مركز الدراسات الفاطمية
مركز الدراسات الفاطمية
الزهراء عليها السلام تجسيد الرسالة الإلهية…مؤسسة السبطين
+ = -

الزهراء عليها السلام تجسيد الرسالة الإلهية

لابد للمبادئ من ان تتجلى في واقع حي، وعندما هبطت الرسالة الخاتمة على قلب نبينا الأعظم ، إمام الهدى، وقدوة الصديقين محمد صلى الله عليه وآله، تجلت هذه الرسالة بعد هذا النبي العظيم في شخصية من الرجال، وأخرى من النساء؛ فتجلت في علي ابن ابي طالب عليه السلام الذي كان المثل الأعلى للقرآن ، وتجسدت كذلك في فاطمة الزهراء عليها السلام .
ان تجلي الرسالة في شخصية الرجل هي عملية يمكن فهمها واستيعابها، لان الرجل يمتلك بحد ذاته قوة الكمال والاستعداد. ولكن عندما تصوغ رسالات الله عز وجل امرأة لتضعها في الذرى العالية، والقمم السامقة، فان هذا لمعجزة دونها كل معجزة .
وهكذا فإذا كان علي بن أبي طالب عليه السلام معجزة رسول الله صلى الله عليه وآله، والدليل الى الإسلام، والهادي الى حقائق القرآن وعلومه.. فان فاطمة الزهراء عليها السلام ستكون الشاهدة الكبرى، والدليل الأعظم. والى هذه الحقيقة يشير الحديث القدسي المروي عن جابر بن عبد الله الأنصاري عـن رسول الله صلى الله عليه وآله عن الله تبـارك وتعالى انه قال:
يا احمد لولاك لما خلقت الأفلاك، ولو لا علي لما خلقتك ، ولولا فاطمة لما خلقتكما ([18])
ان امرأة -رغم ما جعل الله في طبعها من عوامل الضعف البشري- تتحدى كل هذه العوامل، وتقطع كل صلة لها بالتراب، وتقف من أول الليل وحتى الفجر لتدعو ولكن ليس لنفسها وإنما للآخرين، وتقول لابنها الحسن المجتبى عليه السلام توصيه بالإحسان الى الجيران : يا بنيّ الجار ثم الدار ([19]). هذه المرأة قد وصلت الى مرحلة من السمو والكمال، بحيث إن الله تعالى باهى بها ملائكته ، وأولياءه ، وحملة العرش .
فاطمة عليها السلام مجد الرسالة الإلهية
إن فاطمة عليها السلام هي مجد الرسالة الإلهية، وتجسيد لكل ما في القرآن الكريم من لطائف العبر، ودقائق الفكر، وعظمة الحق.. فلابد لكل رسالة من ان تقدم نموذجا، ورسالة الإسلام هي أعظم رسالة، فلابد أن يكون الأنموذج الذي تقدمه هذه الرسالة هو الأنموذج الاعظم، فكانت فاطمة الزهراء عليها السلام التي هي قدوة لكل إنسان؛ ذكرا كان أم أنثى.
وهكذا تسامت هذه المرأة العظيمة نحو معالي القيم والأخلاق، وذابت في الرسالة، وتحولت من مجرد شخص إلى نموذج رسالي.
ان رسول الله صلى الله عليه وآله الذي جاء سراجاً منيراً، وبشيراً هادياً، ورحمة للعالمين.. كان يركز كل تعاليمه، وبرامجه التربوية في ابنته فاطمة عليها السلام، وعلي بن أبي طالب الذي ربّاه على يديه الكريمتين، وإلا فكيف يمكن ان لا ينجح صلى الله عليه وآله في تربية فاطمة عليها السلام وهو الذي أثر في التاريخ، وصنع أجيالا من المؤمنين الرساليين يعجز اللسان عن وصف سموّهم وطهارتهم ونقائهم. ولذلك فقد كانت الزهراء عليها السلام مقياسا وميزانا للعفاف ، ومثالا لتجلي الأخلاق الحسنة، لأنها خلاصة التربية القرآنية، وعصارة شخصية تمثل القرآن الكريم .
