من بحوث المسابقة الفاطمية البحثية السنوية الثامنة (( دور المرأة في الأمن والسلم العالميين بيت السيدة الزهراء ( ع ) قدوة وأُسُوة / أ . م . د . سحر ناجي فاضل المشهدي

22 مايو، 2026
7

دور المرأة في الأمن والسلم العالميين

بيت السيدة الزهراء ( ع ) قدوة وأُسُوة

أ . م . د . سحر ناجي فاضل المشهدي

الكلية التربوية المفتوحة : مركز النجف الاشرف

07816034857

Sahar.naji.175@gmail.com

الملخص :

 لقد مثلت السيدة الزهراء (ع) ميزان حق وصدق، فشكّلت التضحية والشجاعة والفداء قيمها العليا ، فقد انكسر ضلعها، وهي تطالب بحقها في إرث أبيها، وقد أهداها إيّاها أرض فدك لها التي تبعد عن المدينة فراسخ عديدة، وكان  (ﷺ) يقسّم منافعها على بني هاشم، والفقراء، والمساكين في المدينة، وكانت هذه الأرض ملك عظيم، وأرض واسعة، وبساتين يانعة مثمرة.

فالزهراء( ع) وهي بنت الامامة والولاية شكّلت أنموذجًا للمرأة المسلمة، وطريقها طريق المرأة القيادية المسلمة، فدورهالم يكن الدور القيادي حسب بل كان أعظم من أن يوصف، دور مطابق لقيم الاسلام، وهو أرقى أنموذج في الخلق الاسلامي الرفيع ، وفي خطابها البليغ نجد الصدق والاهتمام بالناس، وقضاء حوائج الآخرين، إذ قالت صوت الحقيقة المشهورة مبينة قضية جوهرية هامة، ومنها مصير المسلمين من بعد أبيها وقضية الخلافة، ولذا أرتأيت أن أدرس دور البيت الفاطمي بقيادته الفريدة المتمثلة في شخصية الزهراء (ع) فيترسيخ أصول الأمن والسلام العالمي فقسمت البحث على مطلبين يتقدمهما تمهيد وتختتمهما خاتمة بأبرز نتائج الدراسة على وفق المنهج الوصفي التحليلي .

ABSTRECT:

Lady Zahra (peace be upon her) embodied the scales of truth and honesty. Sacrifice, courage, and redemption were her highest values. Her rib was broken while demanding her right to her father’s inheritance. He had gifted her the land of Fadak, located many leagues from Medina. The Prophet (peace and blessings be upon him) would distribute its profits among the Banu Hashim, the poor, and the needy in Medina. This land was a vast possession, with lush, fruitful orchards. Zahra (peace be upon her), the daughter of Imamate and Guardianship, set a model for Muslim women, and her path was that of a female Muslim leader. Her role was not only a leadership role, but was greater than can be described. It was a role that was consistent with the values ​​of Islam and the most sublime model of Islamic morality. In her eloquent speech, we find honesty, concern for people, and fulfilling the needs of others. She spoke the famous voice of truth, clarifying an important and fundamental issue, including the fate of Muslims after her father and the issue of the caliphate. She rose above her worries and sorrows, supporting the Islamic nation. The land of Fadak belonged to the Prophet and was her legitimate inheritance. She affirmed that the usurpation of her inheritance was unacceptable. She went to the mosque with a group of women from the Banu Hashim (peace be upon them), declaring her grievances before the general Muslim community. She delivered a profound sermon with a major, fundamental theme,

المقدمة :

 الحمد لله والحمد حقه كما يستحقه والصلاة وأتمُّ التسليم على الصطفى الأمين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد وعلى آل بيته الطيبين الطّاهرين ، وبعد

 لمولاتنا الزهراء مكانة متميزة لم ترقَ إليها أيّاً من بنات الأنبياء و الأوصياء، فقد نشأت في حضن النبوة والوحي، وأشبهتْ أباها خَلقاً و خُلُقاً، و لها مرتبة قدسية اختصها بها الباري حين وقفت مساندة لأبيها في صعاب الحياة وبؤسها، وهي خامسة أهل الكساء ذكرها اللّه ( سبحانه وتعالى )، وانفردت لذكرها سورة الكوثر كما اختصّت سورة الفجر بذكرها وبعلها وبنيها . نهضت تتجاوز الهموم والأحزان مناصرة للأمة الاسلامية فأرض فدك ملك الرسول وهو ميراثها الشرعي، وأكدت أنّ إنتزاع إرثها مسألة غير مقبولة،  فأقبلت مع لمة من النساء من بني هاشم(ع) إلى المسجد معلنة ظلامتها أمام الجمهور العام من المسلمين، في خطبة عظيمة ذات قضية جوهرية كبرى، حوت قضايا ومسائل عديدة تهم أُمور الدولة السياسية، فقد تضمنت الخطبة تفسير لقضايا عقائدية وسياسية واجتماعية ودوى حسها الثوري .

لقد أبرزت قضية الزهراء ع دروس تربوية عظيمة، وحللت التأريخ السياسي مقارنة بين حياة العرب قبل وبعد البعثة النبوية فلسان الزهراء الناطق.

ومفاد القول أن السيدة الزهراء(ع) نادت المسلمون من خلال كونها انسان لا من كونها انثى، فالمرأة حين تبدأ التحرك في مجتمعاتنا تقع عليها مسؤولية كبيرة في أن تلتفتت إلى جنسها كأنثى فدور الزهراء (ع) كإبنة بجانب والد عظيم، فهي حاملة لرسالة أبيها، وناهضة بالتكليف الصحيح لكل ماانحرف عن هذه الأمُّة التي باتت تتبع لأُناس لم يكونوا منصفين حتى في حق ابنة نبيهم.

نهضت تتجاوز الهموم والأحزان مناصرة للأمة الاسلامية فأرض فدك ملك الرسول وهو ميراثها الشرعي، وأكدت أنّ إنتزاع إرثها مسألة غير مقبولة،  فأقبلت مع لمة من النساء من بني هاشم(ع) إلى المسجد معلنة ظلامتها أمام الجمهور العام من المسلمين، في خطبة عظيمة ذات قضية جوهرية كبرى، حوت قضايا ومسائل عديدة تهم أُمور الدولة السياسية، فقد تضمنت الخطبة تفسير لقضايا عقائدية وسياسية واجتماعية ودوى حسها الثوري .

توطئة :

وهي إحدى النساء الأربعة اللواتي ذكرهنّ القرآن الكريم، وأفردهنّ بـ( سيدات أهل الجنة ) قائلًا:(( حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ، وآسيا امرأة فرعون)) ، و بعد وفاة رسول الله (ﷺ) شهد المجتمع الإسلامي نزاعات وخلافات كثيرة، ومنها قضية إمتلاك أرض فدك التي أثارت حزن مولاتنا الزهراء ( عليها السّلام ) ممَّا جعلها تخرج خاطبة بجمع من المهاجرين والأنصار، وهي صاحبة الحق ، وبنت نبي الأمة الإسلامية وإنتزاع إرثها بأرض فدك مخالف لما جاء به القرآن الكريم والسّنة النبوية، فطلب منها الامام أن تصمت وتصبر حفاظا للرسالة الاسلامية، ونجد في خطبها الأساليب العربية الفصيحة من الاستفهام بصيغه المختلفة في خطبتها الفدكية بقولها:(( هيهات منكم، وكيف بكم، وأني تؤفكون ، وكتاب الله بين أظهركم، أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة

وأعلامه باهرة، وزواجره لايحة، وأوامره واضحة، وقد خلفتموه وراء ظهوركم أرغبة عنه تريدون ؟ أم بغيره تحكمون؟)) ([1])

  فخطابها الممزوج بالتربية المحمدية أنتج كلاماً ممزوجاً باساليب فصيحة، وعبارات دقيقة، وألفاظ منمقة بنت نبي الأمة الإسلامية وفي خطبتها الفدكية إشارات دقيقة لسيادة الظلم واغتصاب الحقوق وإنتهاك المحرمات والكرامات و المنازل المخصوصة لآل البيت و لها، فكان خطابها الفدكي تذكيراً  ووعظّاً للأمة الإسلامية جمعاء، وفيه الحكم المثلى إبتداءً من حكمة الخلق و مروراً بحكمة القيم الشرعية ، إنتهاء بحكمة الوفود على الله تبارك وتعالى، زيادة على تبيينها لمقام الرسول)ﷺ( ، ولولاية لأهل البيت) عليهم السلام(وفيها إشارة إلى العلم  الحكمة، والقيم المثلى،  العقلانية، والفهم الصحيح، والمنطقي للدين . . .

