مركز الدراسات الفاطمية
مركز الدراسات الفاطمية
الدعاء في فكر السيدة الزهراء(ع)بحث للأستاذ المساعد الدكتور خليل خلف بشير
+ = -

الحمد لله رب العالمين ،والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد ،وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وبعد : فهذا بحث يتناول شيئاً من تراث ابنة أعظم نبي ،وزوجة أول إمام وبطل ،وأم أينع برعمين في تاريخ الإمامة ،وسيدة نساء العالمين ،والوعاء الطاهر للسلالة الطاهرة ،والمنبت الطيب لعترة رسول الله – صلوات الله عليهم أجمعين – وقد اخترتُ أدعيتها المباركة Bلاسيما حينما وقعت يدي على كتاب الصحيفة الفاطمية لمؤلفها محمد تقي دخيل الذي كفانا شر التنقيب في المصادر التي ذكرت أدعية السيدة الزهراء (ع)فَرُحْتُ ممهداً لبحثي بتمهيد سميته ( الدعاء ودوره في تربية الإنسان ) ذكرتُ فيه معنى الدعاء لغة واصطلاحاً ثم عرجتُ على دور أهل البيت الدعاء في تهذيب الإنسان من خلال الدعاء ،وأهمية الدعاء في حياة الفرد والمجتمع ثم ولجتُ إلى الموضوع بحديث عن تراث السيدة فاطمة الزهراء والسمات الدلالية لأدعيتها المباركة على أنني بذلت جهدي ،وأعملت فكري لأضع هذا البحث بالمستوى المطلوب ( وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب – هود /88).

 الباحث

 التمهيد

الدعاء ودوره في تربية الإنسان

الدعاء في اللغة مشتق من مادة ( دعو ) فقد جاء في العين قول الخليل :(( دعا دُعاءً، وفلانٌ داعي قومٍ وداعية قومٍ: يدعو إلى بيعتهم دعوة. والجميعُ: دُعاةٌ))(1)، والدعاء : (( واحد الأدعية ، وأصله دعاؤ ، لأنه من دعوت إلا أن الواو لما جاءت بعد الألف همزت))(2). و(( دعوت الله أدعوه دعاء ” ابتهلت إليه بالسؤال ، ورغبت فيما عنده من الخبر. ويقال : ” دعا ” أي استغاث)) (3).

وفي الاصطلاح يعرّف بأنه (( تعبير بالغ الوضوح عن عرفان المؤمن بربه ،وبأسماء ربه الحسنى ،ووعي عميق بضعف البشر ،وإحساس شديد بأبعاد نقصه ،ومراكز ذله ،ومدى حاجته إلى التكامل والسمو )) (4)،والدعاء ممارسة عبادية لها حجمها الكبير في التشريع ،ولها شرائطها وآدابها وكيفياتها ،وهو العبادة التي قال الله عز وجل فيها (5):)وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ – غافر /60(.

