البحث الفائز الثالث في المسابقة البحثية السنوية الثانية/ الاتساق الفكري وجماليات اللغة في خطب الزهراء(عليها السلام) بقلم الباحث الدكتور حامد ناصر الظالمي
25 مايو، 2019
27
الاتساق الفكري وجماليات اللغة في خطب الزهراء(عليها السلام)
بقلم الباحث الدكتور حامد ناصر الظالمي
النص
((الْحَمْدُ للهِ عَلى ما أنْعَمَ، وَلَهُ الشُّكْرُ على ما أَلْهَمَ، وَالثَّناءُ بِما قَدَّمَ، مِنْ عُمومِ نِعَمٍ ابْتَدَأها، وَسُبُوغ آلاءٍ أسْداها، وَتَمامِ مِنَنٍ والاها، جَمَّ عَنِ الإحْصاءِ عَدَدُها، وَنأى عَنِ الْجَزاءِ أَمَدُها، وَتَفاوَتَ عَنِ الإِدراكِ أَبَدُها، وَنَدَبَهُمْ لاِسْتِزادَتِها بالشُّكْرِ لاِتِّصالِها، وَاسْتَحْمَدَ إلَى الْخَلايِقِ بِإجْزالِها، وَثَنّى بِالنَّدْبِ إلى أمْثالِها.
وَأَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، كَلِمَةٌ جَعَلَ الإِخْلاصَ تَأْويلَها، وَضَمَّنَ الْقُلُوبَ مَوْصُولَها، وَأَنارَ في الْفِكَرِ مَعْقُولَها. الْمُمْتَنِعُ مِنَ الأَبْصارِ رُؤْيِتُهُ، وَمِنَ اْلأَلْسُنِ صِفَتُهُ، وَمِنَ الأَوْهامِ كَيْفِيَّتُهُ. اِبْتَدَعَ الأَشَياءَ لا مِنْ شَيْءٍ كانَ قَبْلَها، وَأَنْشَأَها بِلا احْتِذاءِ أَمْثِلَةٍ امْتَثَلَها، كَوَّنَها بِقُدْرَتِهِ، وَذَرَأَها بِمَشِيَّتِهِ، مِنْ غَيْرِ حاجَةٍ مِنْهُ إلى تَكْوينِها، وَلا فائِدَةٍ لَهُ في تَصْويرِها إلاّ تَثْبيتاً لِحِكْمَتِهِ، وَتَنْبيهاً عَلى طاعَتِهِ، وَإظْهاراً لِقُدْرَتِهِ، وَتَعَبُّداً لِبَرِيَّتِهِ، وإِعزازاً لِدَعْوَتِهِ، ثُمَّ جَعَلَ الثَّوابَ على طاعَتِهِ، وَوَضَعَ العِقابَ عَلى مَعْصِيِتَهِ، ذِيادَةً لِعِبادِهِ عَنْ نِقْمَتِهِ، وَحِياشَةً مِنْهُ إلى جَنَّتِهِ.
وَأَشْهَدُ أنّ أبي مُحَمَّداً صلّى الله عليه وآله عبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اخْتارَهُ وَانْتَجَبَهُ قَبْلَ أَنْ أَرْسَلَهُ، وَسَمّاهُ قَبْلَ أنِ اجْتَبَلَهُ، وَاصْطِفاهُ قَبْلَ أنِ ابْتَعَثَهُ، إذِ الْخَلائِقُ بالغَيْبِ مَكْنُونَةٌ، وَبِسِتْرِ الأَهاويل مَصُونَةٌ، وَبِنِهايَةِ الْعَدَمِ مَقْرُونَةٌ، عِلْماً مِنَ اللهِ تَعالى بِمآيِلِ الأُمُور، وَإحاطَةً بِحَوادِثِ الدُّهُورِ، وَمَعْرِفَةً بِمَواقِعِ الْمَقْدُورِ.
ابْتَعَثَهُ اللهُ تعالى إتْماماً لأمْرِهِ، وَعَزيمَةً على إمْضاءِ حُكْمِهِ، وَإنْفاذاً لِمَقادِير حَتْمِهِ، فَرَأى الأُمَمَ فِرَقاً في أدْيانِها، عُكَّفاً على نيرانِها، عابِدَةً لأَوثانِها، مُنْكِرَةً لله مَعَ عِرْفانِها. فَأَنارَ اللهُ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله ظُلَمَها، وكَشَفَ عَنِ القُلُوبِ بُهَمَها، وَجَلّى عَنِ الأَبْصارِ غُمَمَها، وَقَامَ في النّاسِ بِالهِدايَةِ، وأنقَذَهُمْ مِنَ الغَوايَةِ، وَبَصَّرَهُمْ مِنَ العَمايَةِ، وهَداهُمْ إلى الدّينِ القَويمِ، وَدَعاهُمْ إلى الطَّريقِ المُستَقيمِ، ثُمَّ قَبَضَهُ اللهُ إليْهِ قَبْضَ رَأْفَةٍ وَاختِيارٍ، ورَغْبَةٍ وَإيثارٍ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله عَنْ تَعَبِ هذِهِ الدّارِ في راحةٍ، قَدْ حُفَّ بالمَلائِكَةِ الأبْرارِ، وَرِضْوانِ الرَّبَّ الغَفارِ، ومُجاوَرَةِ المَلِكِ الجَبّارِ. صلى الله على أبي نبيَّهِ وأَمينِهِ عَلى الوَحْيِ، وَصَفِيِّهِ وَخِيَرَتِهِ مِنَ الخَلْقِ وَرَضِيِّهِ، والسَّلامُ عَلَيْهِ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ.
ثُمَّ التفتت (عليها السلام) إلى أهل المجلس وقالت:
أَنْتُمْ عِبادَ الله نُصْبُ أمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَحَمَلَةُ دينِهِ وَوَحْيِهِ، وِأُمَناءُ اللهِ عَلى أنْفُسِكُمْ، وَبُلَغاؤُهُ إلى الأُمَمِ، وَزَعَمْتُمْ حَقٌّ لَكُمْ للهِ فِيكُمْ، عَهْدٌ قَدَّمَهُ إِلَيْكُمْ، وَبَقِيَّةٌ استَخْلَفَها عَلَيْكُمْ. كِتابُ اللهِ النّاطِقُ، والقُرْآنُ الصّادِقُ، وَالنُّورُ السّاطِعُ، وَالضِّياءُ اللاّمِعُ، بَيِّنَةٌ بَصائِرُهُ، مُنْكَشِفَةٌ سَرائِرُهُ، مُتَجَلِّيَةٌ ظَواهِرُهُ، مُغْتَبِطَةٌ بِهِ أَشْياعُهُ، قائِداً إلى الرِّضْوانِ اتّباعُهُ، مُؤَدٍّ إلى النَّجاةِ إسْماعُهُ. بِهِ تُنالُ حُجَجُ اللهِ المُنَوَّرَةُ، وَعَزائِمُهُ المُفَسَّرَةُ، وَمَحارِمُهُ المُحَذَّرَةُ، وَبَيِّناتُهُ الجالِيَةُ، وَبَراهِينُهُ الكافِيَةُ، وَفَضائِلُهُ المَنْدوبَةُ، وَرُخَصُهُ المَوْهُوبَةُ، وَشَرايِعُهُ المَكْتُوبَةُ، وجُمَلُهُ الكافِيةُ، فَجَعَلَ اللهُ الإيمانَ تَطْهيراً لَكُمْ مِنَ الشِّرْكِ، وَالصَّلاةَ تَنْزِيهاً لَكُمْ عَنِ الكِبْرِ، والزَّكاةَ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ، وَنَماءً في الرِّزْق، والصِّيامَ تَثْبيتاً للإِخْلاصِ، والحَجَّ تَشْييداً لِلدّينِ، وَالعَدْلَ تَنْسيقاً لِلْقُلوبِ، وَطاعَتَنا نِظاماً لِلْمِلَّةِ، وَإمامَتَنا أماناً مِنَ الْفُرْقَةِ، وَالْجِهادَ عِزاً لِلإْسْلامِ، وَالصَّبْرَ مَعُونَةً عَلَى اسْتِيجابِ الأْجْرِ، وَالأْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَصْلَحَةً لِلْعامَّةِ، وَبِرَّ الْوالِدَيْنِ وِقايَةً مِنَ السَّخَطِ، وَصِلَةَ الأَرْحامِ مَنْماةً لِلْعَدَدِ، وَالْقِصاصَ حِصْناً لِلدِّماءِ، وَالْوَفاءَ بِالنَّذْرِ تَعْريضاً لِلْمَغْفِرَةِ، وَتَوْفِيَةَ الْمَكاييلِ وَالْمَوَازينِ تَغْييراً لِلْبَخْسِ، وَالنَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ تَنْزِيهاً عَنِ الرِّجْسِ، وَاجْتِنابَ الْقَذْفِ حِجاباً عَنِ اللَّعْنَةِ، وَتَرْكَ السِّرْقَةِ إيجاباً لِلْعِفَّةِ. وَحَرَّمَ الله الشِّرْكَ إخلاصاً لَهُ بالرُّبُوبِيَّةِ، ﴿فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلا وَأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وَأطيعُوا اللهَ فيما أمَرَكُمْ بِهِ وَنَهاكُمْ عَنْهُ، فَإنَّه ﴿إنَّما يَخْشَى الله مِنْ عِبادِهِ العُلِماءُ﴾.
ثُمَّ قالت:
أيُّها النّاسُ! اعْلَمُوا أنِّي فاطِمَةُ، وَأبي مُحمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ، أَقُولُ عَوْداً وَبَدْءاً، وَلا أقُولُ ما أقُولُ غَلَطاً، وَلا أفْعَلُ ما أفْعَلُ شَطَطاً: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ عَزيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَريصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤوفٌ رَحِيم﴾ فَإنْ تَعْزُوه وَتَعْرِفُوهُ تَجِدُوهُ أبي دُونَ نِسائِكُمْ، وَأخا ابْنِ عَمَّي دُونَ رِجالِكُمْ، وَ لَنِعْمَ الْمَعْزِيُّ إلَيْهِ صَلى الله عليه وآله. فَبَلَّغَ الرِّسالَةَ صادِعاً بِالنِّذارَةِ، مائِلاً عَنْ مَدْرَجَةِ الْمُشْرِكِينَ، ضارِباً ثَبَجَهُمْ، آخِذاً بِأكْظامِهِمْ، داعِياً إلى سَبيلِ رَبِّهِ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنةِ، يَكْسِرُ الأَصْنامَ، وَيَنْكُتُ الْهامَ، حَتَّى انْهَزَمَ الْجَمْعُ وَوَلُّوا الدُّبُرَ، حَتّى تَفَرَّى اللَّيْلُ عَنْ صُبْحِهِ، وَأسْفَرَ الحَقُّ عَنْ مَحْضِهِ، وَنَطَقَ زَعِيمُ الدّينِ، وَخَرِسَتْ شَقاشِقُ الشَّياطينِ، وَطاحَ وَشيظُ النِّفاقِ، وَانْحَلَّتْ عُقَدُ الْكُفْرِ وَالشِّقاقِ، وَفُهْتُمْ بِكَلِمَةِ الإْخْلاصِ فِي نَفَرٍ مِنَ الْبيضِ الْخِماصِ، وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ، مُذْقَةَ الشّارِبِ، وَنُهْزَةَ الطّامِعِ، وَقُبْسَةَ الْعَجْلانِ، وَمَوْطِئَ الأقْدامِ، تَشْرَبُونَ الطّرْقَ، وَتَقْتاتُونَ الْوَرَقَ، أذِلَّةً خاسِئِينَ، ﴿تَخافُونَ أنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِكُمْ﴾. فَأنْقَذَكُمُ اللهُ تَبارَكَ وَتَعالى بِمُحَمَّدٍ صَلى الله عليه وآله بَعْدَ اللّتَيّا وَالَّتِي، وَبَعْدَ أنْ مُنِيَ بِبُهَمِ الرِّجالِ وَذُؤْبانِ الْعَرَبِ وَمَرَدَةِ أهْلِ الْكِتابِ، ﴿كُلَّما أوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللهُ﴾، أوْ نَجَمَ قَرْنٌ لِلْشَّيْطانِ، وَفَغَرَتْ فَاغِرَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَذَفَ أخاهُ في لَهَواتِها، فَلا يَنْكَفِئُ حَتَّى يَطَأَ صِماخَها بِأَخْمَصِهِ، وِيُخْمِدَ لَهَبَهَا بِسَيْفِهِ، مَكْدُوداً في ذاتِ اللّهِ، مُجْتَهِداً في أمْرِ اللهِ، قَرِيباً مِنْ رِسُولِ اللّهِ سِيِّدَ أوْلياءِ اللّهِ، مُشْمِّراً ناصِحاً ، مُجِدّاً كادِحاً ـ وأَنْتُمْ فِي رَفاهِيَةٍ مِنَ الْعَيْشِ، وَادِعُونَ فاكِهُونَ.
