الزّهراء(ع) القدوة سيِّدة نساء العالمين/ السيد محمد حسين فضل الله
لا نزال في هذه الأيّام نعيش ذكرى سيّدتنا.. سيِّدة نساء أهل الجنَّة.. سيّدة نساء العالمين فاطمة الزّهراء، سلام الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها. ونريد أن ندقّق في العناوين الكبيرة الّتي تمثّل الإطار الروحيّ لأهل البيت(ع)، والعنوان الكبير الّذي يتمثّل في شخصيّة الزهراء(ع).
أمّا العنوان الكبير الّذي يجمع أهل البيت، فهو: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}[1]. وقد ذكرنا أكثر من مرة، أنَّ السنّة والشّيعة التقوا على أنَّ هذه الآية نزلت في هؤلاء (محمد وعليّ وفاطمة والحسن والحسين)، وإن كان موقعها يوحي بأنها جاءت في سياق الحديث عن زوجات النبيّ(ص)، ولكنّنا ذكرنا أنَّ هذه الفقرة من الآية نزلت بمفردها، ولم تنزل مع ما قبلها وما بعدها، ولكنَّها وضعت في هذا السِّياق من أجل المناسبة.
الإرادة التكوينيّة
ونريد أن ندقّق في كلمة: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ}، فالإرادة الإلهيَّة في كلِّ ما جاء في القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[2] وأمثالها، هي لبيان ما قد يعبّر عنه بالإرادة التشريعيَّة، أي أنَّ الله يشرّع لكم ما يشرّعه، ويبيّن لكم ما يبيّنه، مما يأمر به أو ينهي عنه أو يقرِّره في ما هو في الخطّ المستقيم، بمعنى أنَّ الله يريد أن تختاروا هذا الخطّ، فهو يريد بكم اليسر، لأنَّ ما جاءكم هو الشّريعة السَّهلة السَّمحة، ولأنّه: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}[3]، و{وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}[4]، بل يريد الله ليخفِّف عنكم من خلال ما رخَّص لكم هنا وهناك، وهو ما قد يطلق عليه اسم الإرادة التشريعيّة، فالله يريد للناس أن يتَّصفوا بشيء، وأعطاهم الوسيلة أو الآليّة الّتي يمكنهم من خلالها أن يحقّقوا ذلك، أو أن ما أعطاهم من التّشريع هو يسر وتخفيف وسعادة وما إلى ذلك.
فقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}[5]، لا يمكن أن يراد به الإرادة التّشريعيّة، بحيث (يذهب الرّجس) من خلال ما يخطّط ويشرّع لكم، ويأخذ بأيديكم لما يذهب الرّجس عنكم، وأن يطهِّركم بوسائل التّطهير التي تأخذون بها، لأنَّ هذا أمر لا يختصّ بأهل البيت(ع)، فالله من النّاحية التشريعيّة يريد ليذهب الرّجس عن كلّ إنسانٍ بالشّريعة الإسلاميّة، ويريد أن يطهّر الناس كلّهم بهذه الشريعة، ويريد منهم أن يبتعدوا عن أسباب الرّجس، وأن يأخذوا بأسباب الطّهر والطّهارة. وإذاً، فلا بدَّ من أن يكون المراد من قوله عزَّ وجلَّ: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ}، الإرادة التّكوينيَّة، ومعناها في هذا المجال، أنَّ الله أودع في أهل البيت(ع) من عناصر العلم والرّوح وخصائص القدس، ما يذهب به الرّجس عنهم وما يحقِّق الطهارة فيهم.
