مركز الدراسات الفاطمية
مركز الدراسات الفاطمية
أبعاد التوافق في شخصية السيدة فاطمة الزهراء.عليها السلام .. الجزء الاول
+ = -

 أبعاد التوافق في شخصية السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)

                                                                              المدرس / ايمان نعيم العفراوي

                                                                    كلية التربية للعلوم الانسانية / جامعة البصرة

    ملخص البحث

    _______________  من صفات الشخصية المتوافقة ، انها تتصف بالتكامل ،والرضا عن الذات ،والتسامح وقبول الاخر ،والكفاءة في التفاعل مع الاخرين ،والقدره على التكيف: النفسي ؛الروحي ؛الاجتماعي ؛الانسجام والتواؤم الاسري .وبالفعل ،ان هذا تجسد في شخصية السيده فاطمة الزهراء( عليها السلام) ، فهي ربيبة الرسالة المحمدية ، واللسان الناطق باسمها ، والنموذج القيادي الاسمى ،والامثل لنساء العالمين في عصرنا هذا وفي كل العصور التالية . فاذا كانت الحضاره الغربية خالية من القدوه العملية ،فان الاسلام يحتوي على الكثير من القدوات ، ولا يمكن توجيه اللوم الى المراة الغربية،اذا ضلت الطريق لعدم وجود قدوه عمليه لها ، لكن المراة المسلمة اذا انحرفت عن الطريق يحق عليها اللوم والتوبيخ ،لان القدوات التي يقرها دينها موجوده ،ويمكن الاحتذاء بها ، ولعل افضل رمز وقدوه يمكن ان نقدمه للمراة اليوم هي فاطمة الزهراء (عليها السلام)  ، لكونها المعيار الصحيح للتكامل الاخلاقي والتوافق النفسي والروحي والاسري والاجتماعي.

   مقدمة :

يعد مفهوم التوافق من المفاهيم التي تجد اهتماماً من علماء النفس والاجتماع ،وكثيرا ما يطلق عليه العديد من الكلمات مثل (التكيف ،التوازن ،التماسك) وذلك للدلالة على مفهوم التوافق،أي انه الاسلوب الذي يصبح الانسان بواسطته اكثر شعوراً بالتوافق مع نفسه،وأكثر كفاءة في علاقته مع المحيطين به.

ومن صفات الانسان المتوافق انه يتصف بشخصية متكاملة قادرة على التنسيق بين حاجاته وسلوكه الهادف وتفاعله مع بيئته،ويتحمل عناء الحاضر من اجل المستقبل،متصفا بتناسق سلوكه وعدم تناقضه،غيرمتصرف في انفعالاته،ومساهم في مجتمعه،وهو بهذا يعد معيار , به تقاس الصفات المادية والمعنوية.

ومن هذا المنطلق فإن السيدة فاطمة الزهراء (عليها  السلام) – معيار تقاس به صفات النساء والفتيات،فعلو همتها،وسموفكرها،ونبل سجاياها واسلوبها في التوافق الاسري والاجتماعي،وفي توافقها النفسي،وفي جميع ابعاد حياتها المادية والمعنوية،كل ذلك يعد بمثابة القدوة والمعيارالذي يقاس به التوافق الانساني في الشخصية الرسالية لسيدة نساء العالمين (عليها السلام).

فكل صفات فاطمة(عليها السلام)تظهرها في صورة المرأة الاسمى والاكمل وتعطيها من المزايا ما يجعلها تفوق الاخريات رجحانا ووزناً, ومما لاشك فيه ان الاسلام أقر للقدوة مكانة ومنهجاً وهدفاً،فهو يرى منهاج التحرك والعمل والمسير صوب الغاية لابد ان يستند الى قدوة ونموذج ,وهذا ما يوجب ان تكون القدوة دافعاً للشوق والرغبة والانشداد،وحافزاً دينيا وعاطفياً جذاباً لتشدنا اليها،وتستقطبنا وتوجهنا وتضيء لنا ارضية التشبه بها واقتفاء اثرها,  وكانت السيدة الزهراء (عليها السلام) مؤهلة لتكون نموذجا لكثير من القدوات.