آمِنُونَ، تَتَرَبَّصُونَ بِنا الدَّوائِرَ، وتَتَوَكَّفُونَ الأَخْبارَ، وَتَنْكُصُونَ عِنْدَ النِّزالِ، وَتَفِرُّونَ عِنْدَ القِتالِ. فَلَمَّا اخْتارَ اللّهُ لِنَبِيِّهِ دارَ أنْبِيائِهِ وَمَأْوى أصْفِيائِهِ، ظَهَرَ فيكُمْ حَسيكَةُ النِّفاقِ وَسَمَلَ جِلبْابُ الدّينِ، وَنَطَقَ كاظِمُ الْغاوِينِ، وَنَبَغَ خامِلُ الأَقَلِّينَ، وَهَدَرَ فَنيقُ الْمُبْطِلِين. فَخَطَرَ فِي عَرَصاتِكُمْ، وَأَطْلَعَ الشيْطانُ رَأْسَهُ مِنْ مَغْرِزِهِ، هاتفاً بِكُمْ، فَأَلْفاكُمْ لِدَعْوَتِهِ مُسْتَجيبينَ، وَلِلْغِرَّةِ فِيهِ مُلاحِظِينَ. ثُمَّ اسْتَنْهَضَكُمْ فَوَجَدَكُمْ خِفافاً، وَأَحْمَشَكُمْ فَأَلْفاكَمْ غِضاباً، فَوَسَمْـتُمْ غَيْرَ اِبِلِكُمْ، وَأَوْرَدْتُمْ غَيْرَ شِرْبِكُمْ، هذا وَالْعَهْدُ قَريبٌ، وَالْكَلْمُ رَحِيبٌ، وَالْجُرْحُ لَمّا يَنْدَمِلْ، وَالرِّسُولُ لَمّا يُقْبَرْ، ابْتِداراً زَعَمْتُمْ خَوْفَ الْفِتْنَةِ، ﴿ألا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَانَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطةٌ بِالْكافِرِينَ﴾. فَهَيْهاتَ مِنْكُمْ، وَكَيْفَ بِكُمْ، وَأَنَى تُؤْفَكُونَ؟ وَكِتابُ اللّه بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، أُمُورُهُ ظاهِرَةٌ، وَأَحْكامُهُ زاهِرَةٌ، وَأَعْلامُهُ باهِرَةٌ، وَزَواجِرُهُ لائِحَةٌ، وَأوامِرُهُ واضِحَةٌ، قَدْ خَلَّفْتُمُوهُ وَراءَ ظُهُورِكُمْ، أرَغَبَةً عَنْهُ تُرِيدُونَ، أمْ بِغَيْرِهِ تَحْكُمُونَ، ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ ديناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾. ثُمَّ لَمْ تَلْبَثُوا الاّ رَيْثَ أنْ تَسْكُنَ نَفْرَتُها، وَيَسْلَسَ قِيادُها ثُمَّ أَخّذْتُمْ تُورُونَ وَقْدَتَها، وَتُهَيِّجُونَ جَمْرَتَها، وَتَسْتَجِيبُونَ لِهِتافِ الشَّيْطانِ الْغَوِيِّ، وَاطْفاءِ أنْوارِ الدِّينِ الْجَلِيِّ، وَاهْمادِ سُنَنِ النَّبِيِّ الصَّفِيِّ، تُسِرُّونَ حَسْواً فِي ارْتِغاءٍ، وَتَمْشُونَ لأَهْلِهِ وَوَلَدِهِ فِي الْخَمَرِ وَالْضَّراءِ، وَنَصْبِرُ مِنْكُمْ عَلى مِثْلِ حَزِّ الْمُدى، وَوَخْزِ السِّنانِ فِي الحَشا، وَأَنْـتُمْ تزْعُمُونَ ألاّ ارْثَ لَنا، ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ تَبْغُونَ وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أفَلا تَعْلَمُونَ؟ بَلى تَجَلّى لَكُمْ كَالشَّمْسِ الضّاحِيَةِ أنّيِ ابْنَتُهُ. أَيُهَا الْمُسْلِمونَ أاُغْلَبُ عَلى أرْثِيَهْ؟
يَا ابْنَ أبي قُحافَةَ! أفي كِتابِ اللّهِ أنْ تَرِثَ أباكَ، وِلا أرِثَ أبي؟ ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً فَرِيًّا﴾، أَفَعَلى عَمْدٍ تَرَكْتُمْ كِتابَ اللّهِ، وَنَبَذْتُمُوهُ وَراءَ ظُهُورِكُمْ اذْ يَقُولُ: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾، وَقالَ فيمَا اخْتَصَّ مِنْ خَبَرِ يَحْيَي بْنِ زَكَرِيّا عليهما السلام اذْ قالَ رَبِّ ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِياًّ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَاُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللّه﴾ وَقالَ: ﴿يُوصِكُمُ اللّهُ في أوْلادِكُمْ لِلذكَرِ مِثْلُ حَظِّ الاُنْثَيَيْنِ﴾ وقال: ﴿انْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والْأَقْرَبِبنَ بِالْمعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. وزَعَمْتُمْ أَلَا حِظوَةَ لِي، وَلا إرْثَ مِنْ أبي ولارَحِمَ بَيْنَنَا! أَفَخَصَّكُمُ اللهُ بِآيَةٍ أخْرَجَ مِنْها أبِي؟ أمْ هَلْ تَقُولونَ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ لا يَتَوارَثَانِ، أوَ لَسْتُ أَنَا وَأَبِي مِنْ أَهْلِ مِلَّةٍ واحِدَةٍ؟! أَمْ أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِخُصُوصِ الْقُرْآنِ وَعُمُومِهِ مِنْ أَبِي وَابْنِ عَمّي؟ فَدُونَكَها مَخْطُومَةً مَرْحُولَةً، تَلْقاكَ يَوْمَ حَشْرِكَ.
فَنِعْمَ الْحَكَمُ اللهُ، وَالزَّعِيمُ مُحَمَّدٌ، وَالْمَوْعِدُ الْقِيامَةُ، وَعِنْدَ السّاعَةِ يخسَرُ المبطلون، وَلا يَنْفَعُكُمْ إذْ تَنْدَمُونَ، ﴿وَلِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾.
ثُمَّ رَمَتْ بِطَرْفِها نَحْوَ الْأَنْصارِ فَقالَتْ:
يا مَعشِرَ الْفِتْيَةِ، وَأَعْضادَ الْمِلَّةِ، وَأنْصارَ الْإِسْلامِ! ما هذِهِ الْغَمِيزَةُ فِي حَقِّي؟ وَالسِّنَةُ عَنْ ظُلامَتِي؟ أما كانَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله علبه وآله أبِي يَقُولُ: “اَلْمَرْءُ يُحْفَظُ فِي وُلْدِهِ”؟ سَرْعانَ ما أَحْدَثْتُمْ، وَعَجْلانَ ذا إهالَةً، وَلَكُمْ طاقَةٌ بِما اُحاوِلُ، وَقُوَّةٌ عَلى ما أَطْلُبُ وَاُزاوِلُ؟ أَتَقُولُونَ ماتَ مُحَمَّدٌ صلّى الله عليه وآله؟! فَخَطْبٌ جَليلٌ اسْتَوْسَعَ وَهْيُهُ، وَاسْتَنْهَرَ فَتْقُهُ، وَانْفَتَقَ رَتْقُهُ، وَأَظْلَمَتِ الْأَرْضُ لِغَيْبَتِهِ، وَكُسِفَتِ النُّجُومُ لِمُصِيبَتِهِ، وَأَكْدَتِ الْآمالُ، وَخَشَعَتِ الْجِبالُ، وَاُضيعَ الْحَرِيمُ، وَاُزيلَتِ الْحُرْمَةُ عِنْدَ مَماتِهِ. فَتِلْكِ وَاللهِ النّازلَةُ الْكُبْرى، وَالْمُصيبَةُ الْعُظْمى، لا مِثْلُها نازِلَةٌ وَلا بائِقَةٌ عاجِلَةٌ أعْلَنَ بِها كِتابُ اللهِ -جَلَّ ثَناؤُهُ- فِي أَفْنِيَتِكُمْ فِي مُمْساكُمْ وَمُصْبَحِكَمْ هِتافاً وَصُراخاً وَتِلاوَةً وَإلحاناً، وَلَقَبْلَهُ ما حَلَّ بِأنْبِياءِ اللهِ وَرُسُلِهِ، حُكْمٌ فَصْلٌ وَقَضاءٌ حَتْمٌ: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إلاّ رَسولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإنْ ماتَ أَو قُتِلَ انقلَبْتُمْ على أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرينَ﴾.
