مركز الدراسات الفاطمية
مركز الدراسات الفاطمية
معنى اسم المباركة(ع)/موسوعة الميزان
+ = -
معنى اسم المباركة(ع)
وهو ثالث الأسماء التي وردت عن لسان المعصوم  لفاطمة الزهراء سلام الله عليها عند الباري عز وجل، والظاهر من خلال سيرتها وما تركت من ذرية طيبة من بعدها أن مسألة البركة واضحة البرهان في حياتها الواقعية، حيث نجد أن ذرية كل رسول من ولده وخصوصا الذكور إلا نبينا محمد  حيث كانت ذريته من ابنته المباركة فاطمة سلام الله عليها، وهذا ما نجده من خلال المأثور الروائي في حياة الرسول وأهل بيته.
وقبل الدخول في أحاديث أهل البيت(ع) ومدى دلالات هذه الأحاديث على هذا الاسم لفاطمة سلام الله عليها نراجع كتب اللغة لنرى مدى انطباق معنى المباركة أو البركة على حياتها الشخصية وما تركته في هذه الدنيا. فلقد ورد في معنى كلمة البركة هي النماء والزيادة، وعن الزجاج المبارك ما يأتي من قبله الخير الكثير.
وقيل: إن البركة: هي النماء والسعادة والزيادة.
وقال الراغب: ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحبس، وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر قيل -لكل ما يشاهد منه زيادة محسوسة هو مبارك فيه وفيه بركة.
ولا شك ولا ريب ومن خلال استقراء حياة فاطمة(ع) قبل وبعد وفاتها أنها هي الخير الكثير الذي ورد فيه قوله تعالى: «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ»، ولقد انطبقت عليها هذه المعاني لكثرة بركتها على رسول الله وعلى أهل بيته وعلى شيعة أمير المؤمنين، فأي بركة بعد رسول الله  مثل فاطمة والتي على معرفتها دارت القرون الأولى، وأي بركة أكبر وأفضل من بركة فاطمة سلام الله عليها على الشيعة وخاصة في هذه الحياة الدنيا حيث كانت الوعاء الأكبر للإمامة التي مثلت أفضل مصاديق الولاية الكبرى وأي بركة أفضل منها عندما تأتي يوم القيامة وتخلص شيعتها ومحبيها من عذاب النار. ولقد طفحت كتب السيرة والتاريخ دلالة على كثرة بركة فاطمة الزهراء سلام الله عليها وكذلك الكتب الروائية والكلامية والتفسيرية حيث أظهرت من خلال طيات صفحاتها هذه الصفة الواردة فيها، فاقرأ معي ما كتب حول بركة الزهراء سلام الله عليها فيما ورد عن عبد الله بن سليمان قائلا… (قرأت في الإنجيل في وصف النبي: نكاح النساء ذو النسل القليل، إنما نسله من مباركة لها بيت في الجنة لا صغب فيه ولا نصب، يكفلها في آخر زمان كما كفل زكريا أمك، لها فرخان مستشهدان).
ولقد ورد في تفسير سورة الكوثر «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ» إن الكوثر هي فاطمة الزهراء سلام الله عليها، والكوثر معناه الخير الكثير. ويعني ذلك أن لكثرة ذرية رسول الله من جهة ابنته فاطمة الزهراء سلام الله عليها خاطب القرآن الرسول الأكرم محمد  بأنه له الكوثر كرامة من الله تعالى له. قال العلامة الطباطبائي (رحمه الله): إن كثرة ذريته هي المرادة وحدها بالكوثر الذي أعطيه النبي  أو المراد بها الخير الكثير، وكثرة الذرية مرادة في ضمن الخير الكثير، ولولا ذلك لكان تحقيق الكلام بقوله: «إِنْ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ» خاليا عن الفائدة. وقد استفاضت الروايات أن السورة إنما نزلت فيمن عابه  بالأبتر بعد ما مات ابنه القاسم وعبد الله، وبذلك يندفع ما قيل: إن مراد الشانئ بقوله (أبتر) المنقطع عن قومه أو المنقطع عن الخير، فرد الله عليه بأنه هو المنقطع من كل خير.
ولما فيه قوله «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ» من الامتنان عليه جيء بلفظ المتكلم مع الغير الدال على العظمة، ولما فيه من تطبيب نفسه الشريفة أكدت الجملة بأن، وعبر بلفظ الإعطاء الظاهر في التمليك. وبالجملة لا تخلو من دلالة على أن ولد فاطمة  ذريته، وهذا في نفسه من ملامح القرآن الكريم، فقد كثر الله تعالى نسله بعد كثرة لا يعادلهم فيها أي نسل آخر، مع ما نزل عليهم من النوائب، وأفنى جموعهم من المقاتل الذريعة.