والقرآن الكريم ينقل لنا جانباً من حياة فاطمة وسلوكياتها في سورة كاملة، هي سورة الانسان ، حيث تثني على فاطمة الزهراء لأنها -وهي ربّة العائلة وسيّدة البيت – هي التي حملت رغيفها في البدء ، ثم جمعت أرغفة أطفالها الصغار وهم صائمون لتعطيها خلال ثلاثة أيام متتالية الى المسكين واليتيم والأسير، متجاوزة بذلك -في سبيل العقيدة- عواطفها وطبيعتها كأمّ تفضّل أطفالها على غيرهم، وضاربة بذلك أروع الأمثلة في الذوبان في الرسالة الإلهية، والاندماج فيها، وتفضيلها على كل العلائق الدنيوية، ولكي تقول للمرأة المسلمة، ان المرأة بإمكانها اذا ما تربّت في أحضان الرسالة، وعاشت في أجواء القرآن والوحي أن تتحول الى أنموذج في التسامي والتكامل وتحدي غرائز وعوامل الضعف في النفس البشرية .
بمثل هذه المواقف الرائعة جسدت فاطمة الزهراء قيم الرسالة ومبادئ الدين، وبذلك أصبحت حجة بالغة على البشرية جمعاء.
الزهراء عليها السلام خلق عظيم
« إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى ءَادَمَ وَنُوحاً وءَالَ إِبْرَاهِيمَ وءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ اِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ اِنِّي وَضَعْتُهَآ اُنْثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي اُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ » (آل عمران/33-37)
ونحن في رحاب الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء سلام الله عليها، ينبغي أن نتعرف على مدى علاقتنا بسيدتنا الكبرى عليها السلام. بل وكيف نستطيع أن نكون من شيعتها حقيقة وقد فطم الله شيعتها من نار جهنم؟ إذ جاء في حديث شريف: إنما سميت ابنتي فاطمة لأن الله سبحانه وتعالى فطمها وفطم من احبها من النار ([20]) . فإن لها سلام الله عليها وقفة على باب الجنة، -كما في الرواية-. فإذا صارت عند باب الجنة تلتفت، فيقول الله: يا بنت حبيبي ما التفاتك وقد أمرت بك إلى جنتي ارجعي فانظري من كان في قلبه حب لك أو لأحد من ذريتك خذي بيده فأدخليه الجنة؛ قال ابو جعفر عليه السلام: والله يا جابر إنها ذلك اليوم لتلتقط شيعتها ومحبيها كما يلتقط الطير الحب الجيد من الحب الرديء، فإذا صار شيعتها معها عند باب الجنة يلقي الله في قلوبهم أن يلتفتوا، فإذا التفتوا يقول الله: يا أحبائي ما التفاتكم وقد شفعت فيكم فاطمة بنت حبيبي؟ فيقولون: يا رب أحببنا أن يعرف قدرنا في مثل هذا اليوم، فيقول الله: يا أحبائي ارجعوا وانظروا من أحبكم لحب فاطمة، انظروا من اطعمكم لحب فاطمة، انظروا من كساكم لحب فاطمة، انظروا من سقاكم شربة في حب فاطمة، انظروا من رد عنكم غيبة في حب فاطمة فخذوا بيده وادخلوه الجنة؛ قال أبو جعفر عليه السلام: والله لا يبقى في الناس إلا شاك أو كافر أو منافق.([21])
وهنا يبرز سؤال مهم، بل وخطير بالنسبة لنا كموالين ومحبين لأهل البيت عليهم السلام، سؤال يرتبط ارتباطاً بمصيرنا وبمستقبلنا، ألا وهو ما المطلوب منا، بل ما الذي ينبغي علينا فعله في هذه الدنيا كي نكتب في الآخرة من شيعة فاطمة الزهراء عليها السلام، ومن الموالين لها؟

______________________________

([18]) كشف اللآلي وملتقى البحرين ، ص14.
([19]) بحار الانوار ،ج43، ص81، رواية 3.
([20]) بحار الانوار، ج43،ص15.

maram host