أيْهاً بَنِي قَيْلَةَ! أاُهْضَمُ تُراثَ أبِيَهْ وَأنْتُمْ بِمَرْأى مِنّي وَمَسْمَعٍ، ومُبْتَدأٍ وَمَجْمَعٍ؟! تَلْبَسُكُمُ الدَّعْوَةُ، وتَشْمُلُكُمُ الْخَبْرَةُ، وَأنْتُمْ ذَوُو الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، وَالأَداةِ وَالْقُوَّةِ، وَعِنْدَكُمُ السِّلاحُ وَالْجُنَّةُ؛ تُوافيكُمُ الدَّعْوَةُ فَلا تُجِيبُونَ، وَتَأْتيكُمُ الصَّرْخَةُ فَلا تُغيثُونَ، وَأنْتُمْ مَوْصُوفُونَ بِالْكِفاحِ، مَعْرُفُونَ بِالْخَيْرِ وَالصَّلاحِ، وَالنُّجَبَةُ الَّتي انْتُجِبَتْ، وَالْخِيَرَةُ الَّتِي اخْتيرَتْ! قاتَلْتُمُ الْعَرَبَ، وَتَحَمَّلْتُمُ الْكَدَّ وَالتَّعَبَ، وَناطَحْتُمُ الأُمَمَ، وَكافَحْتُمً الْبُهَمَ، فَلا نَبْرَحُ أو تَبْرَحُونَ، نَأْمُرُكُمْ فَتَأْتَمِرُونَ حَتَّى دَارَتْ بِنا رَحَى الإْسْلامِ، وَدَرَّ حَلَبُ الأَيّامِ، وَخَضَعَتْ نُعَرَةُ الشِّرْكِ، وَسَكَنَتْ فَوْرَةُ الإْفْكِ، وَخَمَدَتْ نيرانُ الْكُفْرِ، وهَدَأتْ دَعْوَةُ الْهَرْجِ، وَاسْتَوْسَقَ نِظامُ الدِّينِ؛ فَأَنّى جُرْتُمْ بَعْدَ الْبَيانِ، وَأَسْرَرْتُمْ بَعْدَ الإْعْلانِ، وَنَكَصْتُمْ بَعْدَ الإْقْدامِ، وَأشْرَكْتُم بَعْدَ الإْيمانِ؟ ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَداؤُكُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ أتَخْشَوْهُمْ فَاللهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. أَلا قَدْ أرى أنْ قَدْ أَخْلَدْتُمْ إلَى الْخَفْضِ، وَأبْعَدْتُمْ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِالْبَسْطِ وَالْقَبْضِ، وَخَلَوْتُمْ بِالدَّعَةِ، وَنَجَوْتُمْ مِنَ الضِّيقِ بِالسَّعَةِ، فَمَجَجْتُمْ ما وَعَيْتُمْ، وَدَسَعْتُمُ الَّذِي تَسَوَّغْتُمْ، ﴿فَإنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأْرْضِ جَمِيعاً فَإنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾. ألا وَقَدْ قُلْتُ ما قُلْتُ عَلى مَعْرِفَةٍ مِنّي بِالْخَذْلَةِ الَّتِي خامَرَتْكُمْ، وَالغَدْرَةِ التِي اسْتَشْعَرَتْها قُلُوبُكُمْ، وَلكِنَّها فَيْضَةُ النَّفْسِ، وَنَفْثَةُ الْغَيْظِ، وَخَوَرُ الْقَنا، وَبَثَّةُ الصُّدُورِ، وَتَقْدِمَةُ الْحُجَّةِ. فَدُونَكُمُوها فَاحْتَقِبُوها دَبِرَةَ الظَّهْرِ، نَقِبَةَ الْخُفِّ، باقِيَةَ الْعارِ، مَوْسُومَةً بِغَضَبِ اللهِ وَشَنارِ الْأَبَدِ، مَوْصُولَةً بِنارِ اللهِ الْمُوقَدَةِ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ. فَبعَيْنِ اللهِ ما تَفْعَلُونَ ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾، وَأَنَا ابْنَةُ نَذِيرٍ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَديدٍ، ﴿فَاعْمَلُوا إنّا عامِلُونَ وَانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾. هود 122.
وقالت تَردُ على أبي بكر
سُبْحانَ اللهِ! ما كانَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عليه وآلهِ عَنْ كِتابِ الله صادِفاً، وَلا لِأَحْكامِهِ مُخالِفاً، بَلْ كانَ يَتَّبعُ أَثَرَهُ، وَيَقْفُو سُورَهُ، أَفَتَجْمَعُونَ إلى الْغَدْرِ اْغتِلالاً عَلَيْهِ بِالزُّورِ؛ وَهذا بَعْدَ وَفاتِهِ شَبِيهٌ بِما بُغِيَ لَهُ مِنَ الْغَوائِلِ فِي حَياتِهِ. هذا كِتابُ اللهِ حَكَماً عَدْلاً، وَناطِقاً فَصْلاً، يَقُولُ: ﴿يَرِثُني وَيَرِثُ مَنْ آلِ يَعْقوبَ﴾، ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانَ داوُدَ﴾ فَبَيَّنَ عَزَّ وَجَلَّ فيما وَزَّعَ عَلَيْهِ مِنَ الأَقْساطِ، وَشَرَّعَ مِنَ الفَرايِضِ وَالميراثِ، وَأَباحَ مِنْ حَظَّ الذُّكْرانِ وَالإِناثِ ما أَزاحَ عِلَّةَ المُبْطِلينَ، وأَزالَ التَّظَنّي وَالشُّبُهاتِ في الغابِرينَ، كَلاّ ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُم أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَميلٌ وَاللهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفونَ﴾.
مَعاشِرَ النّاسِ المُسْرِعَةِ إِلى قِيلِ الباطِلِ، المُغْضِيَةِ عَلى الفِعْلِ القَبيحِ الخاسِرِ ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلوبِكُمْ ما أَسَأتُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ، فَأَخَذَ بِسَمْعِكُمْ وَأَبْصارِكُمْ، وَلَبِئْسَ ما تَأَوَّلْتُمْ، وَساءَ ما أَشَرْتُمْ، وشَرَّ ما مِنْهُ اعتَضْتُمْ، لَتَجِدَنَّ وَاللهِ مَحْمِلَهُ ثَقيلاً، وَغِبَّهُ وَبيلاً إِذا كُشِفَ لَكُمُ الغِطاءُ، وَبانَ ما وَراءَهُ الضَراءُ، ﴿وَبَدا لَكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ما لَمْ تَكونوا تَحْتَسِبونَ﴾ وَ﴿خَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلونَ﴾. ثُمَّ عَطَفَتْ عَلى قَبْرِ النَّبِيِّ (ص) وَقالَتْ:
قَدْ كان بَعْدَكَ أَنْباءٌ وَ هَنْبَثَــةٌ * لَوْ كُنْتَ شاهِدَها لَمْ تَكْبُرِ الخَطْبُ
إِنّا فَقَدْناكَ فَقْدُ الأَرْضِ وابِلُهـا * وَاخْتَلَّ قَوِمُكَ فَاشْهَدْهُمْ وَقَدْ نَكِبوا
وَكُلُّ أَهْلٍ لَهُ قُرْبى وَمَنْزِلَـــةٌ * عِنْدَ الإِلهِ عَلَى الأَدْنَيْنِ مُقْتَــرِبُ
أَبْدَتْ رِجالٌ لَنا نَجْوى صُدورِهِمِ * لَمّا مَضَيْتَ وَحالَتْ دونَكَ التُّرَبُ
تَجَهَّمَتْنا رِجالٌ واسْتُخفَّ بِنـا * لَمّا فُقِدْتَ وَكُلُّ الأَرْضِ مُغْتَصَـبُ
وَكُنْتَ بَدْراً وَنُوراً يُسْتَضاءُ بِـهِ * عَلَيْكَ تُنْزَلُ مِنْ ذي العِزَّةِ الكُتُـبِ
وَكانَ جِبْريلُ بِالآياتِ يونِسُنـا * فَقَدْ فُقِدْتَ فَكُلُّ الخَيْرِ مُحْتَجِـبٌ
فَلَيْتَ قَبْلَكَ كانَ المَوْتُ صادَفَنـا * لِما مَضَيْتَ وَحالَتْ دونَكَ الكُتُبُ
إِنّا رُزِئْنا بِما لَمْ يُرْزَ ذُو شَجَـنٍ * مِنَ البَرِيَّةِ لا عُجْمٌ وَلا عَــرَبُ
ثم قالت لأمير المؤمنين (ع):
يا ابْنَ أبِي طالِب! اشْتَمَلْتَ شِمْلَةَ الجَنِينِ، وَقَعَدْتَ حُجْرَةَ الظَّنينِ! نَقَضْتَ قادِمَةَ الأَجْدِلِ، فَخانَكَ ريشُ الأَعْزَلِ؛ هذا ابْنُ أبي قُحافَةَ يَبْتَزُّنِي نُحَيْلَةَ أبي وَبُلْغَةَ ابْنِي، لَقَدْ أجْهَرَ في خِصامِي، وَالفَيْتُهُ أَلَدَّ في كَلامِي، حَتَّى حَبَسَتْنِي قَيْلَةُ نَصْرَها، وَالمُهاجِرَةُ وَصْلَها، وَغَضَّتِ الجَماعَةُ دُونِي طَرْفَها؛ فَلا دافِعَ وَلا مانِعَ، خَرَجْتُ كاظِمَةً، وَعُدْتُ راغِمَةً، أَضْرَعْتَ خَدَّكَ يَوْمَ أَضَعْتَ حَدَّكَ، إِفْتَرَسْتَ الذِّئابَ، وَافْتَرَشْتَ التُّرابَ، ما كَفَفْتُ قائِلاً، وَلا أَغْنَيْتُ باطِلاً، وَلا خِيارَ لي، لَيْتَنِي مِتُّ قَبلَ هَنِيَّتِي وَدُونَ زَلَّتِي [ذِلَّتي]، عَذيريَ اللهُ مِنْكَ عادِياً وَمِنْكَ حامِياً. وَيْلايَ في كُلِّ شارِقٍ، ماتَ الْعَمَدُ، وَوَهَتِ الْعَضُدُ. شَكْوايَ إلى أبي، وَعَدْوايَ إلى رَبِّي. اللّهُمَّ أنْتَ أشَدُّ قُوَّةً وَحَوْلاً، وَأحَدُّ بَأْساً وَتَنْكِيلاً.
الدراسة
خطبة الزهراء (ع) المُسمّاة خطبة اللُّمة أو الفدكية، جاءت بسبب اغتصاب حقّها عليها السلام في إرثها (فدك)، وهذه القرية في الحجاز ((بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة وهي أرضٌ يهودية في مطلع تأريخها، وكان يَسكُنها طائفةٌ من اليهود، ولم يزالوا على ذلك حتى السنة السابعة، حيث قَذفَ اللهُ بالرعب في قلوب أهليها فصالحوا رسولَ الله (ص) على النصف في فدك، ورُويَ أنّه صالحهم عليها كُلِّها، فكانت مُلكاً لرسول الله لأنّها مما لم يُوجَف عليها بخيلٍ ولا ركاب كما هو مقتضى قوله تعالى ﴿وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ الحشر6، ثم قَدَّمها لإبنته الزهراء وبقيت عندها حتى تُوفيَّ أبوها فانتزعها الخليفة الأول على حدّ تعبير صاحب الصواعق([i]) المُحرقة))([ii]).
وعند محاولة الخليفة الأول انتزاعها بعد يوم السقيفة بعشرة أيام تزامن هذا الحدث مع ما سُمِّي بحروب الردة التي حدثت في هذا اليوم تحديداً([iii]).
وقد جاءت خطبةُ الزهراء هنا مُجلجِلَة قاصمة بُحجَّتِها وبلاغتها واستدلالها، فَوقَعَ ما أرادت (ووقع تسليم فدك لها بعد الخطبة الخالدة تلك)([iv]).
ولَعلَّ من أسباب إعادة فدك للزهراء (ع) هو بلاغة تلك الخطبة واستدلالها بالنص القرآني، ومحاججتها الرائعة وطرائق عرض الموضوع؛ فهي بنت رسول الله وكلامها من كلامه، وهي بِضعةٌ منه، إذ جاء في كتاب المستدرك على الصحيحين ((أن عائشة كانت إذا ذُكِرت فاطمة بنت النبي (ص) قالت: ما رأيتُ أحداً أصدقَ لهجةً منها إلّا أن يكون الذي ولدها وهذا حديثٌ صحيح))([v]).
وقالت عائشة كذلك: ((ما رأيتُ أحداً كان أشبه كلاماً وحديثاً برسول الله (ص) من فاطمة، وكانت إذا دَخَلَتْ عليه قامَ إليها فَقبَّلها ورَحَّبَ بها وأَخذَ بيدها، وأجلسها في مجلسه)).
اتسَمتْ هذه الخطبة بجمال لغتها وتنوّع طرائق الإستدلال فيها مما لا يدع مجالاً لسامعٍ إلّا الإقتناع بما أرادت الزهراء أن تقوله.
فقد قَسَّمَتْ عليها السلام خطبتها هذه إلى خمسة عشر مقطعاً، تناولت في كل مقطعٍ منها موضوعاً واحداً، ولم يختلط كلامها بعضه ببعض أي لم يتداخل كلامها ويضيع الغرض منه، بل عَملَت على تسلسل الأفكار وطرحها وكأنها في محكمة، لذلك جاءت الخطبة بإسلوبٍ استدلالي حِجاجي على شكل مقاطع، وهي كالآتي:
المقطع الأول من الخطبة:
كان في مدح الله سبحانه تعالى والثناء عليه وبيان قدرته ونعمه، ويبدأ من قولها: ((الحَمدُ لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم…)).