 كما نجدُّ الإستشهادات القرآنية ضمنّتها معان و دلالات فريدة و وصف شأن الرسول، وعلو مقامه ،  مما لايخفى أثره إمتلاك الخطيب له ، ومعرفة أسراره ؛ لتوظيفها وبيان ملامح التأثير في المتلقي و السامع، وهذا نصيب لأولي النهى و الأبصار لم يمتلكه إلاّ الخطيب الفذّ ؛ لذا خصّها الباري جل شأنه بمنزلة سامية في القرآن الكريم فذكرها بألفاظ صريحة و إشارات وتشبيهات واستعارات دقيقة .

المبحث الأول: بناء الاسرة الصالحة في فكر الزهراء ع

  لقدتحقق في مصاهرة الامام علي ( عليه السّلام ) من النبي الكريم مقررات كثيرة وتجلّت في مراسم عقد زواج امير المؤمنين و الزهراء ( ع ) دروس تربوية و أخلاقية ففي المصاهرة إلحاق  بالنسَّب والصهر وتكوين لاسرة مثالية وفيها بناءلأفراد اسرة واحدة ([2])

. و إنّ أصالة الأسرة في عهدة المرأة و خير مثال لتلك الاسرة البيت الفاطمي العلوي . وتعدّ المرأة الركن الأساس فهي من تؤلف بين الرجل والمجتمع ، والافراد الذين يولدون فيما بعد. فتستقطب الرجل و تزرع فيه العاطفة والحنان والأمان وتبدأ معه في تكوين اسرة وارحام و بهذا فإنّ دور المرأة ايجاد الترابط الرحمي بين الاقارب السببين اضافة الى رابطة الرحم بين الاعضاء النسبيين للاسرة الواحدة ، ولاينكر دورها في إيجاد الارتباط الرحمي بين الأقارب السبيين أيضا ” ([3])

 والتنبّيه على جمال المرأة في عقلها والتجمل سمة من أخلاق المؤمنين قال ( ع ):(( عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم))([4])

 ، والمعنى : أمري ليس بوصفي فعلى المرأة أن تظهر الحكمة في الفن وعلى الرجل أن يظهر الفن والحكمة؛ فجلال المرأة ( جمالها )، وجمال الرجل ( جلال ) ، و هذه المعادلة تعني : ارشاد و امر عملي لكل منهما فكل منهما لديه عمل خاص ومراعاة حقوق الارحام و أولها حق الأم ثم الأب:(( وأوجبها عليك حقوق أئمتك ثم حقوق رعيتك ثم حقوق رحمك، فهذه حقوق يتشعب منها حقوق فحقوق أئمتك ثلاثة أوجبها عليك حق سائسك بالسلطان ثم سائسك بالعلم، ثم حق سائسك بالملك وكل سائس))([5]) .

المطلب الأول: الأمن والأمان :

 حين نطالع معاني الأمن نجد المصدر منه يتردد بين الأمن والأمان والأمانة؛ فالأمن نقيض الخوف والأمانة نقيض الخيانة، ومنه الإيمان ويعني التصديق، والأمين المؤتمن وجمعه أُمناء([6]).

 وفي جميع المعاني دلالة على ذهاب الخوف والخيانة .

 وورد هذا اللفظ في القرآن الكريم في قوله تعالى :” فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون . الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولـئك لهم الأمن وهم مهتدون” سورة الانعام : 81 ـ 82

 والمقام تفريع على الإنكار ، والتعجيب فرع ؛ فالاستفهام بـ( أي ) ملجأ للاعتراف بأنهم أولى بخوفهم ففريقه هو أحقّ بالأمن. .

  ولابدّ لأي إدارة في أي حكومة من تحقيق الثقافة الأمنية، وهي جزء من التكوين الإداري لأي مجتمع وقد حرص أئمة أهل البيت ( عليهم السلام ) على توفير السلامة التي تهدد المجتمع الإسلامي سواء أكان الأمن السياسي أم العسكري أم المجتمعي؛ ونرى الإمام أمير المؤمنين ( ع ) يسعى إلى توفير حماية البلاد من الاعتداءات الخارجية التي تهدد أمن وسلامة المجتمع .ففي تحقق الأمن تكون الطمأنينة والسكينة والاستقرار.

لقد أكد ديننا الحنيف على تحقيق الأمن والسّلام وبمجيئ الرسول الكريم أزيلت الكثير من السلوكيات التي كانت سائدة في عصر الجاهلية كقطع الطريق وأخذ الربا و الإغارة، فكان القتل والاعتداء , السرقة ومانشهده اليوم من تفشى الجرائم إشارة إلى غياب الأمن الاجتماعى ، فتحقيق الأمن منوط بقدرة الإدارات في جميع أنحاء المجتمع  إلى الحد من الأخطار الخارجية والداخلية  التي تهدده إنّ حماية الأفراد مسئولية الحكومة وحماية الأسرة مسؤولية الوالدين ، وبذلك فإنّنا بحاجة الى فرض النظام ، وتشريع قوانين صارمة من قبل القضاء، ففي تحقيق العدالة تحقیق لبناء دولة الأمن  وتحقيقه ليس منوط بالحكومة وحدها بل على الجميع التعاون في سبيل تحققه سواء كان فرد في عائلة أو قبيلة أو عشيرة أو دولة فكلّها مسميّات لوطن ومجتمع واحد .

ودراستنا الحالية تقوم على أنموذج سعى بفكره الثاقب إلى تحقيق الأمن؛ فوضع نظامًا عالميًا

المطلب الثاني: البيت الفاطمي مثال الأمن :

حين نطالع المعاني التي يتردد فيها مصطلح ( البيت ) نجدُّ المسميّات التي رافقت هذا المصطلح فحملت دلالات و معانٍ مختلفة ، و منها :  بيتُ الشِّعر ( في القصيدة ) ، و بيت الطّاعة ( للزوجية ) ، و بيت المال ( ما يقوم مقام وزارة المالية حالياً ) ، و بيت المقدس ( و هو المسجد الأقصى ) ، و بيت الطشت ( و هو مقام في مسجد الكوفة ) ، و بيت الحكمة ( يطلق على المراكز العلمية في عهد هارون الرشيد ، و لا يزال شاخصاً إلى يومنا هذا ) ، و بيوت العلم ( الأسر المعروفة برجالها ) ، و بيت النار ( المكان الذي تشعل فيه النار كالفرن ) ، و قد يطلق على القبر ، و ذكر القرآن الكريم : بيت اللّه  وهو ( الكعبة المشرفة ) ، و بيت النَّحل ، و بيت العنكبوت ؛ لدلالاتهما في تنوع التربية و قوة و ضعف العلاقات الاجتماعية داخلها ، و  تكرر هذا اللفظ في ( أربع و سبعين ) موضعاً من القرآن الكريم ([7])، و في دلّالاته اللغوية معاني المآب و المأوى و الملجأ و لمّ الشمل .  وقد أشار ابن فارس ( ت 395 هـ ) إلى أنّ أصوله واحدة  فالباء و الياء و التاء هو المأوى و المآب و مجمع الشّمل ، و جمعه بيتٌ و بيوتٌ و أبياتٌ ، و بيت الشعر على التشبيه ؛ لأنّه مجمع للالفاظ و الحروف مع الوزن ([8])

قال الشاعر : و بيتٍ على ظَهْرِ المَطِيِّ بَنَيْتُه           بأسْمَرَ مَشْقُوق الخياشيم يَرْعُفُ ([9]م . ن

  و بيت الشِّعر ما زاد على طريقة واحدة يقع على الكبير و الصغير ،  وهو مأوى الانسان بالليل ، و بات أقام بالليل ، و قد يقال للمسكن بيتٌ من غير عد الليل فيه ، و الأخصُّ جمعه على بيوت ([10] ) يقول الكفوي معرّفا للبيت:(( هو اسم  لمسقف واحد له دهليز  و الدَّار : اسم لما اشتمل على بيوت و منازل و صحن غير مسقف))([11])    

وهو اسم لمسقف واحد ،وأصله من بيت الشَّعر أو الصّوف سُمِّي به لأنه يبات فيه ثم اُستُعير لفرشه، وهو معروف و جمعه بيُيُوتاتُ يختصّ بالأشراف([12] )