يعدّ الدعاء وسيلة من وسائل الإسلام في تربية الإنسان يمثل علاجاً ناجحاً في شفاء الداعي من أمراض النفس ،ويكون حائلاً دون حدوث الكبت السلبي ولأضراره البالغة فهو يتيح للنفس الإنسانية أن تعبر عن مشاعرها الدفينة التي لا تستطيع أن تعبر عنها للناس لخشيتها من ردود فعلهم أحياناً ،ومن السقوط في أعينهم أحياناً أخرى فمن خلال الدعاء يُفسَح له المجال لتعبّر ما تشاء وما تحب إلى الرب الكريم الرؤوف الرحمن الرحيم الذي تأمنه وتطمئن إلى ستره وعطفه ومحبته وإحسانه ولطفه لاسيما وهو العالم بشأنها وحقيقتها في ظاهرها وباطنها حيث تخفى على الخلائق أجمعين(6) فعندما نشعر بأن الكون لا يحتوينا ،وبأن مساحات العالم ضائعة في نفوسنا تنطق خلجاتنا بأنّ هناك من سينتشلنا من الضياع ، ويشدنا إلى السماء بوساطة حبل ممدود بين العبد وربه يقترب باقتراب العبد من ربه ، ويبتعد بابتعاده عنه إنه الدعاء الذي يشكل مع الصلاة صنوان لا يفترقان، وهما من أهم الوسائل مفاتيح الاستجابة لذا يعد الدعاء من العبادات الأساسية والسامية لدى المسلمين ،ومن خلاله يكون الحوار متصلاً بين القلب وخالقه ،ولعل فطرة الله التي فطر الناس عليها هي التي تقودنا إلى الدعاء لأجل سكينة القلب ،وطمأنينة النفس ،وصفاء الروح فهو حبل الرجاء بل هو الأمان ،والرحمة ،والغفران ،وهو بمثابة العشق الإلهي عند مناجاة الخالق(7) لذا يكون للدعاء (( دور تربوي عميق على صعيد التطلع الروحي للإنسان وانفتاحه على الله سبحانه وتعالى بحيث يعيش الإنسان في أجواء المناجاة سر التوحيد الإلهي في حركة مشاعره الإنسانية ،وفي علاقة حاجاته وانفصالها عن غيره في عملية إيحاء داخلي بأن التوجه إلى غير الله في حاجاته…يمثل لوناً من ألوان الإثم الشعوري الذي يسيء إلى الاستقامة الروحية )) (8).ويمثل الدعاء جانباً مهماً من آداب العربية ،قد أغفل بعض الدارسين الإشارة إلى بلاغته على الرغم من أنه نثر فني رائع ،وأسلوب ناصع من أجناس الكلام المنثور ،ونمط بديع من أفانين التعبير ، وطريقة بارعة من أنواع البيان ،وسلك معجب من فنون الكلام(9).كما يمثل شكلاً أدبياً يقوم من حيث المظهر الخارجي على عنصر المحاورة الانفرادية إذ يتوجه الداعي بكلام مسموع إلى الله تعالى ،وأحياناً بكلام صامت ،ومن حيث المظهر الداخلي يقوم على عنصر وجداني يتصاعد به الداعي إلى أوج الانفعالات الصادرة عنه ،ومن حيث المضمون ينطوي على عنصري : الذاتية والموضوعية فالذاتية تتصل بالحاجات الفردية للداعي كطلب المغفرة،والشفاء من المرض وغيرهما ،والموضوعية تشمل كل ما هو غير ذاتي ،وهو نمطان(10) :

  • أ‌. عبادي : وهو ما يتصل بتمجيد الله تعالى .

  • ب‌. اجتماعي :وهو ما يتصل بحاجات الآخرين مثل طلب النصر على الأعداء،واستسقاء المطر ،والدعاء للآخرين ،وغير ذلك.

ويمكن تلمس عناصر الدعاء في أدعية السيدة الزهراء Bمن خلال العنصر الرئيس، وهو عنصر المحاورة الانفرادية بالآتي (11) :

  • 1- العنصر الإيقاعي : لما كان الدعاء شكلاً معدّاً للتلاوة فحريّ به أن يتسم بوجود عنصر إيقاعي متمثل بالتجنيس والسجع ونحوهما ؛ لذا نجد الأدعية مشحونة بالإيقاع بنحو لافت النظر فإذا ما استخدم الإيقاع بصورة صحيحة فإنه سيضفي جمالاً آخر يجمع بين جمال المعنى وجمال الإيقاع ،ولما كان الإيقاع من خصائص القرآن الكريم لذا فالخطاب الفاطمي يستمد معانيه وأساليبه من الخطاب القرآني ،وتتوقف قوة استخدام العنصر الإيقاعي على قدرة المتكلم على التلاعب بالحروف والكلمات.

  • 2- العنصر الصوري : ونظراً للوضوح والمباشرة والتقريرية التي تتضمنها طبيعة الحاجات المدعو بها فإن الدعاء لا يمنحه نفس الأهمية التي نجدها للإيقاع فالداعي يتقدم بحاجاته بلغة واضحة لا غموض ولا تعقيد ولا تعميق إلا في بعض الأدعية التي تتطلب عنصراً صورياً كالمناجاة التي تستلزم دخولاً إلى أغوار النفس في تشابك حالاتها المختلفة .