سبب التَّكريم الإلهيّ
وقد يقول قائل: هل إنَّ المسألة هي أنَّ الله يسلبهم الاختيار، أي أنهم يكونون الطّاهرين بغير اختيارهم، والبعيدين عن الرّجس بغير اختيارهم، بحيث يتحركون بالطّهر تحركاً آليّاً كما تتحرّك الآلة من دون وعي، أو أنَّ المسألة ليست كذلك؟
قلنا فيما سبق، إنَّ الله أودع نوراً يتحرّكون فيه من خلال وعيهم لكلّ خطوط النّور وآفاقه، فالله أعطاهم النّور والعلم والرّوحانيَّة التي تلتقي كلّها عند وعي الله في معرفته، ووعي الإسلام في عمقه وامتداده، بحيث يتحركون بالطّهر بوعي، ويبتعدون عن الشرّ بوعي، لأنَّ هذه العناصر التي أُعطوها، هي الّتي تعمّق الوعي، ولكنَّها لا تتحرّك تلقائيّاً، وقد يقول قائل آخر: لماذا أعطى الله أهل البيت ذلك، ولم يعط غيرهم؟! وهذا السّؤال يجاب عنه بجوابين:
الجواب الأوَّل: هو أنَّ الله سبحانه وتعالى خلق الكون كلَّه والإنسان كلَّه، وأراد له أن يتحرَّك بما يصلح أمره في الدّنيا والآخرة، فأعطى الكون شمساً لا ظلمة فيها، وأنزل قرآناً نوراً كلّه، وأراد أن يخلق نماذج بشريَّة هي نور في عقلها كلِّه، وقلبها كلّه، وحركاتها كلّها، لتكون الشّمس الإنسانيّة، فالله يختار من الإنسان شمساً نوراً كلّها، كما اختار للكون شمساً نوراً كلّها، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}[6]، {إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}[7]، بأن جعلهم أنبياء وحمَّلهم رسالاته.
والجواب الثّاني: هو قوله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}[8]، فمصلحة الإنسانيّة الغارقة في الظّلمات، أن يكون هناك إنسان يُخرج النّاس من الظّلمات إلى النّور، وهذا ما أراده الله للأنبياء، بأن يحملوا الكتاب الّذي يخرج النّاس من الظّلمات إلى النّور، ليكونوا الكتاب النّاطق، ويقدِّموا للنّاس الكتاب الصّامت، {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ}، ولا يكتفي بتلاوتها، {وَيُزَكِّيهِمْ}، بأن يعطيهم التزّكية كلّها في عقولهم وقلوبهم وحياتهم، {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ}، بمفاهيمه وأسراره كلّها {وَالْحِكْمَةَ}[9] في حركة الواقع، فدور النبيّ(ص) هو دور الإبلاغ والتّعليم والتربية والتزّكية، حتى يعطي النّاس نوراً من عقله الّذي هو عقل الكتاب، ومن قلبه الّذي هو قلب الكتاب، ومن حياته الّتي هي حركة الكتاب في الواقع: “كان خلقه القرآن”[10].
وهذا ما ينطبق على الأئمة(ع) أيضاً، فإنَّهم في معنى الإمامة امتداد النبوّة من غير نبوّة، فقد قال الرسول لعليّ: “أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبيّ بعدي”[11]، فهي نبوّة في المضمون، وليست في العنوان. ولذلك، فإنَّ دور الإمامة هو دور النبوّة في إخراج النّاس من الظّلمات إلى النّور، وحراسة الإسلام وحياطته من كلِّ تحريفٍ وأيّة ظلمة تزحف إليه، لذلك، فلا بدَّ من أن يعطي الإمامة من هذا اللّطف الإلهيّ ما يعطيه للنّبيّ.