فقد أكد الرسول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)على شخصية الزهراء حين قال”إن الله ليغضب لغضب الزهراء ويرضى لرضى الزهراء “؛ “الزهراء سيدة نساء العالمين”؛ “فاطمة بضعة مني يرضيني ما ارضاها ويغضبني ما اغضبها”.

والسبب في ذلك اراد (صلى الله عليه وآله وسلم):أن يجلي وبوضوح هذا الدور في حياة المسلمين والانسانية بصورة عامة.

فهي ربيبة الرسالة المحمدية ،واللسان الناطق بأسمها والنموذج القيادي الاسمى والامثل لنساء العالمين في عصرنا هذا وفي كل العصور التالية.

ومن المؤكد ان هكذا شخصية رسالية ،ملتزمة بقيم ومثل عليا ومتعددة الادوار والابعاد ،بالامكان اعتمادها النموذج الذي يجب ان يجعله الانسان والمجتمع نصب العين،وان كان من خيرات الرسالات الإلهية انها تصوغ اشخاصاً مثاليين يكونون رمزاً للتعامل والقيم الانسانية،فإن السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) مفخرة الوجود ومعجزة التاريخ هي ذلك النموذج السوي ،والعنصر المتألق الذي هو أساس التوافق بأبعاده كافة ،وشاهدا على مدى صلاحية تعاليم السماء للتطبيق العملي بكل تفاصيلها.

 وطبيعيا،ان مختلف ابعاد التوافق تجسدت في شخصية الزهراء (عليها السلام) فلم تكن الزهراء (عليها السلام) إمرأة عادية, بل كانت إمرأة روحانية, نسخة انسانية متكاملة ،انطلقت في حركتها من مرتبة الطبيعة وطورت مسيرتها التكاملية بالقدرة الآلهية وبتربية رسول الله لتصل الى مرتبة جسدت الهوية الانسانية كاملة.

وهي عليها السلام اعطت المقياس والحد الفاصل بين الفكرة والتطبيق وأنقذت الاسلام من خطر التشويه والزوال بسبب تصرفات الحكومات المنحرفة .

 ان الاقتداء بهذه الشخصية العظيمة من قبل المرأة المسلمة في عصرنا الراهن يؤدي الى سيادة السلام في ربوع المعمورة،بعدما تعي المرأة في العصر الحاضر المزدحم بعوامل  الفتنة والانحراف دور تلك السيدة الا نموذج في شتى مناحي الحياة وفي الابعاد الاجتماعية والسياسية والثقافية والاسرية.

والمرأة اليوم :ان لم تتدارك الامر ولم تقتدِ بهذه النماذج النيرة ،فأنها مهددة في دنياها قبل آخرتها ،لاسيما في ظل سيطرة التفكير المادي واضطراب القيم الانسانية ،لكوننا نعيش في عصر ومجتمع عجيب ,عصر لايشبه سائر العصور فالقيم والضوابط فيه عرضه لرياح الشك والتردد في اغلب الحالات،عصر يلفه الجهل وتسوده العبثية,والمسالك فيه متعددة ومضلة ، ومصابيح الهدى قليلة،وهذا ما يوقع الانسان في الريب ويحول بينه وبين اختيار السبيل القويم من بين سائر السبل.لاسيما اننا اليوم نعيش صراعاً حضارياً مع الدول الاستكبارية التي تحاول اذلال الشعوب المستضعفة وتكريس حالة التبعية الفكرية فيها.

