مركز الدراسات الفاطمية
مركز الدراسات الفاطمية
المعنى الرمزي والسياسي لفدك/مؤسسة السبطين(ع)
+ = -

المعنى الرمزي والسياسي لفدك

إن الحركة التصحيحية التي قام بها الإمام علي و الزهراء (عليهماالسلام) لإعادة الخلافة الإسلامية عن جادة الانحراف اكتسبت ألواناً وصيغاً متعدّدة، و تزعمت الزهراء الجبهة السياسية العلنية، و تنوعت أساليب المطالبة بحق خلافة الإمام على (عليه السلام)، و منها المطالبة بفدك، و حتى هذه المطالبة تلونت بعدة ألوان.

و الباحث الموضوعي في دراسة خطوات الصراع و تطوراته و الأشكال التي اتخذها لايرى أن المسألة مسألة مطالبة بأرض، بل يتجلّى له منها مفهوم أوسع من ذلك ينطوي على غرض طموح يبعث إلى الثورة، و يهدف إلى استرداد حق مغتصب و مجد عظيم، و تصحيح مسيرة اُمة انقلبت على أعقابها، و قد أحس الحزب الحاكم بذلك، فتراه قد بذل قصارى جهده في التحدي و الثبات على موقفه.

و لو فحصنا أي نص من النصوص التأريخية المتعلّقة بفدك فلا نجد فيها نزاعاً مادياً أو اختلافاً حول فدك بمعناها الضيق و واقعها المحدود، بل هي الثورة على أساس الحكم المنحرف و الصرخة التي أرادت لها الزهراء (عليهاالسلام) أن تصل إلى كلّ الآفاق، لتقتلع بها الحجر الأساسي الذي بُني يوم السقيفة.

و يكفينا لإثبات ذلك أن نلقي نظرةً فاحصةً على خطبة الزهراء في المسجد أمام الخليفة و بين حشود المهاجرين و الأنصار، فإنها تناولت في أغلب جوانبها امتداح الإمام عليّ (عليه السلام) والثناء على مواقفه الجهادية الخالصة لخدمة الإسلام، و تسجيل الحق الشرعي لأهل البيت (عليهم السلام) الذين وصفتهم بأنّهم الوسيلة إلى اللَّه في خلقه و خاصته و محلّ قدسه و حجّته، و ورثة أنبيائه في الخلافة والحكم.

و حاولت الزهراء (عليهاالسلام) أن تنبه المسلمين إلى غفلتهم و سوء اختيارهم المرتجل و المتسرع و انقلابهم على أعقابهم بعد هداهم، و وردهم غير شربهم الصافي الذي كان يروي ظمأهم، و إسنادهم أمرهم إلى غير أهله، والفتنة التي سقطوا فيها، والدوافع التي دفعتهم إلى ترك كتاب اللَّه و مخالفته فيما يحكم به في مسألة الخلافة و الإمامة.

فالمسألة إذن ليست مسألة تقسيم ميراث أو قبض نحلة إلّا بالمقدار الذي يتصل بموضوع الهدف الأعلى، و ليست مطالبة بعقار أو دار، بل هي في نظر الزهراء قضية إسلام و كفر، و قضية إيمان و نفاق، و مسألة نصّ و شورى.

كذلك نجد هذا النفس السياسي الرفيع و الواضح في حديثها مع نساء المهاجرين و الأنصار حين زيارتهن لها، فقد أوضحت لهن أنّ أمر الخلافة انحراف عن مساره الشرعي بإقرار الحزب الحاكم على مسند الحكم، و لم تكن ردة فعل عاطفية و أحقاد مكنونة وجدت لها متنفساً، ولو أنهم وضعوا الأمر حيث أمر اللَّه و رسوله و أعطوا زمام القيادة للإمام (عليه السلام)؛ لبلغوا رضا اللَّه و سعادة الدنيا و الآخرة.

و أكبر الظنّ أن الصديقة الزهراء (عليهاالسلام) كانت تجد في شيعة الإمام (عليه السلام) و صفوة أصحابه الذين لم يكونوا يشكّون في صدقها أبداً من يؤيد بشهادته على شهادة الإمام علي (عليه السلام) و تكتمل البينة التي طالب بها الخليفة لإثبات أن فدك للزهراء (عليهاالسلام).

إن هذا خير دليل على أن الهدف الأعلى للزهراء الذي كانوا يعرفونه جيداً ليس هو إثبات النحلة أو الميراث، بل القضاء على نتائج السقيفة، و هذا لا يحصل بإقامة البينة في موضوع فدك، لأنّ الأمر سينحصر عند ذاك بقضية محدودة، بل بأن تقدّم البينة لدى الناس جميعاً على أنهم ضلّوا وانحرفوا عن

سواء السبيل، عسى أن يرتد إليهم رشدهم و يحسن اختيارهم و يصححوا مسيرتهم.

و نعلم أيضاً مقدار تخوف السلطة الحاكمة و إصرارها على موقفها و محاولتها الاستمرار في تضليل الجماهير حين نسمع رد الخليفة بعد أن انتهت الزهراء (عليهاالسلام) من خطبتها و خرجت من المسجد، و هذا يلقي الضوء على أساس منازعة الزهراء له، فإنه فهم أن احتجاج الزهراء لم يكن حول الميراث أو النحلة، و إنما كان حرباً سياسية و تظلماً لحق الإمام على (عليه السلام) و إظهاراً لدوره العظيم في وجوده في الاُمة، و الذي شاء الخليفة و أصحابه أن يبعدوه عن المقام الطبيعي له في دنيا الإسلام.

فنجد أنّ الخليفة هجم في رده على الإمام على (عليه السلام) فوصفه بأنه ثعالة و أنه مرب لكل فتنة و أن فاطمة ذنبه التابع له، و لم يتطرق في رده على موضوع الميراث أو النحله قليلاً أو كثيراً.

و إذا عرفنا أن الزهراء نازعت الخليفة في أمر الميراث بعد اغتصابه لفدك، لأن الناس لم يعتادوا أن يستأذنوا الخليفة في قبض مواريثهم أو في تسليم المواريث إلى أهلها، فكانت تجرى معاملاتهم بينهم بيسر دون تكلف، فلم تكن فاطمة (عليهاالسلام) في حاجة إلى مراجعة الخليفة، و لم تكن لتأخذ رأيه و هو الظالم المنتزي على الحكم في رأيها، فالمطالبة بالميراث لابد أنها كانت ذات صدى لما قام به الخليفة من تعدى على حق الزهراء في التركة و الاستيلاء عليها.

و إذا عرفنا أيضاً أن الزهراء لم تطالب بحقوقها قبل أن تغتصب منها تجلّى بوضوح لدينا أن ظروف المطالبه كانت مشجعه كل التشجيع للمعارضين على أن يغتنموا مسألة الميراث مادة خصبةً للانطلاق منها

لمقاومة الخليفة غير الشرعي باُسلوب سلمى كانت تفرضه المصالح العليا للإسلام يومئذٍ، و من الممكن إتهامه بالغصب و التلاعب بقواعد الشريعة و الاستخفاف بكرامة القانون.

maram host