 ومنه قول رسولنا الكريم  (ﷺ) :(( سلمان منّا أهل البيت))([13])

  والبيت هو المسكن ، و فرش البيت : الكعبة و القبر ، و بيت الله : المسجد ، و بيت الرجل : امرأته و عياله ([14](

ويصدق القول على كل ما اتخذ منه من حجر أو مدر أو صوف أو وبر.قال تعالى:﴿ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ ۙ وَ مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ﴾ سورة النحل : 80

 وهو مقام تعداد للنعم التي ألهمها الله للانسان فجعلها  للانسان واقية ومرفهة ، ومنها : بيوت الحضارة والتمدن، ويقال في تعريفه أيضاً بأنّه: مكان يجعل له بناء وفسطاط يحيط به يعين مكانه فيجعل مقراً يأوي اليه من الحر و البرد ، قد يكون من حجر و طين و قد يكون خشب و قصب فيكون له جدار و سقف و هي بيوت المدن و القرى ، و قد يكون أديم مدبوغ فله قبة وثياب تنسج من شعر أو وبر أو صوف و يسّمى خباء أو خيمة تشبه الهرم فيقام على عمود و شكله مخروط و هي بيوت الأعراب في البادية فتنتقل مع انتقالهم ([15])

وفی هذا المضمار نجد أنّ البيت الفاطمي بيت بسيط ومتواضع، وكل صوره مواساة للفقراء ومع كونها بنت نبي الامة لكنها بدأت تعمل فيه ودأبت على ذلك إلى أن وصلت الى مرحلة جعلت من نفسها تطلب استئجار خادمة لها لمساعدتها ، ولكن القيادة فيه لها فأنفذ طلبها الى أن استأجر لها أمير المؤمنين ( فضة) ([16]) .

فقد طحنت الحبوب بالرحى حتى تشققت يداها وكنست البيت حتى أغبرت ثيابها ولم تخلد الى الراحة أبدا وبقت مع فضة تساعدها

فقد أبت ترك العمل في منزلها وروت بذلم اعظم صور التضحية والوفاء لزوجها([17]) .

وكانت تخفي الآمها ولم تشك اليه وحين يقبل اليها زوجها كانت تسر وتبتسم

وشكلت صورة فريدةللمرأة الكاملة فسايرت عليا في رحلته فقد تزوجت ي حدود السنة الثانية للهجرة وضربت أروع المثل في تكوين اسرة مثالية وكان من أبرز مايميز بيتها :

  • الحب والمودة العاليين
  • التعاون بين كل افراد هذا البيت
  • عمل الطعام بيديها ( طحن وعجن وخبز)
  • تربية الاولاد ومراعاة شؤونهم.([18]) ، ولو سمي بيتها بالبيت المحمدي  لم نختلف فالوراثة فيه لم تتوقف على حد معين ففيه من التربية الروحية زيادة على التربية الاجتماعية مالايخفى فالشاب فيه منتج فعال والشيخ فيه انسان يفيد من التجارب والمواعظ والزوجة مطيعة وأنيسة والزوج دور كبير وهذا كله يمثل قابليات وراثية هامة فهي بذرة صالحة سقيت بنظام معين فأضحت باسقة تظل بأغصانها وثمارها الناس

فقد اهتمت السيدة باعانة بعلها وبذلت وسعها في ترسيخ الاسس الوراثية التي ورثتها من الأصلاب الشامخة  

أخبرنا إسحاق بن إبراهيم الحديدي  قال : حدثنا الحسن بن داود الجعفري » بإسناده عن آبائه ، عن فاطمة بنت الحسين ، عن الحسين عليهما السلام قالت : كان جبريل ه السلام يأتي منزل فاطمة الزهراء صلوات اللّه عليها – فإذا ارتفع ضرب بجناحيه فيتناثر زغب ريشه ، فكانت فاطمة عليها السلام تأخذه فتجمعه وتعجنه بعرق رسول اللّه (ﷺ) فتفوح منه رائحة المسك ، فهو عندنا إلى يومنا هذا ([19]) .

المطلب الثالث: دور الزهراء في بيتها :

لقد أكدت السنة النبوية على ضرورة عمل المرأة في بيت زوجها ولو أردنا أن نجمل عملها في بيت الزوجية لاجملناه ب:

  1. فقد كانت تطحن الحبوب بيديها الكريمتين، وتكنس الدار، وتهيء الطعام من دون وجود مساعدة أو خادمة فهي بمنزلة الجهاد في الاسلام .

ويروى أن رسول الله(ﷺ) وجدها في يوم تطحن شعيرا وهي تبكي، فقال لها: ماالذي أبكاك يافاطمة؟ لا أبكى الله لك عينا،  فقالت(ع): أبكاني مكابدة الطحين وشغل البيت وأنا حامل، فلو سألت عليا أن يشتري جارية تساعدني على الطحين، وكان لبيت الزهراء المتواضع منار الايمان ومشكاة الهداية، فأرضعت أولادها من اللبن الخالص،

  • تربية الاولاد :

أ . التربية على أساس الإيمان : من خلال تعليمهم الحب والاحترام العاليين كان له الأثر الفاعل في تربيتهم مستقبلا وإعدادهم بشخصيات عظيمة هذه التربية الخاصة عكست آثارها مستقبلا مما جعلت الامام الحسين (ع) مصلحًا. وقد رضعت أولادها من اللبأ الخالص، وغذتهم بروح تربوية فيها تحقق الاصلاح الحقيقي، وهذا ماجعلهم مؤهلين لحمل رسالة جدهم، فشتان مابين تربية الامامين الحسنين وتربية معاوية وابنه يزيد([20]) .

ومن بين ألقابها( أمُّ أبيها )، فالأمُّ هي الوالدة، وجمعها أمهات، وتتكون من حرفين صحيحين و الهاء أصلية؛ ولكنهم حذفوها لأنهم أمنوا اللبس([21])

 وأصوله تدلّ على الأصل والمرجع والجماعة والدينوهي متقاربة، فالأُمّ الواحد، جمعها أُمهات وربما قالوا: أُمّ وأُمّات ([22])

وأضاف الجوهري بأنَّ الأم هي المسكن فأمُّ الشّيء: أصله، ومنه سميت مكة أم القرى، و أم النجوم المجرة([23]) .

و الأُمُّ هي الاصل قال تعالى:﴿  وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ . فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ سورة القارعة : 9  

و تعرف اصطلاحاً بأنّها الوالدة، وكل امرأة رجع نسبك اليها بالولادة من جهة الأم أو الأب؛ فالجدّة هي أُم في المعنى لأن الحقيقة هي الوالدة([24])

و تكرر لفظ الأم في القرآن الكريم و في مواضع كثيرة و منها الخطاب لـ( أم موسى ، و أم مريم ( ع)  ) في مواضع عديدة و منها قوله تعالى:﴿ يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ سورة مريم / 29 في إشارة إلى عفتها وطهارة والديها؛ فحين يكون الأبُّ و الأُمُّ مصدر صلاح يكون الأبناء تبعاً لهما .

 وهي الامتداد الروحي للرسول، ومن ذريتها استمر الاسلام بالإحياء وهذا ينسجم مع معنى الامومة، وهي من منحت الرسالة المحمدية البقاء والاستمرار ولامامنا الحسين ( ع ) الفضل و الفصل في إحياء معالم العقيدة، والدّين، وفيهم الصراط المستقيم لبلوغ الاسلام تعاليمه المثلى .

وهذا اللقب يؤكد معاملتها لأبيها معاملة الأُم الرؤوم فتشرفت بخدمته ومواساته من مضايقات أعداءه وعوضته عن حنان أمه ، وقد روى أنه ” كانت فاطمة إذا دخلت عليه قام إليها، فقبلها و رحب بها” ([25]).

