مركز الدراسات الفاطمية
مركز الدراسات الفاطمية
الزهراء عليها السلام والإمامة وغصب فدك بقلم الدكتور حمود عبدالمجيد بهية
+ = -

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الزهراء عليها السلام والإمامة وخصب فدك

                

 

                                               السيد الدكتور

                                               حمود عبد المجيد بهية

                                               رئيس قسم الفقه وأصوله

                                              كلية الفقه ـ جامعة الكوفة

 

 

الحمد لله الذي هدانا بهدايته ومن علينا بالإيمان بوحدانيته ورسالته، وأنعم علينا بخاصته وخالصته ، خاتم أنبيائه وسيد بريته محمد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ، لا سيما أولهم أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب عليه السلام  ، وآخرهم القائم بالأمر وناشر راية العدل الحجة ابن الحسن العسكري – أرواحنا لتراب مقدمه الفداء.

 

        ان كل خدمة تبذل في سبيل أهل البيت عليهم السلام وخصوصا ً الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام التي هي محور هذا البحث هي توفيق الهي … وكل من تكلم عنها فوقع في مضايق فقد وقع أجره على الله تعالى ، لأنها عليها السلام أحد طرق القرب من الله تعالى أن لم نقل بأنه أفضل وأسرع طرق الوصول لأن أهل البيت عليهم السلام قالوا عن مقام الزهراء عليها السلام ( نحن حجج الله على الخلق وفاطمة حجة الله علينا )[1]

وحتى أهل البيت كانوا يستنجدون بأمهم الزهراء في الملمات فقد روي أن الإمام الباقر عليه السلام أصيب بالحمى فتوسل بجدته الصديقة الزهراء عليها السلام وقد علا صوته وهو يقول في فراش المرض ( يا فاطمة .. يا ابنة رسول الله…)[2] بحيث سمع صوته من خارج الدار.

       

وكذلك يقول مولانا الحجة بن الحسن عجل الله تعالى فرجه الشريف (وفي ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي أسوة حسنة وسيردي الجاهل رداءة ) [3] .

 

        وبناء عليه فإني العبد الفقير الحقير أجد من الصعوبة بمكان أن أتحدث عن مكانة وقدرات وملكات هذه الحورية الأرضية ،والإنسية السماوية فأخال نفسي في لجة البحر لا أدري من أين ابدأ ولا إلى أين انتهي.

 

 وإذا بيّ اقرأ ( فاحمدوا الله الذي بعظمته ونوره ابتغى من في السماوات ومن في الأرض إليه الوسيلة ، فنحن وسيلته في خلقه ، ونحن آل رسوله ، ونحن حجة غيبه ، وورثة أنبيائه  ) [4] .

 

وإذا بوجداني يصرخ سيدتي انتم ورثة الأنبياء ؟

فلماذا إذن مُنعتم ومُنعنا من فدك ؟ !

ولا زلنا ومع مرور أربعة عشر قرنا ً من الزمن ، لا نزال نعيش مأساة فدك الأليمة … بينما نتطلع إلى ظهور آخر وارث لفدك ، المهدي الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف .

 

فكان موضوع البحث  ـ الزهراء عليها السلام والإمامة وخصب فدك ـ

 

ما فدك :

فدك : قرية في الحجاز ، بينها وبين المدينة يومان ، وقيل ثلاثة وهي أرض يهودية ، كان يسكنها طائفة من اليهود حتى السنة السابعة للهجرة حيث قذف الله بالرعب في قلوب أهليها فصالحوا رسول الله صلى الله عليه وآله على النصف من فدك . 

 

ويعود تاريخ فدك إلى 1500 سنة قبل الإسلام ، وسميت بهذا الاسم بسبب سكن أرضها فدك بن هام .

