليلة في مرضها ، إلى أن توفيت صلوات الله عليها . فلما نعيت إليها نفسها دعت أمَّ أيمن واسماء بنت عميس ووجّهت خلف عليّ وأحضرته ، فقالت : ابن عمِّ إنّه قد نعيت إليَّ نفسي وإنني لا ارى ما بي إلا أنني لاحقةٌ بأبي ساعة بعد ساعة وأنا أوصيك بأشياء في قلبي .
( قال لها علي (ع) : أوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله ! فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت ثمَّ قالت : يابن عمِّ ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ، ولا خالفتك منذ عاشرتني . فقال (ع) : معاذ الله أنتِ أعلم بالله ، وأبرُّ وأتقى وأكرم وأشدُّ خوفاً من الله [ من ] أن أوبّخك بمخالفتي قد عزَّ عليَّ مفارقتك وتفقدك ، إلاّ أنه امر لابدَّ منه ، والله جدّدت عليَّ مصيبة رسول الله (ص) ، وقد عظمت وفاتك وفقدك ، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضها وأحزنها . هذه والله مصيبة لا عزاء لها ، ورزيّة لا خلف لها .
ثم بكيا جميعاً ساعة ، وأخذ عليٌّ رأسها وضمّه إلى صدره ثمَّ قال :
أوصيني بما شئت ، فإنّك تجدينني فيها أمضي كما أمرتني به ، وأختار أمرك على أمري .
ثمَّ قالت : جزاك الله عنّي خير الجزاء يابن عمِّ رسول الله ، أوصيك أوَّلاً أن تتزوّج بعدي بأبنة [ أختي ] أمامة ، فإنها تكون لولدي مثلي ، فإنَّ الرِّجال لابدَّ لهم من النساء .
ثمَّ قالت : أوصيك يابن عمِّ أن تتخذ لي نعشاً ، فقد رأيت الملائكة صوّروا صورته ، فقال لها : صفيه لي فوصفته فاتّخذه لها . فأوَّل نعش عُمل على وجه الأرض ذاك .
ثمَّ قالت : أوصيك أن لا يشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني وأخذوا حقّي فإنّهم عدوَّي وعدوُّ رسول الله (ص) ، ولا تترك أن يصلّي عليَّ أحد منهم ، ولا من أتباعهم ، وادفنّي في الليل إذا هدأت العيون ونامت الأبصار ، ثمَّ توفّيت صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها .
فصاح أهل المدينة صيحة واحدة واجتمعت نساء بني هاشم في دارها ، فصرخوا صرخة واحدة كادت المدينة أن تتزعزع من صراخهنَّ وهنَّ يقلن : يا سيدتاه !. يا بنت رسول الله !. وأقبل الناس مثل عُرف الفرس إلى عليٍّ (ع) ، وهو جالس والحسن والحسين (ع) بين يديه يبكيان ، فبكى الناس لبكائهما . واجتمع الناس فجلسوا وهم يضجون ، وينتظرون أن تخرج الجنازة فيصلون عليها ، وخرج أبو ذرّ وقال : انصرفوا فإنَّ ابنة رسول الله (ص) قد أخّر إخراجها في هذه العشية فقام الناس وانصرفوا .
فلمّا أن هدأت العيون ومضى شطر من الليل أخرجها عليٌّ والحسن والحسين (ع) ، وعمّار والمقداد وعقيل والزبير وأبو ذرّ وسلمان وبريدة ونفر من بني هاشم وخواصهم ، صلّوا عليها ودفنوها في جوف الليل ، وسوَّى عليٌّ (ع) حواليها قبوراً مزوَّرة مقدار سبعة حتى لايعرف قبرها . وقال بعضهم من الخواصِّ : قبرها سُوِّي مع الأرض مستوياً فَمُسِحَ مسحاً سواء مع الأرض حتى لايُعرف موضعه.
ثم إن عليّاً (ع) حوّل وجهه إلى قبر رسول الله ثم قال :
( السلام عليك يا رسول الله عنّي ! . والسلام عليك عن أبنتك ، وزائرتك والبائتة في الثرى ببقعتك ، والمختار الله لها سرعة اللّحاق بك . قَلَّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري ، وعفا عن سيدة نساء العالمين تجلّدي ، إلاّ أنَّ في التأسّي لي بسنّتك في فرقتك ، موضع تعزٍّ ، فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك ، وفاضت نفسك بين نحري وصدري .
بلى !. وفي كتاب الله لي أنعم القبول ، إنّا لله وإنّا إليه راجعون . قد استرجعت الوديعة ، وأخذت الرّهينة ، أخْلست الزَّهراء ، فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله !.
أمّا حزني فسرمد ، وأمّا ليلي فمسهّد ، وهمٌّ لايبرح من قلبي ، أو يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم ، كمد مقيِّح ، وهمٌّ مهيَّج ، سرعان ما فُرِّق بيننا . وإلى الله أشكو .
وستنبئك ابنتُك بتضافر أُمَّتك على هضمها ، فأَحفها السؤال ، واستخبرها الحال ، فكم من غليل معتلج بصدرها ، لم تجد إلى بثّه سبيلاً ، وستقول ويحكم الله وهو خير الحاكمين ) .
