من بحوث المسابقة البحثية السنوية الثامنة/  التماسك الإجتماعي في البيت الفاطمي / أ . م . د . سحر ناجي فاضل المشهدي.

2 مايو، 2026
3

 التماسك الإجتماعي في البيت الفاطمي

أ . م . د . سحر ناجي فاضل المشهدي

الكلية التربوية المفتوحة / مركز النجف

07816034857

Sahar.naji.175@gmail.com

الملخص :

  تعدُّ الأُسرة النواة المجتمعية الاولى للفرد قبل أن يمتزج مع المجتمع وهي الحجر الأساس في بناء وتربية الفرد، فقد مثّلت بيوت الصالحين أنموذجًا فريدًا للتماسك والتلاحم ومواجهة المغريات الواقعية ، وخير مثال لذلك بيت سيدتنا الزهراء الذي أنشأ مجتمع أهل البيت ( عليهم السّلام)  وقد وصف القرآن الكريم في بيوتهم بأنّها البيوت التي أذن الله أن تُرفع؛ ولما لمولاتنا الزهراء( عليه السّلام ) من مكانة سامية ستتركز دراستنا في بيت سيدتنا الزّهراء ( ع )؛ فربُّ البيت عليٌّ وسيدته الزهراء( عليهما السّلام )، وأولاده الحسن والحسين وزينب الذين اختصّ بهم ( حديث الكساء )، فقد راعى حقوق الانسان وأُولاها حق الأم حق الأب وحق الأبناء وتسير دراستنا على وفق المنهج الوصفي .  

الكلمات المفتاحية : التماسك الاجتماعي ، المجتمع ، بيت فاطمة الزهراء( ع)

                                                                                ABSTRECT

 The family is considered the first societal nucleus of the individual before he blends with society, and it is the cornerstone in building and raising the individual. The homes of the righteous represented a unique model of cohesion, cohesion, and confrontation of realistic temptations. The best example of this is the house of Our Lady Al-Zahra, which established the community of Ahl al-Bayt (peace be upon them). The Holy Qur’an has described In their homes, they are the homes that God has permitted to be raised; Due to the lofty status of our Lady Al-Zahra (peace be upon her), our study will focus on the house of our Lady Al-Zahra (peace be upon her). The master of the house, Ali, his lady Al-Zahra (peace be upon them), and his children Al-Hasan, Al-Hussein, and Zainab, whom he singled out (the hadith of clothing), took into account human rights and prioritized the right of the mother, the right of the father, and the right of the children, and our study proceeds according to the descriptive approach.

المقدمة :

  تعدُّ الاسرة اللبنة الاولى للفرد التي تحمي الإنسان من الوقوع في الزلل، وفيها تتحقق مفردات النمو الإجتماعي، ويرتبط الأفراد من خلال العلاقات الإنسانية بين أفراده أوّلاً ثم محيطه الخارجي ثانياً؛ ففي الزواج تتحقق مجموعة من القواعد والاسس التي من دونها تتوقف تلك الحياة؛ ويفشل بيت الزوجية وينهار؛ لأنَّ الأساس فيها المحبة والمودة وتحقيق السَّلام والأمان ـ

 وحين تتشكل الأُسرة تتسع العلاقات تدريجياً، وقد حثَّ ديننا الحنيف على الزواج المبكر؛ لأنَّ فيه عقد إلهي وتربية وتهذيب الأبناء تنطلق فيه أساساً لبناء صالح في المجتمع؛ إلا أنَّ هنالك ضرورات معينة لاستمرار هذه الحياة المشتركة، وعن إمامنا الرضا(عليه السلام):” إنّ الأبكار من النساء بمنزلة الثمر على الشجر، فإذا أينع الثمر، فلا دواء له إلاَّ اجتناؤه وإلاّ أفسدته الشمس وغيّرته الريح”([1]).

  ولما لمولاتنا الزهراء من مقام عالٍ لم ترقَ إليه أيّاً من بنات الأنبياء والأوصياء، إذ  نشأت في حضن النبوة والوحي، وأشبهتْ أباها خَلقاً وخُلُقاً، ومرتبتها القدسية التي اختصها بها الباري حين وقفت مساندة لأبيها في صعاب الحياة وبؤسها، وهي ثالثة أهل الكساء، وقد ذكرها اللّه ( سبحانه وتعالى ) بقوله: ” إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا سورة الأحزاب: 33 وانفردت لذكرها سورة الكوثر؛ لقوله تعالى:” إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَسورة الكوثر:1 .

 واختصّت سورة الفجر لذكرها، وذكر أهل بيتها( عليه السّلام ):” وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ.وَالشَّفْعِ وَالْوَتْر وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ” سورة الفجر: 1ـ 5

  وهي إحدى النساء الأربعة اللواتي ذكرهنّ القرآن الكريم، وأفرد لهنّ لقب ( سيدات أهل الجنة ) قال النبّي( صلى الله عليه وآله ):” أفضلُ نساء أهل الجنة أربع: خديجة بنت خويلد، وفاطمةُ بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم إمرأة فرعون”([2])، وهناك من يشكّك في بعض الالفاظ الواردة في عبارات الحديث ؛ إلا إنَّنا نقول : أن نساء الجنة لم يكُنَّ إلاّ المؤمنات والقديسات الطاهرات وفاطمة الزهراء سيدتهنَّ كما هي سيدتهن في الدّنيا؛ فليس بغريب على سيدة نساء أهل الدّنيا والجنّة أن يمثّل بيتها كلُّ سمات التماسك والتكامل الاجتماعي.

المبحث الأول : التماسك الاجتماعي ( تعريفه و أبعاده ) :

  1. التماسك الإجتماعي :

نلمح في مفهوم التماسك دعوة إلى التآزر والتعاون والتضامن سواء أكان فيما بين أفراد المجتمع أو أفراد مجتمعات مختلفة، وله أبعاد متنوعة، وهو عامل مهم من عوامل قيام المجتمعات؛ فتنسج هيكلاً متضامناً يحقق أهداف متكاملة لها دورها البارز في المجتمع.