ويعد أسلوباً إنشائياً قائماً بذاته ،ويقترن بصيغتين بلاغيتين ها الأمر والنهي(12) كما ،ولا يخلو من الحث عليه كتاب إلهي ،فالقرآن الكريم رغّب في الدعاء كما في قوله تعالى )وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ- البقرة / 186( والدعاء هو الوسيلة بين العبد وخالقه ،واتصال من عالم الملك بعالم الملكوت ،وهو شعور باطني في الإنسان بالصلة والارتباط بعالم لا مبدأ له ولا نهاية ،ولا حد ولا غاية لسعة رحمته وقدرته وإحاطته بجميع ما سواه(13)،والدعاء لا يحول الضعف قوة فحسب بل يزيد القوة قوة ،ويمنح الخير بقاء وديمومة في بناء الحياة الفردية والاجتماعية ،وهو ليس وسيلة إلى تلبية الحاجات فحسب بل هو محبة تتجلى بخلو المحب بحبيبه فما لا يُدرَك بالمنطق والعلم يُدرَك بمحبة المحب للمحبوب(14).

والدعاء هو إقبال العبد على ربه ، والإقبال عليه روح العبادة ،والعبادة هي الغاية من خلق الإنسان(15)؛ لقوله تعالى ) ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ – الذاريات/56 ( ،ومن آثار الدعاء أنه يمحو حالات اليأس والقنوط والهجران والوحدة والغربة والاضطراب كما يخفف من وطأة كل ذلك ومن حدتها ،ويدعو إلى الهدوء والسكينة والطمأنينة التي يكتسبها الداعي مما يشعره بالسرور والغبطة والفرح والانقطاع إلى الله ،ويقوي إيمانه ويوثق صلته بالله تعالى(16).

ويبدو أن طائفة كبيرة من كتب الشيعة منها كتب الأدعية قد أقدم على إحراقها طغرل بيك ،وهو أوّل ملك من ملوك السلاجقة ورد بغداد سنة 447هـ ، وشنّ على الشيعة حملة شعواء ، وأمر بإحراق مكتبة الشيعة التي أنشأها وزير بهاء الدولة البويهي أبو نصر سابور بن أردشير ،وكانت هذه المكتبة يومذاك من دور العلم المهمة في بغداد، وقد نافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار بيد أنّ ما وصلنا من الأدعية بوساطة كتب اُستخرجتْ من الأصول قبل التحريق مثل كتاب الدعاء للشيخ الكليني (ت 329هـ )،وكامل الزيارات لابن قولويه (ت 368هـ ) ،وكتاب الدعاء والمزار للشيخ الصدوق (ت 381هـ) ، وكتاب المزار للشيخ المفيد (ت 413هـ )،وكتاب روضة العابدين للكراجي (ت 499هـ ) ، ومصباح المتهجد للشيخ الطوسي (ت 460هـ ) (17).

ولما كان أهل البيت (D) سادات المؤمنين وعنوان المتقين ومؤدبي البشرية ، وقد ارتضعوا من ثدي الرسالة ،ودرجوا في بيت الوحي والتنزيل والنبوة ومنهم نتعلّم الآداب والأخلاق والفضيلة  فقد اختطوا لنا منهجاً واضحاً وطريقاً لاحباً في أدب الدعاء والمناجاة ،وعلّمونا أسلوب التخاطب والتأدب في حضرته المقدسة(18).

ولعل غاية أهل البيت (D) من تلك المحاولة أن تجعل من الدعاء مدرسة تربط الإنسان بالحياة وتربط الحياة بالله مؤكدة المفهوم الإسلامي الذي لا يجعل من حياة الإنسان معنى مادياً بعيداً عن الروح بل يوجد تمازجاً حياً بين الروح والمادة في وحدة رائعة تنسجم مع اتصال الجانب الروحي بالجانب المادي في كيان الإنسان(19).