الزهراء النّموذج والقدوة
أمّا فاطمة الزّهراء(ع)، فليست في موقع نبوّة ولا في موقع إمامة، وإن كانت بنت النبوّة وسرّ الإمامة، لأنها والدة الأئمَّة(ع) وزوجة الإمام عليّ(ع)، فلقد أعطاها الله تعالى العصمة، فأذهب عنها الرّجس وطهّرها تطهيراً، لأنّه سبحانه وتعالى يريد الإيحاء للنّاس بأنّ المرأة يمكن أن ترتفع وتسمو في تقويم الله وتكريمه لها، بأن يعطيها العصمة، لأنَّ لها دوراً في الواقع يقع على ضفاف دور النبوَّة والإمامة من جهة، ومن جهة ثانية، لأنَّ الله أراد أن يجعلها مثلاً للنَّاس، لتكون للنّساء والرّجال النّموذج الأمثل الأفضل الّذي يحمل عقلاً نورانيّاً وقلباً نورانيّاً وعلماً ينفتح على النَّاس ويأخذ ببعض ملامح النبوَّة والإمامة.
ولهذا، فقد كانت فاطمة الزّهراء(ع) معصومةً لأنّ لها دوراً في طبيعة موقعها، وفي امتداد العنوان الأمثل في حياة المرأة، ليقول الله للمرأة، إنَّ المرأة التي كرّمها فأبعدها عن الرّجس وطهّرها تطهيراً، يمكن أن توحي للمرأة في مجتمعها وفي خطِّ الامتداد، بأن الله كرَّمها وأراد لها أن تتحرّك في خطّ هذا النّموذج لتقتدي به، لأنّ الله كما أراد للرجال وللنساء الاقتداء بالرّجل النبيّ وبالرجل الإمام وبالرجل الوليّ، أراد أيضاً للرّجال وللنّساء أن يقتدوا بالمرأة المعصومة وبالمرأة الوليّة، حتى تكون المثل للرّجال وللنّساء معاً.
سيّدة نساء العالمين
هذا من جهة موقع الزّهراء(ع) في أهل البيت(ع). أمّا الموقع الآخر المميَّز في شخصيّة فاطمة(ع)، فهو ما ورد في أكثر من حديثٍ يرويه السنّة والشّيعة، أنَّ رسول الله (ص) الذي قال الله عنه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى}[12]، قال إنها “سيّدة نساء أهل الجنّة”[13]، وفي رواية قال إنها “سيّدة نساء العالمين”[14]، وفي روايةٍ أخرى، قال إنها “سيّدة نساء المؤمنين”[15]، وهذا مما رواه السنّة والشّيعة معاً. فقد ورد في (صحيح البخاري) عن عائشة قالت: “أقبلت فاطمة تمشي كأنَّ مشيتها مشي النّبي، فقال النبيّ(ص): مرحباً يابنتي، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسرّ إليها حديثاً فبكت، فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسرَّ إليها حديثاً فضحكت؟ فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن، فسألتها عمّا قال، فقالت: ما كنت لأفشي سرّ رسول الله(ص)، حتى قبض النبيّ(ص) فسألتها، فقالت: أسرَّ إليّ أنَّ جبريل كان يعارضني القرآن كلَّ سنة مرّة، وإنّه عارضني العام مرّتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وإنّك أوّل أهل بيتي لحاقاً بي فبكيت، فقال: أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء أهل الجنّة أو نساء المؤمنين؟ فضحكت لذلك”[16].
وفي روايةٍ أخرى في (حلية الأولياء) لأبي نعيم، إنّ النبيّ(ص) قال لها: “يا بنيَّة، ألا ترضين أنّك سيدة نساء العالمين؟ قالت: يا أبه، فأين مريم ابنة عمران؟ قال: تلك سيّدة نساء عالمها، وأنت سيّدة نساء عالمك، أما والله زوَّجتك سيداً في الدّنيا والآخرة”[17]. ولقد ضيّقت هذه الرواية ما وسّعته تلك الرّوايات لدى السنّة والشيعة، فهي سيّدة نساء عالمها، وهي سيّدة نساء المؤمنين، وسيّدة نساء أهل الجنّة.