 ويعدُّ التماسك الاجتماعي من المواضيع التي تدرس في علم الاجتماع والانثروبولوجيا وعلم النفس فالتفاعل فيه بين الأفراد والمؤسسات بشكل مستمر، وقد عُرّف بتعريفات متعددة ومنها: وجود صلة تجمع بين الأفراد وتؤثر في سلوكهم. لها دلالات تأثيرية ([3]).

 والتماسك مصدر مشتق من الفعل( مسك )، و في أُصوله يقول ابن فارس ( ت 395 هـ):” الْمِيمُ وَالسِّينُ وَالْكَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى حَبْسِ الشَّيْءِ أَوْ تَحَبُّسِهِ.” ([4]) .

 ويعني الترابط بين أجزاؤه بعضها مع بعض.

 والتماسك الإجتماعي يعني ترابط الأجزاء فيما بين أفراد المجتمع الواحد ،ـــ وعلى سبيل المثال لاالحصر ـ التماسك فيما بين الفريق الواحد الرياضي فيتوحدون فيما بينهم في الترابط والاستمرار والالتصاق، ونظرياته كثيرة ومتنوعة، وأولُّ من استعمله العالم ( اميل دوركهايم ) فرأى فيه الاعتماد على طبيعة الجماعات ولمجتمعات أو فئات معينّة؛ فتؤثر تأثيراً كبيراً على سلوك الأفراد في تماسكهم و وحدتهم لمصالح عامّة، وينجذب الفرد إلى سلوك جماعته ومنها( أخلاق وعادات وتقاليد )([5]).

 وقد أضحى من خصائص المجتمع الإيجابية؛ فقد تكون الجماعات مفككّة أو منظمة؛ فالمنظمة فيه تحافظ على الهوية الوطنية، وتوجد منظومة من القيم، و المعايير، وروح المسامحة التي تخلق التعايش السلمي.

ومن أبعاد هذا التماسك ( التعاون والتضامن والاندماج و التكامل والتوافق )([6]) .

 وحثّ الإسلام على إشاعة الفضيلة والآداب بين المسلمين وأمرهم بالتودّد والتآلف إلى بعضهم؛ فالإسلام يوجب التماسك الإجتماعي ويقويّه، وكان من اهتمامه بذلك أنّه جعله في الأهمية بعد الإيمان باللّه؛ فالإيمان عنصر أساسي من عناصر التماسك الاجتماعي؛ فهو يدفع أفراد المجتمع نحو التعاون والتفاهم ويبعدهم عن التشاكل و التفرق والتنازع.

 ومن المعطيات الإيجابية التي تساعد على إيجاده  (الإيمان والكفر)، ونجدُّ نتائج عديدة، ومن بينها ( الأخاء والاحترام والنصيحة زيادة على تواجد القيادة المناسبة)؛ أما في ديننا الحنيف فقد ورد اصطلاح التماسك كثيراً بمعنى التراحم والصلة بين الناس،ويبدو ذلك واضحا ًفي قولهِ تعالى ﴿ إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ﴾ سورة الحجرات: 10 .

وكلمّا يكون المجتمع متراحما يكون قويا ًومتماسكاً، وكلمّا كان مفككاً يكون ضعيفاً في التصّدي للعدو؛ لأنّ دعائمه وأسسه استهلكت([7]).

   إنَّ تعاليم أهل البيت ( عليهم السّلام ) التي تمثلت في مدرسة الإمام الصادق ( عليه السلام ) تؤكد على ضرورة التماسك الاجتماعي، والابتعاد عن العوامل التي تضعف هذا التماسك؛ ولما كانت صفة المسؤولية الإجتماعية هي التعبير عن الاهتمام بالآخرين فقد أكدّ أهل البيت (عليهم السّلام ) على ضرورة تعزيز هذا التماسك، وهو مظهر في شخصية المسلم.

 فقد حرص الإمام علي بن أبي طالب( عليه السّلام ) على تربية أفراد بيته ومن ثمّ مجتمعه الإسلامي ثم المجتمع بأكمله مما يوجب اليقظة والشعور بالمسؤولية، وهذا يتوافق مع ما ورد في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، قال رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ):” كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرآة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته”([8]).

 ومن هنا نجد في التماسك قوة خلقية وروحية يزهو بها المجتمع انطلاقاً من اللبنة الأولى للانسان، وهي البيت والاسرة والعائلة ثم الإنطلاق إلى المجتمع بأكمله بما فيه من أقارب وأرحام، ثم الجيران والأصدقاء وانتهاء بالمجتمع بأكمله .

 ونقف الآن وقفات قصيرة وسريعة لاستعراض مارسمته الزهراء( عليها السّلام ) من صور هذا التماسك ؛ فقد حملت مسؤوليات كبيرة في قيادة المجتمع ؛ من خلال تربية أبناءها وهم القدوة الفاعلين في المجتمع الإسلامي .

  • السيدة الزهراء ( عليها السّلام ) أنموذجاً لبناء الأسرة المتكاملة

 حققت السّيدة الزهراء ( عليها السّلام) أنموذجاً فريداً في بناء الأسر المتكاملة، وكانت صمام الأمان للإمام علي (عليه السّلام)في السّراء و الضّراء؛ فكان بيتها بعيداً عن الإضطرابات السلوكية التي يشهدها المجتمع الحالي ؛ فلا خلل ولاضعف بين أفراده؛ بل نجدُّ فيه القيم الروحية والتربوية العالية رغم ورود العديد من الروايات التي تؤكد زهده .