ولعل وفرة الأدعية في آثار أهل البيت تدل على مدى اضطهاد الأئمة (D) ، واستيائهم من تلك العصور ،ومن تلك الحكومات التي فسدتْ وأفسدتْ وضلتْ وأضلتْ ، وهذه الأدعية كانتْ ضمن تركة النائب الثاني للإمام المهدي الشيخ محمد بن عثمان(20)، وقد عني الأئمة من أهل البيت (D) بالدعاء عناية بالغة ، ذلك لما يترتب عليه من آثار تعود لصالح الداعي في الدنيا والآخرة ، فهو من أنجع الوسائل وأعمقها في تهذيب النفوس ، وهو مفتاح الرحمة ونجاح الحاجة ، ولا يدرك ما عند الله تعالى إلاّ بالدعاء والابتهال ،وهو من أحب الأعمال إلى الله تعالى ،وكذا مخ العبادة وجوهرها وأفضلها ،وهو سلاح الأنبياء والمؤمنين ،ومفتاح الرحمة والنجاح والجنان والفلاح، وعمود الدين ،وشفاء من كل داء ،ودافع للبلاء ،وراد للقضاء(21) قال تعالى  )قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم – الفرقان/77(، وقد حفلت كتب الدعاء الكثيرة بتراث غزير من أدعية أهل البيت D، التي تعدّ صفحة مشرقة من صفحات التراث الإنساني، وذخيرة فذّة من ذخائر المسلمين ، فهي من حيث الصياغة والبلاغة آية من آيات الأدب الرفيع ، ومن حيث المضمون فقد أودع الأئمة D في أدعيتهم خلاصة المعارف الدينية ، وهي من أرقى المناهل في الإلهيات والأخلاق ، وهي وسيلة لنشر تعاليم القرآن وآداب الإسلام وبيان أدقّ أسرار التوحيد والنبوة والمعاد وغيرها من المضامين التي يترتب عليها آثار واضحة في تعليم الناس روحية الدين والزهد والأخلاق،وقد تحول الدعاء إلى مدرسة كاملة لثقافة أهل البيت تدرس فيه العقائد ،والأخلاق والمفاهيم الإسلامية والاجتماعية والإنسانية ،والأدب العالي فضلاً عن التزكية والتربية العالية ،وقد أسس هذا الأسلوب أهل البيت (D) لاسيما أمير المؤمنين في أدعيته ومناجاته المشهورة ،وقد أفاد من هذا الأسلوب الإمام زين العابدين (g) في زبور آل محمد الموسوم ( الصحيفة السجادية ) فكان نتاجه واسعاً ومتميّزاً وتأثيره ودوره في المنهج الثقافي كبيراً فكان بحق أنجح الأساليب في معالجة التدهور الثقافي والأخلاقي في المجتمع الإسلامي فضلاً عن التغلب على الظروف السياسية الصعبة التي واجهها الإمام بعد استشهاد أبيه الحسين (g)(22)

على أن الأدعية المنقولة عن أهل البيت (D) تعد (( ودائع قيّمة ، وذخائر ثمينة ، ونفحات رحمانية اتخذوها وسيلة للتربية وسمو الروح إلى درجات عالية )) (23).

أن فكرة الدعاء لا تعني إلا الأسلوب الاتكالي الذي يلجأ الإنسان فيه إلى الله في أموره ومشاكله دون أن يتقدم خطوة عملية في محاولته الذاتية في السعي لحل مشاكله فليس من المفترض في الدعاء أن يتولى الله قضاء حاجات الإنسان بشكل مباشر مع قدرة الإنسان على مباشرة هذه الحاجات بنفسه وامتناعه عن الحركة منتظراً المعجزة السماوية ؛ لأن الدين لا يؤمن بالمعجزة في حياة الإنسان العامة ، وإنما يؤمن بقانون السببية الذي أودعه الله في الأشياء فجعل لكل شيء سبباً سواء في ذلك الحياة والموت والصحة والسقم والغنى والفقر والنصر والهزيمة والربح والخسارة … الخ ،ودعا الإنسان إلى الأخذ بهذه الأسباب والاعتماد عليه بعد استكمال ذلك كله(24) فليس صحيحاً أن نفهم الدعاء فهماً منفصلاً عن سنن الله تعالى ؛ لأنّ الله تعالى قد سنّ لعباده سنناً في الكون في شؤونهم وحياتهم فلا يصح أن يهملوا هذه السنن في شؤونهم وحياتهم فلا يصح أن يكتفي الفلاح عن حرث الأرض وسقيها وتشذيبها من الأعشاب الزائدة ومكافحة الأمراض النباتية من مزرعته بالدعاء ، ولا الدعاء وحده يغني عن الحرث والسقي والتشذيب فليس الدعاء بديلاً عن هذه السنن ، ولا يغني سلوك هذه السنن الإنسان عن الدعاء فكلاهما متلازمان فكما لا يكون الدعاء بديلاً عن العمل كذلك لا يكون العمل بديلاً عن الدعاء ؛ لأن مفاتيح هذا الكون بيد الله تعالى، والله يرزق عباده بالدعاء ما لا يقدرون عليه بالعمل ،ويوفق عباده بالدعاء للأسباب الطبيعية ما لا يقدرون عليه بالعمل ،وليس تمكين الله تعالى للإنسان من الأسباب الطبيعية للرزق أن يستغني الإنسان بالتعامل مع الأسباب الطبيعية من الدعاء والسؤال والطلب من الله تعالى فإن الله تعالى هو الباسط القابض ،المعطي المانع ،النافع الضار ، المحيي المهلك ، المعز المذل ، الرافع الواضع(25).