فإن كانت نساء النبي قد اختصن بلقب ( امُّهات المؤمنين )؛ لقوله تعالى:﴿ النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ سورة الاحزاب: 6 ، فالزهراء اختصت بلقب ( أم أبيها )، وهو وسام مقدس منحها عظمة وتشريف اضيف الى مقامها الكريم، وكأنه يقول : ” أنت أعلى قدرا و أجل رتبة ؛ لأنك أم سيد الكائنات و أشرف المخلوقات ” ([26])

وكان النبي(ﷰ) يطلق هذه الكنية عليها، وقد شهد لها بذلك المخالفون والمؤيدون، ولفرط حنانها وعطفها عليه، فاذا جاءت إلى أبيها قام لها و قبّلها وأجلسها مكانه، وقد كانت تسلو موت ابيها بضحكة طيبة لتفارق الدنيا بنبأ الوحي لها بأنها أسرع الناس لحوقا به، وعبّر عن أيام استشهادهابـ( الأيام الفاطمية )، ولم تزل بعد وفاة ابيها ناحلة باكية حزينة القلب، وكان يأتيها جبرائيل ويطيب نفسها، ويبلغها بمكانة أبيها، ويقال: لكثرة بكاؤها ونواحها على ابيها سأل الشيوخ أمير المؤمنين أن يهدأها، فبنى لها بيتًا في البقيع ( بيت الاحزان ) وكان من جريد النخل. وفي ليلة وفاتها جاءها جبرائيل مع الملائكة، وأنبأها بخبر لحوقها بأبيها فرحلت، وهي ضاحكة المبسم.

ب: الاستقامة : من أهم أهداف التربية الناجحة الاستقامة في السلوك، وقد علمتهم الصدق والوفاء والإخلاص، وذلك واضح في تجلي الإمامة لديهم، فكانوا مؤهلين أيضا لقيادة الأُمَّة وشاطرها في تلك الأساليب الأب العظيم، ولم يكن دور الدور في التربية الصالحة للحسنين فقط؛ بل امتدَّ في قيادة السيدة العظيمة زينب والحوارات التي جرت بين الأولاد في ذلك البيت وجدهم وأبيهم انعكست في خلقهم الرفيع، ومثاله حديث الكساء وسائر الأدعية .

ج: الاعتماد على النفس:   من صفات التكامل النفسي والروحي الاستقامة والتي تمثل انعكاس للعلم والأخلاق يقول الامام علي (ع) :(( الشرف بالهمم العالية لا بالرمم البالية))([27]) فالاعتماد على النفس مسؤولية الوالدين، فالاب والجد والام منزلتهم عظيمة وخلقهم.

المبحث الثاني: الاسرة المثالية في البيت الفاطمي

المطلب الأول : معنى الاسرة

المعنى اللغوي للأسرة مشتق من ( أسر )، ويعني الإمساك بالشيء قال تعالى:﴿ نَّحۡنُ خَلَقۡنَٰهُمۡ وَشَدَدۡنَآ أَسۡرَهُمۡۖ وَإِذَا شِئۡنَا بَدَّلۡنَآ أَمۡثَٰلَهُمۡ تَبۡدِيلًا  سورة الانسان : 28 ، ويعني: شددنا خلقهم، وأسرة الرجل: عشيرته، ورهطه الأدنون؛ لأنّه يتقوى بهم وهي أيضا الدرع الحصينة ([28])

ومن معاني الاسر اللغوية نجد أن دلالاته توحي إلى اختيار الاسرة نموذج للاجتماع بين الرجل والمرأة ويشد بعضه بعضًا، فتربط بينهم أواصر قوية ؛ لأنّ الأُسرة الدرع الحصينة تحمي أفرادها داخل حصنها المنيع ففي الرحم والقرابة مايشد الانسان ويضمه ([29])

واصطلاحا لم يرد هذا اللفظ في القران الكريم لانه يطلق على التجمع البشري، وفي أدبيات التداول الاسلامي يعني التنبؤ عن العلاقات الزواجية([30]) .

المطلب الثاني: الاسرة المثالية في البيت الفاطمي

قال تعالى:﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ سورة الاسراء : 70

فكل انسان يتحمل مسؤوليته تجاه قدرات ومواهب ومميزات وقد حرص الاسلام الى الزواج المبكر في من يجد مؤونته وكره العزوبة وتكوين الاسرة عبر أساسه في التربية، فتقدمت رابطة الزواج لعقد فيه ضمان للمقدم والاركان والشروط وفيها تتحقق عوامل ( البيئة الصالحة والترابط الزوجي ، وجوانب الزواج المعنوية والحسية

 والمثالية كلمة ترجمت من ( Ideal) وتعني المثل الاعلى ، أو القيم الراسخة، ونحن نسير في ضوء القيم الايمانية فإن الاسرة المثالية هي الاسرة المؤمنة أو الأنموذج المشهود ، وفي هذا تتوافق الحالات مع ( الأنموذج) . ظ : الاسرة المثالية : الصفار

وكل فرد في هذه الاسرة له مسؤولية وعليه واجبات وتتضح في توافر عوامل عديدة، ومنها( البيئة الصالحة ومقدمات الترابط الزوجي وتحقيق جوانب الزواج المعنوية)

وتأتي السيدة الزهراء(ع) سيدة أهل البيت(ع) فتسجل أنموذجًا رائعًا في حبّها لربها ولأبيها رسول الله(ﷺ)، فنجد السلوك الروحي والاخلاقي في تعاملها مع بعلها وأبناءها، وبذلك فهي مثال للاسلام والعدالة ، ويروى عن أبي سعيد الخدري قوله: أن أمير المؤمنين(ع) (( أصبح علي ذات يوم ساغبا، فقال: يافاطمة هل عندك شيء تغذينيه؟ فقالت: لا والذي أكرم أبي بالنبّوة وأكرمك بالوصيّة ، ماأصبح عندي شيء. فقال : ألا كنت أعلمتني فأبغيكم شيئا؟ فقالت: ياأبا الحسن إنّي لأستحي نت إلهي أن أكلّف نفسك ما لاتقدر عليه))([31])

فالزهراء زوجة في بيتها وهي والدة وهي ربة بيت أتمت أعمالها المنزلية على أتم وجه ، وقد سجلت القيم الاسلامية في المودة وعن الحسن(ع)قوله:(( رأيت أُمّي فاطمة(ع) قامت في محرابها ليلة الجمعة، فلم تزل راكعة ساجدة حتى انفجر عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتُكثر الدعاء لهم، ولاتدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: ياأمّاه ولمَ لاتدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟ فقالت: يابنيّ الجار ثم الدار))([32]).

فكانت حريصة على دعاءها لجيرانها فتزرع بذلك حب معاملة الآخرين فإن تربى الطفل بهذه الصورة صلحت الاسرة والمجتمع .

وكان أمير المؤمنين(ع) رب هذه الاسرة وحافظ لرسول الله(ﷺ) وابن عمه وعلاقته روحية وحياتهما الزوجية تملؤها المحبة والسكينة والراحة النفسية ، فكل فرد منهم يؤدي دوره وواجباته على أكمل وجه وهذه الاسرة أنموذج وقدوة ويكفي قول أمير المؤمنين(ع ) في حقها (( ماأغضبتها مدّةحياتي معها، ولم تغضبني ولم تعصِ أمري مدّة حياتها معي))([33]).

وقد نشأت الزهراء(ع) في بيت الرسول الذي حمل لواء الاسلام وكل مكارم الأخلاق فيه ووصف بيته بقول الامام :(( ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله(ﷺ) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشمُّ ريح النبّوة..))([34]).

فقد أدّت السيدة الزهراء (ع) دورها الرسليفقد وقفت مع أبيها ونصرته ودافعت عنه وبقت تبكيه وتندبه طيلة حياتها بعده إلى أن لحقت به ، وقد اهتمت بأبناءها فربتهم على القيم الدينية والعلمية والأخلاقية والاجتماعية، إذن كانت الزهراء(ع) بنشأتها الاجتماعية أعلى مدرسة مثالية خرجت الحسنان وزينب فقد كانت تعلمهم خطب جدهم وهما لم يبلغا الخامسة من عمرهم لذا كانت الخطابة فيهم على أعلى مستواياتها([35])

وكانت تحترم شخصية ابناءها وتعاملهم معاملة خاصة فهي تدرك حقيقة الامامة فيهم وهذا درس لمعاملة الأبناء معاملة جيدة لتكسب ودهم ، وهي زوجة صالحة عاشت تسع سنين كزوجة وحياتها مليئة بالسعادة والطمأنينة على الرغم من الفقر الذي عاشته فحملت أعباء الرسالة وسجلت دروس تربوية في هذه الاسرة ، ومنها على سبيل المثال لا الحصر :

  • حسن التبعل ، ويكفي ذلك قولها (( ولا أغضبتني ولا عصت لي أمرًا))([36]).
  • مراعاة الظروف المالية لأمير المؤمنين(ع) فتقول له:((يا أبا الحسن إنّي لأستحي من أن تكلف نفسك مالاتقدر عليه))([37]).
  • تبادل الاحترام والمودة ، ويكفي في ذلك قوله(ع) : (( وقد كنت انظر إليها فتنكشف عني الهموم والأحزان))([38]).

