
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان اللعين الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا ابي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين اللهم صلِّ على محمد وال محمد قال الله تبارك وتعالى في قضية النبي شعيب عليه السلام وقومه قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز تحكي الآية المباركة فصلا من فصول المواجهة المحتدمة بين النبي الكريم شعيب عليه السلام وقومه المعادين المعاندين الذين عجزوا عن مقرأة الحجة والبرهان بمثلها فتوجهوا إلى التكذيب والاستهزاء وإنكار الحقائق والتجاهل والاستصغار والتوهين ثم التهديد بالقاتل مما يكشف عن بعض ما كان يتعرض له الأنبياء والمصلحون الرساليون من الأذى والإهانة والمقاطعة والحصار قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول فاستخفوا بدعوته أولا واستهزأوا بها وادعوا أنها لغو وفارغة من المحتوى وهو كذب وافتراء منهم لأن النبي شعيب عليه السلام عرف بحججه البالغة وبيانه الفصيح الواضح حتى عرف بأنه خطيب الأنبياء وادعوا أن حججه غير مقنعة ولا تستحق الاهتمام والإصغاء وقالوا لا نجد مبررا لوعيدنا بالنار في الآخرة فنحن لم نرتكب خطأ حينما عبدنا الأصنام لأننا اتبعنا بذلك دين آبائنا ولارتكبنا جريمة حينما طففنا في الميزان وأخذنا أموال الناس ظلما لأنها أموالنا ولنا الحرية الكاملة في أن نفعل فيها ما نشاء فدعوتك يا شعيب إثارة للشغب والفتن والمشاكل والاختلاف في المجتمع الذي يريدونه على مقاساتهم وهدفهم خلق حاجز بين المصلح والناس حتى لا يستمعوا له فيقتنعون بدعوته المباركة ثم قالوا وإنا لنراك فينا ضعيفا لا تمتلك شيئا من أسباب القوة المادية التي يفهمونها ويعيشون من أجلها وليس لديك ما يدعون إلى الإذعان لك فالمال والسلطة وكثرة الآتباع والإعلام المؤثر والمكانة الاجتماعية بأيديهم أما شعيب فقد اتبعه المستضعفون الذين لم تملكهم الدنيا ثم قالوا ولولا رهطك لرجمناك لكن الذي يمنعهم من قتله بأقسى أنواع القتل وأشدها توهينا وهو الرجم مجاملة قومه الذين كانوا على دينه وخشية ردود أفعالهم ووصفوهم بالرهط ولولا رهطك لرجمناك والرهط هم الجماعة القليلة الذين لا يتجاوز عددهم العشرة للمبالغة في استضعافه عليه السلام والتقليل من شأنه ولولا مراعاة هذا الجانب فإن قتله عليه السلام يسير عليهم وهذا يكشف عن أهمية ودور الأتباع في حماية القادة الربانيين وردع الأعداء عن إلحاق الأذى به ثم قالوا وما أنت علينا بعزيز فهم يتعمدون توهينه واستضعاف أمره عند الناس ولا يبالون به ولا يقيمون له أي وزن ولا يخافون الله تبارك وتعالى فيه لأن مقاييسهم مادية محضة كما يقتضيه المنطق الجاهلي الذي يراعي حسابات المصالح الشخصية والفئوية ولو على حساب الحق روي عن أمير المؤمنين عليه السلام قوله في الآية فوالله الذي لا إله إلا هو ما هابوا جلال ربهم ما هابوا إلا العشيرة وهو الأمر الذي استنكره شعيب عليه السلام بقوة في الآية التالية قال يا قوم أرهطي ا عز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربي بما تعملون محيط وبهذه الأساليب الشيطانية الكاشفة عن الهزيمة والاندحار يقابل الطواغيت والمستكبرون والمعاندون الدعوات الإصلاحية للقادة الربانين دائما وعلى طول الزمان كما ينقل أرباب المقاتل أن