مركز الدراسات الفاطمية
مركز الدراسات الفاطمية
منزلتها عند النبى و حبه لها
+ = -

منزلتها عند النبى و حبه لها

من الاخلاق الكريمه والكمالات الانسانيه ان يحب الانسان اولاده و احفاده ذكورا واناثا صغارا و كبارا، و هذا وان كان امرا فطريا جبلت عليه غريزه الانسان بل غرائز الحيوان، لكن ندب الشارع ايضا عباده اليه، وحثهم عليه ليزدادوا بذلك حبا لاولادهم و لايندفعوا عنه باهوائهم.

ففى الحديث

[ الوافي باب تاديب الولد و بره من كتاب النكاح، و كذا الاخبار الاتيه، و رواها في الوسائل في ابواب احكام الاولاد من كتاب النكاح.] عن الامام الصادق (عليه السلام) قال: ان الله تعالى ليرحم العبد لشده حبه لولده. و قال ايضا: قال رسول الله (صلى الله عليه

و آله و سلم): احبوا الصبيان و ارحموهم، واذا وعدتموهم شيئا ففوا لهم فانهم لايرون الا انكم ترزقونهم. و قال ايضا: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من قبل ولده كتب الله له حسنه، و من فرحه فرحه الله يوم القيامه، الى غير ذلك من النصوص الكثيره.

اضف الى ذلك ان الولد من نعم الله على عبده و مواهبه لديه بنص قوله تعالى: «يهب لمن يشاء اناثا و يهب لمن يشاء الذكور» و لازم شكره ان يحبهم لله تعالى، و لذلك كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) بحب كثيرا اولاده و احفاده الذكور والاناث، فكان يضمهم و يقبلهم و يحزن لمصابهم و يبكى لموتهم، كما ورد انه لما مات ابنه ابراهيم و هو ابن جاريته القبطيه، و كان له من العمر ثمانيه عشر شهرا حزن عليه شديدا و هملت عيناه بالدموع و قال: تدمع العين و يحزن القلب و لانقول ما يسخط الرب و انا بك يا ابراهيم لمحزونون.

لكن من المعلوم ان شانه (صلى الله عليه و آله) مع الزهراء و اولادهم كان اعظم من ذلك و اجل بحيث قد زاد عن الوصف والبيان بل يتعجب منه الانسان، كما دلت على ذلك نصوص كثيره خارجه عن الاحصاء في هذه الرساله.

فمنها: قوله (صلى الله عليه و آله): فاطمه بضعه منى فمن آذاها فقد آذانى، او فاطمه بضعه منى فمن اغضبها فقد اغضبنى، او فاطمه بضعه منى من سرها فقد سرنى و من سائها فقد سائنى. و نحو ذلك من التعبيرات

[ اورد جمله من الفاظ الحديث في البحار باب مناقبها و اوردها شيخنا الامينى (عليه الرحمه) في كتاب الغدير عن كتب العامه في الجزء 7.] المختلفه المتقاربه في المعنى، و في بعضها: فاطمه شجنه منى او مضغه منى،

فقد ثبت ذلك عنه (صلى الله عليه و آله) باسانيد مستفيضه من طرق الشيعه و السنه، كما ياتى تفصيله في هذا الباب في الفائده الثانيه.

و روى الصدوق (عليه الرحمه) في الامالى

[ في المجلس 24 و رواه عنه في البحار باب ما وقع عليها من الظلم.] باسناده عن ابن عباس عن النبى (صلى الله عليه و آله) قال في حديث، واما ابنتى فاطمه فانها سيده نساء العالمين من الاولين والاخرين، و هى بضعه منى، و هى نور عينى و ثمره فوادى، و هى روحى التى بين جنبى، و هى الحوراء الانسيه.

و روى ابن الصباغ المالكى في الفصول المهمه

[ رواه عن مجاهد و رواه ايضا في كشف الغمه عن كتاب اخبار فاطمه للصدوق و كتاب ابى اسحاق الثعلبى، و رواه في البحار عن كتاب المحتضر للحسن بن سليمان الحلى عن تفسير الثعلبى باسناده عن مجاهد.] انه خرج النبى (صلى الله عليه و آله) و هو آخذ بيد فاطمه، فقال: من عرف هذه فقد عرفها و من لم يعرفها فهى فاطمه بنت محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) و هى بضعه منى، و هى قلبى و روحى التى بين جنبى، فمن آذاها فقد آذانى، و من آذانى فقد آذى الله.