وقال الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى: «إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ»، والقول الثالث: الكوثر أولاده. قالوا: لأن هذه السورة إنما نزلت ردا على من عابه بعدم الأولاد، فالمعنى أنه يعطيه نسلا يبقون على مر الزمان. فانظر كم قتل من أهل البيت، ثم العالم ممتلي منهم ولم يبق من بني- أمية في الدنيا أحد يعبأ به! ثم انظر كم كان فيهم من الأكابر من العلماء كالباقر والصادق والكاظم والرضا والنفس الزكية وأمثالهم.
وقال أيضا: إنا إذا حملنا الكوثر على كثرة الأتباع أو على كثرة الأولاد وعدم انقطاع النسل كان هذا إخبارا عن الغيب، وقد وقع مطابقا له، فكان معجز
وقال الآلوسي في تفسير: «إِنْ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ»، الأبتر: الذي لا عقب له حيث لا يبقى منه نسل ولا حسن ذكر، وأما أنت فتبقى ذريتك… عليه دلالة على أن أولاد البنات من الذرية.
وقال العلامة القزويني: ووجه المناسبة أن الكافر شمت بالنبي  حين مات أحد أولاده وقال: إن محمدا أبتر، فإن مات مات ذكره. فأنزل الله هذه السورة على نبيه  تسلية له، كأنه تعالى يقول: إن كان ابنك قد مات فإنا أعطيناك فاطمة، وهي وإن كانت واحدة وقليلة ولكن الله سيجعل هذا الواحد كثيرا 
وتصديقا لهذا الكلام ترى في العالم -اليوم- ذرية فاطمة الزهراء(ع) الذين هم ذرية رسول الله  منتشرين في بقاع العالم، ففي العراق حوالي مليون، وفي إيران حوالي ثلاث ملايين، وفي مصر خمس ملايين، وفي المغرب الأقصى خمس ملايين، وفي الجزائر وتونس وليبيا عدد كثير، وكذلك في الأردن وسوريا ولبنان والسودان وبلاد الخليج والسعودية ملايين، وفي اليمن والهند وباكستان والأفغان وجزر أندونيسيا حوالي عشرين مليون، وقل أن تجد في البلاد الإسلامية بلدة ليس فيها أحد من نسل السيدة فاطمة الزهراء، ويقدر مجموعهم بخمسة وثلاثين مليونا، ولو أجريت إحصائيات دقيقة وصحيحة فلعل العدد يتجاوز هذا المقدار.
ويؤيد ما استفاده العلامة (ره) وغيره أخبار كثيرة وردت من الفريقين العامة والخاصة ، كما روى الحافظ الكنجي الشافعي عن النبي  قال: “إن الله عز وجل جعل ذرية كل نبي في صلبه، وإن الله عز وجل جعل ذريتي في صلب علي بن أبي طالب”.
قلت: رواه الطبراني في معجمه الكبير، في ترجمة الحسن.
فإن قيل: لا اتصال لذرية النبي بعلي  إلا من جهة فاطمة، وأولاد البنات لا تكون ذرية لقول الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا * بنوهن أبناء الرجال الأباعد
قلت: في التنزيل حجة واضحة تشهد بصحة هذه الدعوى، وهو قوله عز وجل في سورة الأنعام: «وَوَهَبْنَا لَهُ (أي لإبراهيم) إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ (أي ذرية نوح) دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ (إلى أن قال) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى«
فعد عيسى  من جملة الذرية الذين نسبهم إلى نوح  وهو ابن بنت لا اتصال له إلا من جهة أمه مريم. وفي هذا أكد دليل [على] أن أولاد فاطمة  ذرية للنبي  ولا عقب له إلا من جهتها… وقد قال عطاء ومن شايعه من المفسرين: الهاء من قوله «وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ» راجعة إلى إبراهيم . ويحصل في هذا فائدة أخرى لطيفة وهو أنه عد من جملة الذرية الذين نسبهم إلى إبراهيم لوطا ولم يكن من صلبه، لأن لوطا ابن أخي إبراهيم، والعرب تجعل العم أبا كما أخبر عز وجل عن ولد يعقوب حيث قال: «نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ» ومعلوم أن إسماعيل عم يعقوب ولكن نزله منزلة الأب، فيحصل من هذا جواز انتساب أولاد علي  إلى النبي(ص) على الإطلاق، لأنه أخوه وهو منه بمنزلة هارون من موسى، كما نسب الله لوطا إلى إبراهيم، ولوط إنما هو ابن أخيه، وكذلك هنا… ابن حصين عن عمر قال: سمعت رسول الله يقول: كل بني أنثى فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة، فإني أنا عصبتهم وأنا أبوهم.