فأيُّ سيرة عطرة سجلت لهذه السيدة العظيمة التي لاتدانيها أية إمرأة على وجه الأرض بل والسماء أيضًا، إلّا أُمهات الأنبياء والأوصياء بل لم يصلن مقامها الأسمى فسلام عليك مولاتي يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعثين حية .

الفصل الثاني: : التماسك الاجتماعي ( تعريفه و أبعاده ) :

أولًا: التماسك الإجتماعي :

نلمح في مفهوم التماسك دعوة إلى التآزر والتعاون والتضامن سواء أكان فيما بين أفراد المجتمع أو أفراد مجتمعات مختلفة، وله أبعاد متنوعة، وهو عامل مهم من عوامل قيام المجتمعات؛ فتنسج هيكلاً متضامناً يحقق أهداف متكاملة لها دورها البارز في المجتمع.

 ويعدُّ التماسك الاجتماعي من المواضيع التي تدرس في علم الاجتماع والانثروبولوجيا وعلم النفس فالتفاعل فيه بين الأفراد والمؤسسات بشكل مستمر، وقد عُرّف بتعريفات متعددة ومنها: وجود صلة تجمع بين الأفراد وتؤثر في سلوكهم. لها دلالات تأثيرية ([39]).

 والتماسك مصدر مشتق من الفعل( مسك )، و في أُصوله يقول ابن فارس ( ت 395 هـ):” الْمِيمُ وَالسِّينُ وَالْكَافُ أَصْلٌ وَاحِدٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى حَبْسِ الشَّيْءِ أَوْ تَحَبُّسِهِ.” ([40]) .

 ويعني الترابط بين أجزاؤه بعضها مع بعض.

 والتماسك الإجتماعي يعني ترابط الأجزاء فيما بين أفراد المجتمع الواحد ،ـــ وعلى سبيل المثال لاالحصر ـ التماسك فيما بين الفريق الواحد الرياضي فيتوحدون فيما بينهم في الترابط والاستمرار والالتصاق، ونظرياته كثيرة ومتنوعة، وأولُّ من استعمله العالم ( اميل دوركهايم ) فرأى فيه الاعتماد على طبيعة الجماعات ولمجتمعات أو فئات معينّة؛ فتؤثر تأثيراً كبيراً على سلوك الأفراد في تماسكهم و وحدتهم لمصالح عامّة، وينجذب الفرد إلى سلوك جماعته ومنها( أخلاق وعادات وتقاليد )([41]).

 وقد أضحى من خصائص المجتمع الإيجابية؛ فقد تكون الجماعات مفككّة أو منظمة؛ فالمنظمة فيه تحافظ على الهوية الوطنية، وتوجد منظومة من القيم، و المعايير، وروح المسامحة التي تخلق التعايش السلمي.

ومن أبعاد هذا التماسك ( التعاون والتضامن والاندماج و التكامل والتوافق )([42]) .

 وحثّ الإسلام على إشاعة الفضيلة والآداب بين المسلمين وأمرهم بالتودّد والتآلف إلى بعضهم؛ فالإسلام يوجب التماسك الإجتماعي ويقويّه، وكان من اهتمامه بذلك أنّه جعله في الأهمية بعد الإيمان باللّه؛ فالإيمان عنصر أساسي من عناصر التماسك الاجتماعي؛ فهو يدفع أفراد المجتمع نحو التعاون والتفاهم ويبعدهم عن التشاكل و التفرق والتنازع.

 ومن المعطيات الإيجابية التي تساعد على إيجاده  (الإيمان والكفر)، ونجدُّ نتائج عديدة، ومن بينها ( الأخاء والاحترام والنصيحة زيادة على تواجد القيادة المناسبة)؛ أما في ديننا الحنيف فقد ورد اصطلاح التماسك كثيراً بمعنى التراحم والصلة بين الناس،ويبدو ذلك واضحا ًفي قولهِ تعالى ﴿ إنما المؤمنون أخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون ﴾ سورة الحجرات: 10 .

وكلمّا يكون المجتمع متراحما يكون قويا ًومتماسكاً، وكلمّا كان مفككاً يكون ضعيفاً في التصّدي للعدو؛ لأنّ دعائمه وأسسه استهلكت([43]).

   إنَّ تعاليم أهل البيت ( عليهم السّلام ) التي تمثلت في مدرسة الإمام الصادق ( عليه السلام ) تؤكد على ضرورة التماسك الاجتماعي، والابتعاد عن العوامل التي تضعف هذا التماسك؛ ولما كانت صفة المسؤولية الإجتماعية هي التعبير عن الاهتمام بالآخرين فقد أكدّ أهل البيت (عليهم السّلام ) على ضرورة تعزيز هذا التماسك، وهو مظهر في شخصية المسلم.

 فقد حرص الإمام علي بن أبي طالب( عليه السّلام ) على تربية أفراد بيته ومن ثمّ مجتمعه الإسلامي ثم المجتمع بأكمله مما يوجب اليقظة والشعور بالمسؤولية، وهذا يتوافق مع ما ورد في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة، قال رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ):” كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرآة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته”([44]).

 ومن هنا نجد في التماسك قوة خلقية وروحية يزهو بها المجتمع انطلاقاً من اللبنة الأولى للانسان، وهي البيت والاسرة والعائلة ثم الإنطلاق إلى المجتمع بأكمله بما فيه من أقارب وأرحام، ثم الجيران والأصدقاء وانتهاء بالمجتمع بأكمله .

 ونقف الآن وقفات قصيرة وسريعة لاستعراض مارسمته الزهراء( عليها السّلام ) من صور هذا التماسك ؛ فقد حملت مسؤوليات كبيرة في قيادة المجتمع ؛ من خلال تربية أبناءها وهم القدوة الفاعلين في المجتمع الإسلامي .

ثانيًا: السيدة الزهراء ( عليها السّلام ) أنموذجاً لبناء الأسرة المتكاملة

 حققت السّيدة الزهراء ( عليها السّلام) أنموذجاً فريداً في بناء الأسر المتكاملة، وكانت صمام الأمان للإمام علي (عليه السّلام)في السّراء و الضّراء؛ فكان بيتها بعيداً عن الإضطرابات السلوكية التي يشهدها المجتمع الحالي ؛ فلا خلل ولاضعف بين أفراده؛ بل نجدُّ فيه القيم الروحية والتربوية العالية رغم ورود العديد من الروايات التي تؤكد زهده .

  لقد تحقق في مصاهرة الإمام علي ( عليه السّلام ) من النبِّي الكريم مقررات كثيرة وتجلّت في مراسم عقد زواج أمير المؤمنين والزهراء ( عليها السّلام ) دروساً تربوية وأخلاقية؛ ففي المصاهرة إلحاق بالنسَّب والصهر وتكوين لاسرة مثالية، وفيها بناء لأفراد اسرة واحدة([45]) .

 لم يكن مهر الزهراء كمهر غيرها من النسّاء؛ ويكفي في فخرها ذكر المصادر السنية التي تروي لنا هذه الأحداث؛ ويروى عن الرسول ( صلّى اللّه عليه وآله ) دخل عليها مخاطبا لها :” إن ابن عمك قد خطبك … والذي بعثني بالحق ماتكلمت في هذا حتى أذن الله فيه من السماء ،فقالت فاطمة : رضيت بما رضي الله لي ورسوله فخرج من عندها”([46]).

 فرجع إلى الإمام علي ( عليه السّلام )، وقال:” هل عندك من شيء تستحلها به؟ قلت : لا والله يارسول الله، فقال: مافعلت الدرع التي سلَّحتكها، فقلت: عندي، والذي نفس علي بيده إنّها لُحطَمِيَّة ماثمنها أربعمائة درهم، قال: قد زوَّجتُكها، فابعث بها”([47])؛ فكان مهرها وصداقها من الله ( ارض فدك والجنة والشفاعة )([48])، ونثارها شجرة طوبى، وسدرة المنتهى ونثارها اشجار الجنة؛ فسارت الملائكة في زفافها.