 

وروى أن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم  صالحهم عليها كلها ، فصارت ملكا لرسول الله صلى الله عليه وآله خاصة ، لأنها لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب ، فلما نزل قوله تعالى  (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ) [5] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة فأعطاها فدك [6] ، وكان فيها بضعة عشر نخلة غرسها رسول الله بيده الشريفة [7].

 

وقد كان قسم من أراضي فدك أراضي زراعية مثمرة ، وباقي أرضها كان على شكل بساتين تمر ، تتوسطها عين ماء فائرة [8].

 

قال ابن أبي الحديد :  ( وقلت لمتكلم من متكلمي الإمامية يعرف بعلي بن تقي من بلدة النيل [9]. وهل كانت فدك إلا نخلا يسيرا وعقارا ليس بذلك الخطير ؟ فقال لي ليس الأمر كذلك بل كانت جليلة جدا وكان فيها من النخل نحو ما بالكوفة الآن من النخل ) [10].

 

وقد كانت محاصيل فدك كثيرة جدا ً ، حتى أن متوسط حاصلها السنوي كان يعادل سبعين إلى مئة وعشرين ألف قطعة ذهبية [11].

 

وكانت فدك بيد الزهراء عليها السلام  في عهد أبيها وبعد وفاته صلى الله عليه وآله وكانت وضعت عليها وكيلا عنها فانتزعها الخليفة الأول وطرد وكيلها [12] ولما تولى عمر الخلافة ردها إلى ورثة رسول الله صلى الله عليه وآله فلما ولي عثمان بن عفان أقطعها مروان بن الحكم ، فجعل مروان ثلثها لعبد الملك وثلثها لعبد العزيز ، فجعل عبد الملك ثلثه ثلثاً للوليد، وثلثا ًلسليمان ، وجعل عبد العزيز ثلثه لعمر بن عبد العزيز ، فلما صار الأمر إلى معاوية بن أبي سفيان أقطع مروان ثلثها ، وعمر بن عثمان ثلثا ، ويزيد ابنه ثلثها الآخر .ثم ولى مروان فجعل ثلثه لعمر بن عبد العزيز [13].

 

فقد كانوا يتداولونها حتى خلصت لمروان بن الحكم أيام ملكه ثم صفت لعمر بن عبد العزيز ، فلما ولي الأمر ردها لولد فاطمة عليها السلام، ثم انتزعها يزيد ابن عبد الملك من أولاد فاطمة عليها السلام وظلت في أيدي بني مروان حتى انقرضت دولتهم .

 

فلما تقلد الخلافة أبو العباس السفاح ردها على عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي عليهما السلام ثم قبضها أبو جعفر المنصور في خلافته من بني الحسن ، وردها المهدي بن المنصور على الفاطميين ، ثم انتزعها موسى بن المهدي من أيديهم ، ثم ردها المأمون عليهم سنة مائتين وعشرة ولما بويع المتوكل انتزعها منهم وأقطعها عبد الله بن عمر البازيار من أهل طبرستان .

 

وردها المعتضد ، وحازها المكتفي ، وقيل إن المقتدر ردها عليهم.

الحكمة من منع الزهراء عليها السلام فدك

 كانت فاطمة الزهراء بنت محمد صلى الله عليه واله وسلم ذات نفوذ قوي وتأثير عظيم في سياسة الدولة الإسلامية عقب انتقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى [14] , وبالتالي كان يمكن لها أن تغير مسير الأحداث باتجاه آخر مستندة ً في ذلك على قدسيتها المستقرة في نفوس الناس، كونها بضعة الرسول وأم أبيها ومن أذاها فقد أذا الله جل جلاله ورسوله صلى الله عليه واله وسلم  ، ومن هنا كان لابد للطرف الثاني الطامح للسلطة من ضربة استباقية ، وتجسدت هذه الضربة في نزع قدسية الزهراء عليها السلام من النفوس ، وذلك عن طريق تكذيبها ومن ثم تكذيب زوجها عليه السلام ، وبالتالي تسير الأحداث وفقا ً لما سبق التخطيط له ، ويكون الناس مع الأقوى والذي بيده السلطة والمال (لان الناس على دين ملوكها ) [15].