وهنا نريد أن نتوقَّف لنتساءل: هل هو مجرَّد لقب تكريم أعطاها إياه رسول الله(ص)، ورسول الله(ص) لا يعطي الألقاب جزافاً، لأنّه ينطلق مع أقربائه ومع غيرهم من موقع التّقييم الدّقيق للكفاءة الواقعيّة فيما يمدح به هذا بمرتبة أو يمدح به ذاك بمرتبة، ولو لم ينطلق من الموقع العميق الموجود في هذه الشخصيّة التي يجعلها في مستوى الكلمة، لكانت الكلمة عن هوى، {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}[18]، فأن تكون سيّدة نساء أهل الجنّة، معناه أنها تجمَّعت في عقلها وقلبها وفضائلها كلّ فضائل أهل الجنة وفضائل نساء المؤمنين، بل وتفوّقت عليهم في ذلك، لأن معنى أن تكون سيّد القوم، هو أن تملك الميزة التي بها تكون السيادة، وإلاّ فكيف تكون سيّداً لجماعةٍ لا تفضلهم بشيء؟ فلا بدَّ من أن يكون رسول الله(ص)، وهو الذي يتكلّم إسلاماً، فكلّ كلامه إسلام، وهو الذي يتحرّك إسلاماً، بل حتى في عواطفه لا يملك عاطفة ذاتية ليس في عمقها شيء من معنى الإسلام، لأنه هو النور كلّه والإسلام كله والقرآن كلّه، فلا بد من أن يكون(ص) قد اطَّلع على ما تحمله فاطمة(ع) من علم يتفوّق على علم نساء العالمين كلّهن، ولا بدَّ من أنه اطَّلع على أنَّ لديها من المعرفة بالله ومن الرّوحانيَّة والقيم الإنسانيَّة ما تتفوَّق به على سائر هؤلاء، ولا بدَّ من أن يكون قد اطّلع على صفاتها الرساليّة مما تتفوَّق به على من سواها.
خلق الزّهراء(ع)
ففي حديث عائشة عن فاطمة(ع) قالت: “ما كان في هذه الأمَّة أعبد من فاطمة”[19]، وتستثني النبيّ(ص)، فكم هناك من الصّحابة الذين عاشوا مع رسول الله(ص)، ولكن فاطمة ـ حسب هذه الشّهادة ـ هي الأعبد، وهي المثقلة بالأولاد وأتعاب البيت ورعاية رسول الله(ص) ورعاية زوجها وبدورها الرّسالي، مما كانت تتحدث به عن رسول الله(ص)، ومع ذلك، كانت الأكثر عبادة، وينقل عنها ولدها الإمام الحسن(ع) أنها كانت تقوم اللّيل حتى تتورّم قدماها.
وتقول عائشة أيضاً: “ما رأيت أصدق منها إلا أباها”[20]، إنّه الصِّدق في الكلمة والموقف والانتماء، وكلّ الّذين كتبوا عن سيرة الزّهراء(ع)، لم ينقلوا في تأريخها أي خطأ في الكلمة، وأي خطأ في الفكر، وأي خطأ في العمل، بل كان الناس يلمسون عصمتها على الطبيعة بطريقة ميدانية، ولذلك كانت(ع) الإنسان الأحبّ إلى المسلمين جميعاً، بحيث لا يعلو عنها في محبّة المسلمين إلا محبّتهم لرسول الله(ص)، فلا غرابة أن يلتقي المسلمون جميعاً ـ منذ ذلك الوقت حتى الآن ـ على محبّتها.
ولقد رأيت في (البخاري) و(الترمذي) و(مسلم) و(الكافي)، أنهم يتحدَّثون عن أنّها سيّدة نساء العالمين، وأنّ النبي(ص) قال: “فاطمة بضعة منّي، يرضيني ما أرضاها، ويسخطني ما أسخطها”[21]، و “إنّ الله عزّ وجلّ يغضب لغضبها ويرضى لرضاها”[22]. فلماذا ذلك؟ لماذا يغضب الله لغضب إنسانٍ ويرضى لرضاه؟ لأنّ هذا الإنسان عاش مواقع رضا الله كلّها، وابتعد عن مواقع سخطه كلّها، وهذا ما عبّر عنه الإمام الحسين(ع) بقوله: “رضى الله رضانا أهل البيت”[23]، فهم يغضبون لغضب الله ويرضون لرضاه.