  لقد تحقق في مصاهرة الإمام علي ( عليه السّلام ) من النبِّي الكريم مقررات كثيرة وتجلّت في مراسم عقد زواج أمير المؤمنين والزهراء ( عليها السّلام ) دروساً تربوية وأخلاقية؛ ففي المصاهرة إلحاق بالنسَّب والصهر وتكوين لاسرة مثالية، وفيها بناء لأفراد اسرة واحدة([9]) .

 لم يكن مهر الزهراء كمهر غيرها من النسّاء؛ ويكفي في فخرها ذكر المصادر السنية التي تروي لنا هذه الأحداث؛ ويروى عن الرسول ( صلّى اللّه عليه وآله ) دخل عليها مخاطبا لها :” إن ابن عمك قد خطبك … والذي بعثني بالحق ماتكلمت في هذا حتى أذن الله فيه من السماء ،فقالت فاطمة : رضيت بما رضي الله لي ورسوله فخرج من عندها”([10]).

 فرجع إلى الإمام علي ( عليه السّلام )، وقال:” هل عندك من شيء تستحلها به؟ قلت : لا والله يارسول الله، فقال: مافعلت الدرع التي سلَّحتكها، فقلت: عندي، والذي نفس علي بيده إنّها لُحطَمِيَّة ماثمنها أربعمائة درهم، قال: قد زوَّجتُكها، فابعث بها”([11])؛ فكان مهرها وصداقها من الله ( ارض فدك والجنة والشفاعة )([12])، ونثارها شجرة طوبى، وسدرة المنتهى ونثارها اشجار الجنة؛ فسارت الملائكة في زفافها.

إن أصالة الأسرة في عهدة المرأة وخير مثال لتلك الاسرة البيت الفاطمي العلوي. وتعدّ المرأة الركن الأساس فهي من تؤلف بين الرجل والمجتمع، و الأفراد الذين يولدون فيما بعد. فتستقطب الرجل و تزرع فيه العاطفة والحنان والأمان ،وتبدأ معه في تكوين اسرة وأرحام ،وبهذا فإنّ دور المرأة ايجاد الترابط الرحمي بين الأقارب إضافة إلى رابطة الرحم بين الأعضاء النسبيين للاسرة الواحدة، ولاينكر دورها في إيجاد الإرتباط الرحمي بين الأقارب السبيين أيضا “([13])

قال تعالى:” وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون” سورة الروم /21

 إنَّ التنبّيه على جمال المرأة يتحقق في عقلها، فالتجمل سمة من أخلاق المؤمنين قال( عليه السّلام ) : “عقول النساء في جمالهن و جمال الرجال في عقولهم “([14])، والمعنى: أمري ليس بوصفي فعلى المرأة أن تظهر الحكمة في الفن،و على الرجل أن يظهر الفن، والحكمة فجلال المرأة ( جمالها )، وجمال الرجل ( جلال )، وهذه المعادلة تعني: إرشاد وأمر عملي لكلِّ منهما فكل منهما لديه عمل خاص ومراعاة حقوق الأرحام وأوُّلها حقُّ الأمِّ ثم الأب.

 يقول الإمام زين العابدين( عليه السّلام ):” وأوجبها عليك حقوق أئمتك ثم حقوق رعيتك ثم حقوق رحمك، فهذه حقوق يتشعب منها حقوق فحقوق أئمتك ثلاثة أوجبها عليك حق سائسك بالسلطان ثم سائسك بالعلم، ثم حق سائسك بالملك وكل سائس “([15])

 وعن أبي ذر الغفاري قوله :” بعثني النبي أدعو علياً فأتيت بيته وناديته فلم يجبني فأخبرت النبي، فقال عد إليه فإنه في البيت ،فأتيت ودخلت عليه فرأيت الرحى تطحن ولا أحد عندها فقلت لعلي: إن النبي يدعوك فخرج متوشحا حتى أتى النبي ص فأخبرت النبي بما رأيت فقال:” ياأبا ذر لا تعجب فإن لله ملائكة سياحون في الأرض موكلون بمعونة آل محمد “ ([16])

 وفي رواية للحسن البصري قوله “وجدت فاطمة نائمة والرحى تدور، فأخبرت رسول الله بذلك فقال :” إن الله علم ضعف أمته فأوحى إلى الرحى أن تدور فدارت “([17]).

  ويكفي في فخر سيدة النسّاء أن ورد اسمها( عليها السّلام ) في قصائد خاصّة في مديح أهل البيت وهي قصائد (الغدير ) للشعراء الشيعة ومما جاء منها :

قصيدة المتنبي التي يمدح بها طاهر بن حسين العلوي فيقول:

كذا الفاطميون الندى في أكفهم       أعز انمحاء من خطوط الرواجب([18]) .

 ويقول الخطيب المنبجي وهو من شعراء أهل البيت([19])، فيرسم صورة مجيء الرسول إلى بيتها فيقول:

وزارَ البِّرة الزهراء يوماً         رسول للله خير الزائرينا

فجاءت توقظ الهادي علياً     وكان موسداً في النائمينا ([20])

ويقول ايضا في مدحها :

توافي في النشور على نجيب         به أملاك ربك محدوقونا

ويسمع من خلال العرش             ينادي والخلائق شاخصونا

إلا انَّ البتول تجوز فيكم            فغضوا من مهابتها العيونا

وكان الله يرضى حين ترضى       ويغضب ان غدت في الغاضبينا

وقال محمد بن علي الرازي ( ت 405 ه) :

وأزهر من بني الزهراء يرنو     إليَّ كما رنا الظبي الكحيل ([21]).

المبحث الثاني : البيت الفاطمي مثال للبيوت الصّالحة

  1. معنى البيت( لغة وإصطلاحاً ) :

 يطلق لفظ ( البيت ) في القرآن الكريمعلى كلّ بيت صالحٍ وخيرٍ مثال له بيت النبّوة وآله من بعد فيعدُّ أنموذجاً للعلاقات الإجتماعية الناجحة، وقد تكرر هذا اللفظ في ( أربع و سبعين ) موضعاً من القرآن الكريم([22]) .