جيش ابن مرجانة رد على الإمام الحسين عليه السلام لما خطب فيهم يوم عاشوراء بالحجج الدامغة قالوا نفس قول قوم شعيب ما ندري ما تقول وقال قائدهم الشمر هو يعبد الله على حرفٍ إن كان يدري ما يقول وهو نفس قول شعيب وهم فعلاً قد حُرِموا من فهم الكلام الناصح المثمر لأنه طُبِع على قلوبهم بالأغلاق وجعلنا على قلوبهم أكنةً يفقهوه وفي آذانهم وقرا وكان القادة الربانيون يسعون لإيجاد الناصر لحماية رسالتهم السماوية المباركة فدعوة الإسلام لما صدَع بها النبي صلى الله عليه وآله في مكة لم تكن قادرةً على الصمود والبقاء لولا الحماية التي وفَّرها عمه أبو طالب سيد البطحاء الذي اخترق أيضًا السدَّ الذي فرضته قريش دون رسول الله صلى الله عليه وآله فكان صوتًا له يُوصِل دعوته المباركة لهم وكانوا مضطرين للسماع من سيد البطحاء ثم التحق به عمُّه حمزة ذو البأس الشديد ولم تجرأ قريش على التفكير في قتل رسول الله صلى الله عليه وآله إلا بعد وفاة عمه روى الشيخ الكليني في الكافي بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام قال لما توُفِّي أبو طالب سلام الله عليه نزل جبرائيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يا محمد اخرج من مكة فليس لك بها ناصر وثارت قريش بالنبي صلى الله عليه وآله فخرج وروي عن النبي صلى الله عليه وآله قوله ما نالت قريش مني شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب فكان أبو طالب رضوان الله تعالى عليه الركن الشديد الذي يأوي إليه رسول الله صلى الله عليه وآله الذي ذكرته الآية الكريمة لو أنني بكم قوة أو أأوي إلى ركن شديد وكان بن هاشم الرهط الذي يردع الأعداء ولولا رهطك لرجمناك وكان القادة الربانيون يتمنون وجود المحامي والكفيل حينما يتعرضون للخطر كقول النبي لوط عليه السلام حينما هجم قومه على داره لأخذ ضيوفه من الملائكة قال لو أنني بكم قوة أو أأوي إلى ركن شديد روى الشيخ الصدوق بسنده عن الإمام الصادق عليه السلام قال ما كان قول لوط هذا إلا تمنيا لقوة القائم عليه السلام وما الركن إلا شدة أصحابه أيها الموالون الفاطميون حينما انقلبت الأمة على العقاب بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ونبذوا كتاب الله ووصية رسوله العظيم صلى الله عليه وآله خلف ظهورهم دعاهم أمير المؤمنين عليه السلام إلى نُصرته والرجوع إلى الحق وكانت السيدة الطاهرة فاطمة الزهراء ركنًا شديدًا يأوي إليه لما تمتلكه من قدسية وطهارة وصدق وحجة قوية ومكانة رفيعة في قلوب المسلمين شيدَها أبوها رسول الله صلى الله عليه وآله بكلماته المتواترة فاطمةٌ بضعةٌ مني وأنا منها فمن آذَاها فقد آذاني من آذاني فقد آذَى الله فاطمةٌ هي قلبي وروحي التي بين جنبي ونهضت السيدة الطاهرة الزهراء عليها السلام لنُصرة حجة الله تعالى وتحريض الأمة على التمسك بولاية أمير المؤمنين عليه السلام وحذَّرتهم من أن القعود عن نُصرة الحق خِذلانٌ له ونُصرةٌ للباطل تقول الروايات فلما رأى علي عليه السلام غدر الناس وتخاذلهم حمل فاطمة عليها السلام على دابةٍ ليلاً فجعل يمرُّ بها على مجالس الأنصار وبيوتهم فتُناشِدُهم الله وحقَّ رسوله صلى الله عليه وآله في بيعته وتطلُبُ منهم النُصرة على أمرهم فما كانوا يُجيبونها إلا بقولهم يا بنت محمد صلى الله عليه وآله قد بايعنا أبابكر ولو