مركز الدراسات الفاطمية
مركز الدراسات الفاطمية
مظاهر من التماسك النصّي في خطبة الزهراء”ع” الفدكيّة
+ = -

                                                          مظاهر من التماسك النصّي في خطبة الزهراء”ع” الفدكيّة

                                                                 أ.م.د مجيد مطشر العامر/ أ.م.د كاظم فاخر الخفاجي

                                                                             جامعة ذي قار / كلية الآداب

ثانياً:الفصل والوصل

شاركت أدوات الفصل والوصل في ربط أجزاء الكلام اللاحق منه بالسابق وبشكل منظم بغية تحقيق استمرارية هذا النص التراثي ( الخطبة ) في عمله الإبلاغ أولا وفي عملية التوصيل على مستوى الفكرة الرئيسة ثانيا.

وتتجسد بنية الوصل بأدوات العطف على اختلاف أنواعها وتتخذ شكلين (8): الأول : يقوم على الجمع بين جملة سابقة وأخرى تلحقها وهي تفيد مجرد الترتيب المنطقي والحكم ألموقعي غير أنها قد ترتب بين أشياء لا رابط بينها من جهة المعنى أي الجمع بين المتضادات أو المتغايرات أو المتقابلات فضلا عن عمادها الرئيس وهو الجمع والرتيب بين المتماثلات حكما ومعنى وتعد ( الواو ) سيدة هذا النوع من الرابط

والثاني : يقوم على الربط الخطي والجمع أيضا ولكنه يدخل معنى آخر يتعين به نوع العلاقة بين الجملة و الأخرى مثل ( الفاء ، ثم ، أو ، لكن ، بل ) حيث تساعد هذه الأدوات على مجرد الرابط أولا ومن ثم تعبر عن علاقة منطقية أخرى بين العنصرين المربوطين وإذا عدنا إلى بنية الخطبة سوف نلحظ إن أدوات العطف متنوعة فيها ( الواو ، الفاء ،ثم ، أو … الخ ) ولا يوجد تناسب في نسبة الاستعمال بينها إذ إن ورود الربط بالواو ، جاء بنسبة عالية جدا مقارنه بالأدوات الأخرى غير إن هذا التنوع في أدوات العطف داخل النص الواحد ( الخطبة يشير إلى خصائص دلالية متعينة على سبيل القصدية 0

لقد تنوعت حالات الربط ( بالواو ) وسواء كان ذلك بين كلمتين أم جملتين أم متتالية من الجمل ومن الأمثلة على ذلك

1-على مستوى الكلمة الواحدة

جاء في الخطبة الخالدة ما نصه :

( … ثم قبضه إليه قبض رأفة وأختيار .. ورغبة وايثار ….. وتمشون لاهلة وولده في الخمرة والضراء … وتركتم كتاب الله ونبذتموه … وانتم بمنتدى ومجمع … الخ )

يلاحظ على هذه الكلمات ان دافع الربط بينها هو لانسجامها دلاليا .

الرأفة = الاختيار

الرغبة = الايثار

الخمرة = الضراء

تركتم = نبذتم

منتدى = مجمع

فهذه الكلمات ارتبط فيها السابق باللاحق من خلال حرف العطف ( الواو ) وان افعالها قد اتسقت وانسجمت دلاليا .

وهناك نوع اخر يقع على الضد من الاول ، فأذا كانت افعال النوع الاول متسقة دلاليا وجاء الربط بالواو بينها ليفيد الترتيب المجرد للاتفاق في المجال الدلالي ، فأن هذا النوع من الربط يفيد الربط بين المتناقضين او المتضادين ، ومن امثلته مما ورد في الخطبة الفدكية. قولها عليها السلام ( ….. يوم حشرك ونشرك …وكسفت الشمس والقمر ….. وانتم بمرأى ومسمع….. الخ )

نلاحظ على هذا الربط انه جمع بين اشياء غير منسجمة دلاليا  اذ ان :

الحشر # النشر

الشمس# القمر

المساء # الصباح

 الرؤيا # السمع ….. وهكذا

وهذا الامر يتفق مع ما اشار اليه الازهر الزناد بقوله ” ان كل جملتين متتاليتين في النص ثانيهما تخالف الاولى ترتبطان بأداة ربط ”  (9)

2-على مستوى الجمل او المتتاليات الحملية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تزخر الخطبة الخالدة بالجمل و المتتاليات المرتبطة مع بعضها البعض بوساطة حرف العطف (او) غير ان اغلب هذه المتتاليات تقع ضمن مجال دلالي يكاد ان يكون موحدا. ولنتابع هذا الانسجام و التماسك مع بعض النماذج من الخطبة.