و في الخبر

[ رواه ابن شهر آشوب في مناقبه عن الامام الباقر والصادق (عليهماالسلام) و نحوه في كشف الغمه عن حذيفه والامام الصادق (عليه السلام) كما رواه في البحار في باب مناقبها عن مصباح الانوار عنهما، و في مقتل الخوارزمى في فصله الخامس باسناده عن حذيفه.] ان النبى (صلى الله عليه و آله) كان لا ينام حتى يقبل عرض وجه فاطمه و يضع وجهه بين ثدييها و يدعو لها. و كان (صلى الله عليه و آله)

[ رواه في البحار عن امالى الطوسى بالاسناد عن عائشه و نحوه في مستدرك الحاكم ج 3 ص 154 و 160 لكن المذكور فيه انها كانت اذا دخلت عليه قام اليها فقبلها و رحب بها الخ. قال الحاكم في كلا الموضعين: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرجاه، و اقربه الذهبى في تلخيصه، و رواه الترمذى في جامعه في باب ما جاء في فضل فاطمه، و ابو داود في سننه باب ما جاء في القيام من كتاب الادب، و رواه في ذخائر العقبى عن النسائى و ابى حاتم، و في فضائل الخمسه عن البخارى في الادب المفرد والاستيعاب و سنن البيهقى.] اذا دخلت عليه فاطمه رب بها و قبل يديها واجلسها في

مجلسه، فاذا دخل عليها قامت اليه فرحبت به و قبلت يديه. و اذا اراد سفرا

[ رواه الحسن بن الفضل الطبرسى في مكارم الاخلاق في آخر الباب الخامس منه عن زراره عن ابى جعفر الباقر (عليه السلام)، والحاكم في المستدرك ج 3 ص 156 عن عبدالله بن عمر بطريقين و زاد في احدهما انه قال النبى (صلى الله عليه و آله) لها: فداك ابى و امى، و رواه ابو داود في سننه في آخر كتاب الترجل، و ابن حنبل في مسنده ج 5 ص 275 باسنادهما عن ثوبان مولى رسول الله (صلى الله عليه و آله) و رواه في البحار في باب مناقبها و باب سيرها و مكارمها عن كشف الغمه و مناقب ابن شهر آشوب بطرق اهل السنه عن ثوبان و عبدالله بن عمر و ابى هريره و ابن عباس، و حكى فيه عن ابن شهر آشوب انه لو لم يكن لها عندالله فضل عظيم لم يكن رسول الله (صلى الله عليه و آله) يفعل معها ذلك اذ كانت هى ولده وقد امر الله تعالى بتعظيم الولد للولد فلايجوز ان يفعل هو ضد ما امر به امته عن الله تعالى.] كان آخر من يسلم عليه فاطمه، فيكون وجهه الى سفره من بيتها و اذا رجع بدا بها.

و روى

[ رواه في المستدرك ج 3 ص 155 باسناده عن ابى ثعلبه الخشنى قال الحاكم بعد روايته: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه، و رواه في مجمع الزوائد الجزء 8 ص 262 عن الطبرانى، و روى ابن شهر آشوب في مناقبه عن ابى ثعلبه الخشنى ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) اذا قدم من سفره يدخل على فاطمه، فدخل عليها فقامت اليه واعتنقته و قبلت بين عينيه، و لا يخفي ان ابا ثعلبه الخشنى صحابى معروف بكنيته و في اسمه اختلاف كثير.] ايضا انه اذا رجع من غزاه او سفر اتى المسجد فصلى فيه

ركعتين ثم ثنى بفاطمه (رضى الله عنها) ثم ياتى ازواجه، فلما رجع من سفر و خرج من المسجد تلقته فاطمه عند باب البيت تلثم فاه و عينيه و تبكى فقال لها: يا بنيه ما يبكيك؟ فقالت: يا رسول الله اراك شعثا نصبا قد اخلولقت ثيابك، فقال: لاتبكى فان الله (عز و جل) بعث اباك لامر لابيهقى على ظهر الارض بيت مدر و لاشعر الا ادخل الله به عزا او ذلا حتى يبلغ حيث بلغ الليل.