  ويحمل البيت في دلّالاته اللغوية معاني المآب والمأوى والملجأ ولمّ الشمل ، وأصوله واحدة؛ فالباء والياء والتاء هو المأوى والمآب ومجمع الشّمل ، وجمعه بيتٌ و بيوتٌ وأبياتٌ، وبيت الشعر على التشبيه؛ لأنّه مجمع للالفاظ والحروف مع الوزن ([23]).

 وبيت الشِّعر مازاد على طريقة واحدة يقع على الكبير والصغير ، وهو مأوى الانسان بالليل ، وبات أقام بالليل ، وقد يقال للمسكن بيتٌ من غير عد الليل فيه ، و الأخصُّ جمعه على بيوت([24]).

وأصله من بيت الشَّعر أو الصّوف سُمِّي به ؛لأنه يبات فيه ثم اُستُعير لفرشه وهو معروف وجمعه بيُوتاتُ يختصّ بالأشراف([25])

   والبيت هو المسكن وفرش البيت: الكعبة والقبر وبيت الله : المسجد، وبيت الرجل :إمرأته وعياله([26]) ويصدق القول على كل ما اتخذ منه من حجر أو مدر أو صوف أو وبر وبيت الله والبيت العتيق و بيوت النبي ذكرت في القرآن الكريم .

إنّ بيوتَ آل البيت( عليهم السّلام ) ليست كباقي البيوت ؛ ففيها من التماسك و التلاحم الاجتماعي نماذج يقاس عليها.

  • وحي سيدتنا الزهراء :

  لقد أوحى الله إلى الأنبياء( وحي نبوة ) وأوحى الى أهل البيت والسّيدة الزهراء (عليها السّلام ) وحي إلهام و تنبيه ؛ و هذا واضح في قوله تعالى:” وأوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَ مِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ سورة النحل : 68

 وفي هذه الآية الكريمة يتمثل الوحي، وهو وحي هداية إلهية لبناء البيوت في تلك الصخور وسيقان الأشجار و الخلايا التي يصنعها الانسان وتفسير ( بيت ) له ما فيه من آثار مترتبة على ذلك وهو اختيار دقيق؛ فالأوكار والخلايا تصنع بشكل بسيط أما بيوت النحل فلها نظام خاص ومنظم ومعقد([27]) ، وقريب من هذا ما جاء عن الحواريين حيث يقول اللَّه تعالى : ” وَاذْ أَوْحَيْتُ الَى الْحَوَارِيِّينَ انْ آمِنُوا بِى وَبِرَسُولِى قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِانَّنَا مُسْلِمُونَ ” سورة المائدة /111  

 ووصفه السيد الطباطبائي بأنّه الهام فيقول:” حبذا لو أطلقنا عليه إِلهاماً لأنّه يتفق والأدب الديني”([28])

 فمن يُوحَى إليهم هم صفوة مختارة من الأشخاص أو البشر قد يكونوا أنبياء أو غير أنبياء ليسوا  بأنبياء لكن يشاركونهم في خصال معينة ، فيوحى اليهم ، والوحي جبرائيل اختصّ به الله ( سبحانه و تعالى) نبينا الكريم فنقل إليه القرآن الكريم والتعالي الدينية .

والوصي هو إمامنا أمير المؤمنين ( عليه السّلام) فكلام الله يصل اليه نقلا بالمعاني والمضامين ، وممن أُوحِي اليها من النسّاء سيدتنا مريم( عليها السّلام ) كلمّتها الملائكة نقلاً عن الله ( سبحانه و تعالى ) مع أنها ليست بنبي ولاوصي لكن عصمتها ذكرت في القرآن الكريم في قوله تعالى:” وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ” سورة آل عمران : 42 .

   ومن بين ممن أُوحِي إليهم ( الأسباط )وهم أشخاص أوحى الله إليهم، ومن بينهم سيدا أهل الجنّة وابنا هذا البيت الصالح الحسن و الحسين( عليهما السّلام )؛ ولذا فإن مقولة الرسول الكريم ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) : ” حسين مني وأنا من حسين أحبّ اللّه من أحبّ حسينا، وأبغض اللّه من أبغض حسينا ، حسين سبط من الأسباط ” فهو وصي كلمّه الله  أوحى إليه، والأوصياء وهم يشاركون الأنبياء في خصال معينة فيوحى اليهم وإن لم يكونوا من الأنبياء ، وكذلك أسباط بني اسرائيل وهم أمم من بني اسرائيل ، وقد اختُلِف في مسألة نبوتهم فتعددت الآراء والأقوال في هذه المسألة .

وعُرِّف بأنّه إلقاء خفي وينقسم على( حق وصدق وخير وحسن وباطل وكذب  شر وقبيح )ففي الأول ـ ينسب إلى الله وبيده الخير وفي الثاني ينسب إلى الشيطان وبيده الش ؛ والوسوسة : إيحاء شيطاني ([29]) .

  ووحي الله إلى الصالحين: وحي علمي ووحي شهودي، وعملي وعزمي، وهو متوجه إلى النبي وينحدر إلى وصي نبي أو ولي ؛ فكيفية صنع الفلك وحي علمي، ووحي الأنبياء علمي وعزمي متوجه إلى النبي بذاته، قال تعالى: ” وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ ” سورة المؤمنون : 27 .

ومنه الوحي إلى نبي الله نوح ( عليه السّلام ) قوله تعالى:”  فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ۙ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۖ إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ “([30]).