ويرى المشككون بالدعاء والجاهلون حقيقته وآثاره النفسية والاجتماعية بأنّ الدعاء عامل مخدّر ؛ لأنه يصرف الناس عن الفعالية والنشاط وتطوير الحياة ،ويرون أيضاً أنه تدخل في شؤون الله ،والله يفعل ما يريد ،ولعل هذه الرؤية التشكيكية نابعة من كونهم يجهلون الآثار التربوية والنفسية والاجتماعية للدعاء فالإنسان بحاجة إلى الملجأ الذي يلوذ به في الشدائد ،والدعاء يضيء نور الأمل في نفس الإنسان فمن يبتعد عن الدعاء يواجه صدمات عنيفة نفسية واجتماعية على أن الذين يصفون الدعاء بأنه تخديري لم يفهموا معنى الدعاء ؛ لأنّ الدعاء لا يعني ترك العلل والوسائل الطبيعية واللجوء بدلها إلى الدعاء ،وإنما المقصود أن نبذل غاية جهدنا في الاستفادة من الوسائل الموجودة ،وبعد اليأس منها نلجأ إلى الدعاء فتنشرح النفس الداعية وتنبسط ، وتُسرّ فضلاً عن زرع الثقة بالنفس ، والاستعداد للهداية ،واستقبال الحوادث بصدر رحب (26).لاسيما وأن (( أحسن الأدعية ما وصل إلينا من المعصومين الأربعة عشر ؛لأنهم أعرف الناس بالله وبأوصافه بل هم الطريق إلى معرفة الله ،ولولا أدعيتهم ومناجاتهم مع الرب ما عرفنا كيف ندعو ونسأل الله تبارك وتعالى …)) (27) فهذا إمامنا  الحسن المجتبى  gيروي حديثاً عن أمه الزهراء B تعلمنا فيه أصول الدعاء وكيف يكون الداعي حتى يستجيب له الله ويغفر له (( فإن من يُدخل المؤمنين وعباد الله في دعائه فإن الله يحبه ،لأنه تعالى يحب من يحب عباده )) (28) إذ يقول : (( رأيت أمي فاطمة Bقامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح ، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم ، ولا تدعو لنفسها بشيء ، فقلت لها : يا أماه لم لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك ؟ فقالت : يا بني ، الجار ثم الدار)) (29).

 تراث السيدة الزهراء B

على الرغم من أن الزهراء ( B) لم تعش سوى ثمانية عشر ربيعاً من حياتها إلا أنها خلفت تراثاً متنوعاً متمثلاً بأدعية ،وتسبيحات، وخطب ،وأشعار ،وقد جمع تراثها محمد تقي دخيل في كتابه الموسوم أدعية السيدة فاطمة الزهراء الصحيفة الفاطمية ،وضم أدعيتها الشاملة ،وديوان شعرها،وخطبها لذا يمكن القول : إن الزهراء كانت (( بمثابة جهاد لها وأسلوب لهداية الناس وإرشادهم وتعليمهم والسير بهم نحو مكارم الأخلاق ،ورضوان الله جلاله ورحماته )) (30) ،ولما كانت الزهراء مدرسة الإمامة وغرس النبوة فقد أوقفت حياتها الزوجية والفكرية والجسمية خدمة للرسالة وذوداً عن حياضها (31)،ولو عاشت أكثر مما عاشت وفُسح المجال أمامها لملأت الدنيا علماً وثقافة ومعرفة فما ،ولتركت للأمة الإسلامية أعظم ثروة فكرية وعلمية في شتى المواضيع والفنون ،وكان النبي (a) يخبرها عن المستقبل والخاص والعام (32).