كان ابن عمك جاءنا قبل ذلك لما عدلنا به أحداً فيقول لهم علي عليه السلام أفكنت أترك جسد رسول الله صلى الله عليه وآله مُلقًا لا أُوارِيه وأخرُجُ أُنازِعُكم سلطانة وقالت عليه السلام وهي تُبيِّن أحقِّيَّة أمير المؤمنين عليه السلام في الخلافة وولاية أمور الأمة ويحَهم أنَّا زحزحُوها عن رواس الرسالة وقواعد النبوة والدلالة ومهبِط الوحي الأمين والطبين بأمر الدنيا والدين أي الخبير الحادق ألا ذلك هو الخسران المُبين ثم رمَت بطرفها نحو الأنصار باعتبارهم معروفين بمحبة أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله خلافًا لقريش التي حسدتهم وقد آوَوا النبي صلى الله عليه وآله ونصرُوه وهم يرَون بأعينهم الانحراف عن الحق الذي ضحَّوا دونه فقالت عليها السلام يا معشر النقيبة وأعضاد الملة وحضنة الإسلام ما هذه الغميزة في حقِّي والسِّنةُ عن ظلامتي أما كان رسولُ الله صلى الله عليه وآله أبي يقول المرءُ يُحفَظُ في ولدِه سرعانَ ما أحدَثتُم أنتم ذو العُدَّة أنتم ذو العدَد والعُدَّة والأدات والقوة وعندكم السلاحُ والجُنَّة تُوافيكم الدعوةُ أي دعوتُها لنُصرة أمير المؤمنين فلا تُجيبون وتأتيكم الصرخةُ فلا تُغيثون وأنتم موصوفون بالكفاح معروفون بالخير والصلاح وهكذا فقد أحبَّ أغلبُ القوم الراحة والدعَة والاستِكانة واعتراهم الكسل قالت عليها السلام ألا وقد أرى أن قد أخلَطتُم إلى الخفر وأبعَدتُم من هو أحقُّ بالبصط والقبض وخلَوتُم بالدعَة واستسلم جمعٌ منهم لعصبيَّته وحسَده وحُب الدنيا فخذَلُوه واستجابوا لدعوة الشيطان كما وصفتهم عليها السلام وأطلَع الشيطان رأسَه من مغرِزه أي مخبأه هاتفًا بكم فألفاكم لدعوته مُستجيبين وللغرَّة فيه ملاحظين ثم استنهَضَكم فوجَدكم خفافًا وأحمَشَكم فألفاكم غضابًا فالشيطان اتخذَهم جُندًا لتنفيذ مشروعه في إفراغ الرسالة الإلهية من مُحتواها وعزل القيادة الربانية الحقَّة وبذلك نبَّهتهم إلى أن اللامُبالات وفُقدان الغيرة على الدين سيُضيِّعُه ويُضيِّع معه كل جهودهم وجهادهم وتضحياتهم وعادت عليها السلام إلى دارها تشعُرُ بالخِذلان ويائِسةً من النُّصرة وقالت بألمٍ وحرقةٍ لأمير المؤمنين عليه السلام (حتى حبسَتني قيلةُ وهم الأنصار نصرَها والمُهاجرةُ أي قريش وصلتَها ولما جاءَها وجوه المُهاجرين والأنصار معتذرين قائلين يا سيدة النساء لو كان أبو الحسن ذكرَ لنا هذا الأمر من قبل أن يُبرَمَ العهد ويُحكَمَ العقد لما عدلنا إلى غيره فقالت عليها السلام مُوبِّخةً لهم لتُوقِظَ ضمائِرَهم وتُحي قلوبَهم إليكم عني فلا عُذر بعد تعذيركم وفي مصدرٍ فلا عُذر بعد غديركم ولا أمر بعد تقصيركم ولما أخذوا أمير المؤمنين عليه السلام للبيعة مُكرَها صابراً مُحتسباً إلى أجر خشية حدوث الفتنة ووقف أمام قبر رسول الله صلى الله عليه وآله شاكياً خِذلانَ الأمة وقلةَ الناصر وقال ما قاله النبي هارون عليه السلام يا ابن أم إن القوم استضعَفوني وكادوا يقتلونني أيها الأحبَّة إن السيدة الطاهرة فاطمة الزهراء رُكنُ الدين وكهفُ المسلمين جميعًا وهي وأولادُها المعصومون عليهم السلام يُخاطَبون في الزيارة بأنهم أركانُ المؤمنين لذا فإن استنهاضَ السيدة الطاهرة فاطمة الزهراء للأمة لنُصرة الإسلام المحمدي النقيِّ الأصيل والدعوة إلى رُكنه الشديد إلى أن يكون الرُكن الشديد الذي