 فالبرهان العقلي للنبّوة لا يخصص ولايقيد فلم تذكر بعض القصص الخاصة بالأنبياء ؛ لأنهم في الشرق البعيد أو الغرب القاصي و لم تصل أخبارهم للشرق الأوسط و فيه سيد الانبياء و قومه فـ” دأب القرآن الكريم بعد سرد قصّة نبيّ هو دعوة مخاطبيه إلى السير في الأرض و النظر في عاقبة من أساءوا و كذّبوا رسولهم ، و عتوا عتوّاً مبيناً ، و لم يمكن دعوتهم إلى الفحص عن الذين كانوا في البلاد القاصية وراء البحار الكبار فلعله لذا لم يصّرح في القرآن ببلدهم و لا برسولهم ، كما لم يتعرّض لهؤلاء الذين عاشوا في اقصى الأرض إلاّ نزراً يسيراً دعت إليه الضروررة أو المصلحة ” ([31])

 و أمّا وحي النبّوة فله أشكال مختلفة ، ولكلِّ شكل آثاره الخاصة به ويستفاد من الروايات أن جبرئيل كان يهبط على الرسول أحياناً – بشكله الحقيقي الذي خلقه اللَّه عليه ، ويحتمل أنّه هبط بهذا الشكل مرتين فقط طوال عمر الرسول ، كما أنّه قد يهبط متمثلًا في صورة ([32]).

   و أوتي كلّ نبي معجزة وهي آية خارجة عن المتعارف لم يعهد لها من قبل ولا يفاضلها شيء([33]).

 وهي شاهد للمعرفة العقلية؛ فأصل العلية يستقى من العقل يقول ابن سينا : ” لا يؤدي إلاّ إلى الموافاة ، و ليس إذا توافى شيئان ، وجب أن يكون أحدهما سبباً للآخر ، و الإقناع الذي يقع للنفس لكثرة ما يورده الحسّ و التحية فغير متأكد “([34]) 

وبهذا يتبين أنّ ألسيدة الزهراء ومن بعدها ذريتها هم من يمتد فيهم أسباب الإمامة لما بعد النبي فهو خاتم الرسل و الأنبياء؛ و قد أوحِي اليهم؛ فكانت بيوتهم بيوت الصّالحين، وفيها نستمد مثال وأنموذج للإستقرار و التماسك الإجتماعي .

  •  بيت فاطمة (عليها السّلام)

 للمرأة دور كبير في بناء المجتمع؛ فهي من تؤثر في العائلة هي الأم فوجودها يخلق التضحية و الإيثار؛ فكل المجتمعات سواء أكانت إنسانية أو غيرها وجودها واستمرار حياتها يتوقف على وجود الأمّ فهي من تخلق الصفاء والحنان والرأفة بين أفراد الاسرة الواحدة ، وهذا لا يعني أن الأب وجوده قليل بل هو المسؤول لتولي العمل الإداري و القيادي ؛ لذلك نجد الدور الرسالي للأب ؛ ولكن العائلة الواحدة تتطلب وجود ركن الوفاء و الحنان و الرأفة وهو بعهدة الام؛ و لذلك نرى في علم النفس من يرى أن ولادة الاولاد من أم واحدة؛ كفواكه الشجرة الواحدة فصلة الرحم مطلوبة في كل آن و وقت فإن صلة الرحم فريضة من فرائض الله (عز وجل)على عباده، فقد قال الله سبحانه وتعالى:  “وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا” ؛لذلك نجد الامام زين العابدين (عليه السلام) يؤكد على هذه الحقوق فيقول :” وحقوق رحمك كثيرة متصلة بقدر اتصال الرحم في القرابة. فأوجبها عليك حق أمك ثم حق أبيك، ثم حق ولدك، ثم حق أخيك ثم الأقرب فالأقرب والأول فالأول، ثم حق مولاك المنعم عليك، ثم حق مولاك الجاري نعمته عليك، ثم حق ذي المعروف لديك ثم حق مؤذنك بالصلاة، ثم حق إمامك في صلاتك، ثم حق جليسك، ثم حق جارك، ثم حق صاحبك ثم حق شريكك، ثم حق مالك، ثم حق غريمك الذي تطالبه، ثم حق غريمك الذي يطالبك، ثم حق خليطك، ثم حق خصمك المدعي عليك ثم حق خصمك الذي تدعي عليه، ثم حق مستشيرك، ثم حق المشير عليكم حق مستنصحك، ثم حق الناصح لك، ثم حق من هو أكبر منك، ثم حق من هو أصغر منك، ثم حق سائلك، ثم حق من سألته، ثم حق من جرى لك على يديه مساءة بقول أو فعل أو مسرة بذلك بقول أو فعل عن تعمد منه أو غير تعمد منه ثم حق أهل ملتك عامة، ثم حق أهل الذمة([35]) .

 قال تعالى في وصف بيت النورين :” في بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ . رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ”  سورة النور : 36 ـ 37 

  أمتاز بيت النحل بأنّه ( رائعة معمارية) ففيه من أُسس ومرتكزات البيوت( البناء والأهداف والتربية) فأًصبح مثالاً يضرب به ؛ فخلايا النّحل في ترتيبها العجيب بشكل سداسي والذي يعدّه علماء الهندسة والرياضيات من الأشكال الهندسية؛ فيتيح لها استغلال المساحة فلا فواصل بينها داخل الخلية الواحدة([36]) .

وعن أبي جعفر(عليه السّلام) قوله: “هي بيوت الأنبياء وبيت علي (عليه السّلام) منها([37]).

فقد فُسّر بيت النحل بـ( أهل البيت )، ويؤكد ذلك برواية الرسول الكريم:” نحن البيوت التي أمر الله بها أن تؤتى من أبوابها نحن باب الله وبيوته التي يؤتى منها فمن بايعنا وأقر بولايتنا فقد أتى لبيوت من أبوابها ومن خالفنا وفضل علينا غيرنا فقد أتى البيوت من ظهورها”([38]).

