حجية الصديقة الزهراء عليها السلام في مقام الدفاع عن صدِّيق الأُمة أمير المؤمنين (عليه السلام) / الشيخ محمد السند

17 أغسطس، 2026
31

ﺷﻬﺪﺕ ﺍﻟﺴﺎﻋﺎﺕ الأولى ﻣﻦ ﺭﺣﻴﻞ ﺍﻟﻨﺒﻲ الأكرم ﺻﻠﻰ الله ﻋﻠﻴﻪ ﻭآله صراعاً عنيفاً ﺑﻴﻦ أﺟﻨﺤﺔ ﺍﻟﺘﻴﺎﺭﺍﺕ ﺍﻟﻄﺎﻣﺤﺔ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻜﻢ، ﻭﻟﻢ ﻳﻤﺮ ﻭﻗﺖ ﻗﻠﻴﻞ ﺣﺘﻰ ﺗﻤﺖ ﺗﺼﻔﻴﺔ ﺣﺴﺎﺑﺎﺕ ﺗﻮﺯﻋﺖ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﻣﻨﺎﺻﺐ ﺍﻟﺤﻜﻢ ﻟﺘﺘﻔﻖ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ ﻋﻠﻰ إﻗﺼﺎﺀ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ الإلهية ﺍﻟﻤﺘﻤﺜﻠﺔ ﻓﻲ الإمام ﻋﻠﻲ ﻋﻠﻴﻪ السلام، ولم ﺗﻜﻦ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺮﺍﺣﻞ ﺍﻟﻘﺎﺳﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﻣﺮّﺕ ﻋﻠﻰ الإمام سلام الله عليه ﺑﺎﻟﻴﺴﻴﺮﺓ، ﺑﻞ ﺻﺎﺣﺒﺘﻬﺎ محاولات إﺭﻏﺎﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺒﻴﻌﺔ ﻋﺎﻧﻰ ﻣﻨﻬﺎ الإمام ﻭﺃﺻﺤﺎﺑﻪ اﻷﺑﺮﺍﺭ شتّى ﺍﻟﻀﻐﻮﻁ ﺍﻟﻨﻔﺴﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺣﺎﻭﻟﺖ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻬﺎ ﻣﺠﻤﻮﻋﺔ ﺍﻟﺴﻘﻴﻔﺔ ﺃﺧﺬ ﺇﻗﺮﺍﺭ ﻭﻟﻮ ﺷﻜﻠﻲ ﻋﻠﻰ ﺗﺄﻳﻴﺪ محاولات ﺍﻟﺒﻴﻌﺔ المدّعاة ﻟﻴﻜﻮﻥ ﺍﻷﻣﺮ ﺑﻌﺪ ﺫﻟﻚ ممراً ﺗﺤﺖ ﻏﻄﺎﺀ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ.

ﻫﻜﺬﺍ ﺣﺎﻭﻟﺖ ﺍﻟﺴﻘﻴﻔﺔ إﻗﻨﺎﻉ ﻋﺎﻣﺔ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ، ﺇﻻّ ﺃنّ ﺫﻟﻚ ﻟﻢ ﻳﺘﻢ ﻣﻊ ﻭﺟﻮﺩ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﺍﻟﺰﻫﺮﺍﺀ ﻋﻠﻴﻬﺎ السلام ﻭﻫﻲ ﺗﺘﺼﺪﻯ لمحاولات ﺍﻹﺭﻏﺎﻡ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺒﻴﻌﺔ ﺍﻟﺘﻲ تطال علياً ﻋﻠﻴﻪ السلام ﻭﺃﺻﺤﺎﺑﻪ ﻭﺫﻟﻚ ﻟﻤﺎ ﺗﺘﻤﺘﻊ به ﻋﻠﻴﻬﺎ السلام ﻣﻦ ﻣﻘﺎﻡ ﺍﻟﺤﺠﻴﺔ ﺍﻟﻤﺮﺗﻜﺰ ﻓﻲ ﻧﻔﻮﺱ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ، إﺫ ما ﺯﺍﻟﺖ ﺫﺍﻛﺮﺓ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ تسجّل ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﺭﺳﻮﻝ الله صلى الله عليه وآله يؤكّده في فاطمة ﻋﻠﻴﻬﺎ السلام ﻣﻦ ﻣﻘﺎﻡ ﺷﺎﻣﺦ ﻭﺫﻛﺮ ﻋﻈﻴﻢ.