السمات الدلالية في أدعية الزهراء (B)

1-   التكرار : توظف السيدة الزهراء (B) في كل مقطع من مقاطع بعض أدعيتها جملة تتكرر في بداية كل مقطع ،وهي جملة ( اللهم صل على محمد وآل محمد ) ،ويبدو أن هذه الجملة تحتل مساحة واسعة جداً من أدعية أهل البيت  (D) – ومن ذلك أدعية الزهراء  -B- وقد ورد في أحاديثهم(D) تركيز وتأكيد كبيران  على هذه الصلوات ،والسبب واضح هو أن الله تعالى يريد أن يجعل من الدعاء  (( وسيلة لارتباط المسلمين بأولياء أمورهم واعتصامهم بحبل الولاء الذي جعله الله عصمة للمسلمين ،والصلوات من أهم أسباب هذا الارتباط النفسي فإن حلقات الولاء ممتدة بين الله تعالى وعباده ،وولاء الرسول (m ) وأهل بيته (D) من أهم هذه الصفات )) (33) كما ورد في واحد من تعقيباتها ،وهو تعقيب صلاة الصبح فقد أكثرتْ من الصلوات ،ولعلها قد بدأت بها في كل مقطع من تعقيبها المذكور إذ تقول : (( اللهم صل على محمد وأهل بيته المباركين ،وصل على جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وحملة عرشك أجمعين والملائكة المقربين … اللهم صل على محمد وآل محمد ،وصل على ملك الموت وأعوانه ،وصل على رضوان وخزنة الجنان … اللهم صل على محمد وآل محمد ،وصل على أبينا آدم وأمنا حواء وما ولدا من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين …. اللهم صل على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد وارحم محمداً وآل محمد كأفضل ما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم إنك حميد مجيد … )) (34) ،وهكذا تستمر الصلوات بألفاظ مختلفة لتكون مفاتيح لاستجابة الدعاء  فقد أورد أمير المؤمنين g  أنه قَالَ:(( إِذَا كَانَتْ لَكَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ حَاجَةٌ فَابْدَأْ بِمَسْأَلَةِ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ (m) ثُمَّ سَلْ حَاجَتَكَ فَإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُسْأَلَ حَاجَتَيْنِ فَيَقْضِيَ إِحْدَاهُمَا وَيَمْنَعَ الْأُخْرَى))(35).

ومن التكرار تكرار مفردة ( اللهم ) في بداية أغلب مقاطع أدعيتها ولاسيما في أدعية الأيام إذ تعد هذه المفردة (( إعلاناً للتبعية ،وإيذاناً سرمدياً بالحاجة الملحة التي تتخذ من علاقة بين الله والإنسان بمثابة انطلاقة روحية تستفرغ جهداً في السلوك المستقيم ))(36) نحو قولها في دعاء يوم السبت (( اللهم افتح لنا خزائن رحمتك ،وهب لنا اللهم رحمة لا تعذبنا بعدها في الدنيا والآخرة … اللهم وسع علينا في الدنيا… ))(37)،وقولها في دعاء يوم الأحد : (( اللهم اجعل أول يومي هذا فلاحاً،وآخره نجاحاً ،وأوسطه صلاحاً ، اللهم صل على محمد وآل محمد واجعلنا ممن أناب إليك فقبلته …))(38) ،وقد يشكل هذا التكرار نقلة فنية من الذات إلى الموضوع هذا من جانب ،ومن جانب آخر يشكل أداة وصل وتلاحم بين الموضوعات(39) ،وقد تنوعت موضوعات أدعيتها بحسب المناسبة من ذلك دعاؤها عند دخول المسجد وعند الخروج منه، وأدعية الأيام ،ودعاؤها لقضاء الحوائج ، ولدفع الشدائد ،وللأمر العظيم ،وإذا طلع شهر رمضان، وعند النوم ،ولدفع الأرق ، وبعد فقد أبيها ،وتعقيبات الصلوات اليومية ، ولطلب المساعدة والمعونة ،وغير ذلك(40) .

وقد صنفتها الباحثة انتصار عدنان العواد إلى : تعقيبات الصلوات ،وأدعيتها في الأوقات ،وفي أيام الأسبوع ،وأدعيتها لنفسها ولغيرها،ودعائها على ظالميها ،وفي طلب الحوائج وكشف الهموم ،وللأمر العظيم وكشف الهم ،ولتفريج الهم والخلاص من السجن ،ولطلب مكارم الأخلاق ،ولطلب الشفاء ،وأدعيته عند النوم ، وأحرازها(41).