و روى الصدوق

[ رواه في الامالى في المجلس 73 عن احمد بن زياد بن جعفر الهمندانى عن على بن ابراهيم بن هاشم عن جعفر بن سلمه الاهوازى عن ابراهيم بن محمد الثقفي عن ابراهيم بن موسى ابن اخت الواقدى عن ابى قتاده الحرانى عن عبدالرحمن بن العلاء الحضرمى عن سعيد بن المسيب عن ابن عباس، و رواه في البحار عن الامالى في باب مناقبها.] (عليه الرحمه) باسناده عن ابن عباس ان النبى (صلى الله عليه و آله) كان جالسا ذات يوم و عنده على و فاطمه والحسن والحسين (عليهم السلام) فقال: اللهم انك تعلم ان هولاء اهل بيتى و اكرم الناس على، فاحبب من احبهم وابغض من ابغضهم ووال من والاهم و عاد من عاداهم و اعن من اعانهم واجعلهم مطهرين من كل رجس معصومين من كل ذنب وايدهم بروح القدس، الى ان قال: ثم التفت رسول الله (صلى الله عليه و آله) الى على فقال: ان فاطمه بضعه منى و هى نور عينى و ثمره فوادى يسوئنى ما سائها و يسرنى ما سرها، و انها اول من يلحقنى من اهل بيتى فاحسن اليها بعدى، و اما الحسن والحسين فهما ابناى و ريحانتاى و هما سيدا شباب اهل الجنه، فليكرما عليك كسمعك و بصرك، ثم رفع (صلى الله عليه و آله) يده الى السماء، فقال: اللهم انى اشهدك انى محب لمن احبهم و مبغض لمن ابغضهم و سلم لمن سالمهم و حرب لمن حاربهم و عدو لمن عاداهم و ولى لمن والاهم.

و روى ايضا

[ رواه في كتاب الفقيه في الباب الاول من ابواب الوصيه، و في باب النوادر من آخر الكتاب، و رواه ايضا في الامالى في المجلس 72.] باسناده عنه انه قال: قال النبى (صلى الله عليه و آله): ان عليا وصيى و خليفتى و زوجته فاطمه سيده نساء العالمين ابنتى والحسن والحسين سيدا شباب اهل الجنه ولداى، من والاهم فقد والانى، و من عاداهم فقد عادانى، و من ناواهم فقد ناوانى، و من جفاهم فقد جفانى، و من برهم فقد برنى، وصل الله من وصلهم، و قطع الله من قطعهم، و نصر الله من اعانهم، و خذل الله من خذلهم، اللهم من كان له من انبيائك و رسلك ثقل و اهل بيت فعلى و فاطمه والحسن والحسين اهل بيتى وثقلى فاذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا.

الى غير ذلك من النصوص الكثيره، و هى مبثوثه في ابواب احوالهم و فضائلهم من كتب الخاصه والعامه

[ كذخائر العقبى و ما اورده عنهم في كتاب فضائل الخمسه للعالم الجليل السيد مرتضى الفيروزآبادى اليزدى نجل المجتهد الكبير السيد محمد الفيروزآبادى صاحب التعليقه على العروه الوثقى فقد جمع في احاديث كثيره في فضائلهم من الصحاح السته و غيرها بدقه واتقان و تتبع كثير و ترتيب حسن.] لا سيما بحار الانوار في باب مناقب اهل الكساء من الجزء 37 و باب مناقب الزهراء و سيرها و مكارمها و تزويجها من الجزء 43 فمن راجعها وجدها فوق حد التواتر المعنوى، و انه لامجال للارتياب فيها.