فآل محمد ( صلوات ربي و سلامه عليه) هم أبواب الله وسبله والدُّعاة إليه وإلى الجّنة([39])، وقيل: نزول الآية في الإمام علي (عليه السلام)، وبدليل قوله:” أنا مدينة العلم وعلي بابها ولاتأتوا المدينة إلاّ من بابها “([40]).

 وتعددت التفاسير التي أوّلت معاني( بيوت أذن الله أن تُرفع )، ومنها أنّها المساجد،وليس بجديد هذا التأويل فبيوت الآل هي التي يذكر فيها اسمه تعالى.

قال تعالى:” وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ“سورة النحل : 68

 ومنه بيت النحل المحكم في صنعه و تماسكه وإدارته على العكس من بيت العنكبوت الواهن الضعيف الذي لايملك من التماسك شيء إلاّ اسمه بيت في قوله تعالى:”مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ” سورة العنكبوت: 41 

 وأهل البيت هم من يمثلون بيت النحل بأساسه ونظامه المتكامل فهم أساس الإصلاح؛ لقول أبي عبد الله (عليه السّلام):”نحن النحل التي أوحى الله إليها( أن اتخذي من الجبال بيوتاً )أمرنا أن نتخذ من العرب شيعة فالنَّحل هم الأئمة والجبال العرب([41]).

  ومنهم نستلهم الدروس والعبر ومن جدهم تنبع أصول السُّنة النبوية الطّاهرة، ولم يكن دورهم الديني بمنأى عن الدور التربوي والأخلاقي لتنمية الفرد في خلق الإنسان في أحسن تقويم؛ فقد قدمّ الإسلام الصحابي سلمان الفارسي وجعله من أهل البيت( عليه السّلام ).

  وقد استدلّ الكتاب المبين بشواهد من الواقع الحسي؛ ليصور حال البيوت فضرب مثلاً ببيتي النحل و العنكبوت للدلالة على الفارق بينهما؛ فمن يعبد غير الله تعالى ويسير مخالفاً لأهل بيته فبيته واهن كوهن العنكبوت، ومن يعبد اللّه فبيته كبيت النحل المتكامل من كلِّ نواحي الحياة؛ ففيه الأساس الصحيح والبناء القويم، ويتحقق ذلك في الوقاية من الحر والبرد، والدلالة العقلية هنا على لفظ البيت يفهم من خلاله وجود السقف المانع لصدِّ الإعتداء، ويستلزم وجود الحائط والأساس يعني العبادة، والتي تتمثل في النبّوة والولاية التي تعدُّ الأساس في تكوين البيت والوصف هنا استدلالي بضرب المثل؛ ليكون عبرة ووعظاً وإرشادا ليتفهم ذوو الألباب.

 فقد كان بيت فاطمة يقوم على أُسس وقواعد متينة، ومنها التواصل بين أفرادها، وحل المشكلات فيما بينهم ، الدعم النفسي من قبل أبيهم أمير المؤمنين(عليه السّلام)؛ فكانت التربية فيه تربية اسلامية تسوده الود والاستقرار والطمأنينة وهذا نابع من وجود المودة والرحمة بين الوالدين ففيه السكون للنفس والهدوء للأعصاب، وهذه كلها روابط أدت إلى التماسك القويم؛ لقول رسول الله “خيركم خيركم لنسائه، وأنا خيركم لنسائي” ([42])

 فقد أكد اهل البيت (عليه السّلام) إلى الإحسان للمرأة، وحفظ كرامتها. كما أن مراعاة حقوق الزوجية مطلوبة قال تعالى :” الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا” سورة النساء: 34 فواجب الزوجة تقوم على قيمومة الزوج؛ ولذلك نجد الإسلام يراعي البيوت، و حفظها وينهى عن الطلاق لآثاره السلبية على الأطفال، ومن بعده المجتمع فيخلق الإضطراب النفسي التي تنعكس سلبا على العلاقات الزوجية ؛ لذلك نجد الأُسر الإسلامية أكثر تماسكاً و حفاظاً وتلاحماً فيما بين أفرادها على العكس من الاسر الغربية التي يسودها التفكك والإنحلال؛ فالرابطة الزوجية نواة اولى لتكوين زواج مثالي .

 ويرى الاخصائيون في علم النفس أنّ هنالك بعض العوامل التي تنجح فيها البيوت، ومن بينها: الإجتماع فيما بينهم؛ كجلوس العائلة مع بعضها بعضا، وأصبح هذا المشهد قليلا في مجتمعنا الحاضر، وخير مثال لبيت سيدتنا فاطمة الزهراء( عليها السّلام )اجتماعهم في حديث الكساء، وهم خمسة معصومون؛ فقد كان رسول الله ( صلّى الله عليه و آله) يحرص على اجتماع الحسنين معه؛ لآثاره النفسية التي تنعكس في تربيتهم؛ فقد تحلوا بصفاته، و اتصفوا بكرم أخلاقه، ومن بعده والدهم أمير المؤمنين( عليه السّلام)؛ فقد كان يوجه ويهذّب ويعلّم؛ فكان الحوار فيما بينه و بينهما حوار الأب الناصح، والابن الصالح مما انعكس في أخلاقهم فقد تأدّبوا بآدابه وفقاً لقوله تعالى: وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا سورة الاسراء : 23 ، واذا رجعنا الى وصاياه في نهج البلاغة نجدُّ الإمام( عليه السّلام) في وصاياه لولديه(عليهم السّلام)قائلاً :” :”اضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ([43]) أي لا تزيدوا و لا تمثلوا فيه فتميلوا عن القصاص، ففي هذه الوصية بشكل خاص نجده يوصي الحسنين و أهل بيته ومن ثم شيعته بوصايا عامة ؛ ليرسم خارطة للطريق في بيان علاقة الانسان بربه أولاً و بغيره ثانياً ، و مجمل وصايا آله من بعده تتقارب فيها هذه المبادئ السّامية ؛ فعُدّت وثيقة تأريخية لاعمال البشر فهي اجتماعية و التحلي بها مطلوب في السلوك الاجتماعي القويم و في هذه الوصيّة نجد التهذيب النفسي و التربية العلوية ففي وصيته هذه يتجلى الخلق الرفيع و الطريق المستقيم و هو في آخر لحظاته مع آل بيته واوصى بقاتله و عدم التمثيل به و هي عادة العرب في الجاهلية فنهى عنها و أمر بآداب يجب المحافظة عليها