 

فهذا علي بن تقي في حوار مع ابن أبي الحديد يقول : ( ما قصد أبو بكر وعمر بمنع فاطمة عنها إلا أن لا يتقوى علي بحاصلها وغلتها على المنازعة في الخلافة ) [16] .

 

وقال ابن أبي الحديد: ( سألت علي بن الفارقي مدرس المدرسة الغربية ببغداد فقلت له : أكانت فاطمة صادقة ؟ قال نعم قلت : فلم لم يدفع إليها أبو بكر فدكا وهي عنده صادقة فتبسم ثم قال : كلاما لطيفا مستحسنا مع ناموسه وحرمته وقلة دعابته قال لو أعطاها اليوم فدكا بمجرد دعواها لجاءت إليه غدا وادعت لزوجها الخلافة وزحزحته عن مقامه ولم يكن يمكنه الاعتذار بشئ لأنه يكون قد سجل على نفسه بأنها صادقة فيما تدعي)[17] .

 

إذن الحكمة من منع الزهراء حقها هي الخلافة ومما يؤكد دعوانا في أن الخلافة كانت في الهدف الأساسي ما جاء في الإمامة والسياسة من قول ابن قتيبة . . ( وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون : يا بنت رسول الله لقد مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو أن زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ، ما عدلنا به فقال علي كرم الله وجهه : أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته لم أدفنه، وأخرج أنازع الناس سلطانه ؟ فقالت فاطمة : ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم ) [18].

 

فوا عجبا ً لقوم تأخذهم العزة بالأثم يخالفون ما أمر به الله ورسوله ، لأجل عهدا ً أو بيعة أخذت منهم على حين غرة ، وقد تبين لهم انها باطلة !

 

وقد بقيت فدك وعلى مر السنين تمثل السلطة والقوة فهي ليست مجرد بستان نخيل ،  فقد ( حدها علي عليه السلام : حد منها جبل أحد ، وحد منها عريش مصر ، وحد منها سيف البحر ، وحد منها دومة الجندل يعني الجوف ) [19]،  وفي حوار بين الإمام الكاظم عليه السلام وهارون العباسي حول استرداد فدك أعلن الإمام عليه السلام عليه السلام ان حدود فدك الحقيقية قد خرجت عن تلك القرية الصغيرة في الحجاز لتستوعب كل العالم الإسلامي في حدوده الرسمية [20]  وقد أرعب هذا الإعلان هارون الرشيد وراح يخطط لتصفية الإمام عليه السلام بشتى الطرق.

 

ففدك تعبير ثاني عن الخلافة الإسلامية ، والزهراء جعلت فدك مقدمة للوصول إلى الخلافة ، فأرادت استرداد الخلافة عن طريق استرداد فدك .

 

ومما يدل على ذلك تصريحات الزهراء عليها السلام في خطبتها بحق علي عليه السلام وكفائته وجهاده فهي القائلة في خطبتها التي ألقتها في مسجد رسول الله : ( فأنقذكم الله بأبي محمد بعد بعد اللتيا والتي ، وبعد أن مني ببهم الرجال وذؤبان العرب ومرده أهل الكتاب ، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله أو نجم قرن للشيطان ، أو فغرت فاغرة من المشركين ، قذف أخاه [21] في لهواتها ، فلا ينكفي حتى يطأ صماخها بأخمصه ، ويخمد لهبها بسيفه ، مكدودا في ذات الله ، مجتهدا في أمر الله ، قريبا من رسول الله ، سيد أولياء الله ، مشمرا ناصحا ، مجدا كادحا ، وأنتم في رفاهية من العيش وادعون فاكهون آمنون ، تتربصون بنا الدوائر وتتوكفون الأخبار ، وتنكصون عن النزال ، وتفرون من القتال) [22].

