مختارات من كلمات الإمام الخامنئي حول عظمة السيدة فاطمة الزهراء(عليها السلام)/ دار الولاية

11 أبريل، 2026
47

“فاطمة الزهراء(عليها السلام) شخصية عظيمة من المرتبة الأولى في الإسلام، بل من المرتبة الأسمى على مدى التاريخ، كما نقل عن رسول اللّه(صلى الله عليه وآله) أنه قال لها: «أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء العالمين؟»([1]) فسألته سلام اللّه عليها: «فكيف مريم؟» وقد قال القرآن أنها سيّدة النساء، فقال لها: “إنّ مريم كانت سيّدة نساء زمانها، وأنتِ سيّدة نساء الأولين والآخرين”([2]).

 ولو توضّحت شخصية فاطمة الزهراء(عليها السلام) لأذهاننا البسيطة وأنظارنا التي لا تبصر إلاّ القريب، لآمنّا نحن أيضاً أنها (عليها السلام) سيّدة نساء العالم أجمعين.

 إنّها المرأة التي بلغت في عمرها القصير مراتب معنوية وعلمية توازي مراتب الأنبياء والأولياء.

 والواقع أنّ فاطمة فجر ساطع انبلجت من جنبة شمس الإمامة والولاية والنبوّة، وهي سماء عُليا ضمّت بين جوانحها كواكب الولاية الوضّاءة.

 وكان الأئمة (عليهم السلام) بأجمعهم يولونها تكريماً واحتراماً قلّما كانوا يولونه لشخص آخر([3]).

 التعمق في معرفة أهل البيت(عليهم السلام):

 “فاطمة الزهراء (عليها السلام) كلمة الله الزاخرة بالمضامين وهي كالبحر اللجّي العميق. كلما غار فكر الإنسان وذوقه والمواهب الدقيقة لأصحابها (المواهب في هذا المجال أكثر) وكلما تدبّر وتأمل أكثر، كلما حصل على جواهر أكثر.

 طبعاً، توصيتنا الدائمة هي أن يكون التعمق في بحار النور والمعنوية هذه بمساعدة أحاديث أهل البيت.. فلنأخذ معرفتهم منهم. لنجعَلَهم هم يُعَرِّفون أنفسهم. لنتأمل وندقق كي نفهم هذه الكلمات والمعاني بنحو عميق”([4]).

 أهل البيت (عليهم السلام) لجميع المسلمين:

 ينبغي أن لا يتصور أحد أن أهل بيت النبي هم للشيعة فقط، كلا، إنهم لكل العالم الإسلامي. من ذا الذي يرفض فاطمة الزهراء (عليها السلام)؟ ومن ذا الذي يرفض الحسنين ‘ سيدي شباب أهل الجنة؟ من ذا الذي يرفض أئمة الشيعة الأجلاء؟ البعض يعتبرونهم أئمة واجبي ومفروضي الطاعة والبعض لا يعتبرونهم كذلك، لكنهم لا يرفضونهم. هذه حقائق يجب فهمها وتكريسها. البعض طبعاً لا يفهم هذا وتستفزّه تحريضات الأعداء وهو يحسب أنه يحسن صنعاً… {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}([5]). يتوهمون أنهم يفعلون خيراً وهم في غفلة عن أنهم إنما يعملون للأعداء. هذه خصوصية زماننا([6]).

 الولادة والمقام المعنوي:

 «ولدت بنت النبي(صلى الله عليه وآله) الكريمة في السنة الخامسة للبعثة طبقاً للقول المشهور، وعلى هذا فإن عمر فاطمة الزهراء(عليها السلام) حين الاستشهاد كان 18 عاماً. وقيل إنّ ولادة هذه السيّدة الكريمة كانت في السنة الثانية أو السنة الأولى للبعثة، فيكون الحدّ الأكثر لعمرها 22 أو 23 عاماً.

 ولو أخذتم جميع القيود التي يمكن أن تحيط بالمرأة ـ خاصّة في تلك الفترة حيث كانت القيود أكثر – فعند ذلك ترون العظمة التي أثبتتها هذه السيدة المكرّمة في تلك الظروف وخلال هذا العمر القصير، وبالطبع إنّني لا أتمكّن أن أتكلّم عن الجوانب المعنوية والروحية والإلهية لتلك السيدّة الكريمة، فأنا أصغر من أن أُدرك تلك الأُمور، وحتّى لو استطاع شخص إدراك ذلك فإنّه لا يستطيع وصفها وبيانها كما هو حقّها، فتلك الجوانب المعنوية هي عالم آخر»([7]).