وقال رسول الله  في حديث طويل: يا فاطمة، ما بعث الله نبيا إلا جعل له ذرية من صلبه، وجعل ذريتي من صلب علي، ولولا علي ما كانت لي ذرية.
قال ابن أبي الحديد في ذيل كلام علي(ع): “املكوا عني هذا الغلام لا يهدني، فإنني أنفس بهذين -يعني الحسن والحسين- على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله”.
فإن قلت: أيجوز أن يقال للحسن والحسين وولدهما أبناء رسول الله وولد رسول الله وذرية رسول الله ونسل رسول الله؟ قلت: نعم، لأن الله سماهم أبنائه في قوله تعالى: «نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ»، وإنما عنى الحسن والحسين… وسمى الله تعالى عيسى ذرية إبراهيم في قوله: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى»… فإن قلت: فما تصنع بقوله تعالى: «مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ»؟ قلت: أسألك عن أبوته لإبراهيم بن مارية، فكل ما تجيب به عن ذلك فهو جوابي عن الحسن والحسين.
والجواب الشامل للجميع أنه عنى زيد بن حارثة، لأن العرب كانت تقول: زيد بن محمد، على عادتهم في تبني العبيد ، فأبطل الله ذلك ونهى عن سنة الجاهلية… قيل لمحمد ابن الحنفية: لم يغرر بك أبوك في الحرب ولم لا يغرر بالحسن والحسين؟ فقال: لأنهما عيناه، وأنا يمينه، وهو يذب عن عينيه بيمينه .
وروى الخطيب عن عبد الله بن عباس قال: كنت أنا وأبي العباس بن عبد المطلب جالسين عند رسول الله(ص) إذ دخل علي بن أبي طالب، فسلم فرد عليه رسول الله: وبش به وقام إليه واعتنقه وقبل بين عينيه وأجلسه عن يمينه، فقال العباس: يا رسول الله ، أتحب هذا؟ فقال النبي: يا عم رسول الله، والله لله أشد حبا له مني، إن الله جعل ذرية كل نبي في صلبه، وجعل ذريتي في صلب هذا.
وجرت مناظرة طويلة بين الإمام موسى بن جعفر(ع) وبين هارون الرشيد، وفيه قال له هارون: لم جوزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول الله  ويقولون لكم: يا بني رسول الله، وأنتم بنو علي؟ وإنما ينسب المرء إلى أبيه، وفاطمة إنما هي وعاء، والنبي  جدكم من قبل أمكم! فقلت: يا أمير المؤمنين، لو أن النبي  نشر فخطب إليك كريمتك هل كنت تجيبه؟ فقال: سبحان الله! ولم لا أجيبه بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك. فقلت: لكنه عليه السلام لا يخطب إلي ولا أزوجه. فقال: ولم؟ فقلت: لأنه ولدني ولم يلدك . فقال: أحسنت يا موسى. ثم قال: كيف قلتم إنا ذرية النبي، والنبي  لم يعقب، وإنما العقب للذكر لا للأنثى، وأنتم ولد الابنة ولا يكون لها عقب؟ فقلت: أسألك بحق القرابة والقبر ومن فيه إلا ما أعفيتني عن هذه المسألة، فقال: أولا تخبرني بحجتكم فيه يا ولد علي، وأنت يا موسى يعسوبهم وإمام زمانهم؟ كذا أنهي إلي، ولست أعفيك في كل ما أسألك عنه حتى تأتيني فيه بحجة من كتاب الله، فأنتم تدعون معشر ولد علي أنه لا يسقط عنكم منه شيء ألف ولا واو إلا وتأويله عندكم، واحتججتم بقوله عز وجل: «مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ».
وقد استغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم.