 

ففي حياة الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم كانت السيرة هي التأكيد على أن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام هو الخليفة من بعد النبي والحوادث في التأكيد على ذلك كثيرة جدا ًوكان الذين في قلوبهم مرض يتآمرون على خليفة النبي بالاختيال المادي والمعنوي ، ولكن تواصل الرسول في دفاع عن الوصي كان يدفع هذه المؤامرة حتى إذا ما استشهد صلى الله عليه واله وسلم اغتصبت الخلافة فجائت المطالبة بفدك والخطبة الفدكية لكي تواصل من خلالها الزهراء النهج المحمدي في الدفاع عن الخط العلوي ، والتأكيد على ان الخليفة الحق هو الإمام علي عليه السلام .

 

إذن فالزهراء عليها السلام حينما كانت تدافع عن حقها بفدك ، فانها تدافع عن أصل الولاية ،ولاية أمير المؤمنين عليه السلام وإمامته أساسا ً، ومن هنا ، فقد منعوا عنها فدك واخرجوا مزارعيها وعمالها ، تضعيفا ً منهم لأهل البيت عليهم السلام وإعلانا ً لصراعهم ضد ولاية أمير المؤمنين عليه السلام .

 

ولذلك لم تقصد سيدة نساء العالمين بيت أبي بكر للمطالبة بفدك ، وإنما يممت شطر المسجد النبوي ، الذي كان قاعدة الإسلام مع ثلة من المؤمنات ، وألقت خطبتها الغراء ، هذه الخطبة التي تعد من جملة كراماتها ومعاجزها ، (تلك الخطبة الغراء الساطعة عن سيدة النساء صلوات الله عليها التي تحير من العجب منها والإعجاب بها أحلام الفصحاء والبلغاء)[23]    

 

الروايات المتحدثة عن مطالبة الزهراء بفدك

أن لمن الغريب والعجيب حقا ً أن نسمع ونقرأ في الروايات الصحيحة ما يفيد بأن تأتي الزهراء عليها السلام إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم تطالب أبي بكر بفدك، وتأكد له أن أباها نحلها إياها ، فينكر ذلك ويكذب قولها ، ويقول لها : هذه دعوى لا بينة عليها ،  مع إجماع الأمة على طهارة الزهراء عليها السلام  وعدالتها ، فتقول له :   ( إن لم يثبت عندك أنها نحلة فأنا أستحقها ميراثا ) [24]، فيدعي أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله يقول : (ما تركناه صدقة إن الأنبياء لا تورث) [25]، ثم يقول لها أبو بكر مع علمه بعظم خطرها في الشرف ، وطهارتها من كل دنس ، وكونها في مرتبة من لا يتهم ، ومنزلة من لا يجوز عليه الكذب : ائتيني بأحمر أو أسود يشهد لك بها وخذيها – يعني فدك – ، فأحضرت إليه أمير المؤمنين والإمامين الحسن والحسين صلوات الله عليهم أجمعين وأم أيمن ، فلم يقبل شهادتهم وأعلها [26]، وزعم أنه لا يقبل شهادة الزوج لزوجته، ولا الولد لوالده ، وقال : هذه امرأة واحدة – يعني أم أيمن – ، هذا مع إجماع المخالف والمؤالف على أن النبي قال : ( علي مع الحق ، والحق مع علي ، اللهم أدر الحق معه حيثما دار)[27]، وقوله صلى الله عليه واله وسلم : ( الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا) [28] ، وقوله صلى الله عليه وآله  في أم أيمن: (يرحمك الله ، أنت على خير وإلى خير ، وما أرضاني عنك) [29] ، فرد شهادة الجميع مع تميزهم عن الناس .