 معجزة الإسلام:

 «إنّ الإنسان كلّما فكّر وتدبّر أكثر في أحوال الزهراء الطاهرة(عليها السلام) يحتار أكثر، وحيرة الإنسان ليست ناجمة عن كيفية تمكّن هذا الكائن الإنساني من نيل هذه الرتبة من الكمالات المعنوية والمادّية في سني الشباب ـ وهي بالطبع حقيقة تثير الحيرة أيضاً ـ بل من القدرة العجيبة التي استطاع الإسلام بها أن يبلغ بتربيته الرفيعة إلى درجة تُمكّن امرأة شابّة كسب هذه المنزلة العالية في تلك الظروف الصعبة.

 فعظمة هذا الكائن وهذا الإنسان الرفيع تثير العجب والحيرة، وكذلك عظمة الرسالة التي أظهرت هذا الكائن عظيم القدر وجليل المنزلة»([8]).

 «إنها لمعجزة الإسلام، وإنها فاطمة الزهراء(عليها السلام) التي نالت مقاماً رفيعاً وباتت سيدة نساء العالمين رغم سنوات عمرها القصيرة، وفاقت جميع النساء عظمة وقدسية في تاريخ الإنسانية. فما هي تلك الطاقة، وما هي تلك القوة الباطنية العميقة التي استطاعت خلال مدة قصيرة أن تجعل من هذا الإنسان محيطاً لا حدود له من المعرفة والعبودية والقداسة والكمال المعنوي؟.

 إنّ هذه بحد ذاتها هي معجزة الإسلام»([9]).

 المقام المعنوي للزهراء(عليها السلام):

 قد روي عن الإمام الصـادق(عليه السلام) أنّه قال: «إنّ فاطـمة كـانت مُحَـدّثة»([10])، أي أنّ الملائكة كانت تنزل عليها وتأنس معها وتحدّثها، وهناك روايات عديدة في هذا المجال([11]).

وإنّ كونها محدّثة لا يختصّ بالشيعة فقط، فالشيعة والسنّة يعتقدون أنّه كان هناك أشخاص في صدر الإسلام- أو من الممكن وجودهم- كانت تحدّثهم الملائكة، ومصداق هؤلاء في رواياتنا هي فاطمة الزهراء(عليها السلام)([12]).

وقد ورد في هذه الرواية عن الإمام الصادق(عليه السلام) بأنّ الملائكة كانت تأتي فاطمة الزهراء(عليها السلام) وتتحدّث معها وتقرأ عليها آيات الله.

وكما أنّ هنـاك تعبيراً في القرآن حول مريم(عليها السلام) في الآية: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾([13])، فإن الملائكة كانت تخاطب فاطمة الزهراء(عليها السلام) وتقول: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ».

 ثمّ يقول الإمام الصادق(عليه السلام) في هذه الرواية بأنّ الملائكة في إحدى الليالي كانت تتحدّث مع فاطمة(عليها السلام) وكانت تذكر هذه العبارات، فقالت فاطمة الزهراء(عليها السلام) لها: «أليست المفضّلة على نساء العالمين مريم»؟ فقالت الملائكة لفاطمة الزهراء(عليها السلام): “إنّ مريم كانت المفضّلة على النساء في زمانها وفاطمة مفضّلة على النساء في كلّ الأزمنة من الأوّلين والآخرين”.

 فأيّ مقام معنوي رفيع هذا؟.

 إنّ الإنسان العادي مثلنا لا يمكنه أن يتصوّر في ذهنه هذه العظمة والدرجة.

 وقد روي عن أمير المؤمنين(عليها السلام) أنّ فاطمة الزهراء(عليها السلام) قالت له بأنّ الملائكة تأتي وتتحدّث معها وتقول لها بعض المسائل، فقال لها أمير المؤمنين(عليه السلام) بأن تخبره عندما تسمع صوت الملك حتّى يكتب ما تسمع، فكتب أمير المؤمنين ما أملته الملائكة على فاطمة الزهراء(عليها السلام) وأصبح هذا كتاباً موجوداً لدى الأئمة(عليها السلام) اسمه (مصحف فاطمة)([14]) أو (صحيفة فاطمة).