أحقيّة الزهراء بفدك
وبناءً على ذلك نقول، إنَّ هذا السّلوك الّذي حدث في تأريخ الزّهراء(ع) بعد رسول الله(ص)، قد أسيء به إليها عندما مُنِعَت (فدك)، الّتي ذكر العلماء من السنَّة والشّيعة أنها كانت حقّ فاطمة، فقد ذكر (السّيوطي) في (الدرّ المنثور) في تفسير قوله تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ}[24]، أنها لما نزلت وكانت فدك لرسول الله(ص)، صالحه اليهود عليها في حربه معهم، فنحلها فدكاً، والظّاهر أنّ فدكاً كانت معروفة لدى مجتمع المسلمين بأنها حقّ فاطمة حتى في الامتداد التأريخي، لذلك رأينا أنّ عمر بن عبد العزيز، وهو خليفة أموّي، أرجع فدكاً إلى أهل البيت، ثم أخذت منهم، وجاء السفّاح، أوّل خلفاء بني العباس، وأرجعها إليهم، ثم جاء المنصور فأخذها، وينقل عن هارون الرّشيد أنه عرض على الإمام الكاظم(ع) أن يرجع إليه فدكاً، ولكن الإمام عندما حدَّد فدكاً، حدَّد الدولة الإسلاميّة كلّها.
ولم تكن الزهراء(ع) تهتمّ بفدك من الناحية المالية، ولكن كما قال بعض علماء المعتزلة، إنَّ فدكاً كانت جسراً للعبور نحو حقّ عليّ(ع)، لكنها ـ أي فاطمة ـ ظُلمت ودافعت عن حقّها دفاعاً فيه الكثير من عمق المعرفة الواسعة للتّشريع الإسلامي، ثم كان التهديد بإحراق بيتها، ولكنّ الزّهراء(ع) كانت ـ وهي في المستوى القياديّ ـ تهتمّ بالإسلام ولا تهتمّ بفدك، حتى إنها لم تظهر ما عرض لها من آلام، كما هو حال عليّ(ع): “وما أصنع بفدك وغير فدك والنّفس مظانّها في غدٍ جدثٌ”[25]، لكنّها كانت تريد أن تثبت حقّاً وتشجب انحرافاً عن الحقّ، فعاشت آلاماً قاسية، وكان ألمها الكبير إبعاد عليّ(ع) عن حقّه، وهو ما عبّرت عنه في المسجد في خطبتها، وما عبّرت عنه في لقائها نساء المهاجرين والأنصار، وما عبّرت عنه في لقائها رجال المهاجرين والأنصار، وما عبّرت عنه في طواف عليّ(ع) بها على جموع المهاجرين والأنصار، فلقد كانت تلك قضيّتها كلّها، لأنها كانت ترى أنَّ الإسلام ينفتح وينمو ويسمو ويتقدّم ويتعمّق ويستقيم عندما يتحرّك علي(ع) في قيادته، كما قال عمر بن الخطاب: “لو ولّيتموه أمركم لحملكم على المحجّة البيضاء”[26]، لأنّ عليّاً لم يكن عنده إلا اللّون الأبيض، ولأنَّ رسول الله(ص) قال: “عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ يدور معه حيثما دار”[27]. وقد قال عليّ(ع) للنّاس في زمنه: “ليس أمري وأمركم واحداً، إنّني أريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم”[28].