جاء في الخطبة مانصه:

-(( علما من الله تعالى بمايلالامور,واحاطة بحوادث الدهور, ومعرفة بمواقع المقدور )) في هذا النموذج تتابعت فيه الجمل عن طريق وحدة الربط (الواو) . وهي (العلم والاحاطة و المعرفة) وان التماسك والانسجام الدلالي واضح بين هذه المفردات لانها تنطلق من وحدة مركزية كبرى اي ان :

 العلم =الاحاطة=المعرفة

-انار الله بابي محمد (ص) ظلمها,وكشف عن القلوب بهمها, و جلى عن الابصار غمها). الوحدات اللغوية المربوطة بوساطة (الواو) في هذا المثال هي (انار ,كشف,جلى) والناظر في المرجعية المعرفية لهذه الوحدات سوف يكتشف انها تتناغم ضمن اطار معجمي متقارب (انار=كشف=جلى).

  وتبرز الى جانب حرف العطف الواو )وسائل انسجامية اخرى تقوم بالعملية نفسها مثل (الفاء,ثم) وتحتل الفاء المركز الثاني بعد الواومن حيث سعة الانتشار في نص الخطبة, حيث توافر النص المدروس على مايقرب من 40% حالة ربط بالفاء, اشارت جميعها الى تعاقب الاحداث , ومنها ماهو مرتبط بالاسماء ومنها ماهو مرتبط بالافعال, ومنها مرتبط بالحروف.

ومن امثلة ذلك

(فراى,فانار,فانقذهم,فجعل,فبلغ,فانقذكم,فخطر,فالقاكم,فوجدكم,فالفاكم, فوسمتم,فمججتم,فاخذ,فتاتمرون) افادت الفاء في هذه الافعال تعاقب الاحداث واستمرارها,اذ استحضرت الزهراء(ع) اوضاع العرب قبل الاسلام وماهم عليه من الشرك, والتفرق, وتمجيد العادات السيئة, وقتلهم النفس المحترمة, واكلهم الباطل, وتعاطيهم الجيف والمحرمات, وكل ذلك وغيره تابعت الزهراء(ع) بسرد الاحداث مشفوعة بالادلة والبراهين من خلال الافعال الدالة على الاحداث.

ومن امثلة ارتباط الفاء بالاسماء قولها(عليهاالسلام): (فمحمد(ص)عن تعب هذه الدار في راحة,….فبعين الله ماتفعلون,فانتم عترة رسول الله(ص) ). افادت الفاء في هذه الجمل الاسمية التشخيص, والتاكيد,مع التضافر الانسجامي مع بقية مكونات الربط لنسج خيوط الخطبة التي تهدف الى توصيل الفكرة باكبر قدر من انتظام العناصر المكونة لها .

ومن امثلة ارتباط الفاء بالحروف قولها عليها السلام ( فإن تعزّوه ، فلا ينكفئ ، فلما اختار الله ، فلا نبرح او تبرحون فلما اختار ، فأنى حرتم بعد البيان ، فلا تجيبون  ، فلا تغيثون ) تفيد الفاء الرابطة هنا عدة مضامين منها : الشرط ، النفي ، الشروع والتفسير ، الأستفهام .

وهذه المضامين الدلالية وظفتها الزهراء (ع) لغرض المحاججة وازالة الغموض واللبس عند المتلقين في الامور والاحداث التي رافقت وتوالت بعد وفاة الرسول الأكرم (ص) .