المقطع الثاني من الخطبة
كان في وصف النبي ورَسوله واختياره وبعثته ورسالته وهدايته الناس ووفاته، ويبدأ من قولها: (( وأشهدُ أن أبي محمداً عبده وَرَسولُه…)).
المقطع الثالث من الخطبة
كان في خطابها لأهل المجلس، لتنبيههم وتذكيرهم بالرسالة وبالقرآن الكريم، ويبدأ من قولها: ((أنتم عبادَ الله نَصُبُ أمرهِ…)).
المقطع الرابع من الخطبة
كان في وصفِ أهل البيت عليهم السلام كونهم كتاب اللهِ الناطق والقرآن الصادق والنور الساطع وأنّ التمسك بهم مَنجاة للناس، ويبدأ من قولها: ((وبقيةٍ استخلفها عليكمُ كتابُ الله الناطق والقرآن الصادق و…)).
المقطع الخامس من الخطبة
كان في وصف الشريعة، ويبدأ من قولها: (فَجَعَلَ اللهُ الإيمانَ تطهيراً لكم من الشُرك، والصلاة…)).
المقطع السادس من الخطبة
حديثُها عليها السلام عن نفسِها ونسبها وعن أبيها وزوجها، ويبدأ من قولها: ((أيُّها الناس اعلموا أني فاطمة، وأبي محمد، أَقولُ عَوداً وبَدواً …)).
المقطع السابع من الخطبة
حديثُها عن جهاد النبي (ص) وصفاته وجهاده وتذكيرهم بما كانوا عليه قبل البعثة وما أصبحوا عليه بعدها بفضل أبيها، ويبدأ هذا المقطع من قولها: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾. بدأت هذا المقطع بآية قرآنية.
المقطع الثامن من الخطبة
حديثُها عن جهاد أمير المؤمنين([vi]) عليه السلام وبطولاته ونصرته للنبي (ص) والإسلام، ويبدأ من قولها: ((قَذفَ أَخاه في لهواتِها فلا ينكفيء حتى يَطأَ صماخِها بأَخمصهِ، ويَخمِدَ لَهَبها بسيفهِ …)).
المقطع التاسع من الخطبة
وصفها للناس وما هم عليه من حِيلةٍ وتربصٍ وخوفٍ ونفاق وباطل، ويبدأ من قولها: ((وأنتم في رفاهيةٍ من العيش وادعون فاكهون آمنونَ، تَتَربصون بنا الدوائر و…)).
المقطع العاشر من الخطبة
جاء فيه محاججتها لأبي بكر بشأن ميراثها وهو غرض الخطبة الرئيس، ويبدأ من قولها: ((يا بنَ أَبي قُحافةَ: أَفي كتابِ الله أَن تَرثَ أَباك ولا أَرِثُ أَبي؟ …)).
المقطع الحادي عشر
خاطبت به الأنصار واستنهضت ضمائرهم، ويبدأ من قولها: ((يا مَعشَر الفِتية وأعضادَ المِلَّةِ، وأنصار الإسلامِ، ما هذه الغَميزةُ في حَقِّي …)).
المقطع الثاني عشر
في مخاطبة الأنصار كذلك وفيه عتابٌ لهم على سكوتهم عن حَقِّها، ويبدأ هذا المقطع من قولها: ((أَيها بَني قَيلَة، أَأُهضمُ تُراثَ أَبي وأَنتم بمرأى مِنِّي ومَسمَعٍ …)).
المقطع الثالث عشر
رَدَّها على أبي بكر وتذكيرها للناس بمكانه أبيها، ويبدأ هذا المقطع في قولها: ((سُبحانَ اللهِ ما كانَ رسول اللهِ (ص) عن كتاب الله صادِفاً ولا لأحكامه مُخالِفاً، بَل كان يَتّبعُ أَثرهُ …)).
المقطع الرابع عشر
خطابها للنبي (ع) وكان بأبيات شعرٍ لهند إبنة أثاثة
المقطع الخامس عشر
خطابها لأمير المؤمنين (ع) شاكيةً له حالَها، وعارضةً له ما أصابها من اغتصاب حَقِّها في فدك، ويبدأ هذا المقطع من قولها: ((يا بنَ أَبي طالب: اشتملتَ الجَنينِ، وقَعَدتَ حُجَرة الظَّنين، نَقَضتَ قادِمةَ الأَجدلِ …)).
تقسيم الخطبة الى مقاطع وجعل كُلَّ مقطعٍ منها في موضوعٍ واحدٍ محدَّد يُبين لنا الدقّة في العرض وكأنها خطبة كُتِبتْ وبدقةٍ، ففيها من الإستدلال بالآيات القرآنية ما فيها.
الإستدلال بالقرآن:
في الخطبة ثلاثة أنواع من الإستشهاد والإستدلال بالقرآن:
النوع الأول هو الظاهر أي الآيات الصريحة على إرثها حصراً.
النوع الثاني هو الإستشهاد بطريقة الإيحاء (المَخفي).
النوع الثالث هو الإستشهاد الصريح بالآيات التي ليست في موضوع الإرث.
أما النوع الأول فجاء للاستدلال على إرثها، وبما أنها أرادت التأكيد على ذلك الإرث كان لازماً أن تأتي بالآيات القرآنية ظاهرةً واضحةً غير مُضمَرة؛ لأنها دليل على إرثها، فلذلك ذكر هذه الآيات يُؤكِّد كلامها وهُنَّ خَمسُ آيات:
قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ النمل 16.
قوله تعالى: ﴿هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ مريم 5-6.
قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ﴾ الأنفال 75.
قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ النساء 11.
قوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ البقرة 180.
أما النوع الثاني من الإستدلال بالآيات القرآنية فجاء مُضمَراً في سياق حديثها. فقد تناصَّت مع القرآن بطريقةٍ فنيةٍ دقيقةٍ وأفادت من مضامين الآيات القرآنية، بإشاراتٍ فقط أكدَّت لنا عمق إفادتها من النص القرآني واستحضاره بدقّة دون ذكر الآيات صريحةً، وهذا يدل كذلك على مدى إمكانياتها في التصرف بالآيات القرآنية واستعمالها فيما تريد وكان هذا النوع من الإستدلال هو الأكثر ومنه:
قولها (ع): ((أشهدُ أن أبي محمداً عبده ورسوله)) إشارة الى قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ الأحزاب 40، فهي هنا أرادت التأكيد على الآية أنها هي وحدها ابنة محمد (ع) ليس غير.
قولها (ع): ((أنار الله بأبي محمد صلى الله عليه وآله ظُلمها)) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ المائدة 15-16، وإشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا﴾ الأحزاب 46، ولَعلَّي هنا اتذكَّر جمال هذه الآية، إذ قال تعالى عن الشمس: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ نوح 16، وهنا قد وصف سبحانه النبيَ (ص) أنه سراجٌ منير فاستَعارَ له ما وَصَفَ به الشمسَ والقمرَ معاً.
قولها (ع): ((قبضَ اللهُ نبيه قبضَ رأفة واختيار …))، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ الفرقان 46.
قولها (ع): ((صلى الله على أبي نبيّ الرحمة وأمينه على وحيّه …)) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ التكوير 19-21.
قولها (ع): ((طاعتُنا نظامٌ للمِلَّة، وإمامتُنا أماناً للفرقة)) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ النساء 59.
قولها (ع): ((أيُّها الناس اعِلَموا أَني فاطمة وأبي محمد، أقولُ عوداً على بدءٍ، ولا أقولُ ما أقولُ غَلطاً ولا أَفعلُ ما أفعلُ شططاً)) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ الكهف 14.
قولها (ع): ((أَنقذَكُم اللهُ تعالى بأبي محمد بعد اللُّتيّا والتي))، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾ آل عمران 103.
قولها (ع): ((تَتربَّصونَ بنا الدوائر))، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إِلَى هَـؤُلاء وَلاَ إِلَى هَـؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ النساء 141-143.
قولها (ع): ((ألآ وقد قُلتُ الذي قُلتُ على معرفةٍ مِنّي بالخذلةِ التي خامرتكم ولكنها فَيضُ النفسِ ونَفثةُ الغَيظِ وخَورُ العنا وبثّةُ الصدرِ، وتَقدُمة الحُجّة))، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا﴾ الفرقان 29 وقوله تعالى: ﴿أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ﴾ يوسف 86.
قولها (ع): ((أنا ابنةُ نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد، فاعملوا إنّا عاملون وانتظروا إنَّا منتظرون)) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ هود 122.
قولها (ع): ((فَنحنُ وسيلته في خلقه ونحن آلُ الرسولِ ونَحنُ حُجّةُ غيبه وورَثةُ أنبيائهِ)) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ﴾ المائدة 35. فالوسيلة هُم أهلُ البيت (ع)، ولكن ذلك لا يكون إلّا بالتقوى فلا يجوز ابتغاء الوسيلة دون التقوى.
قولها (ع): ((بلَّغ النَذارةَ، صادعاً بالرسالة …)) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ الحجر 94.
قولها (ع): ((يجذُّ الأصنام)) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ﴾ الأنبياء 58.
قولها (ع): ((عن الإحصاء عَددُها)) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ النحل 18.
قولها (ع): ((لاستزادتها بالشُكرِ)) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ إبراهيم 7.
قولها (ع): ((المُمتَنِع عن الأَبصار رؤيتهُ)) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ الأنعام 103، ولَعلَّ الجمال اللغوي واقعٌ هنا في المقابله (لا تدركه الأبصار=اللطيف) وهو (يدرك الأبصار=الخبير).
قولها (ع): ((وتَعبُّداً لبريَّتهِ..))، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ الذاريات 56.
قولها (ع): ((عَن الأَبصار غُمَمَها))، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ يونس 71.
قولها (ع): ((وبَصَّرَهُم من العَماية))، المقصود عمي القلوب وهو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ﴾ المائدة 71، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ﴾ الأعراف 64، ولقوله تعالى: ﴿ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾ سورة طه 125، ولقوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى﴾ الإسراء 72.
قولها (ع): ((بيِّنةٌ بصائِرهُ منكشفةٌ سرائرهُ …)) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ العنكبوت 49.
قولها (ع): ((والزكاةُ تزكيةً للنفسِ)) إشارة لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم﴾ التوبة 103.
قولها (ع): ((ونَماء في الرزق)) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ الروم 39.
قولها (ع): ((والصبرَ معونةً على استيجاب الأَجر)) إشارة لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ الزمر 10.
قولها (ع): ((القِصاص حقناً للدماء))، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ﴾ البقرة 179.
قولها (ع): ((والنهي عن شُرب الخَمرِ تَنزِيهاً عن الرجس))، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ المائدة 90.
قولها (ع): ((واجتناب القذف حِجاباً عن اللعنة)) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ النور 23.
قولها (ع) ((داعياً إلى سبيل رَبّه بالحكمة والموعِظة الحَسنةِ)) إشارة لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ النحل 125.
قولها (ع): ((تخافونَ أن يتخطَّفكمُ الناسُ من حولِكم))، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الأنفال 26.
قولها (ع): ((وأنتم في رفاهيةٍ من العَيشِ وادعون فاكهون))، إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ الدخان 27.
قولها (ع): ((وأَشركتم بعد الإيمان؟)) وذكرت قوله تعالى: ﴿أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ﴾ التوبة 13، ولَعلَّ الإستشهاد بهذه الآية تُشيرُ فيه إلى اتصاف هؤلاء الناس (الذين تخاطبهم) بصفة اليهود. لأنَّ هذه الآية نزلت في اليهود الذين نقضوا عهدهم مع الرسول (ص) وأصبحوا مع الأحزاب وأرادوا إخراج الرسول (ص) من المدينة وهي إشارةٌ بليغة جداً في إحراج المُخاطبين الذين اغتصبوا حَقَّها وإخراجها منه.