 

أقول : إن كانت فاطمة عليها السلام جائت مطالبة بميراث أبيها ، فلا حاجة بها إلى الشهود ، لأنه من المعلوم لكل من له من الفقه نصيب ان المستحق للتركة لا يفتقر إلى الشاهد إلا إذا لم يعرف صحة نسبه واعتزائه إلى الدارج ، وهذا مستبعد جدا ً فمن غير المعقول بأنهم  شكوا في نسب فاطمة الزهراء عليها السلام وكونها ابنة النبي صلى الله عليه وآله ، هذا أولا ً .

 

أما ثانيا ً : فإن كانت عليها السلام تطلب فدكا وتدعي ان أباها نحلها إياها احتاجت إلى إقامة البينة ، ولم يبق لما رواه أبو بكر من قوله : ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ) [30]معنى ، وهذا واضح جدا ولا يحتاج إلى كلام .

 

ثم لم تمض الأيام حتى وصل مال البحرين ، فلما ترك بين يدي أبا بكر ( قال أبو بكر من كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم دين أو عدة فليأتنا، فتقدم إليه جابر بن عبد الله الأنصاري فقال له : قال لي النبي صلى الله عليه وآله: لو جاء مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا قال فقال له : تقدم فخذ بعددها ، فأخذ ثلاث حفنات ) [31]من أموال  المسلمين بمجرد الدعوى من غير بينة ولا شهادة !

 

سبحان الله ؟!  فما الفرق بين هذه و تلك .

 

الروايات التي استند عليها الخليفة في تأميم تركة رسول الله صلى الله عليه واله وسلم ومناقشتها

الرواية الأولى :

ما جاء في بعض الروايات من أن أبا بكر بكى لما كلمته فاطمة الزهراء عليها السلام ، ثم قال : يا بنت رسول الله ، والله ما ورث أبوك دينارا ولا درهما ، وإنه قال : إن الأنبياء لا يورثون [32].

 

 وما ورد في الخطبة من قوله : ( إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضة ولا أرضا ولا عقارا ًولا دارا ًلكنما نورث الأيمان والحكمة والعلم والسنة ) [33].  

الرواية الثانية :  ( إنا لا نورث ما تركناه صدقة ) [34]وهذا التعبير تناقلته عدة أخبار عن الخليفة نقلا ً عن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم .[35]

 

مناقشة الروايات:

أولا ً :  إذا تأملنا في الروايات الصادرة وفقا ً للتعبير الأول نلاحظ أن الرواية تحتمل أكثر من مفهوم فهي تحتمل أن تكون بيانا لعدم تشريع توريث الأنبياء كما فهمه الخليفة ، وتحتمل أن تكون كناية عن معنى وقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأراد بيانه ، وهو تعظيم مقام النبوة وتجليل الأنبياء ، وليس من مظهر للجلالة الروحية والعظمة الإلهية أجلى دلالة وأكثر أثرا ًماديا ً من الزهد في الدنيا ، ولذائذها الزائفة ، ومتعها الفانية .

 

فلماذا لا يجوز لنا افتراض أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يشير إلى أن الأنبياء أناس ملائكيون وبشر من الطراز الأسمى الذي لا تشوبه الأنانيات الأرضية والأهواء البشرية ؟ لأن طبيعتهم قد اشتقت من عناصر السماء – بمعناها الرمزي – المتدفقة بالخير لا من مواد هذا العالم الأرضي ، فهم أبدا ودائما منابع الخير ، والطالعون بالنور ، والمورثون للأيمان والحكمة ، والمركزون للسلطان الإلهي في الأرض ، وليسوا مصادر للثروة بمعناها المصطلح عليه في عرف الناس ، ولا بالساعين وراء نفائسها [36].

 

أذن لا خصوصية للاحتمال الأول ، والاحتمال الثاني وارد وموضوعي وينسجم مع روح التربوية للرسالة المحمدية ، فيسقط الاحتمال الذي بنا عليه الخليفة ، (وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال ) [37] وكما هو ثابت في علم الأصول .

maram host