وفضلا عن ( الفاء والواو ) فقد استخدمت الزهراء (ع) وسائل ربط اخرى وان كانت بنسبة قليلة ، ومن هذه الروابط ( ثم – او – بل ) والاولى تفيد العطف والترتيب ، واحيانا المهلة او التراخي (10)

وامثلة ذلك قولها عليها السلام ( ثم قبضه الله اليه ، ثم استنهضكم ، ثم لم تلبثوا ، ثم اخذتم ) اما الثانية (او ) فتفيد التخييرومن امثلتها ( او نجم قرن الشيطان ، او فغرت فاغرة من المشركين ) في حين جاءت الثالثة لغرض العطف والاضراب وقد وردت في الخطبة بنسبة قليلة جدا ، منها قولها عليها السلام ( بل كان يتبع اثره ، بل ران على قلوبكم )

واذا كانت حروف العطف بانواعها ( الواو – الفاء- ثم – او – بل ) وكذلك الاحالة الضميرية قد حققت تماسكا على مستوى المفردات وجمل الخطبة الشريفة ، فانها لم تستأثر بذلك لوحدها اذ اسهمت وسائل اتساقية اخرى برزت على مستوى سطح الخطبة وعملت على الربط النحوي بين اجزائه ، مما خلق استمرارية للنص وامتدادا متلاحما لعناصره ومن هذه الوسائل الحذف والأستبدال

ثالثا / الحذف

يعد الحذف احد الوسائل السياقية ويراد به لغويا الأيجازوالأقتصاد اللغوي (11)  ، وعدم التكرار للمفردات والعبارات حتى لايقع الثقل والترهل في الكلام (12).

ويعتمد الحذف على قرائن دالة عليه سواء كانت قرائن مقالية او مقامية (13) ويأتي الحذف لاغراض جمالية وبلاغية تزيد النص رصانة ، وتؤدي به الى التماسك وتفعيل المشاركة بين القائل والمتلقي في انتاج النص وتشكيله (14)

وقد ورد الحذف بانواعه في نص الخطبة الفدكية بشكل مكثف ، دالا على معان متعددة ومن امثلة ذلك قولها (ع) : ( بما قدّم – ندبهم – الممتنع – ابتدع – بلغ – يطأ – مجتهدا – مكدوداً – ظهر – وجد 000الخ )

هذه الافعال قد حذف فاعلها ايجازا واقتصادا في المجهود اللغوي وابتعادا عن التكرار ، وكانت القرائن المقالية دالة عليها ، لانها مذكورة في صدور عبارات هذه الافعال 0

وقد يحذف المفعول به للاغراض نفسها ومن ذلك ( ابتعثه الله – قبضه الله – تعزوه – تعرفوه – تجدوه 000الخ )

ففي هذه الامثلة حذف المفعول به واقام الضمير المتصل (الهاء) مقامة اختصارا وايجازا في الكلام على ان صور الحذف في هذا النص قد تعدد انماطه ، فمنها حذف المبتدا او الخبر ، وحذف الفعل ، وحذف الاداة ، وحذف الجمل باكملها والاكتفاء بالاشارة اليها 0

ولعل المقام لايسمحبإيراد جميع تلك المحذوفات لذا اكتفينا بما تقدم وللقارئ المستزيد التتبع والأكتشاف عن مواطن الجمال في ظواهر الحذف المذكورة0

رابعا  : الأستبدال

هو عملية تتم داخل النص ، فيها يتم تعويض عنصر في النص بعنصر آخر لغرض دلالي ، وهذه الخصيصة تعد من خصائص التماسك والأنسجام النصي (15)

ويأتي دور الأستبدال في التماسك وانسجامه من خلال العلاقة بين المستبدل والمستبدل منه وهي علاقة قبلية بين عنصر سابق وعنصر لاحق في النص (16) يجمعها السياق التركيبي نفسه ، عن طريق الوظيفة او الموقع ، او هما معاً 0

ويقسم اللسانيونالأستبدال الى عدة اقسا م (17) ، اشهرها :

الأستبدالالأسمي ، اي استبدال اسم بآخر مع المحافظة على الوظيفة التركيبية

الأستبدال الفعلي ، اي احلال فعل محل فعل آخر مع المحافظة على الوظيفة التركيبية

الأستبدال القولي ، هو احلال قول محل قول اخر مع المحافظة على الوظيفة التركيبية

والأستبدال يؤدي الوظيفة نفسها التي يؤديها الحذف من الأقتصادي والتكثيفي وعدم التكرار0 ومن الامثلة الواردة في الخطبة الفدكية ما يأتي :