قولها: ((بَقِيَّة استخلفها عليكم …)) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ البقرة 248، ولقوله تعالى: ﴿بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ﴾ هود 86، ولقوله تعالى: ﴿أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ﴾ هود 116. فهي تُشير إلى أهل بيت النبي (ص) فهم البقية التي استخلفها الله سبحانه ورسوله.
أما النوع الثالث من الإستدلال، فهو بالآيات الظاهرة غير المُضمَرة ولكن ليس للإستدلال على الإرث كما في النوع الأول وهي:
استشهدت بقوله تعالى: ﴿اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ البقرة 132.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾ فاطر 28.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ التوبة 128.
قوله تعالى: ﴿أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ التوبة 49.
قوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ الكهف 50.
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ آل عمران 85.
قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ المائدة 50.
قوله تعالى: ﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ﴾ الأنعام 67.
قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ﴾ هود 38-39.
قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ آل عمران 144.
قوله تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ إبراهيم 8.
قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ الشعراء 227.
قوله تعالى: ﴿وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ هود 122.
قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ محمد 24.
وهذه الآيات الأخيرة جَميعُها تُشير إلى الوعيد والعذاب والتحذير من العاقبة والإرتداد عن دعوات الرسول (ص) والإنقلاب عليها، وكانت (ع) تُحذِّر من تلك الأمور قبل وقوعها، فهي ترى بعين البصيرة ما ستؤول إليه أوضاع الأمة بعد وفاة الرسول (ص) وهذه تحذيراتٌ مُسبقة.
من أساليب الإستدلال الأخرى:
تكرارها لبنوتها للرسول (ص) بياء المتكلم مرّات عديدة، وهي إشارة منها إلى التحذير والتذكير بحقها، ومن ذلك قولها:
قولها (ع): ((أشهدُ أن أبي محمداً عبده ورسوله)).
قولها (ع): ((أنارَ اللهُ بأبي محمد صلى الله عليه ظُلمَها)).
قولها (ع): ((قَبضَ الله نبيه (ص) قَبضَ رأفةٍ واختيار، رغبة بأبي عن هذه الدار)).
قولها (ع): ((صلى الله على أبي نبي الرحمة)).
قولها (ع): ((أيُّها الناس اعلموا أَنيّ فاطمة وأبي محمد …)).
قولها (ع): ((فإن تعزوه وتعرفوه تجدوه أبي دونَ نسائكم وأخا ابن عَمّي دونَ رجالكم)).
قولها (ع): ((أنقذكم الله تعالى بأبي محمد …)).
قولها (ع): ((قد تَجلّى لكم كالشمسِ الضاحية أَنيّ ابنته …)).
قولها (ع): ((أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرثُ أبي)).
قولها (ع): ((زعمتم أن لا حَظوةَ لي ولا إرثَ من أبي)).
قولها (ع): ((أوَلستُ أنا وأبي من أهل مِلَّةٍ واحدةٍ؟)).
قولها (ع): ((أم أنتم اعلمُ بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي)).
قولها (ع): ((أما كان محمدٌ (ص) أبي يقول: المَرءُ يُحفَظُ في ولدهِ)).
قولها (ع): ((أَأُهضَمُ تُراثَ أبي)).
قولها (ع): ((أنا ابنةُ نذيرٍ لكم بين يدي عذاب شديد)).
فهذا التأكيد على بنوتها إشارةٌ مهمة إلى أنها وحدها هي وريثةُ النبي لا غير.
الإتساق اللغوي وجمالياته:
لم يأتِ كلامها عليها السلام اعتباطاً بل أن الجُمل المتتابعة في الدلالة والإيقاع والتشكيل تَدلَّ على وجود اتساق لغوي ودلالي فضلاً عن جمالياته، وهذا الإتساق لم يكن مُتكَلَّفاً بل جاء متوازناً متتابع الصور، وفي ذلك يقول الدكتور محمود البستاني: ((إنّ الزهراء (ع) تُعنى بالصورة حتى في تبيِّينها لمصالح الأحكام الشرعية، فالإيمان (تطهير) والصلاة (تنزيه) والزكاة (تزكية نماء) والصيام (تثبيت) والحجّ (تشييد) والعدل (تنسيق) والطاعة (نظام) والإمامة (أمان)، إنّ هذه التعريفات لمصالح الأحكام صِيغَت وفقَ صورٍ (تمثيلية) كما هو واضح… كذلك، عندما تَتحدَّث عن الحالة الإجتماعية لما قبل الإسلام، تتوكأ على عنصر الصورة أيضاً (فأنار اللهُ بأبي محمد (ص) ظُلمها وكَشفَ عن القلوب بهمها، وجَلَّ عن الأبصار غمها) كذلك حينما تَتحدَّث عن سِمات الشخصية (لفظتهم بعد أن عجمتهم وشنأتهم بعدَ أن سبرتهم …))([vii]).
وقولها (ع): ((الحمدُ لله على ما أنعم)) فهي هنا قد بَدأَتْ الخِطبةَ بحمد الله والحمد على النعمة أفضل من الشكر عليها، وقد اختصَّ الحَمدُ هنا بالله تعالى، وهو كذلك في سورة الفاتحة عندما بدأ عزَّ وجل تلك السورة (بالحمد لله رب العالمين)، فالحَمدُ على النِعم هو عين ذاته المُقدَّسة بخلاف الشكر فالمَدحُ بالحمدِ أعلى مقاماً من الشكر الذي يكون لِما هو أقل، فالحَمدُ ثناءٌ على الصفات الذاتية تقول حَمدتُ محمداً فأنت تريد صفاته الخاصة وهو صفات عين الذات ولكن الشكر يكون على ما بَدرَ من محمدٍ تجاهك.
وقولها (ع): ((وله الشكر على ما ألهم)) فالشكرُ هنا يكون مقابل ما أعطاه سبحانه وتعالى فهو يأتي بالدرجةِ الثانية ولكن الشكر هنا كان عن الإلهام والإلهام هو للنفوس الكبيرة العظيمة التي عَرفَتْ توحيده سبحانه بسبب إلهامه، وإلّا لما حصل ذلك، فالحمدُ في الجُملةِ الأولى على النِعم وهل تقصد السيدة الزهراء (ع) نعمة غير نِعمة النبوة والإمامة والتفضيل على الخلق؟ فهي أَجلُّ النِعم والشكر كذلك على الإلهام الإلهي لتقبّل الفيوضات الربانية والكمالات الروحانية.
وقولها (ع): ((والثناء بما قَدَّم)).
جاء الثناء بالمرتبة الثالثة بعد الحَمد والشُكر، والثناء هنا على ما قَدَّم سبحانه للنفوس الكبيرة تلك من رحماته وأَلطافه فجعلها ناطقةً عاقِلةً مُريدةً و… ولعلَّ تقديم الحمد والشكر والثناء كان لإنحصار تلك الأمور به سبحانه فالتقديم تخصيص لا يشاركهُ أَحدٌ فيه.
وقولها (ع): ((من عموم نعم ابتدأها))
إنه الجمالُ اللغوي والفن بأحلى صوره مع توحيد الله سبحانه لأنها نِعمهِ كما تقول الزهراء (ع) كانت ابتداءً منه سبحانه دون طلبٍ أي أن نِعمه كانت قبل خلق الإنسان ابتداءً دون معرفة الإنسان بذلك، إذ يَسَّر له ما يُعينه فيه على العيش والاستعداد لذلك. فالزهراء تحمد وتشكر وتثني على الذات الإلهية لنِعمٍ أَفاضها اللهُ على الإنسان دون طلبٍ منه، وهذا قمةُ العطاء أن يكون دون طلب.
وقولها (ع): ((وتمام منن والاها …)).
فالمِنن هنا جمعُ مِنَّة، وهي النِعم التي منَّ بها سبحانه على الإنسان وكانت متواليه دون انقطاعٍ مُتصِلة الأسباب من كريمٍ أعطى دون طلبٍ، فتتابعت نِعمهُ على بني الإنسان وغيره لأنها لم تحدد المُكرَّمين بعطائهِ سبحانه فكان كلامها عامّاً قد يشمل الإنسان وغيره. وهذا العموم كان في بداية كلامها عندما قالت: ((على ما أنعم)) (فما) هنا مصدرية وهي إشارة إلى أن تلك الفيوضات والنِعم غير محدودة، وقد جاءت دونَ طلبٍ، بل ابتداءً، قبل الخلق وأن الخير لم يكن مَحدوداً بجهةٍ ولجهةٍ معينة. وقد والاها سبحانه دونَ انقطاع نعمةً بعد أخرى. والمُولاة كما هو معروف الإتصال دون انقطاع ومنه ما نقوله عن الوضوء (مولاة الوضوء) أي عدم قطعه أي استمراره، وقد تكون للمُولاة معانٍ أخرى كأن يكون والاها أي هو مولاها وأعطاها هو سبحانه، فيضاً من عنده دون واسطة فتكون هنا أجمل أي أن تكون تلك النِعم منه مباشرة دونَ واسطة (فهو قريبٌ يجب دعوة الداعي) بل (هو أقرب للإنسان من حبل الوريد).
وقولها (ع): ((وتفاوتَ عن الإدراك أبدها …)).
فهذه النِعم التي كانت قبل الكون لا تُدرك نَهايتُها وأبدُها وعدم تناهيها لعدم تناهي المُعطي والواهب والملهم.
قولها(ع): ((ونَدبهم لاستزادتِها بالشكر لإتصالها …)).
تلك النِعم قابلة للإتصال والاستمرار والفيض بل والزيادة، بشرط الشكر عليها فاللّام هنا لامُ التعليل فَعِلَّةُ الزيادة والاستمرار هو الشكر، فقد رَغَّبهم سبحانهُ في زيادة النِعمة على أن يشكروه، فبشكره سبحانه تزداد الفيوضات والنِعم.
قولها (ع): (ابتدعَ الأشياء لا من شيءٍ كان قبلها …)).
يَتجلَّى التوحيدُ في هذه الجملة بأجلى صوره، فسبحانه قد ابتدع الأشياء، ولم تقلْ خَلَقَ بل ابتدع هو إيجاد شيء لم يكن من قبل. أما الخَلَق فهو إيجاد شيءٍ له أصل من قبل. وأكَّدت هذا الإبتداع بأنّه لا من شيءٍ كان قبلها والأشياء هنا تشمل العاقل وغيره. وأنها تم إيجادها ولم يكن قبلها شيء سابق تُوجَد منه، بل الوجود الحقيقي هو الله سبحانه فقط دون غيره فَنَفَتْ أيَّ موجودٍ قبله.
قولها (ع): ((وأَشهدُ أنَّ أبي مُحمَّداً (ص) عبده ورسوله …)).
فضلاً عن تأكّيد بنوتها للرسول (ص) فقد أرادت أن تُثبت عبوديةَ الرسول (ص) لله سبحانه قبل أن يكون رسولاً، وعبد الله هو من أفضل ألقاب النبي وأجملها وقد خَصَّه سبحانه وتعالى بهذا اللقب بقوله تعالى في سورة الإسراء ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً…﴾، فالعبودية له والشهادة منه سبحانه بأنَّ محمداً عبده هي أعلى مرتبة من بَقيَّة المُسمّيات ولذلك نحن نُقدّمها في الشهادة، وقد خُصَّ به الرسول (ص) لعظمة شأنه عليه السلام، ولذلك قَدَّمتْ هذا اللقب على غيره.