فعن ﻛﺘﺎﺏ لأبي إسحاق الثعلبي ﻋﻦ ﻣﺠﺎﻫﺪ ﻗﺎﻝ: (ﺧﺮﺝ ﺭﺳﻮﻝ الله صلى الله عليه وآله وسلم ﻭﻗﺪ ﺃﺧﺬ ﺑﻴﺪ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﻭﻗﺎﻝ: «ﻣﻦ ﻋﺮﻑ ﻫﺬﻩ ﻓﻘﺪ ﻋﺮﻓﻬﺎ، ﻭﻣﻦ ﻟﻢ ﻳﻌﺮﻓﻬﺎ ﻓﻬﻲ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﺑﻨﺖ ﻣﺤﻤﺪ، ﻭﻫﻲ ﺑﻀﻌﺔ منّي، ﻭﻫﻲ ﻗﻠﺒﻲ ﺍﻟﺬﻱ ﺑﻴﻦ ﺟﻨﺒﻲ، ﻓﻤﻦ ﺁﺫﺍﻫﺎ ﻓﻘﺪ ﺁﺫﺍﻧﻲ، ﻭﻣﻦ ﺁﺫﺍﻧﻲ ﻓﻘﺪ ﺁﺫﻯ الله»).(الإصابة في معرفة الصحابة:٢/٥٧)

ﻭﻋﻦ ﺟﺎﺑﺮ ﺑﻦ عبد الله ﻗﺎﻝ: (ﻗﺎﻝ ﺭﺳﻮﻝ الله صلى الله عليه وآله: «إنّ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﺷﻌﺮﺓ منّي، ﻓﻤﻦ ﺁﺫﻯ ﺷﻌﺮﺓ منّي ﻓﻘﺪ ﺁﺫﺍﻧﻲ، ﻭﻣﻦ ﺁﺫﺍﻧﻲ ﻓﻘﺪ ﺁﺫﻯ الله، ﻭﻣﻦ ﺁﺫﻯ الله ﻟﻌﻨﻪ الله ﻣﻞﺀ ﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﻭﺍلأﺭﺽ»).(كشف الغمة:١/٤٦٧)

ﻭﻗﺪ ﻓﻬﻢ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻮﻥ ﺍﻗﺘﺮﺍﻥ أﺫﻯ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﻋﻠﻴﻬﺎ السلام ﺑﺄﺫﻯ ﺭﺳﻮﻝ الله صلى الله عليه وآله وسلم ﻭﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻫﻮ ﺃﺫﻯ الله ﺗﻌﺎﻟﻰ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻮﺟﺐ ﺍﻟﻠﻌﻨﺔ ﻭﺍﻟﻌﺬﺍﺏ ﺍﻷﻟﻴﻢ.

إﺫ ﻻ ﻳﺘﻢ ﺫﻟﻚ ﺇﻻ ﻟﻤﻦ ﻛﺎﻥ ﻟﻪ ﻣﻘﺎﻡ ﺍﻟﺤﺠﻴﺔ الإلهية، وإلاّ ﻻ ﻳﻤﻜﻦ ﺃﻥ ﻳﺘﻢ ﻗﻮﻟﻪ صلى الله عليه وآله ﺃﻥ أﺫﻯ ﻓﺎﻃﻤﺔ عليها السلام ﻳﻌﻨﻲ ﺃﺫﺍﻩ ﺍﻟﺬﻱ ﻫﻮ ﺃﺫﻯ الله ﺗﻌﺎﻟﻰ، فإنّ ﺫﻟﻚ ﺩﻟﻴﻞ ﺍﻟﺤﺠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ يتمتع بها ﻣﻘﺎﻡ ﻓﺎﻃﻤﺔ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ.