ومن المعلوم, ان حضارة الغرب هي الحاكمة اليوم ،فإن خطر النموذج الغربي بات اليوم اكثر من أي وقت مضى في ظل العولمة وأدواتها فمن الامور التي يقوم بها الغرب اليوم صناعة الرموزفي مختلف مجالات الحياة،فقد صنع رموزاً للمرأة في عالمنا المعاصر،فجعلوا منها رئيسة للوزراء،ونائبة في البرلمان،و ملكة جمال في العالم , وهذه الامور مغرية للمرأة بلا شك, فإذا كانت الحضارة الغربية خالية من القدوة العملية،فإن الاسلام المحمدي الاصيل –المتمثل بالمذهب الشيعي يحتوي على الكثير من القدوات،ففي ظل المذاهب الغربية ,اذا ضلت المرأة البائسة لايمكن توجيه اللوم اليها،وذلك لعدم وجود قدوة عملية لها،لكن المرأة المسلمة والشيعية اذا انحرفت عن الطريق وضلت السبيل القويم يحق عليها اللوم والتوبيخ،لأن القدوات التي يقرها دينها موجودة في الواقع الخارجي وقولها وعملها يمكن الاحتذاء به.

فما من شك ان الغرب دخل بيوتنا شئنا ام ابينا عبر شاشات التلفاز والقنوات الفضائية وشبكات الانترنت … ولكن نعتقد انه فشل في تحقيق هدفه،لانه – وأن دفع المرأة نحو القمة من الناحية المادية – لكنه جعلها تخسركرامتهاوسمعتها, فعلينا أن ندرك ان الثمن الذي دفعته المرأة كان باهضاً هو تحطم شخصيتها.

لاشك ان طائفة من نساء اليوم تقتدي بالنماذج الغربية في كل شؤون حياتها ،فالافكار والسيرة والكماليات مستمدة من نماذج النساء الغربيات.والمؤسف ان في مجتمعاتنا الاسلامية عموما ومجتمعنا العربي خصوصاً وكنتيجة طبيعية لافرازات المرحلة الراهنة من ثورات الربيع العربي برزت مظاهر الثقافة الغربية بشكل واضح على سطح الاحداث اليومية وخاصة بين شريحة النساء،ولما كانت المرأة مخلوقاًضعيفاً والحياة مليئة بالصعاب فهي تشعر بهذا الضعف والانجذاب نحو تقليد النماذج الغربية المنحرفة،الامر الذي جعلها تعيش ازمات نفسية حادة ،وإضطراباً روحياً شديداً،ومن ثم الابتلاء ببعض الامراض النفسية كسوء التوافق النفسي والاجتماعي والعجز عن بناء الحياة الاسرية السليمة.

وأنطلاقاً مما تقدم:تثار في الذهن بعض التساؤلات : اذا كان الغرب قد صنع رموزاً جذابة للمرأة في عالمنا المعاصر فهل هو الرمز المرتجى؟وأذا كانت هذه الرموز تترك آثاراً سلبية على سلوكيات وهوية المرأة المسلمة الشيعية ،فماذا أعددنا لتحصين نساؤنا دون السقوط في حبائل النموذج الغربي؟وأذا كانت الحضارة الغربية تقول للمرأة:لكِ كيانكِ وشخصيتك المناظرة للرجل،فهل هذا يعني:  تتمرد عليه؟ وليس له قيمومة عليها؟وأن كان هذا يعني تنصيب قائدين في موقع واحد وتأجيج الخلاف بينهما،فهل سيبقى هذا الكيان قائماً ام سيتحطم؟

لاشك أن المرأة الغربية لوضلت سواء السبيل وانحرفت عن جادة الصواب،فعذرها مسموع وحجتها مقبولة الى حد ما،ولكن ما عذر المرأة المسلمة الشيعية إذا ضلت او انحرفت ،الم يجعل الله للنساء من الامة أسوة من جنسهن؟

إننا نعتقد أن أفضل رمز ونموذج يمكن أن نقدمه للمرأة في العالم كله،هي فاطمة الزهراء (عليها السلام) فقد كانت قمة في تكاملها الانساني وتوافقها الاسري والاجتماعي والاخلاقي فأمست مفخرة بيت النبوة وتسطع كالشمس على جبين الاسلام العزيز.

ومن هذا المنطلق لابد من تسليط الضوء على بعض جوانب شخصية الزهراء (عليها السلام) لكونها تنطوي على تعاليم تربوية وعوامل لإصلاحات اجتماعية ،في عصر تحللت فيه القيم وضاعت المعتقدات .

maram host