قولها (ع): ((واصطفاه قبلَ أن ابتعثه، إذ الخلائِق بالغيب مكنونةٌ …)).
فقد اختاره سبحانه وتعالى وانتجبه واصطفاه ثم ابتعثه حين كانت الخلائق غيرَ موجودة فهي إشارةٌ جميلة إلى أن خَلقَ النبي كان مُقدَّماً على خلق الخلائق، وليس الإنسان فحسب. وهذه إشارة جميلة إلى فكرة الحقيقة المحمدية. فقد بشَّرَ به سبحانه في قول عيسى ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ الصف 6.
قولها (ع): ((فَجَعَلَ الله الإيمانَ تطهيراً لكم من الشِّركِ، والصَّلاة تَنزيهاً لكم عن الكِبر، والزكاة تزكيةً للنَّفس، ونماءً في الرّزق، والصيامَ تثبيتاً للإخلاص…)).
ذكرت هنا الصيام ولم تَقلْ الصوم، وهذا يدل على دقّة التعبير فالصيام هو الأصح، ولذلك جاء في القرآن تعبيراً عن قطع الماء والأكل وغيرها من الأمور المُفطِرة. في حين جاء كلمة صوم فقط للتعبير عن انقطاع الكلام، إذ جاء قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ فَدّقة التعبير والتفرقة بين الصيام والصوم هو كونها عليها السلام من بيت تَفقَّه بالقرآن ولغتِه. وخَصَّت الصِيّام هنا بالإخلاص لأنّه ابتعادٌ وتَركٌ لما يقوم به العبد في سِرّه. وهو خاصٌ له سبحانه وجاء في الأثر القدسي (الصيام لي وأنا أجازي عليه)، وهو أي الصِيام من أهم مظاهر الإخلاص لأنه ابتعادٌ عن الشهوات وتصفيةٌ للروح وتطهير للنفس، ولذلك تجد أكثر الصائمين هم العُرفاء وأصحاب الدرجات الرفيعة وأصحاب النفوس العالية. لأنه الوسيلة التي تُنهي شهوات الشيطان فَقَهر تلك الشهوات قَهرٌ للشيطان؛ ولذلك قالت هو تثبيت للإخلاص.
قولها (ع): ((والحجَّ تشييداً للدين)).
مثلما خَصَّت الصِيام تثبيتاً للإخلاص، كان الحج كذلك هو تَشيّيدٌ للدين. وذلك لأن الصِيام عملٌ ما بين الإنسان والله سبحانه أما الحج فهو لظهورهِ ووضوحه واتساعه وكثرة الناس فيه وتجمهرهم يعطي انطباعاً عن مدى قوة الدين وبنائه، ولما فيه من مصاعب السفر ومَشقَّة الإرتحال والتَجمّع لأجل إظهار الإسلام بمظهر القوة، ولذلك فهو دعامة من دعائم الدين.
قولها (ع): ((والعدلَ تنسيقاً للقلوب)) أي نِظاماً لها لأنَّ العدل يجعل من أمور الناس مُنتظمةً. وانتظام أمور الناس ووضع القوانين العادلة يؤدي إلى الإطمئنان والاستقرار والسكينة لوجود القوانين.
ولا ننسى هنا الجملة المحذوفة أو المُقدَّرة ((فرض الله عليكم)) التي حُذِفت من بدايات الجُمل السابقة لأكثر من عشرين مرة، فالأصل هو (فَرَضَ الله عليكم الإيمان تطهيراً لكم من الشرك، وفَرَضَ الله عليكم الصلاة تنزيهاً عن الكبر، وفَرَضَ عليكم الله الحجَ تشييداً للدين و …
وقد بدأت هذا المقطع بقولها ((فَجَعَلَ اللهُ الإيمانَ تطهيراً من الشِّرك، وختمت المقطع ذاته بقولها ((وحَرَّم اللهُ الشركَ، خلاصاً له بالربوبيَّة)) إذ بدأت المقطع بالإيمان وخَتمَتَه بتحريم الشرك … فهذه مقابلةٌ ما بين المطلع والإختتام.
أما قولها (ع): ((والأمرُ بالمعروفِ مَصلحةً للعامة))، فلماذا ذكرت العامّة وجعلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو لهم، لَعلّه أن الخواص هم ينهون ويأمرون أنفسهم ولا يحتاجون إلى مَنْ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ولذلك خَصَّت بهذا الأمر العامّة فقط.
وقولها (ع): ((وأَطلع الشيطانُ رأسهُ من مَغرزة)) فهي قد شَبَّهت الشيطان بالحيوان المُتخفّي الذي يخرج رأسه عند زوال ما يَخافُ منه،
وقولها (ع): ((وَفُهتُم بكلمةِ الإخلاص في نَفرٍ من البيض الخِماصِ …))، فهذه المقولة تحتمل أمرين:
الأول: أنهم فعلاً ضامرو البطون؛ لِقلَّة أكلهم، ولكثرةِ صومهم.
الثاني: أنهم على عِفَّةٍ جعلتهم لا يقتربون من أموال الناس، فبطونهم خالية من المال الحرام فهي ضامرة لا بدينه؛ لأنهم لا يَتقرَّبون الحرام.
ومن تشبيهاتها الجميلة قولها: ((فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر نَقِبَةَ الخُفِّ باقيةَ العارِ موسومةً بغضبِ اللهِ وشَنار الأَبد …))، إذ شَبَّهت الخلافةَ بالناقةِ، التي فَعلتُم ما أردتمُ الفعلَ بها فهي منقادةٌ لكم، ضعوا على ظهرها ما تريدون فهي مقروحةٌ وسوف تحمل آثامكم وأفعالكم إلى الأبد وبغضب الله، فهي فضلاً عن عيب ظهرها ففيها عيبٌ في أقدامها (الخُفّ) فهي ضعيفة الأقدام وهو موسومة (على سِمة) غضب الله تعالى، فهي ناقة معيبة ضعيفة هزيلة وهي إشارة إلى دناءة الدُنيا وخلافتها وهي تقول عنها كذلك ((تسكن نفرتها، ويسلس قيادتها وتورون وقدتها وتهيجون جمرتها)) فهي أي الخلافة كالناقة النافرة التي سرعان ما تنقاد لكم لأنكم سوف تعملون على ذلك بأية طريقة كانت. وعن صور الزهراء (ع) يقول الدكتور محمود البستاني: ((جاء استخدام الصورة مُنسَجِماً على مختلف الصعد، إذ جاء متنوعاً بين الاستعارة والتمثيل، وسواهما حسب مُتطلَّبات الموقف، فمثلاً حينما تَحدَّثت عن الأحكام (الصلاة، الصوم …إلخ) جاءتْ بالصورِ (التمثيلية)، ولكنها جاءت بالصور (الاستعارية) في أغلب المواقف، لكون الأحكام تَتَطلَّب بُعداً (تعريفياً) بها أي تحتاج إلى تعريفها، وهذا ما يتناسب مع أحد أشكال الصور (وهو التمثيل) حيث أن (التمثيل) هو إحداث علاقة بين الطرفين من خلال إحدهما تجسيماً للآخر، وهو ما يَتكَفَّل به عنصر (التعريف) بالشيء))([viii]).
جماليات الإيقاع والتقابل:
في قولها (ع):
ثُمَّ قَبضَهُ اللهُ إليه قَبضَ رأفةٍ واختيار | في الدنيا |
ورغبةٍ وإيثار | |
من تعبِ هذه الدار | |
تقابلها الجُمل الآتية: | |
قد حُفَّ بالملائكةِ الأبرار | في الآخرة |
ورِضوانُ الرّبِّ الغفّار | |
ومجاورةُ الملكِ الجَبّار |
فقد جاءت الجُمَل الثلاث الأولى مُنتهيةً بحرف الراء، تقابلها ثلاث جُمل أخرى منتهيةً كذلك بحرف الراء، فالمقابلة كانت بين ثلاث جمل في الدنيا مع ثلاث جمل تُشير إلى الآخرة ولكن الجميل هنا أنها قالت (ع) إن الرسول (ص): ((قد حُفَّ بالملائكة الأبرار وجاور الملك الجبار …))، فالقُرب والمجاورة هو الفوز الأعظم وليس الجنة حسب. بل مجاورة الملك الجبار، وما أعظمها من هديةٍ فهو كان في إسرائه عليه السلام قد دنى فَتدلَّى فكان قاب قوسين أو أدنى، وهو هنا بعد وفاته قد جاور الملك الجبّار. فهي لم تقلْ إنه دَخَلَ الجنة وتَمتَّع بنعيمها، بل أنه جاور الملك الجبار، فهي لذة القُرب للحبيب وما أحلاها من لذةٍ.
وغالباً ما تأتي بالجُمل الإسمية في وصفها للدلالة على ثبوت الوصف وتأكيده. مثل قولها:
أنتم عِبادُ الله
نُصُبُ أَمرهِ ونَهيه
حَمَلةُ دينه وَوَحيهِ
أمناءُ الله على أَنفسِكم
بلغاؤُهُ إلى الأمم
بقيَّة استخلفها عليكم
كتابُ اللهِ الناطق
القرآن الصادقِ
النور الساطع
الضياءُ اللامع
بَيّنةً بصائِره
مُنكشِفَةً سرائِرهُ
مُنجليةً ظواهره
مُغتبطةً بهِ أَشياعهُ
قائداً إلى الرضوان إِتباعُه
مُؤدٍّ إلى النجاة أَسماعُه
…. إلخ.
فضلاً عن مِيزة التوكيد وثبات الوصف بالجمل الإسمية، يأتي دور الإيقاع في تناسق جُمل الخِطبة ومن ذلك الأفعال
أنعمَ، ألهمَ، قَدَّمَ،
ابتدأها، أسداها، والاها
تأويلها، موصولها، معقولها
رؤيته، صفته، به
قبلها، امتثلها
قدرته، بريَّته، دعوته، طاعته، معصيته، نقمته، جنته
رسوله، يجتبله، يبتعثه، يستنجبه، ابتعثه
لأمره، حكمه
أديانها، نيرانها، لأوثانها، عرفانها، ظلمها، بُهمها، عمهها، غُممها
اختاره، اصطفاه، سمّاه
وعنصر الإيقاع يؤكد تلازم الجُمل والإتساق والدلالة معاً، فضلاً عن عنصر التقابل، لذلك جاءت الخطبة متواشجة الجُمل متزنة متقابلة. فكانت الخطبة تجمع ما بين الجمال والإتساق اللغوي والدلالي والحِجاجي.
الهوامش
([i]) الصواعق المُحرِقة ص53.
([ii]) فدك في التأريخ. محمد باقر الصدر ص25.
([iii]) يُنظر مروج الذهب للمسعودي 2/300.
([iv]) يُنظر فدك في التأريخ ص124.
([v]) المستدرك للنيسابوري 3/ 160-161، بيروت د. ت.
([vi]) المُصدر نفسه 3/160، والجامع الصحيح للترمذي 5/361 تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان بيروت سنة 1983.
([vii]) تأريخ الأدب العربي في ضوء المنهج الإسلامي د. محمود البستاني مطبعة دقت، مشهد الطبعة الثالثة سنة 1435هـ ص260.
([viii]) المصدر نفسه والصفحة.
الفائز الخامس
مكانة الزهراء (عليها السلام) في المدرك الاستراتيجي
للمرجع اليعقوبي خطاب 2018
بقلم الباحث
م.م محمد الجزائري
المقدمة
للزهراء مكانة مهمة ومتميزة في قلب وعقل كل مسلم وكل انسان قلبه عامر بالمبادئ السامية التي تعتمدها البشرية كمعيار للحياة الحرة الكريمة والتي يمكن من خلالها بناء مجتمع متماسك وقادر على مواجهة التحديات التي يفرض الواقع المادي البعيد عن التوجهات الانسانية المشرعة بالكتب السماوية وبالاضافة الى وسوسة الشيطان المتمدة لحين قيام الساعة.