ﻟﺬﺍ ﻓﻼ ﻳﻜﻮﻥ ﺩﺧﻮﻟﻬﺎ عليها السلام ﻭﺳﻂ الأحداث ﺍﻟﻤﻠﺘﻬﺒﺔ ﺇﻻ إﺧﻤﺎﺩ ﻟﺘﻠﻚ ﺍﻟﻨﺎﺋﺮﺓ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺟﺠﺘﻬﺎ ﻃﻤﻮﺣﺎﺕ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﻭﺃﻣﺎﻧﻴﻬﻢ ﻣﻤﺎ ﺃﺩﻯ إلى ﺇﺭﺑﺎﻙ ﺧﻄﻄﻬﻢ ﻭﺗﺪﺍﻋﻲ ﻛﻞ ﻣﺤﺎﻭﻟﺔ ﺧﺎﺭﺟﺔ ﻋﻦ ﻧﻄﺎﻕ ﺍﻟﺸﺮﻋﻴﺔ.

الهجوم على دار الزهراء عليها السلام وصدها عليها السلام للباب

هناك شبهة حول خروج سيدة نساء العالمين من الدار إلى الباب مع وجود أمير المؤمنين علي عليه السلام؟

الجواب: الظاهر أن الخروج كان بعد ندائهم للإمام عليه السلام بالخروج وتهديدهم بحرق البيت ، فخروجها لم يكن لفتح الباب ولكن لردهم وصدهم عن ما قصدوا.

ومن الواضح الجلي أن بيت فاطمة عليها السلام كان يتمتع بحرمة قد شيدها القرآن الكريم لأهل البيت عليهم السلام وتعظيم وحث بالغ على مودتهم، مضافاً إلى تعظيم النبي صلى الله عليه وآله لحرمة بيت فاطمة وعلي عليهما السلام، حيث لم يكن يدخل هو نفسه صلى الله عليه وآله إلا بعد الاستئذان وطرق الباب ويقول: إن الله أمره بذلك.

فلم يرع عمر تلك الحرمة كما لم يرع أبو بكر ذلك حينما أمر بالكشف عن بيت فاطمة عليها السلام.

وموقف الزهراء عليها السلام نظير انتداب الله عز و جل مريم بنت عمران للقيام بمهمة لم ينتدب الله تعالى لها زكريا عليه السلام وهي كشف القناع عن دجل علماء اليهود من بني إسرائيل.

وصيتها عليها السلام

روى الشيخ المفيد أعلى الله مقامه بسنده عن علي بن الحسين عن أبيه الحسين عليهما السلام قال: «لما مرضت فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وآله أوصت إلى علي صلوات الله عليه أن يكتم أمرها ويخفي خبرها ولا يؤذن أحداً بمرضها ففعل ذلك وكان يمرضها بنفسه وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس رحمها الله على استسرار بذلك كما أوصت».(أمالي المفيد:٢٨١)

فشهادتها و دفنها ليلاً محطة مفعمة بالظلم والأسى وصارخة بالاعتراف على المتغلبين على أمر الخلافة، فسجلت بنحو بيّن لكل الأجيال الإدانة لحركة السقيفة ومسار الابتعاد عن أهل البيت عليهم السلام تبياناً منها لبطلان الأُسس والبنى التي أرسوا مسارهم عليها كدعوى الشورى وخوف الفتنة ودعوى العلم بالكتاب والسنة كما في قولها: «أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمي؟».(السقيفة وفدك:١٤٢)

فرفعت اللوابس والحيرة الساترة على رؤية وبصيرة الأُمة التي أخذتها الفتنة الفكرية والسياسية المحتدمة فسنت بذلك سنة التولي والتبري العقيدي والسياسي في الأُمة الإسلامية.

التصنيفات : المقالات | مقالات أخرى