إن أصالة الأسرة في عهدة المرأة وخير مثال لتلك الاسرة البيت الفاطمي العلوي. وتعدّ المرأة الركن الأساس فهي من تؤلف بين الرجل والمجتمع، و الأفراد الذين يولدون فيما بعد. فتستقطب الرجل و تزرع فيه العاطفة والحنان والأمان ،وتبدأ معه في تكوين اسرة وأرحام ،وبهذا فإنّ دور المرأة ايجاد الترابط الرحمي بين الأقارب إضافة إلى رابطة الرحم بين الأعضاء النسبيين للاسرة الواحدة، ولاينكر دورها في إيجاد الإرتباط الرحمي بين الأقارب السبيين أيضا “([49])

قال تعالى:” وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون” سورة الروم /21

 إنَّ التنبّيه على جمال المرأة يتحقق في عقلها، فالتجمل سمة من أخلاق المؤمنين قال( عليه السّلام ) : “عقول النساء في جمالهن و جمال الرجال في عقولهم “([50])، والمعنى: أمري ليس بوصفي فعلى المرأة أن تظهر الحكمة في الفن،و على الرجل أن يظهر الفن، والحكمة فجلال المرأة ( جمالها )، وجمال الرجل ( جلال )، وهذه المعادلة تعني: إرشاد وأمر عملي لكلِّ منهما فكل منهما لديه عمل خاص ومراعاة حقوق الأرحام وأوُّلها حقُّ الأمِّ ثم الأب.

 يقول الإمام زين العابدين( عليه السّلام ):” وأوجبها عليك حقوق أئمتك ثم حقوق رعيتك ثم حقوق رحمك، فهذه حقوق يتشعب منها حقوق فحقوق أئمتك ثلاثة أوجبها عليك حق سائسك بالسلطان ثم سائسك بالعلم، ثم حق سائسك بالملك وكل سائس “([51])

 وعن أبي ذر الغفاري قوله :” بعثني النبي أدعو علياً فأتيت بيته وناديته فلم يجبني فأخبرت النبي، فقال عد إليه فإنه في البيت ،فأتيت ودخلت عليه فرأيت الرحى تطحن ولا أحد عندها فقلت لعلي: إن النبي يدعوك فخرج متوشحا حتى أتى النبي ص فأخبرت النبي بما رأيت فقال:” ياأبا ذر لا تعجب فإن لله ملائكة سياحون في الأرض موكلون بمعونة آل محمد “ ([52])

 وفي رواية للحسن البصري قوله “وجدت فاطمة نائمة والرحى تدور، فأخبرت رسول الله بذلك فقال :” إن الله علم ضعف أمته فأوحى إلى الرحى أن تدور فدارت “([53]).

  ويكفي في فخر سيدة النسّاء أن ورد اسمها( عليها السّلام ) في قصائد خاصّة في مديح أهل البيت وهي قصائد (الغدير ) للشعراء الشيعة ومما جاء منها :

قصيدة المتنبي التي يمدح بها طاهر بن حسين العلوي فيقول:

كذا الفاطميون الندى في أكفهم       أعز انمحاء من خطوط الرواجب([54]) .

 ويقول الخطيب المنبجي وهو من شعراء أهل البيت([55])، فيرسم صورة مجيء الرسول إلى بيتها فيقول:

وزارَ البِّرة الزهراء يوماً         رسول للله خير الزائرينا

فجاءت توقظ الهادي علياً     وكان موسداً في النائمينا ([56])

ويقول ايضا في مدحها :

توافي في النشور على نجيب         به أملاك ربك محدوقونا

ويسمع من خلال العرش             ينادي والخلائق شاخصونا

إلا انَّ البتول تجوز فيكم            فغضوا من مهابتها العيونا

وكان الله يرضى حين ترضى       ويغضب ان غدت في الغاضبينا

وقال محمد بن علي الرازي ( ت 405 ه) :

وأزهر من بني الزهراء يرنو     إليَّ كما رنا الظبي الكحيل ([57]).

ثالثًا : البيت الفاطمي (عليها السّلام)

 للمرأة دور كبير في بناء المجتمع؛ فهي من تؤثر في العائلة هي الأم فوجودها يخلق التضحية و الإيثار؛ فكل المجتمعات سواء أكانت إنسانية أو غيرها وجودها واستمرار حياتها يتوقف على وجود الأمّ فهي من تخلق الصفاء والحنان والرأفة بين أفراد الاسرة الواحدة ، وهذا لا يعني أن الأب وجوده قليل بل هو المسؤول لتولي العمل الإداري و القيادي ؛ لذلك نجد الدور الرسالي للأب ؛ ولكن العائلة الواحدة تتطلب وجود ركن الوفاء و الحنان و الرأفة وهو بعهدة الام؛ و لذلك نرى في علم النفس من يرى أن ولادة الاولاد من أم واحدة؛ كفواكه الشجرة الواحدة فصلة الرحم مطلوبة في كل آن و وقت فإن صلة الرحم فريضة من فرائض الله (عز وجل)على عباده، فقد قال الله سبحانه وتعالى:  “وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا” ؛لذلك نجد الامام زين العابدين (عليه السلام) يؤكد على هذه الحقوق فيقول :” وحقوق رحمك كثيرة متصلة بقدر اتصال الرحم في القرابة. فأوجبها عليك حق أمك ثم حق أبيك، ثم حق ولدك، ثم حق أخيك ثم الأقرب فالأقرب والأول فالأول، ثم حق مولاك المنعم عليك، ثم حق مولاك الجاري نعمته عليك، ثم حق ذي المعروف لديك ثم حق مؤذنك بالصلاة، ثم حق إمامك في صلاتك، ثم حق جليسك، ثم حق جارك، ثم حق صاحبك ثم حق شريكك، ثم حق مالك، ثم حق غريمك الذي تطالبه، ثم حق غريمك الذي يطالبك، ثم حق خليطك، ثم حق خصمك المدعي عليك ثم حق خصمك الذي تدعي عليه، ثم حق مستشيرك، ثم حق المشير عليكم حق مستنصحك، ثم حق الناصح لك، ثم حق من هو أكبر منك، ثم حق من هو أصغر منك، ثم حق سائلك، ثم حق من سألته، ثم حق من جرى لك على يديه مساءة بقول أو فعل أو مسرة بذلك بقول أو فعل عن تعمد منه أو غير تعمد منه ثم حق أهل ملتك عامة، ثم حق أهل الذمة([58]) .

 قال تعالى في وصف بيت النورين :” في بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ . رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ”  سورة النور : 36 ـ 37 

  أمتاز بيت النحل بأنّه ( رائعة معمارية) ففيه من أُسس ومرتكزات البيوت( البناء والأهداف والتربية) فأًصبح مثالاً يضرب به ؛ فخلايا النّحل في ترتيبها العجيب بشكل سداسي والذي يعدّه علماء الهندسة والرياضيات من الأشكال الهندسية؛ فيتيح لها استغلال المساحة فلا فواصل بينها داخل الخلية الواحدة([59]) .

وعن أبي جعفر(عليه السّلام) قوله: “هي بيوت الأنبياء وبيت علي (عليه السّلام) منها([60]).

فقد فُسّر بيت النحل بـ( أهل البيت )، ويؤكد ذلك برواية الرسول الكريم:” نحن البيوت التي أمر الله بها أن تؤتى من أبوابها نحن باب الله وبيوته التي يؤتى منها فمن بايعنا وأقر بولايتنا فقد أتى لبيوت من أبوابها ومن خالفنا وفضل علينا غيرنا فقد أتى البيوت من ظهورها”([61]).

فآل محمد ( صلوات ربي و سلامه عليه) هم أبواب الله وسبله والدُّعاة إليه وإلى الجّنة([62])، وقيل: نزول الآية في الإمام علي (عليه السلام)، وبدليل قوله:” أنا مدينة العلم وعلي بابها ولاتأتوا المدينة إلاّ من بابها “([63]).

 وتعددت التفاسير التي أوّلت معاني( بيوت أذن الله أن تُرفع )، ومنها أنّها المساجد،وليس بجديد هذا التأويل فبيوت الآل هي التي يذكر فيها اسمه تعالى.

قال تعالى:” وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ“سورة النحل : 68

 ومنه بيت النحل المحكم في صنعه و تماسكه وإدارته على العكس من بيت العنكبوت الواهن الضعيف الذي لايملك من التماسك شيء إلاّ اسمه بيت في قوله تعالى:”مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ” سورة العنكبوت: 41 

 وأهل البيت هم من يمثلون بيت النحل بأساسه ونظامه المتكامل فهم أساس الإصلاح؛ لقول أبي عبد الله (عليه السّلام):”نحن النحل التي أوحى الله إليها( أن اتخذي من الجبال بيوتاً )أمرنا أن نتخذ من العرب شيعة فالنَّحل هم الأئمة والجبال العرب([64]).