الخاتمة :

بعد رحلتنا الموجزة توصلنا الى عدد من النتائج ومن أهمها :

  • منحت مولاتنا الزهراء ( عليها السّلام ) مكانة لم ترقَ إليها أي من نساء الكون و إن ممن قاربت منزلتها من أمهات الأنبياء، والأوصياء كان لقبها في وقتها المعاش إلاّ أنَّ الزّهراء انفردت من بينهنّ بأنّ ألقابها كثيرة وتنوع أغمضت عينيها لترحل بعد أن تركت أبناؤها الثلاثة و أوصتْ بهم ، و أن تدفن سراً ؛ ليبقى قبرها مجهولا و هو سؤال حيّر الباحثين قديما و حديثا .
  • يعدّ الإسلام منهج متكامل وضابط اجتماعي وموجه رئيسي نحو التعايش والتماسك الاجتماعي سواء أكان داخل محيط الاسرة الواحدة أو الجماعات من الناس .
  • لقد سعى أهل البيت ( عليهم السلام ) إلى غرس عادات الإسلام من محبة وعدالة تحققت فيهم أخلاقيات الاسرة الناجحة والتماسك الاجتماعي بين أفراده، وكان البيت الأساس في ذلك هو بيت أمير المؤمنين علي والزهراء فاطمة( عليهما السّلام )؛ فلا نجد فيه الظلم أو الشقاء بل كل مسببات الخير ولانلمس للشر وجود وروح التعاون فيما بين أفراده ومراعاة حقوق الانسان فمثّل بيت الزهراء ببنائه المتماسك و المتكامل إرثاً ثقافياً ينسجم مع دينا الحنيف .
  • أثبتت هذه الدراسة أنّ بيت النحل المذكور في القرآن الكريم بكلّ صفاته من الإتزان والتماسك و التلاحم بين أفراد الخلية الواحدة يمثله بيت الزهراء ( عليها السّلام ) وقد ذكرت روايات كثيرة في هذا الشأن ؛ ولضيق الوقت فقد اقتصرت على نماذج منها ، وعلى العكس منه بيت العنكبوت الذي لايحمل من مسّميات البيت سوى الهيكل الواهي ؛لضعف التماسك بين أفراده وقتل بعضهم بعض .

المصادر و المراجع :

  • القرآن الكريم
  • بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار : محمد باقر المجلسي ،دار إحياء الكتب الاسلامية ، ايران ـ قم .
  • الاحتجاج : الشيخ الطبرسي ( ت 548 هـ) ،تحقيق :السيد محمد باقر الخرسان ، 1966 .
  • الالهيات من الشفاء : أبو علي بن سينا ، وزارة الثقافة و الارشاد القومي ـ مصر . د . ت .
  • البرهان في تفسير القرآن : هاشم البحراني ، ط 2 ، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات ، بيروت / لبنان ، 2006 .
  • بضعة المختار ـ دراسة تحليلية جديدة لتاريخ الزهراء في مصادر اهل السنة : السيد فالح عبد الرضا الموسوي ، ط 1 ، العتبة الحسينية ، دار الوارث ـ كربلاء ،  2019
  • تاريخ مدينة دمشق: أبو القاسم علي بن الحسن ابن هبة الله بن عبد الله الشافعي ( ت 499 هـ) ، تحقيق : محب الدين ابو سعيد عمر بن غرامة العمروي ، دار الفكر، 1995 ه.
  • التحرير والتنوير(تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد)
    محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي ( ت 1393 هـ) ، الدار التونسية للنشر – تونس، ١٩٨٤هـ .
  • تحف العقول: ابن شعبة الحراني ، تعليق علي اكبر غفاري ، 1404 ه .
  • تفسير العياشي : ابو النضر محمد بن مسعود العياشي ( ت 320 هـ) ، تحقيق قسم الدراسات الاسلامية ، ط 1 ، مؤسسة البعثة / قم ، 1421 .
  • تفسير القمي :علي بن ابراهيم القمي ( ت 329 هـ) ، تحقيق السيد الموسوي الجزائري ،ط 3 ، مؤسسة دار الكتاب ، قم ، ايران ،1404 ه
  • جمال المرأة و جلالها : عبد الله الجوادي الآملي ، ط 1 ، دار الهادي ، بيروت ـ ـلبنان ، 1994
  • الخصال: الشيخ الصدوق ( ت 381 هـ) ، تصحيح وتعليق : علي أكبر الغفاري، ط 1، مؤسسة النشر الاسلامي ـ قم المقدسّة ، 1403 ه.
  • رياض الصالحين : يحيى بن شرف النووي ،دار العلم للملايين ، بيروت ، 1973 .
  • علي بن موسى الرضا و الفلسفة الالهية : عبد الله الجوادي الآملي ، تحقيق : محمد حسن شفيعيان ، دار الاسراء للنشر ، ط 3 ، 1385 هـ .
  • عيون أخبار الرضا : الشيخ الصدوق ( ت 381 ه) ، تحقيق : الشيخ حسين الأعلمي ، 1984
  • مجمع البيان في تفسير القرآن: الشيخ الطبرسي ( ت 548 هـ) ، تحقيق : لجنة من العلماء و المحققين ، ط 1 ، 1995 .
  • معارف القرآن : محمد تقي الصباح اليزدي ، نقله الى العربية : محمد عبد المنعم الخاقاني ،  ط 1 ، ذوي القربى ، النجف الاشرف ، 1426
  • المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم : محمد فؤاد عبد الباقي ، دار الكتب المصرية ، 1364  
  • معجم مقاييس اللغة : لأبي الحسين أحمد بن فارس بن زكريا ( ت 395 هـ ) ، تحقيق : عبد السلام محمد هارون ، دار الفكر ، 1979
  • المعجم الوسيط : ابراهيم انيس و عبد الحليم منتصر و آخران ، ط 4 ، مكتبة الشروق الدولية ، 2004
  • المغرب في ترتيب المعرب : ابو الفتح ناصر بن عبد السيد بن علي المطرزي ( ت 616 ه) دار الكتاب العربي ، بيروت ، لبنان ، د . ت .
  • المفردات في غريب القرآن : لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بـ ( الراغب الأصفهاني ) ، نزار مصطفى الباز ، د . ت .
  • مناقب آل أبي طالب : ابن شهر اشوب مشير الدين أبو عبد الله محمد بن علي : تحقيق : لجنة من اساتذة النجف ، 1376 ه .
  • من لايحضره الفقيه: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي ( ت 381 ه) ، تصحيح: علي أكبر الغفاري، ط 2 ، منشورات جماعة المدرسين ، قم ،  1363
  • الميزان في تفسير القرآن : محمد حسين الطباطبائي ، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات ، 1417 هـ .
  • نفحات القرآن ـ اسلوب جديد في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم ـ : ناصر مكارم الشيرازي ومجموعة من الفضلاء ، مطبعة الحيدري ، د . ت .
  • نهج البلاغة و المعجم المفهرس لألفاظه :  كاظم محمدي ومحمد دشتي ، ط 1 ، دار التعارف للمطبوعات ، 1990 .
  • الوحي و النبّوة : عبد الله الجوادي الآملي ، ط 1 ، دار الاسراء للنشر ، 1387 هـ .