المرجع اليعقوبي (ادام الله ظله) وكعادته المثمرة والمميزة في احياء نهج وسلوك الزهراء عبر مناسبات عديدة ومميزة خلال الاعوام السابقة والعام الحالي استمر بالحث على السير في طريق الزهراء عليها السلام وبعلها وبنيها وقبل كل شي ابيها عليهم افضل الصلاة والسلام،سماحته ومن اجل التاسي والاخذ والتعريف بفضل الزهراء افرد لسيدة نساء العالمين يوماً مميزاً الا وهو ذكرى استشهاد الزهراء في الثالث من جمادي الاخر،واخذ سماحته على عاتقه نشر فكر الزهراء عليها السلام هذا الفكر المبارك ومدولاته ،الذي ليس له حد من زمان او مكان ،من خلال هذه المناسبة ،هذا من ناحية اما ناحية اخرى فقد جرت عادته سماحته ايضا ومن خلال المكانة المميزة للزهراء في فكر سماحته ومدركه الاستراتيجي في الاستعانه وعكس منهج وسلوك الزهراء عليها السلام في عالم اليوم بمعنى الاخذ والعمل بنصائح وخطى الزهراء عليها السلام من اجل تحقيق مرضاة الله والعدالة الالهية في حياتنا اليومية وحل المشاكل والاخطار التي تحيط بالامة الاسلامية .
المحور الاول
الزهراء(عليها السلام) من الولادة الى الشهادة
1.الولادة
وُلدت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) بعد بعثة والدها العظيم ( صلى الله عليه وآله ) بخمسة أعوام ، وبعد حادثة الإسراء والمعراج بثلاث سنين ، وقد بشّر جبريل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بولادتها وكان تاريخ ولادتها يوم الجمعة العشرين من شهر جمادى الآخرة في مدينة مكّة( ) ،والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) له من العمر خمسة واربعين عاماً، فأقامت بمكة ثمان سنين، وبالمدينة عشر سنين. لما حملت خديجة (عليها السلام) بفاطمة، كانت فاطمة (عليها السلام) تحدّثها من بطنها وتصبّرها، وكانت تكتم ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فدخل رسول الله يوماً فسمع خديجة تحدث فاطمة (عليها السلام) فقال لها: يا خديجة من تحدثين؟ قالت: الجنين الذي في بطني يُحدِّثني ويُؤنِسني .قال: يا خديجة هذا جبرئيل يخبرني أنها أنثى، وانها النسلة الطاهرة الميمونة، وأن الله سيجعل نسلي منها، وسيجعل من نسلها أئمة، ويجعلهم خلفاء في أرضه بعد انقضاء وحيه.
فلم تزل خديجة (عليها السلام) على ذلك إلى أن حضرت ولادتها، فوجهت إلى نساء قريش وبني هاشم: أن تعالين لتلينّ مني ماتلي النساء من النساء. فأرسلن اليها: أنت عصيتنا ولم تقبلي قولنا، وتزوّجت محمداً يتيم أبي طالب فقيراً لا مال له، فلسنا نجيء ولا نلي من أمرك شيئاً، فاغتمّت خديجة (عليها السلام) لذلك . فبينما هي كذلك إذ دخل عليها أربع نسوة سمر طوال كأنهن من نساء بني هاشم ، ففزعت منهمن لمّا رأتهن. قالت احداهن: لا تحزني يا خديجة، فإنّا رسل ربّك إليك، ونحن أخواتك، أنا سارة، وهذه آسية بنت مزاحم وهي رفيقتك في الجنة، وهذه مريم بنت عمران ، وهذه كلثم أخت موسى بن عمران، بعثنا الله اليك لنلي منك ما تلي النساء من النساء، فجلست واحدة عن يمينها، وأخرى عن يسارها، والثالثة بين يديها ، والرابعة من خلفها، فوضعت فاطمة (عليها السلام) طاهرة مطهّرة. فلما سقطت الى الارض أشرق منها النور حتى دخل بيوتات مكة، فلم يبق في شرق الارض ولاغربها موضع إلا أشرق منه ذلك النور( ). ودَخلنَ عشر من الحور العين، كل واحدة منهن معها طست وابريق من الجنة، وفي الابريق ماء من الكوثر، فتناولتها المرأة التي كانت بين يديها فغسلتها بماء الكوثر، وأخرجت خرقـتين بيضائـين أشدّ بياضاً من اللبن، وأطيب ريحاً من المسك والعنبر، فلـفتها بواحدة وقـنّعتها بالثانية. ثم استنطقتها، فنطقت فاطمة (عليها السلام) بالشهادتين وقالت: أشهد أن لا إله الا الله، وأن أبي رسول الله سيدالانبياء، وأن بعلي سيد الاوصياء، وولدي سادة الاسباط.ثم قالت النسوة: خذيها يا خديجة طاهرة مطهّرة زكيّة ميمونة، بورك فيها وفي نسلها ( ).
2.حياة الزهراء بعد الولادة
نشأت فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) في أحضان الوحي والنبوة ، في بيت مفعم بكلمات الله وآيات القرآن المجيد ,سألتْ احدى زوجات رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ذات يوم عن سبب حبّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لفاطمة هذا الحبَّ العظيم , فلقد كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ينهض إذا دخلت عليه فاطمة وكان يقبِّل رأسها ويدها .
فأجاب سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) : ” لو علمتِ ما أعلم لأحببتيها كما أحبّ . فاطمةُ بضعة منّي فمن أغضبها فقد أغضبني ، ومن سرّها فقد سرّني ” .
وقد سمع المسلمون رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ” يقول إنّما سُمِّيتْ فاطمةُ فاطمةَ لأن الله عزّ وجل فَطَمَ من أحبّها من النار ” .
كانت فاطمة الزهراء تشبه سيّدنا محمّد ( صلى الله عليه وآله ) في خَلْقه وأخلاقه .
تقول أم سلمة زوجة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : فاطمة أشبه الناس برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كانت ترعى أباها وعمرها ست سنين ، عندما توفيت أمها خديجة الكبرى ، فكانت تسعى لملء الفراغ الذي نشأ عن رحيل والدتها .
وفي تلك السنّ الصغيرة شاركت أباها محنته وهو يواجه أذى المشركين في مكّة .
كانت تضمّد جراحه ، وتغسل عن ما يُلقيه سفهاء قريش , وكانت تحدّثه بما يُسلّي خاطره ويدخل الفرحة في قلبه ؛ ولهذا سمّاها سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله ) أمَّ أبيها ، لفرط حنانها وعطفها على أبيها ( صلى الله عليه وآله ) ( ).
3.الهجرة
ولمّا أُصيب رسول الله صلىاللهعليه وآله بوفاة السيدة خديجة وعمّه أبي طالب عزم على الهجرة من مكّة، وأمر عليّاً أن يبيت على فراشه تلك الليلة، وسُمّيت تلك الليلة: (ليلة المبيت) وهي الليلة التي اجتمع فيها حوالي أربعين أو أربعة عشر رجلاً من المشركين، وطوَّقوا بيت الرسول، وهم يريدون الهجوم على النبي ليقتلوه في بيته، فخرج النبي إلى الغار، وبقيت السيدة فاطمة في البيت، وهي تتوقّع هجوم الأعداء على دارها في كل ساعة وتستمع إلى هتافات الكفر والإلحاد ضد الرسول، ويعلم الله مدى الخوف والقلق المسيطر عليها طيلة تلك الليلة، وهي تعلم خشونة طباع المشركين وقساوة قلوبهم( ).
وإلى أن أصبح الصباح من تلك الليلة، وهجم القوم في الدار شاهرين سيوفهم كأنّهم ذئاب ضارية أو كلاب مستسبعة تطلب فريستها، وقصدوا نحو فراش النبي فلم يجدوه بل وجودوا عليّاًعليه السلام راقداً في فراش النبي، ملتحفاً بردة رسول الله صلىاللهعليه وآله فخابت ظنونهم، وخرجوا من الدار فاشلين، وكادوا أن يتفجَّروا حقداً وغيظاً وغضباً.ولمّا خرج أمير المؤمنين عليهالسلام بالفواطم من مكّة وهُنَّ: فاطمة الزهراء بنت رسول اللهصلىالله عليه وآله وفاطمة بنت أسد (أُمّ أمير المؤمنين) وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب، فلحقهم العدو، واعترضهم في أثناء الطريق للحيلولة دون الهجرة، وكان الموقف حرجاً، واستولى الرعب والفزع على قلوب الفواطم من الأعداء، وكادت أن تقع هناك كارثة أو كوارث لولا حفظ الله وعنايته، ثم بسالة الإمام علي وبطولته المشهورة، وكفاهم الله شرّ الأعداء، ونجا علي والفواطم بقدرة الله تعالى( ).
وصلت الفواطم إلى المدينة، وقد كان رسول الله صلىالله عليه وآله قد سبقهم إليها، وكان ينتظرهم، ولمّا وصلوا دخل النبي المدينة ونزل في دار أبي أيوب الأنصاري، والتحقت به ابنته فاطمة الزهراء، ونزلت على أُمّ أبي أيوب الأنصاري( ).
كانت السيدة الزهراء تعيش تحت ظل والدها الرسول في المدينة بعد أن مرَّت بها عواصف شديدة وحوادث مؤلمة: من موت أُمّها خديجة، وهجرة أبيها الرسول من وطنه ومسقط رأْسه، وهجوم الأعداء على الدار، وهجرتها من مكّة إلى المدينة، ومطاردة الأعداء لها ( ).
4.الزواج
قال رسول الله (صلى الله عليه واله) : (لولا علي لم يكن لفاطمة كفء) ، زواج الامام علي من السيدة فاطمة الزهراء (عليهما السلام) والتي تصادف اليوم الاول من شهر ذي الحجة ، ،قال الرسول الاكرم محمد (صلى الله عليه واله) لابنته فاطمة (عليها السلام) : (يا بنية ، من صلى عليك غفر الله له ، والحقه بي حيث كنت من الجنة) ، وقال(صلى الله عليه واله) ايضا : (فاطمة بضعة مني ، يؤذيني ما يؤذيها ويريبني ما يريبها) ، فاذا كانت فاطمة الزهراء (عليها السلام) تحتل هذه الدرجة من المقام الرفيع عند الله ، فمن لا يحب شرف الاقتران بها ، واعلان رغبته في الزواج بها من اكابر قريش ، فانه قد تقدم لخطبتها من ابيها(صلى الله عليه واله) ابو بكر ، وعمر ، واخرون ، وكل يخطبها لنفسه ، الا ان الرسول (صلى الله عليه واله) يعتذر عن الاستجابة لطلبهم ، ويقول (صلى الله عليه واله) : (لم ينزل القضاء بعد) ، وقد روى السيد الامين في المجالس ما ملخصه : جاء علي (عليه السلام) الى رسول الله (صلى الله عليه واله) وهو في منزل ام سلمة ، فسلّم عليه وجلس بين يديه ، فقال له النبي (صلى الله عليه واله) : (اتيت لحاجة)؟ فقال(عليه السلام) : (نعم ، اتيت خاطبا ابنتك فاطمة(عليها السلام) ، فهل انت مزوجني)؟ .. قالت ام سلمة : فرايت وجه النبي (صلى الله عليه واله) يتهلّل فرحا وسرورا ، ثم ابتسم في وجه علي (عليه السلام) ودخل على فاطمة (عليها السلام) ، وقال لها : (ان عليا قد ذكر عن امرك شيئا ، واني سالت ربي ان يزوجك خير خلقه فما ترين)؟ ، فسكتت (عليها السلام) ، فخرج رسول الله (صلى الله عليه واله) وهو يقول : (الله اكبر ، سكوتها اقرارها) ، فعندها امر رسول الله (صلى الله عليه واله) انس بن مالك ان يجمع الصحابة ، ليعلن عليهم نبأ تزويج فاطمة لعلي (عليهما السلام) ، فلما اجتمعوا قال (صلى الله عليه واله) لهم : (ان الله تعالى امرني ان ازوج فاطمة بنت خديجة ، من علي بن ابي طالب) ، ثم ابلغ النبي (صلى الله عليه واله) عليا بان الله امره ان يزوجه فاطمة على اربعمائة مثقال من الفضة ، وكان ذلك في اليوم الاول من شهر ذي الحجة من السنة الثانية للهجرة( ).