و مما ورد في هذا الباب قول النبى (صلى الله عليه و آله) لعلى و فاطمه والحسن والحسين (عليهم السلام): انا سلم لمن سالمكم و حرب لمن حاربكم، فقد ورد ذلك عنه (صلى الله عليه و آله) بعده اسانيد من طرق الخاصه والعامه عن جماعه من الصحابه منهم على (عليه السلام) كما رواه

الصدوق (عليه الرحمه) في معانى الاخبار

[ في باب معانى اسماء محمد و على و فاطمه (عليهم السلام) و رواه عنه في البحار في باب مناقب اصحاب الكساء.] باسناده عن جعفر بن محمد عن ابيه عن جده (عليهم السلام) في حديث، و رواه الشيخ الطوسى (عليه الرحمه) في الامالى

[ ج 2 ص 126 طبعه النجف، و رواه عنه في البحار في كتاب الفتن باب اخبار الله تعالى نبيه و اخبار النبى (صلى الله عليه و آله) بما يجرى على اهل بيته.] باسناده عن عبدالله بن يحيى الحضرمى عن على (عليه السلام) في حديث آخر.

و منهم: عبدالله بن عباس، كما في الحديث المتقدم آنفا.

و منهم: زيد بن ارقم، كما رواه في البحار في مناقب اصحاب الكساء عن جماعه عنه، و رواه الترمذى في جامعه باب فضل فاطمه، والحاكم في المستدرك ج 3 ص 149 و ابن ماجه في مقدمه سننه في فضل الحسن والحسين (عليهماالسلام) لكن اللفظ المذكور في اكثر ذلك انا سلم لمن سالمتم و حرب لمن حاربتم و معناهما واحد.

و منهم: ابو هريره كما في مسند ابن حنبل ج 2 ص 442 و مستدرك الحاكم ج 3 ص 149.

و منهم: ابو سعيد الخدرى (رضى الله عنه) رواه السيوطى في الدر المنثور في تفسير آيه التطهير، فيما ياتى انشاء الله تعالى عند البحث عن تفسيرها حيث قال في آخره انا حرب لمن حاربتم انا سلم لمن سالمتم.

و منهم: جابر بن عبدالله النصارى، كما في كتاب الاختصاص المنسوب الى الشيخ المفيد (رحمه الله تعالى) فيما رواه باسناده عن ابى جعفر الباقر (عليه السلام) عن جابر في حديث فضل سلمان و ابى ذر والمقداد و عمار، و رواه في البحار عن الاختصاص في الباب المتقدم ذكره.

و منهم: ام سلمه (رضى الله عنها) كما في ذخائر العقبى في ضمن حديث الكساء، و نحوه في الصواعق في ذيل آيه التطهير من الباب الحادى عشر، فيستفاد من ذلك كله انه لا ريب في صحه الحديث واستفاضته، وانما العجب العجاب ممن يرى هذا الحديث من اهل السنه و معذلك يعتقد بعداله من حارب عليا (عليه السلام) من الصحابه، كطلحه والزبير و معاويه و ابن العاص، مع ان مقتضى التدبر في الحديث ان يعد محاربته كفرا، لانها بمقتضاه في حكم محاربه الرسول (صلى الله عليه و آله) و هى كفر صريح بلا اشكال، وقد ادى شيخنا المفيد في كتاب الافصاح حق المقام والتفصيل باقامه الدليل والرد على شبه المخالفين.

ثم لا يخفي ان هذا النحو من الحب الغزير والاكرام الكثير والصله المفرطه الخارجه عن اقتضاء الطبيعه البشريه ليس منشاها محض الولاده والقرابه الظاهريه، اذ ليس هذا موجبا لهذا الحد من العلاقه في متعارف الناس، و لانه كانت للنبى (صلى الله عليه و آله) بنات اخرى لم يظهر منه لواحده منهن ما ظهر منه لفاطمه، فلا محاله كان منشاها السنخيه الخاصه في خصائص الخلقه الروحيه والجسميه، و في الكمالات والفضائل المعنويه والاخلاقيه، كما تقدم في الباب الاول انه (صلى الله عليه و آله) كان يكثر تقبيلها حتى بعد تزويجها، و هذا امر خارج عن متعارف الناس، فلما انكرت عليه عائشه قال: لما اسرى بى الى السماء اكلت من ثمار الجنه فخلق الله منها فاطمه، فكلما اشتقت الى رائحه الجنه شممتها، كما تقدم في الباب الثانى ايضا كراماتها في الارواح: «ذلك فضل الله يوتيه من يشاء والله واسع عليم.»