ولقد أرادت الزهراء(ع) أن تقف هذا الموقف الصَّلب لتعطينا الدّرس في أنَّ علينا أن نقف هذا الموقف، ولكن بحكمة وبوعي، ولقد تكاملت مع عليّ(ع)، فكان هو يتحرّك في تأكيد الحقّ بأسلوب، وكانت هي تتحرك بأسلوب آخر، ولكنَّهما كانا يتكاملان في ذلك كلّه.
الحزن الرساليّ
وهناك نقطة أحبّ أن أشير إليها في كلّ ما واجهته الزهراء(ع)، سواء ما يتّصل بشخصها أو بالقضيّة الكبرى، فإذا كان المسلمون بأجمعهم متّفقين على أنها سيّدة نساء العالمين، أو على الأقلّ سيّدة نساء عالمها، فهل يمكن أن تتحدّث سيدة نساء العالمين كذباً أو لغواً، أو أن ترتبط في موقفها من حيث القيادة الإسلامية ارتباط عاطفياً يبتعد عن الحق؟ ولو أنصف المسلمون أنفسهم، لرأوا في موقف الزهراء(ع) الحجّة من دون نقاشٍ في روايةٍ تروى هنا أو في موقعٍ هناك، لأنّ سيّدة نساء العالمين أو سيّدة نساء أهل الجنّة أو سيّدة نساء المؤمنين، لا يمكن إلاّ أن تكون مع الحقّ، وأن يكون الحقّ معها، ولقد قلنا هذا القول بالنّسبة إلى الإمامين الحسنين(ع)، من أن شرعيّة موقف الإمام الحسن(ع) في الصّلح، وشرعيّة موقف الإمام الحسين(ع) في الثّورة، تنطلق من أنّ الحسن(ع) سيّد شباب أهل الجنة، والحسين(ع) سيّد شباب أهل الجنة. وسيّد شباب أهل الجنّة لا يمكن أن ينحرف عن الخطّ الإسلاميّ، بل لا بدَّ من أن يكون خطّه هو الخطّ الإسلاميّ الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
كما أنّنا نعلم أنّ الزّهراء(ع) لم تعرف الفرح بعد الفترة القصيرة التي أعقبت وفاة الرسول(ص) إلى حين وفاتها، فلقد كان حزنها على رسول الله حزناً إسلاميّاً.. لم يكن جزعاً ولا ابتعاداً عن خطّ التوازن، فالرواية الصحيحة هي أنها كانت تذهب في الأسبوع مرّتين إلى قبر رسول الله(ص)، وتأخذ ولديها الحسن والحسين(ع)، وتبكي بكاءً رسالياً لتتذكَّر رسول الله(ص) كيف كان يخطب هنا، وكيف كان يصلّي هنا، وكيف كان يعظ النّاس هناك، فلقد أرادت أن تعيد لهم رسول الله(ص) في معناه الرّسالي، ولم تتحدَّث عنه فيما نقل من الرّوايات الموثوقة حديثاً عاطفياً شخصياً، لأنها كانت الرسالة مجسّدةً، وقد أرادت أن تخلّد احتجاجها بعد الموت، فأوصت بأن تدفن ليلاً، وعفى عليّ(ع) موضع قبرها، ثم جاءت الروايات من أهل البيت(ع) لتشير إلى أنها دفنت في بيتها أو في الروضة، فلقد ذكر أنها كانت مدفونة في بيتها، وحينما وسّع بنو أميّة المسجد، أدخلوا بيتها في المسجد، فصار قبرها داخل المسجد. وقد ذهب الشّيخ الطوسي(رحمه الله) إلى هذا الرأي، ولذلك تزار الزّهراء(ع) إلى جانب قبر رسول الله(ص)، وقد أيّد ذلك صاحب (البحار) بالرّواية المعروفة: “ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة”[29]، وكأنه(ص) يشير إلى ذلك.