الأستبدال الفعلي ( ارسله – اجتلبه – ابتعثه – اتماما – امضاء – انقاذا – استوسع – استنهر 000الخ ) والاصل فيها (ان يرسله ، قبل ان يجتلبه ، قبل ان يبعثه – تتميما لأمره – تمضية لحكمه – تنفيذا لمقادير حتمه – وسّع وهنه –نهر فتقه 000الخ 0

الأستبدالالأسمي ( سبوغ – مصونة – منكرة- منكشفة – منجلية –مائلا- مرحولة – الغميزة 000الخ والأصل فيها ( سابغ او سبغ ، ومصانة – ناكرة – مكشوفة – مجلوة – ممال – راحلة – الغمزة 000 الخ

اما الأستبدال القولي فتكاد اسماء الاشارة والموصول والاستفهام دالة عليه والخطبة قد اشتملت على هذا النوع السياقي من الأنسجام وتمثل ذلك في قول الزهراء عليها السلام ( بعد اللتيا والتي ، ارغبة عنه تريدون ؟ افلا تعلمون ؟ سرعان ما احدثتم 000الخ )

والملاحظ على هذه العبارات انها اضمرت كلاما لا تريد الزهراء (ع) اعادته خشية التكرار ، لذا لجات الى هذه الأختصاراتتعويضا عن المحذوف واستبدالا عنه.

الأحالات

  • 1- في البلاغة العربية ، والأسلوبيات اللسانية ، سعد مصلوح ، عالم الكتب مصر ط 1 2006، ص 228، وينظر في اللسانيات ونحو النص ، ابراهيم خليل ، دار المسيرة للنشر والتوزيع عمان 2007،، ص 213 ،ونحو النص بين الأصالة والحداثة ، محمد احمد عبد الراضي ، القاهرة ، 2008

  • 2- لسانيات النص ، مدخل الى انسجام الخطاب ، محمد خطابي ، المغرب ، 2006 ، ص 17، ونحو النص اتجاه جديد في الدرس النحوي ، احمد عفيفي ، مكتبة زهراء الشرق ، 2001 ، ص 90

  • 3- نحو النص بين الأصالة والحداثة ، محمد احمد عبد الراضي ، القاهرة ، 2008، 110 ، وينظ النص ، الخطاب ، الأجراء ، بوجراند ، ترجمة تمام حسان ، مصر ، 1998، ص 102

  • 4- علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق ، محمد ابراهيم الفقي ، القاهرة 2009، ج 1 ، ص 96

  • 5- ينظر :علم اللغة النصي ، ص 93 ، ولسانيات النص النظرية والتطبيق ، لندة قياس ، القاهرة 2009 ،ص 26

  • 6- في اللسانيات ونحو النص ، ص 227

  • 7- لسانيات النص ( خطابي) ، 17

  • 8- ينظر : نسيج النص ، الأزهر الزناد ، لبنان 1993، ص 37

  • 9- المصدر نفسه : 28

10_ ينظر : التطبيق النحوي ، عبدة الراجحي ، لبنان 2004، ص 444، والنص والخطاب والأتصال ، محمد العبد ، مصر 2005، ص117،

11_ ينظر : ظاهرة الحذف في الدرس اللغوي ، طاهر سليمان حمودة ، الأسكندرية د0ت ص 9-17 ، واصول تحليل الخطاب في النظرية النحوية العربية ، محمد الشاوش ، بيروت د0ت ص 131

12_ ينظر : علم لغة النص النظرية والتطبيق ، عزة شبل محمد ، مصر 2007، ص 169

13- ينظر : الخصائص ، ابن جني ، القاهرة 1962، ج 1/ 360 ، واللغة والمعنى والسياق ، جون لاينز ، ترجمة صادق عبد الوهاب ، بغداد د0ت ، ص 112

14- ينظر : نحو النص اطار نظري ودراسات تطبيقية ، عثمان ابو زيد ، الجزائر، 127

15- ينظر : لسانيات النص ( خطابي) : 19

16- دور المنهج الأستبدالي في وصف العربية وتقعيدها ، وليد عبد الله ، الأردن ، 2002 ، ص 23-24 ، ولسانيات النص ( خطابي ) ص 20

17 ينظر : دور المنهج الأستبدالي ، ص 30 ، ووجوه الأستبدال في القرآن الكريم ، عز الدين محمد ، لبنان ، 2007 ص 41- 129

maram host