يمنع العدو من مهاجمته لا يقتصر على تلك الفترة الزمنية وإنما هي عليها السلام تُخاطِب الأجيال جميعًا لأن حرب أعداء الإسلام مفتوحة وقد اشتدت في زماننا الحالي وبكل الأساليب الخشنة والناعمة ومنها التشويه والتسقيط والإفتراء والمطف والخداع والتضليل والتفاهة والانحدار الأخلاقي واستخدام الوسائل الجاذبة التي تحجُب العقول وتُثير الشهوات وتلهب العواطف فتريدُ عليها السلام منكم أن تكونوا رهطَ الإسلام الذي يخشاه الأعداء ولولا رهطُك لرجَمناك وأن تكونوا رُكنَه الشديد الذي يأوي إليه أو أأوي إلى رُكنٍ شديد وإنما يتحقَّق ذلك بالإخلاص لله تبارك وتعالى والتجرُّد من الآنانيات والوعي والبصيرة والصبر والمُصابرة والعفاف في كل مظاهر السلوك والمُرابَطة في كل ساحات المواجهة الفكرية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية والجِدِّ في الأمر بكل معروفٍ وخير والنهي عن المُنكرات الفردية والاجتماعية والتواصِي بالحق والتواصِي بالصبر وإقامة الشعائر الدينية النقية ومن أهمها هذه الزيارة الفاطمية المُباركة والالتفاف حول القيادة الربانية العاملة المُخلِصة فإنه كما يجب على القادة الربانيين النُصح للأمة وبذل الجُهد في هداية الناس وإصلاحهم وتحرِّي مصالحهم فإنه يجب على الأمة نُصرتهم وأن يكونوا الدرع الواقية لحمايتهم لأن الأعداء لا يخشون العلماء بأشخاصهم وإنما يخشون من وجود قاعدةٍ شعبيةٍ مُخلِصة وفيَّةٍ تُحيطُ بالقائد وتحميه نتيجةً لما يمتلكُه من تأثيرٍ ومحبةٍ في قلوب الناس ولولا هذه القاعدة الواسعة من الأتباع والمريدين لما تأخروا لحظةً في استئصالهم معنويًا أو ماديًا أي تسقيط الشخصية أولاً ثم قتل الشخص لذا فإنهم يتحرَّشون بهم أولاً من بعيد ليرَوا ردود أفعال الأمة فإن وجدوها ميتًا ومعدومة التأثير أقدموا على فعلتهم الشنيعة في القضاء على القادة الربانيين وهذا ما عُشناه عن قرب في حياة السيدين الشهدين الصدرين قدَّس الله روحيهما وإن وجدوا الأمة مُلتفَّةً حول قادتها مُدافعةً عنهم واعيةً لمشروعهم تراجعوا خوفًا على مصالحهم وإن نُصرة العلماء وحمايتهم لها مظاهر عديدة واحد بأن يُوصِلوا صوت القائد الرباني ويُبيِّنوا مواقفه ويُدافعون عن آرائه ويردُّون الشُّبُهات عنه كما قال الإمام الرِّضا عليه السلام في شرح معنى إحياء أمرهم يتعلمون علومنا ويعلمها الناس فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لتتبعونا وإن تهميش القادة الربانيين يبدأ من تجاهل فكرهم ومشاريعهم ثانيًا تصدِّي النُّخَب العلمية الخبيرة لبيان مُؤهِّلات القائد واجتماع شروط القيادة فيه ثالثًا حماية مشروعهم الرسالي والالتزام به فما قيمة أتباع غير مُلتزمين بالمنهج إن انحراف الناس يؤدي إلى عزل القائد بسهولةٍ ومحاصرته أربعًا الهمَّة والنشاط في تنفيذ المشروع الرسالي وإقامته على أرض الواقع وتفعيل مؤسساته المتنوعة التي تغطي ساحات العمل وأن لا يدَّخروا جهدًا في ذلك فإن قوة تأثير القائد تُقاس بمدى فاعلية أتباعه في المجتمع وإن العدو إذا رأى تقاعس الأتباع تجرَّى على قائدهم اللهم صلِّ على محمد وآل محمد واجعلنا من المُتأسين بسيدة الطاهرة فاطمة الزهراء في كل خير واجتناب كل سوء حتى نحظى بشفاعتها ومرافقة أبيها وبعلها وبنيها صلوات الله عليهم أجمعين والسلام عليكم جميعًا ورحمة الله وبركاته .