حزن عليّ(ع) على فاطمة(ع)
وفي ختام هذا الحديث، نحبّ أن نتلو عليكم حديث عليّ(ع) عند دفن الزّهراء(ع)..كيف هي مشاعره وعواطفه وحزنه الكبير.. إنني أتصوّر أنّ علياً(ع) كان يشعر بالسكينة والاطمئنان مع رسول الله(ص)، وعندما غاب رسول الله عاش هذه السكينة الروحية مع الزهراء(ع)، وعندما توفيت الزهراء(ع)، شعر علي(ع) لأوَّل مرة بالغربة، لا من جهة قرابة هنا وقرابة هناك، ولكن لم يكن هناك شخص يعيش علي(ع) معناه ويعيش معنى عليّ(ع)، إلاّ رسول الله(ص) والزهراء(ع)، فلقد كانت رفيقة علي(ع) في التتلمذ على يدي رسول الله(ص)، ولذلك قيل: “لولا عليّ ما كان لفاطمة كفو”[30]، لأن عقلها عقله، ولأنّ قلبها قلبه، وأنتم تعرفون ـ أيّها الأحبّة ـ أنّ الإنسان عندما يفقد من يمثّل كيانه كلّه، فإنّه يشعر بالغربة، ونستشعر ذلك في كلمته التي رواها الشّريف الرضي في (نهج البلاغة)، والرواية عن الإمام الحسين(ع): “السّلام عليك يا رسول الله عنّي وعن ابنتك النازلة في جوارك”، وهذه إشارة إلى أنّه دفنها إلى جوار رسول الله(ص)، “والسّريعة اللّحاق بك! قلّ، يا رسول الله، عن صفيّتك صبري”، فقد وصلت إلى حدّ أكاد أفتقد فيه الصّبر، وهي مبالغة فيما كان يتحسَّسه من ألم الفقد، وإلا فإنَّ عليّاً هو الصّابر الذي لا صبر كصبره، “ورقّ عنها تجلّدي”، أي لم أستطع أن أتماسك، “إلا أنَّ لي في التأسّي بعظيم فرقتك”، فلقد فارقتك وأنت الأعظم والأكبر والأحبّ والأقرب، “وفادح مصيبتك موضع تعز”، لأنّنا فقدنا بفقدك الوحي الذي كان ينزل علينا من السماء بألطافه كلّها، “فلقد وسدتك في ملحودة قبرك”، لأنّه هو الّذي قام بدفن رسول الله(ص) والقوم مشغولون عن ذلك، “وفاضت بين نحري وصدري نفسك {إِنَّا للهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}[31]“، فلقد كان يحتضنه أثناء لفظ أنفاسه، “فلقد استرجعت الوديعة”، وكانت فاطمة الزّهراء(ع) عند عليّ(ع) الذي حافظ عليها أعظم محافظة، لا كما يقول النّاس الآخرون، “وأخذت الرّهينة!”، فلقد كانت الرّهينة عند رسول الله(ص). “أمّا حزني” الذي يعيش في القلب.. الحزن الرسالي.. الذي يتحسّس معنى من فقد، “فسرمد” أبديّ، “وأمّا ليلي”، حينما افتقدك يا رسول الله، يا من كنت أنس ليلي، وأفتقد الزّهراء(ع) التي كانت أنس ليلي، “فمسهّد”، فلا أستطيع أمام هذا كلّه أن أملك عيني لتنام، لأنّ ذكرياتكما تفرض عليّ اليقظة كلّها، “إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم”، فأنا وحدي.. أعيش في اللّيل وحدي، وأسير في النّهار وحدي، وإن كان الناس كلّهم معي، لأنّ العلاقة العميقة بين رسول الله(ص) وعليّ(ع) هي علاقة ليس مثلها علاقة، فرسول الله(ص) هو أبو عليّ بالتربية، ومعلّمه ومرشده وأخوه ورفيقه، لذلك نمت بين رسول الله(ص) بالنّسبة إلى علي(ع)، وبين علي(ع) بالنّسبة إلى رسول الله(ص)، العلاقة التي لا فراغ فيها قطّ.