2-   السجع والتوازن : لعل من آداب الدعاء الابتداء بالمدح والتسبيح والحمد والشكر للخالق من ذلك قولها في تعقيب صلاة الظهر (( سبحان ذي العز الشامخ المنيف ،سبحان ذي الجلال الباذخ العظيم ، سبحان ذي الملك الفاخر العظيم ،سبحان من لبس البهجة والجمال ،سبحان من تردى بالنور والوقار … )) (42) ،وقولها (( الحمد لله رفيع الدرجات ، منزل الآيات ، واسع البركات ، ساتر العورات ، قابل الحسنات ، مقيل العثرات ، منفس الكربات ، منزل البركات ، مجيب الدعوات محيي الأموات ، إله من في الأرض والسموات ، الحمد لله على كل حمد وذكر وشكر وصبر وصلاة وزكاة وقيام وعبادة وسعادة وبركة… )) (43) ، ولا يخفى على القارئ السجع غير المتكلف في الصياغة الذي أتى على السليقة والبديهة ،وما يؤديه هذا السجع من إيقاع منتظم ، وهو سمة مميزة للدعاء،ولعل السر الفني وراء ذلك يكمن في طبيعة عنصر التلاوة التي يمتاز بها الدعاء عن غيره فالدعاء لا يُسمع ولا يُقرأ فحسب بل يُتلى فالتلاوة تتطلب إيقاعاً متناسباً مع وحداته الصوتية التي تنتظم في السجع أو التجانس اللفظي (44).

ويعد التسبيح لله تعالى والتحميد والتمجيد له أسلوباً من أساليب الإعداد والتحضير النفسي فمن خلال هذه التقديم يتهيأ الإنسان للإقبال مع الله ،والطلب والسؤال من الله (45)؛لأن حقيقة الدعاء في إقبال القلب على الله فإذا اشتغل القلب بغير الله من شواغل العاجلة لم يحقق حقيقة الدعاء(46).

3-   استعمالها المحسنات البديعية ،ومن تلك المحسنات الجناس ،وهو تماثل الكلمات لفظاً واختلافها معنى (( وهو من الحلي اللفظية والألوان البديعية التي لها تأثير بليغ ، تجذب السامع ،وتحدث في نفسه ميلاً إلى الإصغاء والتلذذ بنغمته العذبة… )) (47)، والجناس على أنواع ،والناظر في أدعية السيدة الزهراء  -B-  يجدها تكثر من جناس الاشتقاق – الذي يعني اشتراك لفظتين على جهة الاشتقاق –  لبعث الأمن والطمأنينة في نفس الداعي حينما يكون في رحاب المدعو الرحمن الرحيم ، الغفور الودود كما ورد ذلك في  تعقيب صلاة العشاء في قولها (( اللهم إني عائذ بك فأعذني ،ومستغيث بك فأغثني ،وداعيك فأجبني ،ومستغفرك فاغفر لي، ومستنصرك فانصرني ومستهديك فاهدني ،ومستكفيك فاكفني وملتج إليك فآوني ،ومتمسك بحبلك فاعصمني … اللهم اكفني حسد الحاسدين ،وبغي الباغين ،وكيد الكائدين ،ومكر الماكرين ،وحيلة المحتالين ،وغيلة المغتالين ،وظلم الظالمين، وجور الجائرين ،واعتداء المعتدين ،وسخط المتسخطين ،وتسحب المتسحبين ،وصولة الصائلين ،واقتسار المقتسرين ،وغشم الغاشمين ،وخبط الخابطين ،وسعاية الساعين ،ونمامة النمامين ،وسحر السحرة والمردة والشياطين …)) (48).

4-   تأثرها بالبلاغة القرآنية والأشكال الفنية القرآنية التي حكاها الله تعالى في كتابه المجيد على ألسنة الصالحين من الأنبياء والملائكة المقربين والعباد المؤمنين إذ نجد تضمينها أدعية قرآنية  كما في قولها في تعقيب صلاة العشاء  (( ربنا عليك توكلنا ،وإليك أنبنا ،وإليك المصير ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا،واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم (49)  وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً إِنَّهَا سَاءتْ مُس

maram host