البحوث والدوريات  :

  • اشكالية التماسك الاجتماعي في العالم العربي ـ تجارب مقارنة : ادريس الكراوي، منشورات جمعية الدراسات والابحاث من أجل التنمية ،الملتقى الرابع لجهة الشرق الاوسط وشمال افريقيا ،المجلس العالمي للعمل الاجتماعي ، المغرب ، 2015.
  • تنظيم الاسلام للعلاقات الاجتماعية في الاسرة: (رسالة ماجستير ): سمية محمد علي موسى حجازي ،  اشراف د . محمد جميل خيّاط ، كلية التربية بجامعة ام القرى ، مكة المكرمة ، 1406 .
  • تهميش التماسك الاجتماعي في المدارس الثانوية في اتجاهات التلامذة السياسية والاجتماعية والمدنية في لبنان : مها شعيب ، بحث منشور في مجلة عمران للعلوم الاجتماعية ع 10مجلد 3 ، المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات ، قطر ، 2014 .

[1] . عيون أخبار الرضا : 1 / 289 .

[2] . ظ : الخصال : 206 .

[3] . ظ : تهميش التماسك الاجتماعي في المدارس الثانوية في اتجاهات التلامذة السياسية والاجتماعية والمدنية في لبنان : 8

[4] . مقاييس اللغة: 5 / 320 .

[5] . ظ : اشكالية التماسك الاجتماعي في العالم العربي ـ تجارب مقارنة :117.

[6] . ظ : التماسك الاجتماعي ماهيته وابعاده ومقوماته : 194 ـ 200  .

[7] . تنظيم الاسلام للعلاقات الاجتماعية في الاسلام ) رسالة ماجستير) :369 .

[8] . رياض الصالحين : 235

[9] . ظ : بحار الانوار : 164 .

[10] . تاريخ مدينة دمشق : 42 : 125

[11] . سيرة ابن اسحق :5 :230 .

[12] . بضعة المختار : 140

[13] . ظ : جمال المرأة و جلالها :23 .

[14] . بحار الأنوار : 1 / 82 .

[15] . تحف العقول : رسالة الامام السجاد : 250 .

[16] . بحار الانوار : 43/ 45 .

[17] . مناقب آل أبي طالب :3 /116 .

[18] . المستدرك :52

[19] . لم يعرف اسمه ولا اسم أبيه وذكره ابن شهر اشوب في المعالم : 151 وصاحب الاعيان : 2 /326

[20] . المستدرك : 98

[21] . المصدر نفسه : 109

[22] . ظ : المعجم المفهرس لالفاظ القرآن الكريم : 140 ـ 141  

[23] . ظ : مقاييس اللغة : 1 / 324 .

[24] . ظ : المفردات : 82 .

[25] . ظ : المغرب في ترتيب المعرب  : 55.

[26] . ظ : المعجم الوسيط : 78

[27]. معارف القرآن : 383 .

[28]. ظ : الميزان في تفسير القرآن : 12 / 312 .

[29].  ظ : الوحي و النبّوة : 148 .

[30] . ظ : المصدر نفسه :148 .

[31]. ظ : نفحات القرآن : 188 .

[32]. ظ : علي بن موسى الرضا و الفلسفة الالهية : 110 .

[33]. الالهيات من الشفاء : 8 .

[34]. ظ : علي بن موسى الرضا : 108 .

[35] . ظ : بحار الانوار : 71 : 11

[36] . ظ : التحرير والتنوير : 40

[37] . المغرب في ترتيب المعرب :55

[38] . الاحتجاج : 227 .

[39] . ظ : مجمع البيان : 1 / 27.

[40] . تفسير القمي :1/77

[41] . ظ : تفسير القمي : 1 / 387 و ظ : تفسير العياشي : 3 / 15.

[42] . من لايحضره الفقيه : 3 /443

[43] . نهج البلاغة : ك 47 ، 317

التصنيفات : البحوث | بحوث أخرى