5.بيت الزهراء
كان بيتُ عليٍ وفاطمة (عليهما السلام) أروع نموذج في الصفاء والإخلاص والمودّة والرحمة، تعاونا فيه بوئامٍ وحنان على إدارة شؤون البيت وإنجاز أعماله. إنّ الزهراء خرّيجة مدرسة الوحي، وهي تعلم أنّ مكان المرأة من المواقع المهمّة في الإسلام، وإذا ما تخلّت عنه وسرحت في الميادين الأُخرى عجزت عن القيام بوظائف تربية الأبناء كما ينبغي. لقد كانت فاطمة الزهراء (عليها السلام) تبذل قُصارى جهدها لإسعاد أُسرتها، ولم تستثقل أداء مهام البيت، رغم كلّ الصعوبات والمشاق، حتّى أنّ علياً أمير المؤمنين (عليه السلام) رقّ لحالها وامتدح صنعها، وقال لرجلٍ من بني سعد: (ألا أُحدّثك عنّي وعن فاطمة، إنّها كانت عندي وكانت من أحبّ أهله (صلى الله عليه وآله) إليه، وإنّها إستقت بالقربة حتّى أثّر في صدرها، وطحنت بالرحى حتّى مَجُلت يداها، وكسحت البيت حتّى اغبرّت ثيابها، وأوقدت النار تحت القدر حتّى دكُنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضررٌ شديد. وروي أنّه دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على علي (عليه السلام) فوجده هو وفاطمة (عليهما السلام) يطحنان في الجاروش، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): (أيّكما أعيى)؟ فقال الإمام علي (عليه السلام): (فاطمة يا رسول الله). فقال (صلى الله عليه وآله): (قومي يا بُنية)، فقامت وجلس النبي (صلى الله عليه وآله) موضعها مع الإمام علي (عليه السلام) فواساه في طحن الحبّ. وروي عن جابر الأنصاري أنّه رأى النبي (صلى الله عليه وآله) فاطمة وعليها كساء من أجلة الإبل وهي تطحن بيديها وترضع ولدها، فدمعت عينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: (يا بنتاه، تعجّلي مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة). فقالت (عليها السلام): (يا رسول الله، الحمد لله على نعمائه، والشكر لله على آلائهِ)، فأنزل الله تعالى (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى)[الضحى: 5] وقال الإمام الصادق (عليه السلام: (كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يحتطِب ويستقي ويكنس، وكانت فاطمة (عليها السلام) تطحن وتعجن وتخبز. ( وعن أسماء بنت عُميس عن فاطمة (عليها السلام): [أنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) أتى يوماً فقال: أين إبناي؟ يعني حسناً وحسيناً، (فقلت: أصبحنا وليس عندنا في بيتنا شيء يذوقه ذائق. فقال الإمام علي (عليه السلام): اذهب بهما إلى فلان؟ فتوجّه إليهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) فوجدهما يلعبان في مشربة بين أيديهما فضلٌ من تمرٍ، فقال (صلى الله عليه وآله): يا علي، ألا تقلب إبنيّ قبل أن يشتدّ الحرّ عليهما؟ فقال الإمام علي (عليه السلام): أصبحنا وليس في بيتنا شيء، فلو جلست يا رسول الله حتّى أجمع لفاطمة تمرات، فلمّا اجتمع له شيء من التمر جعله في حجره ثمّ عاد إلى البيت]. هذه هي الدنيا في عين فاطمة (عليها السلام) مواجهةٌ للمعاناة، وتألّمٌ من الجوع، وانهيارٌ من التعب، ولكن كلّ ذلك يبدو ممزوجاً بحلاوة الصبر وندى الإيثار، لأنّ وراءه نعيماً لا انتهاء له، حصة يوم يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب. إنّ إلقاء نظرة فاحصة على حياة الزهراء (عليها السلام) توضّح لنا أنّ حياتها الشاقّة لم تتغيّر حتّى بعد أن أصبحت موفورة المال، في سعة من العيش ـ خصوصاً بعد فتح بني النضير وخيبر وتمليكها فدكاً وغيرها ـ عمّا كانت عليه قبل ذلك رغم غلّتها الوافرة، إذ روي أنّ فدكاً كان دخلها أربعة وعشرين ألف دينار، وفي رواية سبعين ألف دينار سنوياً. فالزهراء (عليها السلام) لم تعمّر الدور، ولم تبن القصور، ولم تلبس الحرير والديباج، ولم تَقْتَنِ النفائس، بل كانت تنفق كلّ ذلك على الفقراء والمساكين، وفي سبيل الدعوة إلى الله ونشر الإسلام( ).
6.ولادة الاقمار النبوية
في العام الثالث من الهجرة أنجبت فاطمة ( عليها السلام ) أول أولادها فسمّاه سيدنا محمد ( صلى الله عليه وآله ) ” الحسن ” ، وبمولده غمرت الفرحة قلب رسول الله ، وهو يؤذن في أذنه اليمنى ويقيم في أذنه اليسرى ويغمره بآيات القرآن .
وبعد عام وُلد الحسين ( عليه السلام ) , أراد الله أن تكون ذرّية رسوله محمد ( صلى الله عليه وآله ) من فاطمة ( عليها السلام ) .
واحتضن الرسولُ سبطيه يحوطهما برعايته ، وكان يقول عنهما : ” هما ريحانتاي من الدنيا ” .
كان يحملهما معه إذا خرج أو يُجلسهما في أحضانه الدافئة .
دخل رسول الله ذات يوم منزل فاطمة وكان الحسن يبكي جوعاً وفاطمة نائمة ، فأخذ إناءً وملأه حليباً وسقاه بنفسه ‘,ومرّ ذات يوم آخر أمام بيت فاطمة فسمع بكاء الحسين ، فقال متأثراً : ” ألا تدرون أن بكاءه يؤذيني ” , ومرّ عام جاءت بعده ” زينب ” إلى الدنيا ،,وهكذا أراد الله أن تكون ذرية الرسول في ابنته الوحيدة فاطمة الزهراء ( عليها السلام ) . . ذرّية بعضها من بعض والله سميع عليم ( ).
7.الوفاة
إن التاريخ شهد أحداثاً عدة حصلت للزهراء (ع) في الفترة الأخيرة المنتهية إلى وفاتها. كان قد دخلها حزن شديد إثر وفاة أبيها،ونقلوا بأنهم لم يروها تضحك بعد ذلك،ومن أهم الوقائع هي حادثة السقيفة، والإستيلاء على الخلافة، وتبعه غصب فدك والخطبة الفدكية التي ألقتها أمام الصحابة.
وتعرضت الى الاذى والاصابة على إثر ممانعتها من استجلاب علي (عليه السلام)لإرغامه على البيعة، وتسبب ذلك في إجهاضها.ثم عندما لازمت الفراش أوصت لعلي (ع) أن لا يشهد أحد جنازتها ممن ظلمها وأن لا يترك أن يصلي عليها أحد منهم وطبقاً لوصيتها، دفنها علي ليلاً ولم يعلم احدً بذلك بذلك،وقبضت يوم الثالث من جمادي الآخرة، سنة إحدى عشرة من الهجرة. وإن تعددت الأقوال في تحديد مدة حياتها بعد رسول الله( ).
المحور الثاني
الاستراتيجية والمدرك الاستراتيجي
1ـ الاستراتيجية
فالاستراتيجية (Strategy) مصطلح يوياني ويعني فنون الحرب وادارة المعارك.( ),وقد كثر استخدام كلمة استراتيجية في المعاهدات العسكرية وابتداءً من القرن التاسع عشر,وقد تطور مضمونها وزادت اهميتها بعد ان كانت حتى نهاية القرن الثامن عشرعن عبارة مجموع وسائل الخداع والتضليل التي يعتمدها القائد العسكري في مواجهة خصمه,فقد توسع في استخدام مصطلح الاستراتيجية في القرن العشرين وتعدى نطاق العمليات العسكرية في الحرب,ليصبح التعريف فيما بعد بانها (علم وفن وضع الخطط العامة المدروسة بعناية والمصممه بشكل متلاحق ومتفاعل ومنسق لاستخدام الموارد لتحقيق الاهداف الكبرى) ( )
وقد الحقت كلمة الاستراتيجية بالعربية كما هي بدون يتم تعريبها لسعت معانيها ومقاصدها وغموضها في بعض الاحيان كما كانت هناك محاولات عديدة لتعريفها حتى اطلق من حاول تعريفها برحلة صيد الاستراتيجية .( ) كما جاء تعريف الاستراتيجية في الموسوعة السياسية للكيالي بانها:علم وفن وضع الخطط العامة المدروسه بعناية والمصممة بشكل متلاحق ومتفاعل ومنسق لاستخدام الموارد المختلفة (مختلف اشكال الثروة والقوة) لتحقيق الاهداف الكبرى.( )
وقد مرمفهوم الاستراتيجية بتطورات واكبت دور الدولة,وتطور فكر القائمين عليها والباحثين الاكاديميين , اضحى مفهوم الاستراتيجية يعني بجانب كبير منه ذلك التدبير العلمي الشامل المستند الى قدرات الدولة,والذي يسعى لتحقيق اهداف محددة وباقل الكلف.ولانها كذلك ,فقد تخضع الاستراتيجية لتقييم حسب معدلات الانجاز المتحققه وبكلفها الفعلية ( ),أي انها كل التصورات والخطط والوسائل والافكار المتناسقة والمتكاملة التي من شانها تحديد وتحقيق المصالح الوطنية وتحقيق ميزات وقدرات تنافسية من منظور عالمي للدولة وموسساتها بصورة تمكنها من تحقيق غاياتها عبر احسن استغلال للفرص والموارد,وتستجيب عبرها للمخاطر والتهديدات ونقاط الضعف في البيئة المحلية والدولية,ويتم عبرها تحديد الرؤية والرسالة والغايات والأهداف الاستراتيجية للدولة.( )
لذلك تعرف الاستراتيجيةبانها(علم وفن استخدام الوسائل والقدرات المتاحة في أطار عملية متكاملة يتم اعدادها والتخطيط لها بهدف خلق هامش من حرية العمل تعين صناع القرار على تحقيق أهداف سياساتهم العليا في أوقات السلم والحرب)( ).
2ـ الثقافة الاستراتيجية للدولة
الثقافة الاستراتيجية لدولة ما,تعد منطلقا حيويا لفهم الاعمال والقرارات الممكنة لتك الدولة,لأن الثقافة الاستراتيجية هي (الاطار المنطقي الذي تناقش الدولة ضمنه الافكار الاستراتيجية,وتكمل صوغ قراراتها الدفاعية) ( ).ان الثقافة الاستراتيجية بعبارة عامة لبلد ما هي (منظومة عقائده المشتركة,وفرضياته,وانماط سلوكه,المستمدة من تجارب مشتركة وروايات مقبولة,تسهم في صوغ هوية جماعية وعلاقات بالجماعات الاخرى,وتحدد الغايات والوسائل المناسبة لانجاز الاغراض الامنية) ( ).
الاستراتيجية العليا