“وستنبئك ابنتك بتضافر أمّتك على هضمها”، فيما ظلمت به، “فأحفّها السّؤال”، والإنسان عندما يفارق شخصاً وتحدث بعده مشاكل، فإنّه يحاول أن يحفي السّؤال، أي يكثره، “واستخبرها الحال، هذا ولم يطل العهد، ولم يخل منك الذّكر”، فقد عشنا ذكراك وما تركه عهدك لنا من ذكرى.. “والسّلام عليكما سلام مودّع، لا قالٍ ولا سئم، فإن أنصرف فلا عن ملالة، وإن أقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد الله الصّابرين”[32]، ليس جزعاً أن أقف على قبرك، فلست أتنكَّر لقضاء الله وقدره.
درس الزهراء(ع)
أيّها الأحبّة، إذا ذكرتم الزهراء(ع) فاذكروها بالفرح الرّوحي.. وإذا ذكرتم الزهراء(ع) فاذكروها في مواقع القدوة.. كانت الأصدق فكونوا الصّادقين.. وكانت الأعبد فكونوا العابدين، كانت تقول: “الجار ثم الدّار”[33]، فحاولوا أن تهتمّوا بالآخرين قبل الاهتمام بأنفسكم.. وكانت العظيمة التي أحبَّت الله وأحبّت رسول الله وأعطته عقلها كلّه وقلبها كلّها، حتى قال عنها (أمّ أبيها)، ورعت عليّاً(ع) فأعطته بيتاً إسلامياً فريداً كأفضل ما يكون البيت الإسلامي النموذجي.. كانت رفيقة عقله وروحه وجسده، فإذا ذكرتم الزهراء(ع)، فاذكروا هذه الروحانيّة كلّها المنفتحة على الله، وهذه المحبّة للناس كلّهم، وقد قال أمير الشّعراء (شوقي) وهو يتحدث عنها:
ما تمنّى غيرها نسلاً ومن يلد الزّهراء يزهد في سواها
والسَّلام عليها يوم ولدت ويوم ماتت ويوم تبعث حيَّة.
*ندوة الشام الأسبوعيّة، فكر وثقافة
[1] [الأحزاب: 33].
[2] [البقرة: 185].
[3] [الحج: 78].
[4] [البقرة: 185].
[5] [الأحزاب: 33].
[6] [قصص: 68].
[7] [أل عمران: 33].
[8] [الأنبياء: 23].
[9] [الجمعة: 2].
[10] شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج 6، ص 340.
[11] الكافي، الشيخ الكليني، ج 8، ص 107.
[12] [النّجم: 3].
[13] بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج 21، ص 279.
[14] المصدر نفسه، ج 8، ص 22.
[15] المصدر نفسه، ج 29، ص 345.
[16] صحيح البخاري، ج 4، ص 183.
[17] بحار الأنوار، ج 29، ص 346.
[18] [النجم: 4].
[19] بحار الأنوار، ج 43، ص 85.
[20] المصدر نفسه، ج 43، ص 54.
[21] المصدر نفسه، ج 43، ص 39.
[22] المصدر نفسه، ج 27، ص 63.
[23] المصدر نفسه، ج 44، ص 367.
[24] [الإسراء: 26].
[25] نهج البلاغة، خطب الإمام علي(ع)، ج 3، ص 71.
[26] بحار الأنوار، ج 31، ص 63.
[27] المصدر نفسه، ج 28، ص 368.
[28] نهج البلاغة، ج 2، ص 19.
[29] وسائل الشيعة، الحرّ العاملي، ج 14، ص 369.
[30] بحار الأنوار، ج 43، ص 58.
[31] [البقرة: 156].
[32] نهج البلاغة، ج 2، ص 182.
[33] وسائل الشيعة، ج 4، ص 1151-A