  ومنهم نستلهم الدروس والعبر ومن جدهم تنبع أصول السُّنة النبوية الطّاهرة، ولم يكن دورهم الديني بمنأى عن الدور التربوي والأخلاقي لتنمية الفرد في خلق الإنسان في أحسن تقويم؛ فقد قدمّ الإسلام الصحابي سلمان الفارسي وجعله من أهل البيت( عليه السّلام ).

  وقد استدلّ الكتاب المبين بشواهد من الواقع الحسي؛ ليصور حال البيوت فضرب مثلاً ببيتي النحل و العنكبوت للدلالة على الفارق بينهما؛ فمن يعبد غير الله تعالى ويسير مخالفاً لأهل بيته فبيته واهن كوهن العنكبوت، ومن يعبد اللّه فبيته كبيت النحل المتكامل من كلِّ نواحي الحياة؛ ففيه الأساس الصحيح والبناء القويم، ويتحقق ذلك في الوقاية من الحر والبرد، والدلالة العقلية هنا على لفظ البيت يفهم من خلاله وجود السقف المانع لصدِّ الإعتداء، ويستلزم وجود الحائط والأساس يعني العبادة، والتي تتمثل في النبّوة والولاية التي تعدُّ الأساس في تكوين البيت والوصف هنا استدلالي بضرب المثل؛ ليكون عبرة ووعظاً وإرشادا ليتفهم ذوو الألباب.

 فقد كان بيت فاطمة يقوم على أُسس وقواعد متينة، ومنها التواصل بين أفرادها، وحل المشكلات فيما بينهم ، الدعم النفسي من قبل أبيهم أمير المؤمنين(عليه السّلام)؛ فكانت التربية فيه تربية اسلامية تسوده الود والاستقرار والطمأنينة وهذا نابع من وجود المودة والرحمة بين الوالدين ففيه السكون للنفس والهدوء للأعصاب، وهذه كلها روابط أدت إلى التماسك القويم؛ لقول رسول الله “خيركم خيركم لنسائه، وأنا خيركم لنسائي” ([65])

 فقد أكد اهل البيت (عليه السّلام) إلى الإحسان للمرأة، وحفظ كرامتها. كما أن مراعاة حقوق الزوجية مطلوبة قال تعالى :” الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا” سورة النساء: 34 فواجب الزوجة تقوم على قيمومة الزوج؛ ولذلك نجد الإسلام يراعي البيوت، و حفظها وينهى عن الطلاق لآثاره السلبية على الأطفال، ومن بعده المجتمع فيخلق الإضطراب النفسي التي تنعكس سلبا على العلاقات الزوجية ؛ لذلك نجد الأُسر الإسلامية أكثر تماسكاً و حفاظاً وتلاحماً فيما بين أفرادها على العكس من الاسر الغربية التي يسودها التفكك والإنحلال؛ فالرابطة الزوجية نواة اولى لتكوين زواج مثالي .

 ويرى الاخصائيون في علم النفس أنّ هنالك بعض العوامل التي تنجح فيها البيوت، ومن بينها: الإجتماع فيما بينهم؛ كجلوس العائلة مع بعضها بعضا، وأصبح هذا المشهد قليلا في مجتمعنا الحاضر، وخير مثال لبيت سيدتنا فاطمة الزهراء( عليها السّلام )اجتماعهم في حديث الكساء، وهم خمسة معصومون؛ فقد كان رسول الله ( صلّى الله عليه و آله) يحرص على اجتماع الحسنين معه؛ لآثاره النفسية التي تنعكس في تربيتهم؛ فقد تحلوا بصفاته، و اتصفوا بكرم أخلاقه، ومن بعده والدهم أمير المؤمنين( عليه السّلام)؛ فقد كان يوجه ويهذّب ويعلّم؛ فكان الحوار فيما بينه و بينهما حوار الأب الناصح، والابن الصالح مما انعكس في أخلاقهم فقد تأدّبوا بآدابه وفقاً لقوله تعالى: وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا سورة الاسراء : 23 ، واذا رجعنا الى وصاياه في نهج البلاغة نجدُّ الإمام( عليه السّلام) في وصاياه لولديه(عليهم السّلام)قائلاً :” :”اضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ([66]) أي لا تزيدوا و لا تمثلوا فيه فتميلوا عن القصاص، ففي هذه الوصية بشكل خاص نجده يوصي الحسنين و أهل بيته ومن ثم شيعته بوصايا عامة ؛ ليرسم خارطة للطريق في بيان علاقة الانسان بربه أولاً و بغيره ثانياً ، و مجمل وصايا آله من بعده تتقارب فيها هذه المبادئ السّامية ؛ فعُدّت وثيقة تأريخية لاعمال البشر فهي اجتماعية و التحلي بها مطلوب في السلوك الاجتماعي القويم و في هذه الوصيّة نجد التهذيب النفسي و التربية العلوية ففي وصيته هذه يتجلى الخلق الرفيع و الطريق المستقيم و هو في آخر لحظاته مع آل بيته واوصى بقاتله و عدم التمثيل به و هي عادة العرب في الجاهلية فنهى عنها و أمر بآداب يجب المحافظة عليها

الخاتمة :

بعد هذا الضيافة مع سيدتنا الكبرى وأمنها الاسري نقف لنسجل الصورة المشرقة التي توصلنا اليها في هذا البحث ومن أهمها :

  • كان لبيت النبوة أثر كبير في إشاعة قيم التربية الروحية، فنجدها تقف   لتسجل الأمن والأمان في بيت علي (ع) وهو البيت الفاطمي الموسوم باسمها فرسمت منهج متكامل في قيمه الأمنية وتماسكه المجتمعي، تدبرت أحكام القرآن وعملت بها في ضوء رسوخ الاسرة المثالية
  • مثّل بيت الزهراء (ع) انموذج متكامل واسوة حسنة للأمن والأمان العالميين بكل مافيه من تعليم وتهذيب وتربية،  فوقوفها مع زوجها في أصعب المواقف سجل فريدة في هذا العصر العولمي الذي تنكاد تنعدم فيه تحمل الزوجة لأعباء الحياة وقساوة الزوج والمحيط الخارجي وعصيان الأبناء وعقوق الوالدين .
  • منحت مولاتنا الزهراء ( ع ) مكانة لم ترق اليها أي من نساء الكون و إن ممن قاربت منزلتها من أمهات الأنبياء و الأوصياء كان لقبها في وقتها المعاش إلاّ أن الزهراء انفردت من بينهنّ بأنّ ألقابها و أوصافها سرمدية أبدية و أغمضت عينيها لترحل بعد أن تركت أبناؤها الثلاثة و أوصتْ بهم ، و أن تدفن سراً ؛ ليبقى قبرها مجهولا و هو سؤال حيّر الباحثين قديما و حديثا .
  • منحت مولاتنا الزهراء للولاية التشريعية و هي منزلة تقارب منزلة ( السيدة مريم و ام موسى و زوجة ابراهيم ) و تجلت تلك الولاية لها فخاطبها الوحي و هو رد لمن يذهب بأن الولاية خاصة للأنبياء فقط ؛ بل و امتدت الى سبطيها الحسن و الحسين ( ع ) بعد أسباط نبي الله يوسف ( ع ) لقول الرسول ( ص ) حين خاطب الامام علي ( ع ) بقوله : ” إلاّ إنّه لا نبيَ بعدي ” .