 وقد جاء في روايات عديدة أنّ الأئمة (عليهم السلام) كانوا يراجعون (مصحف فاطمة) في مسائلهم المتنوّعة، ثمّ قال الإمام(عليه السلام): «إنّه ليس فيها حلال وحرام، فيها علم ما يكون»([15]).

 فأيّ علم رفيع هذا؟ وأيّة معرفة وحكمة ليس لها نظير هذه التي أعطاها اللّه تعالى لإمرأة في سنيّ الشباب؟.

 هذا هو المقام المعنوي للزهراء(عليها السلام).

 إنّ هذه المسائل المعنوية لها ارتباط كبير بالفضائل العملية، ارتباط بما ينجم عن جهد فاطمة الزهراء(عليها السلام) وهذا المقام لا يُعطى مجّاناً وبلا سبب، فعمل الإنسان له تأثير كبير في إحراز الفضائل والمناقب المعنوية”([16]).

 مقام الصديقة الطاهرة (عليها السلام):

 وأما بالنسبة إلى مقام الصدّيقة الطاهرة (عليها السلام) فإن لساننا قاصر عن بيانه، وليس بالإمكان وصف شأنها، لخروجه عن حدود قوالبنا البيانية، ولكن بالإمكان تقريب المعاني إلى الأذهان بلغة الفن، وهذا هو الذي يجعلني أُصرّ على المدائح والقصائد الإسلامية، فلا يمكن بلوغ حقيقتهم في مقام التوصيف، ولكن يمكن الاقتراب من هذه الحقيقة بواسطة التحليق بأجنحة الفن.

 وطبعاً يمكن للذين يطهّرون أفئدتهم وينزّهون أعمالهم، ويسلكون طريق التقوى، ويبتعدون عن الأدران المحيطة بأمثالي أن يشاهدوا تلك الحقيقة، إلاّ أنّ هؤلاء أيضاً لا يمكنهم وصف ما يشاهدون من الحقائق والأنوار المقدسة لأهل البيت (عليهم السلام) ومنهم الصديقة الكبرى (عليها السلام).

 ولدينا شواهد على ذلك، فإن ما نقل عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) قوله: “فداها أبوها”([17])، أو قيامه لها حينما تدخل عليه([18])، من الشواهد على عظمتها.

 كما أنّ نظرة العالم الإسلامي- من الشيعة والسنة على السواء- إلى هذه السيدة العظيمة بالجلال والتكريم من الشواهد على ذلك أيضاً؛ إذ لا يمكن لجميع العقلاء والعلماء والمفكرين مع اختلاف عقائدهم أن يجتمعوا طوال التاريخ على مدح شخص إلاّ لعظيم وصف ذلك الشخص.

 وجميع هذه العظمة تتمحور في سيدة شابّة لا يتجاوز عمرها ثمانية عشر ربيعاً، وإنّ أطول عمر ذكرته التواريخ لنا كعمر لفاطمة الزهراء(عليها السلام) يتراوح بين ثمانية عشر إلى اثنين وعشرين سنة.

 ومن خلال تكريم أمير المؤمنين (عليه السلام) لها، وما ورد في شأنها من الروايات والأحاديث ندرك العظمة التي تموج في كلمات الأئمة الأطهار بحق الزهراء (عليها السلام)، فإن كل واحد من الأئمة يعد بحراً متلاطماً من المعرفة التي تروي عطش البشرية وتنعشها، وإنّ جميع هذه المنابع تصدر من عين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وإنّ روايات الصادقين، وعظمة الإمام موسى بن جعفر والرضا والأئمة من بعدهم إلى الحجة المنتظر(عليهم السلام) ما هي إلاّ ينابيع لذلك الكوثر الذي لا ينضب.

 هذه هي عظمة الزهراء التي أردنا جعلها أسوة لنا، فهي امرأة شابّة تعيش حياة بسيطة وتلبس ثياب الفقراء وتقوم بإدارة بيتها ورعاية أولادها، ومع ذلك فهي جبل عظيم من المعرفة وبحر زاخر من العلم”([19]).

التصنيفات : المقالات | مقالات أخرى