فقلت: تأذن لي في الجواب؟ قال: هات 
فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى»، من أبو عيسى، يا أمير المؤمنين؟ فقال: ليس لعيسى أب، فقلت: إنما ألحقناه بذراري الأنبياء من طريق مريم ، وكذلك ألحقنا بذراري النبي  من قبل أمنا فاطمة(ع). أزيدك يا أمير المؤمنين؟ قال: هات. قلت: قول الله عز وجل: «فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ»، ولم يدع أحد أنه أدخل النبي تحت الكساء عند مباهلة النصارى إلا علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وكان تأويل قوله عز وجل «أَبْنَاءنَا» الحسن والحسين «وَنِسَاءنَا» فاطمة «وَأَنفُسَنَا» علي بن أبي طالب. إن العلماء قد أجمعوا على أن جبرئيل قال يوم أحد: “يا محمد، إن هذه لهي المواساة من علي. قال: لأنه مني وأنا منه. فقال: جبرئيل: وأنا منكما يا رسول الله. ثم قال: لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي”. فكان كما مدح الله عز وجل به خليله عليه السلام إذ يقول: «فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ»، إنا معشر بني عمك نفتخر بقول جبرئيل إنه منا. فقال: أحسنت يا موسى .
عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر، قال: قال لي أبو جعفر: يا أبا الجارود، ما يقولون في الحسن والحسين؟ قلت: ينكرون علينا أنهما ابنا رسول الله، قال: فبأي شئ احتججتم عليهم؟ قلت: بقول الله عز وجل في عيسى بن مريم: «وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ»، وجعل عيسى من ذرية إبراهيم، قال: فأي شيء قالوا لكم؟ قلت: قالوا: قد يكون ولد الابنة من الولد ولا يكون من الصلب. قال: فبأي شيء احتججتم عليهم؟ قال: قلت: احتججنا عليهم بقول الله تعالى: «فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ»الآية، قال: فأي شيء قالوا لكم؟ قلت: قالوا قد يكون في كلام العرب ابني رجل واحد، فيقول: أبنائنا، وإنما هما ابن واحد. قال: فقال أبو جعفر: والله يا أبا الجارود لأعطينكها من كتاب الله تسمى لصلب رسول الله لا يردها إلا كافر. قال: قلت: جعلت فداك، وأين؟ قال: حيث قال الله «حُرّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ (إلى أن ينتهي إلى قوله) وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ»، فسلهم يا أبا الجارود، هل حل لرسول الله نكاح حليلتهما؟ فإن قالوا: نعم، فكذبوا والله وفجروا، وإن قالوا: لا، فهما والله ابناه لصلبه، وما حرمتا عليه إلا للصلب.
وعن عامر الشعبي إنه قال: بعث إلي الحجاج ذات ليلة، فخشيت، فقمت وتوضأت وأوصيت. ثم دخلت عليه فنظرت فإذا نطع منشور وسيف مسلول. فسلمت عليه ، فرد علي السلام فقال: لا تخف، فقد أمنتك الليلة وغدا إلى الظهر. وأجلسني عنده، ثم أشار فأتي برجل مقيد بالكبول والأغلال، فوضعوه بين يديه فقال: إن هذا الشيخ يقول: إن الحسن والحسين كانا ابني رسول الله، ليأتيني بحجة من القرآن وإلا لأضربن عنقه. فقلت: يجب أن تحل قيده فإنه إذا أحتج فإنه لا محالة يذهب ، وإن لم يحتج فإن السيف لا يقطع هذا الحديد. فحلوا قيوده وكبوله، فنظرت فإذا هو سعيد بن جبير، فحزنت بذلك وقلت: كيف يجد حجة على ذلك من القرآن؟ فقال له الحجاج: إئتني بحجة من القرآن على ما ادعيت وإلا أضرب عنقك. فقال له: انتظر. فسكت ساعة ثم قال له مثل ذلك، فقال: انتظر. فسكت ساعة ثم قال له مثل ذلك، فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قال: «وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ ۖ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ».
ثم سكت. وقال للحجاج: اقرأ ما بعده، فقرأ: «وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى»، فقال سعيد: كيف يليق ههنا عيسى؟ قال: إنه كان من ذريته. قال: أين كان عيسى من ذرية إبراهيم ولم يكن له أب بل كان ابن ابنة فنسب إليه مع بعده، فالحسن والحسين أولى أن ينسبا إلى رسول الله  مع قربهما منه. فأمر له بعشرة آلاف دينار وأمر بأن يحملوها معه إلى داره، وأذن له في الرجوع. قال الشعبي: فلما أصبحت قلت في نفسي: قد وجب علي أن آتي هذا الشيخ فأتعلم منه معاني القرآن، لأني كنت أظن أني أعرفها فإذا أنا لا أعرفها. فأتيته فإذا هو في المسجد وتلك الدنانير بين يديه يفرقها عشرا عشرا ويتصدق بها، ثم قال: هذا كله ببركة الحسن والحسين، لئن كنا أغممنا واحدا لقد أفرحنا ألفا وأرضينا الله ورسوله.

المصدر: موسوعة الميزان.
maram host