المصادر والمراجع:

  • القرآن الكريم .
  • الاحتجاج: الشيخ الطبرسي ( ت 548 هـ) ، تحقيق : السيد محمد باقر الخرسان، 1966
  • أخلاق أهل البيت : علي الحسيني الصدر، د . ت .
  • أخلاق النبوة والامامة : الفيض الكاشاني ، لبنان ، دار الحي البيضاء ، 2005
  • بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار : محمد باقر المجلسي ،دار إحياء الكتب الاسلامية ، ايران ـ قم .
  • البصائر والذخائر : أبو حيان التوحيدي، علي بن محمد بن العباس (ت نحو ٤٠٠هـ)
    تحقيق: د . وداد القاضي،ط 1 ، دار صادر – بيروت، ١٤٠٨ هـ – ١٩٨٨ م
  • بضعة المختار ـ دراسة تحليلية جديدة لتاريخ الزهراء في مصادر اهل السنة : السيد فالح عبد الرضا الموسوي ، ط 1 ، العتبة الحسينية ، دار الوارث ـ كربلاء ،  2019
  • تاج اللغة وصحاح العربية : أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري الفارابي (ت ٣٩٣هـ)، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، ط 4 ، دار العلم للملايين – بيروت، ١٩٨٧ م
  • التحرير و التنوير : للامام الشيخ : محمد الطاهر بن عاشور ، الدار التونسية للنشر ـ تونس ، 1984
  • تحف العقول: ابن شعبة الحراني( ت ق 4 ) ، تحقيق : علي أكبر الغفاري، 1404 .
  • جمال المرأة و جلالها : عبد الله الجوادي الآملي ، ط 1 ، دار الهادي ، بيروت ـ ـلبنان ، 1994
  • الزهراء قدوة : حسين أحمد الخشن، لبنان ، دار الملاك ، 2001
  • السيدة فاطمة الزهراء قدوة وأسوة: مركز المعارف للتأليف والتحقيق ، دار المعارف الاسلامية ، منتدى مهدي الكشفي، د . ت .  
  • سير أعلام النبلاء: شمس الدين، محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)، تحقيق: حسين أسد مؤسسة الرسالة، ١٩٨٥ م.
  • الطبقات الكبرى: محمد بن سعد بن منيع الهاشمي البصري المعروف بابن سعد
    دراسة وتحقيق: محمد عبد القادر عطا، ط 1 ، دار الكتب العلمية – بيروت- ١٩٩٠ م
  • غرر الحكم ودرر الكلام: عبد الواحد بن محمد التميمي  الامدي ( ت 550 ه) ، دار الهادي ، بيروت ـ لبنان ،  د . ت . 
  • فاطمة الزهراء أم ابيها : فاضل حسين الميلاني ، مطبعة الآداب، 1968
  • فاطمة الزهراء ع قدوة الصديقين : السيد محمد تقي المدرسي: دار محي الحسين ، ط 1 ، د . ت .
  • كتاب العين : لابي عبد الرحمن الخليل بن احمد الفراهيدي ( ت  175 هـ ) ، تحقيق : د مهدي المخزومي و د . ابراهيم السامرائي ، دار ومكتبة الهلال ، د . ت .
  • كشف الغمة في معرفة الأئمة : أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الاربلي ( ت 692 ه)، المؤتمر العالمي للامام الرضا (ع) ، أمير قم ، 1410 .
  • الكليات : لأبي البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي ( ت 1094 هـ) ، ط 2 ، مؤسسة الرسالة ، 1998 .
  • مدخل على اصول التربية: ا.د سعيد اسماعيل على ، دار السلام ، د . ت.
  • مصابيح السنة:  أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (ت ٥١٦ هـ)
    تحقيق: الدكتور يوسف عبد الرحمن المرعشلي وآخران، ط 1 ، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، ١٤٠٧ هـ – ١٩٨٧ م
  • المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم : محمد فؤاد عبد الباقي ، دار الكتب المصرية ، مصر ، 1364 ه.
  • معجم مقاييس اللغة : احمد بن فارس بن زكريا ، تحقيق : عبد السلام محمد هارون ، دار الكتب العلمية ، د ، ت
  • المعجم الوسيط : ابراهيم مصطفى ، احمد الزيات ، حامد عبد القادر ، محمد النجار ، مجمع اللغة العربية ـ القاهرة  ، دار الدعوة ، 2010
  • المفردات في غريب القران  : لابي القاسم الحسين بن محمد المعروف ب( الراغب الاصفهاني ) ، ، نزار مصطفى الباز ، د . ت  .
  • المغرب في ترتيب المعرب  : بو الفتح ناصر بن عبد السيد بن علي المطرزي الحنفي الخوارزمي (ت ٦١٦ هـ)، دار الكتاب العربي – بيروت، د . ت
  • المفردات في غريب القرآن : ابو القاسم الحسين بن محمد الراغب الاصفهاني ، مكتبة نزار مصطفى الباز ، د . ت .
  • نهج البلاغة و المعجم المفهرس لألفاظه :  كاظم محمدي ومحمد دشتي ، ط 1 ، دار التعارف للمطبوعات ، 1990 .

[1] . الاحتجاج 1 : 147 .

[2] . ظ : بحار الانوار : 164 .

[3] . ظ : جمال المرأة و جلالها :23 .

[4] . بحار الأنوار : 1 / 82 .

[5] . تحف العقول : رسالة الامام السجاد : 250

[6]. ظ : كتاب العين : ( مادة أمن ) : 8 : 390

[7] . ظ : المعجم المفهرس لالفاظ القرآن الكريم : 140 ـ 141

[8] . ظ : مقاييس اللغة : 1 / 324

[9] . ظ : المصدر نفسه

[10] . المفردات : 82

[11] . الكليات : 239

[12] . ظ : المغرب في ترتيب المعرب  : 55

[13] . طبقات ابن سعد 4 : 77

[14] . ظ : المعجم الوسيط : 78  

[15] . ظ:  التحرير والتنوير14 : 237 .

[16] . فاطمة الزهراء ام ابيها : 62

[17] . ظ : المصدر نفسه

[18] . فاطمة الزهراء ام ابيها : 62 و ظ : فاطمة الزهراء قدوة حسنة: 41

[19] . المصابيح : 131.

[20] . ظ : فاطمة الزهراء أم ابيها : 88

[21]. ظ : العين ( مادة أم ) : 8 / 433

[22] . مقاييس اللغة ( مادة أم ) : 1 / 21 .

[23]. ظ : الصحاح ( مادة أم ) : 5 / 1863 .

[24]. الكليات : 187  .

[25] . سير اعلام النبلاء: 2 / 127

[26] . بضعة المختار : 114 .

[27] . غرر الحكم ودرر الكلم : 87

[28] . ظ : مقاييس اللغة:( مادة أسر):

[29] . ظ: البصائر والذخائر1 : 114

[30] . ظ : مدخل على اصول التربية: 9

[31] . أخلاق أهل البيت : علي الصدر : 9 .

[32] . أخلاق النبوة والامامة : 102

[33] . الزهراء قدوة : 89

[34] . نهج البلاغة : خ 192

[35] . فاطمة الزهراءع قدوة الصديقين

[36] . بحار الأنوار 43 : 134

[37] . كشف الغمة 2 : 97

[38] . بحار الأنوار 3 : 134 .

[39] . ظ : تهميش التماسك الاجتماعي في المدارس الثانوية في اتجاهات التلامذة السياسية والاجتماعية والمدنية في لبنان : 8

[40] . مقاييس اللغة: 5 / 320 .

[41] . ظ : اشكالية التماسك الاجتماعي في العالم العربي ـ تجارب مقارنة :117.

[42] . ظ : التماسك الاجتماعي ماهيته وابعاده ومقوماته : 194 ـ 200  .

[43] . تنظيم الاسلام للعلاقات الاجتماعية في الاسلام ) رسالة ماجستير) :369 .

[44] . رياض الصالحين : 235

[45] . ظ : بحار الانوار : 164 .

[46] . تاريخ مدينة دمشق : 42 : 125

[47] . سيرة ابن اسحق :5 :230 .

[48] . بضعة المختار : 140

[49] . ظ : جمال المرأة و جلالها :23 .

[50] . بحار الأنوار : 1 / 82 .

[51] . تحف العقول : رسالة الامام السجاد : 250 .

[52] . بحار الانوار : 43/ 45 .

[53] . مناقب آل أبي طالب :3 /116 .

[54] . المستدرك :52

[55] . لم يعرف اسمه ولا اسم أبيه وذكره ابن شهر اشوب في المعالم : 151 وصاحب الاعيان : 2 /326

[56] . المستدرك : 98

[57] . المصدر نفسه : 109

[58] . ظ : بحار الانوار : 71 : 11

[59] . ظ : التحرير والتنوير : 40

[60] . المغرب في ترتيب المعرب :55

[61] . الاحتجاج : 227 .

[62] . ظ : مجمع البيان : 1 / 27.

[63] . تفسير القمي :1/77

[64] . ظ : تفسير القمي : 1 / 387 و ظ : تفسير العياشي : 3 / 15.

[65] . من لايحضره الفقيه : 3 /443

[66] . نهج البلاغة : ك 47 ، 317

التصنيفات : البحوث | بحوث أخرى